(١٣)
أين لنستقبلهم؟ ومن لنستسقيهم؟
رجال
قبلة وعيون
حديث الجمعة
٦ جمادى الآخرة ١٣٨٠ هـ - ٢٥ نوفمبر ١٩٦٠ م
إلى من هو معنا… والذي فيه يفرقنا وبه يجمعنا. إليه معنا نتوجه، وقبلته فينا نسـتقبل، وبه روحنـا نؤمن، وفيه قيامنا نقوم، وعليه بنا نتوكل، وبه حقنا نسـتعين.
لا وجود لغيره. ولا سـلطان لسـواه. ولا موجود غيره. ولا سـلطان إلا سـلطانه… كتب على نفسـه الرحمـة، وكتب لنفسـه ومن به الغلبة، وأعلم لنفسـه السـلطان، وبشَّـر من آمـن به ووحَّـده بأزليته وعزتـه {أعطى كل شـيء خلقه ثم هـدى}[١]، {قـدَّر فهـدى}[٢].
تعثر الناس في عصر رسـول السـلام ومن قبله ممن به بشـروا، حتى أقالـهم ربه به من عثرتهم وأقامهم من كبوتهم فأسـلموا لرسـوله ربـا لهم فأعطاهم كفلين من رحمته، من خير الدنيا ومن خير الدين. فسـاروا في طريقهم خطوات ما طالت، ونهجوا السـبيل فترة ما دامت، وحيـاتهم فيه ما أدركوها فقامت، وحجة الله على أنفسـهم بأيديهم أقاموها فدانت، وما لبثوا إلا قليلا حتى التوت نفوسـهم فاعوج سـلوكهم، وخفيت مصابيح الحق أمام نواظرهم، فحق القول عليهم فعادوا إلى هوتهم، ونمت وتكاثرت غفلتهم، ظلمة بعد ظلمة، وعثرة بعد عثرة، وكبوة بعد كبـوة، حتى عاد الإسـلام غريبا كما بدأ. وجدد المسـلمون جاهليتهم، وتمادوا فيما كان عليه آباؤهم. اتخذوا الكتـاب ما مسـهم ولا لمسـوه، وتمسـكوا بمحمد لفظا تلوكه ألسـنتهم ما قامهم وما أدركوه.
حار العقلاء منهم في علة ما انتابهم وانتاب جمعهم فأفسـد أمرهم، وفرق وحدتهم، وفَرطَ سـلطانهم. وما زال العلماء من بينهم في حيرة من أمر جمعهم. وما زالت أحوالـهم في برزخ السـماء أو في حيـاة الروح على ما كانت في حيـاة الأرض. بعثوا على ما كانوا عليه من وعي وفهم وحيرة، وما زالوا في حيرتهم، وما زالوا متعثرين في كبوتهم.
توالدوا وتناسـلوا… انتشـروا وبعثوا من روح عودا لشـهادة على حال جمودهم وخمولهم. فبعثوا بكتبهم في أيمانهم وشـمائلهم على ما هم عليه في مخرجهم عادوا فعادوا إلى ما نُهوا عنه - إلا من رحم وما أقلهم - لا في مصاحبة اسـتيقظوا، ولا بآية في أنفسـهم أو في الآفـاق اتعظوا، ولا لعود بتواجد في الأرض تنبهوا… إنهم يسـيرون في ناموس تواجدهم وقد جهلوا أو تجاهلوا في رسـولهم الناموس، وقد أشـهدوا في كتابه كتاب الناموس… فما في أنفسـهم لكتـاب أقاموا، ولا بامتداد نور رسـولهم في أنفسـهم لأنفسـهم اسـتعدوا وتهيأوا فقاموا. فبعثت أرواح الصادقين من الكتابيين والفطريين في أمته مؤمنة سـعيدة في الأرض بطلعته.
إن رسـالة الرسـل - وليس محمد بدعـا منهم وإن كان ببيته لهم جمـاع - وكتب الله مع رسـله - وليس كتابه معه بدعـا بين هذه الكتب وإن كان كتـاب صدره لحكمتها جماع - إنما هو أمـر يقوم ويقـر في الصـدور إذا اسـتعدت له العقول. تحيا به النفس، ويتواجد مبعوثا به القلب، ويُشـرق به العقل، فيتحول من عاقل ومعقول إلى وعي يقوم، يقود نفس الجوارح بحركاتها، ويقود قلب القالب لقيوم حقه، ويقود الجوارح لحي صفاتها باسـتقامتها، ويقود الذات إلى أطوارها في خلقها وخلقتها، تغيب عن حال ومثال لتبعث في حال ومثال، فتتطور النفس في قيامها ومعنـاها بلا غيبة عنها، وبلا فقـدان لإناء أناها… تتكاثر في نفسـها، وتتواجد بنفسـها، وتتبعض بفرقها بقدرتها على فَرق نفسـها، وتتجمع بوحدانيتها لها بما أودع الله فيها من قدرته على التواجد بأحديته في ظاهر من أمره بها.
إن هذا ما جـاء به رسـول الله محمد عليه الصلوات، وما حمله كتـاب الله معه بقرآنه جماع آيـات. أقرأه ما أقرأه، وأنسـاه ما أنسـاه، وأماته وبعثه، وأفنـاه وجدده، أعدمه وخلقه، أزَّله وأبَّده فأحياه وعبَّده، وبالحيـاة سـرمده، وبالحيـاة في النفوس قبره، ومن مقابر النفوس بالحيـاة نشـره فبالحيـاة خلَّقه، وبالحيـاة رفعه، وبالحيـاة في الناس كثَّره وجدده، وبالحيـاة في جماع الجنس وعده… رحمة للعالمين وقياما للسـاجدين وحقا للعابدين.
إن الحق البسـيط في أن يعرف الخلق شـيئيته ويميز كينونته، فيـؤمن أنه بشـيئيته إلى دوام فكائن أو إلى عـدم ففان. إن وصفه بالشـيء لا يعطيـه صفة الـدوام، ولا يضمن له دوام الكينونـة، ولكنـه وهو شـيء فليشـأ ما يشـاء، وليكن ما يريـد. إن الشـيء من المشـيئة وهو جهـاز عملها.
إن الله {أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}[٣]، {فمن شـاء فليؤمن ومن شـاء فليكفـر}[٤]، فإن شـاء الشـيء خلق نفسـه، فليخلق نفسـه بأمـانة الحق الخالق معه وسـيجد ما عمل حـاضرا… وإن لم يشـأ خلق نفسـه بأمانة وجوده باسـم ربه، فقد خسـر الدنيا والآخرة… قـد ضيـع الفرصة… قد فقد حـظ الحيـاة في مجال نشـأتها. لقد قصف قلم القدرة فيه وحطم ألواح القضاء له… إنه ضيع كتابه… إنه نسـي إيابه… إنه غاب عن الحي القيوم فيه - أقرب إليه من حبل الوريد… لقد ظلم نفسـه.
إن هذا الحق البسـيط من أن الكائن البشـري بالوصف الإنسـاني إنما هو كائن في حدود وجوده، مختار في حدود إدراكه، مقدر في حدود طاقته، ومحاسـب على فعله بسـعته في حدوده، وهو في الوقت نفسـه أمام حقيقته من ضميره ومن إدراكه ومن وعيه. إنه هو الحسـيب على نفسـه، وهو الرقيب على فعله، وهو القيوم على حيـاته. إنه يسـطر كتاب نفسـه في قابل حيـاته كما سـطر في سـابق بعمله كتاب نفسـه فيما يدرك اليوم من حيـاته. (كل ميسر لما خلق له)[٥]، لقد خرج من تدبير الغريزة إلى تدبير الوعي. لقد خرج من الشـيئية إلى المشـيئة.
إنه شـيء يأمل أن يكون كائنـا وأن تكون له في الله كينـونة… يأمل أن يكون له بكينونته في هذا الكون كونا أو في هذا الوجود وجودا بكينونة لا تقبل العدم، وتتقبل للمزيد لتقوم بالحرية خالصة لا شـريك له عليها… يطلب الانطلاق في الموجود الحر المنطلق في قانون التطور، نامية نفسـه نموا غير مجذوذ بعطاء غير ممنون. إن الله لا يظلم الناس أشـياءهم، ولا العوالم حقهم، ولا الوجود حريته، وما هو لهم بظلام، ولكن كانوا أنفسـهم يظلمون. إن الله معهم على ما يريـدون، معيتهم على ما يسـتعينون، موجـدهم على ما يتواجدون، مصاحبهم في أي طريق يسـيرون… إنه معهم إذ يصعدون، وإنه معهم إذ يهوون، وإنه معهم إذ يَنتشـرون، وإنه لهم على ما يطلبون ويحبون.
إن الله معهم… وليس فيهم ولكنهم فيه. وإن لم يكن فيهم فليس فيهم غيره. إن الذي هو فيهم منه إنما هو ربهم منهم به… {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة}[٦]، فإن قامت لك به في كينونتك علاقة فقد عرفت فالزم الدرب، وسـر في الصلة، واسـتزد من الحيـاة، فسـتزداد به بنفسـك صِلة لتسـتقيم إلى قبلتك فيك صَـلاتك، وسـوف تسـتزيد في توثقها به صلاتك، {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول}[٧]. لا تصارح. لا تماري. لا تبح. لا تكتم. لا تتبذل في سـفور، بل دون الجهر من القول… تحدث بإشـارة ولا تنطق بعبـارة، ولا تكن من الغافلين… فإن لمحة من لمحات الغفلة تدخلك في الـهاوين وتقطعك عن المتصلين.
اُذكر ربك في نفسـك، وما ربك في نفسـك إلا المثل الأعلى علما عليه ووجها له أحيـا فأبقى، ممن ارتضيت، وإليه تعارفت، يُعرف لك فيك بمدخلك فيه.
إن المثل الأعلى لله في السـموات والأرض ليس إلا عبدا لله. وإن قيومية الناس على الناس بالله ليسـت إلا لرسـل منهم وعبـاد من بينهم، يؤمنون بهم قوادا لهم، وهداة لمسـارهم وسُـراهم في سـيرهم، مفاتيح لكنوز قلوبهم، ومصابيح لظلام نفوسـهم. إنهم أحياء الصراط والعلم للمنشـود من الحي القيوم المميت بالقطيعة، المحيي بالصلة، الذي هو معهم بعباده من حقائقه من هم غيبهم ومرجو معناهم، من هم وجوه رب شـهادتهم وإلـه غيبهم، شـهيدهم ومشـاهدهم.
إن السـاري مع قائده إلى الله - والله معهما: يسـمع ويرى ويتولى - يكوِّنون كيانا واحدا أو كائنا واحدا هو عبد الله. هو إنسـان الله. هو الكائن الحي القابل لدوام الحيـاة. الخارج من الشـيئية. الناجي من الفناء، بخروجه من شـيئيته إلى قيام كينونته بمشـيئة ربه.
إن الله ورسـوله يقومان على كل نفس طلبت الله، وآمنت برسـل الله، ولم تفرق بينها وبين ما يقوم عليها من الله، ولكنها تؤمن بحقيها في قيـامها فيما يقوم عليها من الله، مُنزهة في حقيتها ما يقوم عليها من الحق عن الانحصار فيها والتقيد في قيود وجودها ومعانيها. فما يقوم عليها من الحق إنما هو كلها وليس فيها غيره مما سـواه… ولكنها وإن كانت كلها منـه فليسـت هي كلـه لها. إنه أكبـر من قيامها، وأوسـع من رحـابها، وأطلق من حريتها - مهما تحررت -. فإذا ما أدركت ووحـدت وتأملت فإنه بكليتها أقيـد من قيـودها، وأصـغر من صغرها، وأسـكن من سـكونها، وأضعف من ضعفها في قيـامها فيها، وفيما يقـوم بها. إنه كل صغير وكبير لها. إنه فيها بها يفرقها وبه يجمعها. فإن فرقها فشـتتها، فأشـهدها فعرفت وأدركت، فاسـتيقظت من منامها، وبعثت من موتها، ونشـطت في قيامها، وانتشـرت بحقها في أبعاضها، عرفت معناها في وحدتها وأشـتاتها من معناه، ومبناها من مبناه، وقيامها من قيامه، علما عليه ووجها له يشـهد، ووجها له لنفسـها تشـهد. خرجت من كل من عليها فان وبقيت بالجلال والإكرام في {ويبقى وجه ربك}[٨]. أليس هو من ورائهم محيط؟ أليس هو أقرب إليهم من حبل الوريد؟ أليس هو معهم أينما كانوا؟ إنهم قد كسـبوه فصاروا له وجوه، ما هي إلا وجه الرسـول، هو الذي فيهم يراه حين يقوم وتقلبه في السـاجدين تكاثره وخلوده. صاروا له وجوه عنت لوجهه الجامع لهم، الأكبر من أكبرهم. {وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما}[٩].
إن العبودية والربوبية وصفان للكينونة الإنسـانية تجمعهما وتفرقهما، وتتجلى بهما وتتجلى بأحدهما. إن من كان لعبد لله عبدا كان لنفسـه ربا، ومن كان لنفسـه ربا كان لربه حبيبا وخلا، ومن كان لربه حبيبا وخلا كان للرفيق الأعلى عبدا ووجها، ومن كان للرفيق الأعلى عبـدا ووجها كان لله اسـما وذكرا. فما عبودية العبد - إن قامت - إلا وجه الربوبية لعبد هو الرفيق الأعلى… الله يجمعهما، لا يتخذ بعضهما بعضا ربا من دونه.
إن العبدان… إن الخليلان… إن الحبيبان… إن المتوحدان كلاهما لأخيه عبد، وكلاهما لأخيه رب، وكلاهما لأخيه عين، فلا عبد ولا رب ولا رب ولا عبد، ولكنها إذ يعملان في الناس ويعملان للناس ولخدمة الناس ولهدي الناس، مرضاة منهما بثالث هو هما وجوها له، هو رب الناس ملك الناس إلـه الناس، رفيقا أعلى لهما، ورفيقا أدنى للناس منهما، فيه يجتمعان وبه يعمـلان، وفيه يقومان وبقيـامه يقدران ويخدمان. {وخلقناكم أزواجا}[١٠].
إنه ثالثهما ووحدتهما. به يكتمل عقدهما، وبهم يكتمل عقده في حقه وحقهما. إنهما عبدان وثالثهما عبـاد للرحمن، وأمينهم من عالم الحيوان آدمهم. إنهم بوحـدانيتهم في الله مدركا في روعهم لذواتهم ومعانيهم، في فرقهم وجمعهم، في وحـدتهم وتعددهم يدركونه ويقومونه، يؤمنون به ويسـتعينونه. يُعلمون عنه ويعلِّمونه.
إنهم المعلمون، المتعلمون، إنهم الحقائق المتكاثرون، إنهم العلماء المبتدئون وفي بدئهم لا ينتهون، إنهم الموحدون الذين هم في توحيدهم لا يتوقفون، إنهم المــُقربون الذين هم عن إدراك البعد لا ينقطعون، إنهم الحكماء، إنهم الأغنياء الفقراء، إنهم الأتقياء الشـفعاء، إنهم الحقائـق إنهم جمـاع الخـلائق، إنهم العباد للإطـلاق، إنهم الأرباب للتقييد… إنهم الآلـهة الأقراب… إنهم حقائق الله… إنهم أقبـاس نـور الله… إنهم وجـوه الله.
إن أشـرف أسـمائهم وأحب أوصافهم وأوضح معانيهم عباد الله… يدبون على الأرض كما يمشـون على السـموات، لا يعرفون الأرض إلا سماء ولا يعرفون السـماء إلا أرضا… يجتمعون ويتعاونون… لا تفرقهم الأماكن - وإن تباعدت -، ولا تفرقهم السـموات ولا الأرض على ما بينهما، ولا تفرقهم الأزمان على امتدادها دهورا وآبادا وآزالا… سـقطت من أوصافهم بينهم الأسـماء والأوطان واللغات. إنهم أهل الرشـاد. إنهم من عبَّدوا أنفسـهم وذواتهم، ومعانيهم، وحقائقهم، وعقولهم، ووعيهم، وسـكونهم، وفعلهم لله. عبدوا كل ما هو لهم من الله لله. ذُكر في بيوتهم الله، ظهر بهم الله فكانوا عبادا لله.
إن العبودية لله مع رسـول الله هي قضيـة الإنسـان الكبرى. إن طلب العبودية لله إنما هو طلب حقائق الله في النـاس، لنفسـها بالناس. إن حقائق الله في النـاس وهي تقوم بأبعاض كليـاتها، إنما تنشـد العبودية للنـاس نفسـا كبيـرة لها لتقـوم في الله بكليـاتها عبـادا لله.
إن الله بحقائقه في الناس من أقباس نوره بصفاته، إنما يطلب نفسـه لنفسـه بطلب الأبعاض لكليـاتها… بطلب الحقائق لجامعها وجماعها في معـراج لا نهـاية له، ولا جز له، ولا انقطاع له، ولا بدايـة له.
هذا جاء به رسـول الله. هذا جاء به محمد. هذا جاء به من عرفنـاه بمحمد وعَرَّفناه برسـول الله. وما هو في الحق إلا عبد الله… عبد الله الذي اعتز به ربـه فأضـافه إلى نفسـه عبدا له. {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له [لعبده] عوجا}[١١]، وجعله دينا {قيما}، وجعله كتـابا جامعا لصحائفه من الناس. جعله أم كتاب عنده لكتب الشـهداء على الناس، يأخذونها بأيمانهم ويقولون للناس رسـلا من الحقيقة هاؤُم اقرأوا كتابي.
إن الذي جاء به عبد الله محمد هو ما غفل عنه قوم محمد وما زالوا عنه غافلين… إن دين محمد قـام على ربوبية لله في النفس. وقام على أسـاس من عبـودية مدركة في الشـيء بوصف الخلق. ما سـوَّف حقا وما حجب ربا… بل دينا ظاهرا منبلجا واضحا قيما. وما أيأس أحدا فقد فتح للكافة باب رحمته، وباب معرفته، وباب مغفرته، وباب تجـاوزه عن زلة التائب المذنب مهما ثقل حمله، وباب مَنِّه وفضله وكرمه وجوده.
إذا لم تعرف حقائق الدين في يومك فسـتصطدم بها في غدك. إن حقائق الدين ليسـت مؤجلة من يومك إلى غدك، ولكن حقائق الدين منجزة لك في سـاعتك وفي حينك وفي حاضرك وفي قيـامك. فإن عجـزت عن إدراكها فلا تيأس، ولكن لطلبها فاعمل واسـعَ واجتهد وأجهد نفسـك فالمطلب ثمين. فإن لم تعرفها في يومك فسـتعرفها في غـدك بلا تصـادم معها. فإذا كانت لك في غـدك فهذا ليس من عيبها أنها لم تكن لك في يومك. فإذا كانت لك في غـدك فليس معنى هذا أنها ما كانت ميسـرة لك في يومك. إنها عند غيرك في يومه وهو عين معنـاك. اطلبها صادقا تجدها عندك. إن لم تجدها عندك في يومك وانتظرتها في غدك فإنك لم تبحث عمن رآها في يومه، أو من كسـبها في يومه، أو من وجدها في يومه، وهو وجه الرحمن لك.
هو {الرحمن فاسأل به خبيرا}[١٢]. إن الخبير إنما هم عباد الرحمن الذين يمشـون على الأرض هونا، والذين لا يمنعون عن صـادق أو كاذب إجابة إذا ما سـألـهم أو طلبهم. إنهم لا يقولون إلا حقا. ولا ينطقون إلا صوابا. ولا يلهمون إلا يقينا. ولا يسـيرون إلا في مسـتقيم طريق. إن الطريق يقوم عليهم حوضـا لك تسـتقيه، وعلما على هامتك تعليه ترعاه وتسـتهديه. إنهم مصابيح حيـاتك الدنيا. إنهم بحار حيـاتك الدانية. إذا لم تعرفهم في يومك فليس لك معهم نصيب في غدك. وما حيـاة غدك ويومك إلا في الارتباط بهم حيـاة. إن القسـم منهم عطـاء من ربك. إنهم صيارف الله للنـاس يقسـمون على ما أراد الله لا على ما أرادت نفوسـهم، ولا على ما طمعت واشـرأبت إليه نفوس النـاس، (الله معطي وأنا قاسم)[١٣]. هذا ما يقول إمامهم… وهذا هو الدين.
إن العبودية لله أسـاس الدين، وأسـاس الوجود، وأسـاس الحيـاة، وأسـاس الحق من الله. ليس عبـدا من لا رب له. وليس ربا من لا عبد له. إن الله من وراء الرب ومن وراء العبد هو المحيط. إن الله في العبد رب العالمين. وإن الله في الرب حقية عبد النـاس. وإن الله فيهما بالإنسـان تنـزه عن العبودية وعن الربوبية بقيـامهما في الإنسـان وجها له، وحقاً منه، وعلما عليه، واسـما لإطلاقه وغيبه ولانهائيته.
إن الإنسـان إذا سـار في مجال العبودية يفقد وصفه وإن حرص على اسـمه إلى معناه… أنه وجه الله. ولكنه في حرصه على معاني العبودية يصبح له وصف أعلى في علميته على الله أعلى مقاما وقياما، لأنه في معراج عبوديته لله يصبح وجها للغيب وللإطلاق لوجوه لله شـهداء على الناس هو عليهم شـهيد.
إن إدراك الإحاطة من الله من وراء كل كائن محيط هي أمر مدرك عند الخل مع خليله، وهي مدركة عند المؤمن مع المؤمن. فالمؤمن مـرآة المؤمن، والمؤمن مرآة أخيه، والله من ورائهما محيط. الله من ورائهما المؤمن المشـاهَد. والله من ورائهما المؤمن المشـاهِد، خليلان في الله… حبيبان في الله… وجهان لله.
إن الله لا يتعدد في معناه ولكن الله يتعدد في وجوهه ومظاهره وتجلياته. إن الله متعدد في مظاهره بتعدد الناس وتعدد الكائنـات. وإن الله متوحد في وحدانية الناس والكائنات والأكـوان. ما توحد اثنـان في الله إلا كان الله ثالثهما ووحدتهما، وما توحـد الناس فيه متواصين بالحق متواصين بالصبر مجاهدين صادقين، إلا كان الله وحدانيتهم وجماعهم، وكان فيهم بوحدته وبجماعه، وكانوا جميعا وجوها له وكلمات منه… وجه يشـهد وجـوها، ووجوه تشـهد وجها، ووجوه تشـهد وجوها، ووجه يشـهد وجها.
في هذه الصور جميعا يقوم الحق في وحدته إذا ما تجمع الناس على ذكره فتوحدوا به فقام حقهم. إن الله متعدد متوحد. إن الله في تعدده متعال متكبر متكاثر متداني متصاعد متخلق متواجـد متجلي متحاسـب متجاهل. ولكنه يجعل في حال الفرق فيه الجزء منه نواة لجمع جديد به، وخلق جديد متخلق منه، {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم}[١٤] لسـان حالهم، ولسـان وجودهم، وقيام كينونتهم، وانبلاج شـموس نفوسـهم يعبر بذلك.
إن الله ما ظهر في شـيء مثل ظهوره في الإنسـان. والناس على أرضكم بداية شـجرة الإنسـان، فيها يعمل أبناء الإنسـان، وعليها يتواجد كمال الإنسـان، ومنها يبدأ وجود الإنسـان. فآدم الابتـداء من أرضكم وآدم الانتهـاء يبعث بمعناه على أرضكم. وآدم في مسـراه إلى غايته من مبتداه لنهايته إلى إنسـان يتواجـد بكلمـات الله، وبعلوم الله على أرضكم. لا تفـرقوا بين أحد من رسـله. واعلموا أن الله لا يتسـع للتعريف به فرد إنسـان، ولا يتسـع للتعريف عنه عنـوان من زمان، لا ولا جمـاع من إنسـان أو جماع من أزمان. ولكن الحقائق منه تأتي الإنسـانية كما تأتي البشـرية قطرات من بعد قطرات وتتفجر لها منها عيون من بعد عيون في السـموات والأرض، فتتنزل من الأعلى سـحبا ممطرة، أو تنشـق من الأدنى عيونا مبصرة… دواليك في أزمان لا تنقضي. تشـرئب ذوات عيون الأرض إلى السـماء بيوتا فترفع، وتتواضع سـحب السـماء إلى الأرض حيـاة فتولج، فتتوحد أشـتات الإنسـان حقا متواجدا ما بين الغيب والعيان.
فالإنسـان شـهادة غيبها إنسـان. والإنسـان غيب شـهادته إنسـان… فالإنسـان هو الرحمن بعبـاد الرحمن، وعباد الرحمن هم الإنسـان للرحمن ظاهـر لباطن، وباطن لظاهر، لا فرق بينهما ولا تعدد لهما.
جاء محمد الأرض بكمال معاني العبودية لله لمن قبله في كمال بدئها به لا في كمال انتـهائها له. فإنها في كمالاتها تسـير إلى لا انتهاء لأنها تطلب إلـها لا نهاية له، وتطلب ربا مدانيا لا غيب له، ولا شـريك له. إن الـرب في النفـس لا يغيب قـائم على كل نفس، وأقرب إليها من حبل الوريـد، ومعها أينما كانت. كما أن الإلـه مع النفس لا يظهر… فهو في السـماء إلـه وهو في الأرض إلـه له غيب السـموات والأرض، من وراء الكل محيط، وأينما ولى وجهه ما رأى إلا وجهه. فغيب السـموات عليها إنما هو ما في الأرض من الحق، وغيب الأرض عنها إنما هو ما في السـموات من الحـق، ولله غيب السـموات ولله غيب الأرض، والله من ورائهما محيط…
فالسـموات تطلب الغيب في الأرض، والأرض تطلب الغيب في السـماء. وكـلاهما يطلب الله لـه غيبـا عنـه، وهذا هو معنـى وهو في السـماء إلـه وهو في الأرض إلـه. إن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه. وبذلك يسـتقيم الـحاضر لنفسـه بالعبودية لمنشـوده معه من الربوبية في عقيدته بعظمة الألوهية.
هذا عن الإنسـان في حقيته… ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب. أما عنه في خلقيته فقل أعوذ برب الناس ملك الناس إلـه الناس. لا غيب له ما تواجد النـاس فهو في مشـاهدة الناس لمعاني الحق معهم من الله فيهم هم فيه مظاهر الحق عليهم بهم قائمة، هي أقـرب إليهم من حبل الوريد، فلا غيب له وهو القائم على كل نفس بما كسـبت. فلا غيب له إذ يوحي إليهم كما يوحي إلى النحل. لا غيب له وقد تخللهم لطيفه فربوبيتهم عنهم لا تغيب، ولو غـابت لفارقتهم الحيـاة. إنهم ظاهر ربهم. وربهم هو غيب أنفسـهم… غيب ظاهرهم.
إن الله بوصفه إلـه من اسـمه هو غيب دائما ولا شـهود له، ولكن الله لا غيب له. هو القائم القيوم لا إلـه إلا هو الحي. ال لا هو من اسـمه الظـاهر هو ظاهر الغيب. لا تأخذه سـنة ولا نوم. فرباط الظاهر بعينية الرب القيوم كشـفا للغطاء، ورباط الرب بربه الذي هو للظاهر إلـه من ربه. هذا الرب من معاني الخلق بوصف العبد.
بهذا جاء رسـول الله وعلى هذا يقوم دين رسـول الله. فإذا أدركنا ذلك لدين محمد ودين رسـول الله معه أو رسـول الله فيه، فجـددنا في الله عقائدنا، وأقمنا في الله قيـامنا، وحـددنا في الله طريقنا، وسـلكنا في الله معارجنا، وحددنا في الله غايتنا من يومنا وغدنا… إن فعلنا ذلك: اسـتقامت أحوالنا، وتكشـفت لنا عيوب أنفسـنا وعيوب مجتمعنا فنبدأ بأنفسـنا ثم بمن نعول، لا نتكلم ولا نقول حتى يسـتقيم معنا قيـامنا. فإن اسـتقام فينا القيـام فهيأ الله بنا قلبا حيـا، وقوم الله بنا من أحيا قلبه وأقام كان لنا خير الدنيا وما فيها. فبالاسـتقامة على ذلك يسـتقيم الدين. وبتجمع رجلين على ذلك في مجتمعنا يكون للناس من قوم محمد أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله. لا يغيبون الله ولا يسـوفونه. ولا يغيبون الجزاء ولا العقاب ولا يسـوفونه. ولا يغيبون الحسـاب والقيامة ولا يسـوفونها. إن القيامة في قيامهم والحسـاب في محاسـبتهم لأنفسـهم، وإن الجنة ما تجني أيديهم وعقولهم ونفوسـهم من الحيـاة. وإن النـار هي ما يحرمون أنفسـهم منه من ذلك فهي الحرمان، فالنار مبرزة لهم، والنار مبرزة غراما وجهلا للغاوين.
نسـأل الله أن يقوِّم فيه سـبيلنا وقيامنا، وأن يقوم علينا برحمته وفضله، وأن يعافينا من إقامة عدله وحسـابه وجزائه ومحيط مراقبته، وأن يتغاضى عن أخطائنا، وأن ينظر إلى أعمالنا نظرته لمن أحب لا نظرته لمن أبغض. نسـألـه أن ينزل السـكينة على قلوبنا، والسـلم والسـلام على أرضنـا، وأن يأخذ بيدنا، وأن يهدي الظالمين والضالين منا حتى يخرجهم من ضلالتهم إلى رحمته. لا إلـه غيره ولا معبود سـواه.
أضواء على الطريق
(نحن جميعا خدم الروح الأعظم… أنتم وأنا وهؤلاء الذين يعملون معنا. ويجب أن ننجح لأننا نسـعى لإنقاذ الإنسـان من نفسـه. ولقد أسـيء فهمنا وكثيرا ما كان أصدقاؤنا هم أعداؤنا الألـداء. ولكن بفهم قوانين الروح العظيم سـوف يتمكن سـكان العالم المادي مما أراده لهم. إنه لعمل جبار انكببنا عليه جميعا. إنه عروة مقدسـة تربطنا معا وتجعلنا روحا واحدة لنا هدف واحد ورغبة واحدة.
إن كل معرفة ذات قيمة. إني أكافح لأنقل إليكم كل ما أعرفه كيما تنهلوا مما أوتيته لأجلـكم، ففي الإعطـاء فقـط يمكنني أن أخدم. فلا تقفوا عند أي درجة من سـلم التقدم. إن رسـالتنا الدائمة هي أنكم تعيشـون الآن في عالم الروح. وما العالم المـادي إلا انعكاسـا واحدا للحيـاة الأبدية).
عن السـيد الروح المرشـد سـلفربرش
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة طه - ٥٠ ↩︎
سورة الأعلى - ٣ ↩︎
سورة طه - ٥٠ ↩︎
سورة الكهف - ٢٩ ↩︎
حديث شريف: "ما مِنكُم مِن نَفْسٍ إلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، فَلِمَ نَعْمَلُ؟ أَفلا نَتَّكِلُ؟ قالَ: لَا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بالحُسْنَى}، إلى قَوْلِهِ {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} {الليل: ٥ – ١٠}. الراوي: الإمام علي بن أبي طالب. صحيح مسلم ↩︎
سورة الأعراف - ٢٠٥ ↩︎
سورة الأعراف - ٢٠٥ ↩︎
سورة الرحمن - ٢٧ ↩︎
سورة طه - ١١١ ↩︎
سورة النبأ - ٨ ↩︎
سورة الكهف - ١ ↩︎
سورة الفرقان - ٥٩ ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “أنا أبو القاسم، الله يعطي، وأنا أقسم”. أخرجه البخاري. ↩︎
سورة الأعراف - ١٧٢ ↩︎