(٨)
الحياة والطريق في الوحدة
والعدم والهاوية في الفرقة
حديث الجمعة
١٩ ربيع الآخر ١٣٨١ هـ - ٢٩ سبتمبر ١٩٦١ م
باسـم الله، وبرسـول الله، نعمل وبهما نسـتعين.
وفي كتـاب الله نقرأ، ومن كلماته نتعلم، ومن وقوعها في أحداثها نشـعر ونتألم… يرينا آياته في الآفاق ويرينا آياته في أنفسـنا، ويهدينا في أعماقنا للنظر والتأمل… فإذا نظرنانا فماذا ننظر وماذا نعمل وكيف نفكـر؟
إننا في أمر أنفسـنا وفي تدبير أمرنا وفي توجيه عقولنا ننقض بيد ما أقمنـا بأخـرى، نبني بيد ونهدم بالأخرى، في غفلة عن هدينا وعن توجيهنا بمن هو علينا قائم. فإذا اسـتيقظت نفوسـنا مـرة أخـرى تغلبت يد البناء فامتدت إلى يد الهدم فأسـكتتها، إلى يد الإتلاف فقومتها، وامتـدت إلى ما نقضت وهدمت فجمعته وشـادته وأقامته… وهكذا دواليك تتبادل منا الأيدي السـلطان على تمثيل معنانا، وإقامة بيوتنا بأيدينا، وهدم بيوتنا بأيدينا، وجمع بيوتنا وتجديـدها بأيدينا، دواليك… ما اسـتيقظنا إلى أن الحيـاة في الوحدة والتجمع فتوحدنا وتجمعنا، فإذا قامت معانينا في وحـدتها وشـعرنا بالغناء بها بدأ انحدارنا. فالإنسـان بطبيعته زاهد فيما ملك، راغب في تغيير ما امتلك، ولأننا لا ندرك أننا كلما تجمعنا في وحـدة فما زالت حاجتنا إلى التجمع باقية في وحدة أكبر وأكبر وأكبـر، وهذا ما يجب أن ندركه دائما. فما شـعرنا بافتقارنا إلى التجمع بقيت عوامل ودوافع البنـاء والإقـامة قائمة لنا، وقائمة بنا، وقائمة فينا. {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم}[١].
أما إذا استغنينا بما نحن عليه من جمعنا فإن الإنسـان بطبيعته طاغ إذا اسـتغنى… إذا رآه استغني لا يبقى أمامه إلا طريق الطغيان لأن الإنسـان بأصل نشـأته وخلقته لا يعرف الانتهاء ولا يعرف التوقف.
إن الله في الأحداث التي تمـر بنـا ومن حولنـا، والتي تمـر فينـا يقرئنا حقائقه في الوجـود، وحقائقه في أنفسـنا. فمن تقبل أن يقـرأ واسـتجاب لأمـره {اقـرأ}[٢] قرأ ولم يكن يقرأ. ومن لم يسـتجب لأمره {اقـرأ} لا يقـرأ وإن حمل أسـفارا على ظهره وعلى كتفيه مما يُكتب ليقـرأ، ولكنه كدواب الأرض التي خلقت لتحمل أثقالكم من بلد إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشـق الأنفس. إنه يحمل أسـفار المحـابر والمطابع والمصانع من ورق لا يسـاوي بماديته شـيئا فيصبـح ورقا ناطقا… ولكن الذي يحمل المعـاني ليس هو الذي يحمل صور الذوات والمباني. إن الذي يحمل المعاني هو العقل والعقل الأمين، والعقل الكـريم، الذي ليس هو بما علم بضنين على من أراد أن يتعلم.
إن الذي يقرأ ما أقـرأه الله في غنى عن أسـفار المكاتب وعن معلمي المنابر. إن منبر الحيـاة منبعث بصوت الله لمن يسـمع، مرئي بوجـه الله لمن يشـهد. إن الذي أعطـى كل شيء خلقـه، أعطى فعـلا كل شيء خلقه وما قصـر. إنه في قوانين فطرته، الناس فيه سـواسـية وإن اختلفت موالدهم في المادة، أو اختلفت موالـدهم في الحقيقة. وإن اختلفت نهايـاتهم في المادة ونهاياتهم إلى عوالمهم من الحقيقة، إلا أن قانون الفطرة يجمعهم، وإحاطة الله تشـهدهم، وأحـديته ترعاهم، وأحـديته تظهرهم… لا تَقصر يده عن بعيد ولا يستعصي على يده قديم أو جديد، صغير أو كبير. إن يده كتابه لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. إن كتابـه عبـده يتسـع لما لم تتسـع له السـموات والأرض.
إن الله يشـهدنا كما أشـهد آباءنا، وكما سيشـهد وسـوف يشـهد أبناءنا وأحفادنا وأحفادهم… آياته في أنفسـنا أو في أنفسـهم وفي الآفاق، ثابتة لا تتغير، ظاهـرة لا تتبدل إلا في نفوسـنا وفي إدراكنا عنها وعرفاننا بها… إنها الطبيعة بوحـدتها ومجتمعاتها، وإنها الحقيقة على ما لها من صدى في أنفسـنا وانطباعات في عقولنـا. إنها الخلق وإنها الحق ما فرضناها بخلق أو قمناها وتوحدناها بحق.
إن الكون ثابت متبدل، ثابت ما ثبتنا فيه بحيـاة متصلة لا تنقطع، متبدل ما تبدلنا فيه وفي معارج أنفسـنا وفي مجالاتنا وفي صورنا وفي معانينا وفي إدراكنـا ومدركاتنا… بين عاقلنا ومعقولنا وقائم عقلنا من أنفسـنا.
إن الدين وهو العلم عن الحيـاة هو الحقيقة الجامعة والقائمة بالخليقة. إن الإنسـان في خلقيته لا يعرف ربـه إلا بوصفه. وإن الإنسـان في حقيته لا يقـوم وجه ربه إلا بوصفه. فالـرب لك حق ما كنت بعبوديتـك حق. فإن كنت بعبوديتك خلقا فما لك رب إلا من خلق. إن كنت تؤمن أنـك مخلوق فابحث عنه مخلوقا من أنفسـكم، {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله}[٣]. ولكنكم بعبوديتكم وربوبيتكم خلق لخلق ووجه لوجه. الحق من ورائكم محيط والله معكم، عبادا كنتم أو أربابا صرتم.
فإذا رأيت للعبودية معاني الحق، فتجرد من الخلق بأربابه وعبيده إلى الحق في حضرته بحقه وملئه، فانشـد الحق في ملئه عبدا لله. ولن تكون عبدا للحق في ملئه ما لم تتجرد من ماديات ذاتك، وماديات إحاطتك، وماديات عقلك، وماديات وجـودك، وماديات تأملك ملبيا نداء الحق غير متثاقل لأرضك من أرض ذاتك، أو من أرض إقلالك، أو من أرض سـموات مشـهدك.
إذا رأيت العبودية للحق حقا متجـردا من عوالم الوجود المادي مما أنت ومما تشـهد ومما تنتظر ومما تقـدر وتسـتنتج، فاعلم أن العبودية الحقية لربوبيتها الحقية لا فرق بينهما ولا تعدد لهما. واعلم أن العبودية للحق إن توفرت ووجدت وإن طريقها سـلكت، فالكون بظاهره وما فيه عند قدمي هذه العبـودية. إن سـموات الوجود تحت نعال هذه العبـودية، إن كل من في السـموات والأرض إلا آتي هذه العبـودية، مجيئـا للرحمن أو إتيانا للرحمن أو سـعيا إلى الرحمن.
إن العبودية الحقية لربوبيتها الحقية من الله، إنما هي الخِلَّة… فالمحبة بين كائنين من الحقيقة رفيق ورفيقه الأعلى… كلاهما للمطلق، كلاهما للموجود المطلق عبد إطـلاقه. لقد اسـتمهل محمد في مرتقاه ومعراجه حتى يصلي ربه لربه ثنـاء عليه وحمدا له وشـكرا لفضله أن جعل له من نفسـه عبـدا، فكملـت له معاني المعرفة عن الربوبية، لا بل كملت له معاني المعرفة عن العبـودية لربه حتى يقرأه ويعرفه ويتخلق بأخلاقه فيدركه فيما أحـاط به من العلم عن أمـر نفسـه. أحب أن يُعرف فعُرف وقد خلق الخلق، ولا وجـود لهم فيه مع وجـوده، ولا تعدد لهم فيه مع وحدته، فيه عرفوه في معرفتهم عنهم فعرف.
إن رب محمد وقف بين يدي ربه مصليا مناجيا مسـتقبلا قبلة السـماء في معاني السـمو عن معنـاه من قدس ذاته إلى الأقدس… مصليا لربـه مدركا لمعنـاه فيما أحـاط به فيه من معنـاه علما على من عناه.
إن رسـالة الإسـلام ورسـالة محمد في الحقيقة عبدا أزليا لله، مظهر آحاده وجماع واحدياته، وقديم تواجده لظهوره، وجديد قديمه لرسـالته، وحقية قائمه لطالبه، ومظهر معبوده، ووجه وجوده، وطلعة شـهوده، ويد رحمته، وحوض منته، وسـاحة فضله، ومائدة كرمه، وسـفن ركبه، هي ما يعطيـه الدين لمؤمن أسـلم له موجودا وأصبح لقلبه مشـهودا ولحسـه موجودا.
إن محمدا بحقيقته قديم في قدم موجوده، باق في بقاء وجوده، متجدد متكاثـر بمعنـاه للنـاس الذين يسـمعون القول فيتبعون أحسـنه فيدركون أنه لهم معناهم، وأنه لهم من ربهم عطاهم، يكبرونه وربَّهم فيه يشـهدونه، فيقومهم في أنفسـهم ويتقلبون إليه بالسـجود به لربه عين معناه، أمته بحقيته أمة يتعدد أفرادها شـهداء على الناس، ويتوحد في الله وجودها، ويتحد في الله شـهودها، وتسـتقيم في الله عقيدتها، وتقوم بالله في محنتها وفي يسـرها وسـعادتها… تصبـر إن ابتليت ولا تفجر إن أعطيت.
أين نحن من معنـانا - أمة محمد -؟ أين نحن من مجلانا في مبـنانا -خير أمة أخرجت للنـاس -؟ أين نحن من موضعنا في معامـلاتنا للأمم -أمة وسـطا - تشـهد الله وتؤمن به فيمن خلت نفوسـهم من الأمم، فيمـا خلى من الإنسـان من كل ما سـواه، وتؤمـن بأن الله ظهر بالإنسـان قديما، وأن الله يُعد الإنسـان أن يظهر بـه له في قابل حتى يمتد له في الله رجـاؤه، وأن الله يظهر في الإنسـان في حاضر مختفيا فيه في مفرداته، ومختفيا بوجهه بين مثاله ولداته ضمانا لرحمته، وابتعادا بفتنته، وتعميما لنعمته؟ (أخفى الله الولي في الخلق)[٤] وإن ظهر في وحدة جماعه بقدسـه. {والله من ورائهم محيط}[٥] على دوام وفي كل مكان، وعلى أية حـال (لا شرف لعربي على أعجمي إلا بالتقـوى)[٦]، الله معهم أينما كانـوا، الله بالغ فيهم أمـره، ولكن الإنسـان خلق في عجل… لا يتواصى بحق فيه ولا يتواصى بصبر عن عجلته من بلوغ الحق فيه.
إن الله أقـرب إلى الإنسـان من حبل الوريد فأين يطلبه؟ وكيف يطلبـه؟ ومتى يطلبـه؟ هل يطلبه بعيدا عنه! هل يطلبه عند غيـره! هل يطلبه في سـمواته أو في أعماق أرضه! هل يطلبه في الهياكل من ذوات الناس! هل يطلبه في المقابر من برازخ الناس؟ هل يطلبه في المناسـك من غرفة مقامة بيده، بوصف بيت الله!!! أو مدينة لإنسـان بوصف مدينة مقدسـة لله؟ أين يطلبه من حيث مكانيته؟ ومتى يطلبـه من حيث زمانيته؟ أيطلبه في شـيخوخته! أيطلبه في طفولته! أيطلبه في فتوته! أيطلبـه فيما قبل وجوده مدركا له! أيطلبـه فيما بعد وجوده معلوما له؟ متى يطلبه ولا زمان له في زمانيته من خلقه.
وعلى أي كيف يطلبه؟ أيقتل نفسـه منتحرا بيده وقد أمره الرسـول أن يموت قبل أن يموت بيانا لأمره تعالى أن اقتلوا أنفسـكم ليتوب عليكم؟ أبخمول كامل عن حيـاة قيامه في مقبرة يدفن نفسـه فيها حيـا، وقد أمره الرسـول أن يعيش في الدنيا غريبا وأن يعد نفسـه من الموتى ليكون مؤمنا؟ أيرتفع فوق قمم الجبـال العالية ليدانيه فيطلبه؟ يتطلع إلى إله هارون وموسـى من فوق سرح الطبيعة أو سـرح إنشـائه، وقد جعل الرسـول السـماء قبلة الدعاء؟
ما هي وسـيلة طلبه؟ إن الديانات ومؤسسـي الديانات، وإن الحكمة ومؤسسـي الحكمة، وإن الفلسـفة ورجال الفلسـفة، وإن العلم وعمد العلم ومنـابر العلم ما تجول لهم فكر إلا ليجيبوا على هذا التسـاؤل.
جمعهم محمد رسـوله وعبده وطلعته ووجهه في صفات معناه على إحيـاء لكل صفاته، لا فقـد ولا جفوة مع صفة منها. تخلق بأخلاق الله في عديـد حيواته فكان جماعها، وطلب ذات الله فكان بذاته قدسـها واجتماعها، وقدر الله حق قدره فكان روح قدسـه للأقدس من ذاتـه فكان علما على الأقدس من ذات ربه في قدس ذاته، فكان مظهر الروح قدسـه من الأعظم للروح الأعظم للذات الأقدس للرفيق الأعلى من وجـه ربـه ذي المعارج حتى إلى إدراكه لا يدرك، مطلقا في وجوده وجودا مطلقا لا يحاط ولا يوصف ولا يتصف. هو فيه عبده المجهول أناه عليه، بجهل نفسـه.
إن الذي وصفه محمد بربه هو وجه لمنشـوده ومعبوده. والذي عرفه الروح الأعظم من مطلقه في معتقده ما كان إلا خلته في الله والرفيق الأعلى من الله في معراج من الرقي لا يتوقف ولا يجـز. وبذلك صرف محمد لفـظ الله الذي ينصرف إليه في حقه كما ينصرف إلى رفيقـه الأعلى في خلته وفي حبه… صرفه إلى المطلق عنهما. فما وصف به رفيقه الأعلى، ولا وصف به نفسـه، ولكنه قصد به المقدر عنده من الإطلاق لا يدرك، ومن الوجود المطلق لا يوصف، مشـيرا إلى أن معبوده بتقديره لا يظهر ولا يعرف في شـيء مثل ظهوره ومعرفته بالإنسـان، مشـيرا إلى كمال معناه والرفيق الأعلى من معاني الإنسـان.
ولما كان القدس في الإنسـان - وقد رآه بلطيف الله فيه - وجها لله عنده، قال إني روح هذا القدس من النـاس، (أنا روح القدس)[٧]، وهو ما عنى بما عناه بروح قدس الله مشـيرا لمعناه إلا أنه روح هذه الذات المقدسـة التي يشـهدها من الجنس البشـري شـجرة جديدة قديمة، جذورها ممتدة في الأرض وفروعها تمتد متصاعدة في السـماء… اسـتظل بها في مظهره من المـادة ثم مضى… مضى إلى فروعها في السـماء من الرفيق الأعلى، ومضي إلى جذورها في الأرض حيـا في قبره، لم يمت بذاته ولم يحتجب بصفاته. تتصاعد في السـماء صفاته وتمتد في جذور الأرض ذاته، ويتكاثر في السماء الدنيا لها من الناس لداته، حتى لا يبقى محروم منه. حتى إذا كانت قيامته انقطع كل نسب وحسب وسبب وصهر إلا نسبه وحسـبه وسـببه وصهـره. النـاس أقربهم إليه منـازل في القيامة أحاسـنهم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يؤلفون ويألفون. لا شـرف فيه لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. رسـولا للناس كافة. روح قدس الله في ذات الله من أنفسـكم عبـادا لله من ورائكم محيـط. كل من عليها فان من وضعه من نبات الأرض، وهو عليها باق بوصفه وجها من وجوه الرب. يبقى منهم وجه ربك. تبقى أنت ومن صارك وجهي. تبقى أنت الناس جميعا. تبقى أنت إنسـان الله وعبد الله وآدم الله ونفس الله توفاها الله فأمسكتها يد الله، الأرض جميعا قبضته وأنت يده، والسـموات مطويات بيمينه وأنت عضده.
هذا هو محمد الذي تلوك ألسـنتنا اسـمه ولا نعرف له اسـما ولا نتصـور له وصفا، اللهم إلا مقبـرة نذهب إليها نقيده بين جدرانها حيـا إن قدرناه. لا بل نـراه بين جدرانها ترابا جثة هامدة إن حللناه. لا نراه في أنفسـنا يبعث ولا نؤمنه في أنفسـنا يمتـد فالله هو الذي به فينـا يسـجد إن سجدنا. ولا نـراه أولى بنا من أنفسـنا، ولا نـرى أزواجـه أمهاتنـا، ولا نرانا أمنـاء له، ولا نـرى الأرض بيتا لله، ولا نرانـا في بيته أو في مسـجده الأرض زويت له، ولا نـراه أبـا لنـا يجمعنا دمـا ولحما بقديم أوادمه، ولا نراه روحـا بكلمات ربه يقومها جديد أوادمه، ولا ننشـد فيه أبوتنـا كانت غائبة فيدانينا بيتا موضوعا، وبعثا مشـهودا، وحشـرا مبدؤا، وقيامة مشـهرة، فما أدركنا فيه أبـوة كانت مجهولة فعرفناها وعرفتنا، وكانت مقطوعة محجوبة فوصلنـاها فوصلتنا، فكانت في معرفتنا لها معـرفة الله لنا، وفي وصلتنـا بها، وصلتنـا بالله في أنفسـنا.
هذا هو الدين وهذا هو الإيمـان. هذا هو الدين إذا ذكرناه وهذا هو الإيمـان إذا قمناه، وهذا هو الطريق إذا سـلكناه أو سـعينا إليه وسـرنا فيه، وهذا هو مآلنا ويقيننا إذا رأينا أننا في سـبيل تحقيقه نعمل فكنا في الطـريق. فإذا لم نرى وسـيلة إليه أو كنا بعيدين عن تحقيقه فلنعـرف أننا بعيـدون عن الطـريق، وبالتـالي بعيدون عن الإيمـان. وإذا كنـا بعيدين عن الإيمـان فنحن في شـك من أمـرنا في الإسـلام. فالإسـلام له نتيجة حتمية هي الإيمـان. إن الإسـلام من فعلنـا إن صدقنا. وإن صبرنا كان الإيمـان من حقنا وهو من فعل الله. (إن في أيام دهركم لنفحات فتعرضوا لها)[٨]، {والذين جـاهدوا فينا لنهدينهم سـبلنا}[٩]. فإذا قلنا إنا المسـلمين فلنعرض إسـلامنا على قواعد هذا الدين، كم بقينا وكم كنـا مسـلمين، هل أنتـج الإسـلام عندنا شـيئا؟ الذين قالـوا ربنـا الله، وهذا هو أول الإسـلام، أنتج هذا عندهم شـيئا أنهم اسـتقاموا، ولو أنهم اسـتقاموا على الطريقة لسـقيناهم مـاء غدقا، ولو أنهم اسـتقاموا واسـتقاموا لتنزلت عليهم الملائكة، بل الروح الأمين من عوالم الأمـر. إنه لا ييأس من روح الله إلا القـوم الكافـرون.
هذه هي مقاييس الديـن للمتدين، والبشـرى للمستبشـر، والطريق للسـالك، ومصابيـح المعرفة للمهتدي. جاء بها محمد متجددة في وحـدة من دين، وفي عداد من عتـرة فيما عرفناه عن معناه يتكاثـر، وبعتـرته يتواجد، وبكتابه يتجدد عند قارئه لا يمسـه إلا قلبه يتطهر فيشـرق منه في قلبـه نـورا على نور، ويقـوم به أمـرا من أمـر يتجدد به أمـر الديـن.
فالكتاب لا وجود له بعيدا عن عترته، والعترة لا وجود لهم بعيدا عن كتـابه. إن الشـريعة والحقيقة في رسـالة محمد دعامتان لا تفترق إحداهما عن الأخرى وإلا نفرت كل منهما عن الأخـرى. إن أبـوة محمد للدعامتين تقول – كما قال رجل لبنيه – كونوا جميعا يا بني إذا اعترى خطب ولا تفرقـوا آحـادا، إن العصي إذا اجتمعن أبيت تكسـرا وإذا افترقن تكسـرت آحـادا.
فهذا هو أمر المسـلمين، وهذا هو أمر هذه الأمة، بل هو أمر هذه البشـرية جميعا. إن الذي نقول يمس شـعوب الأرض جميعا في حركتها وتطورها كتـابية أو في كتـاب الإسـلام، كما يمس الشـعوب الغربية وطوائفها في الشـعب الواحـد أو في الدولة الواحـدة.
إننا إذا ما تذكـرنا أن الله في الوحدة والمحبـة اسـتقام أمرنا، وأننا إذا ما نسـينا أن الله ليس في التفرق اختل أمرنا.
هذه هي حكمة الله وإرادة الله… هدانا الله وإياكم سـواء السـبيل.
اللهم اهدنـا سـواء السـبيل. اللهم ألف فيك قلوبنـا. وزكي برحمتك نفوسـنا، وأنـر بفضلك عقولنا، وابعث بحكمتك بالحيـاة قلوبنا. وارحمنـا برحمتك وألف بين قلوبنـا وبين جمعنا ووثق وحدتنا فيك، وأعلِ كلمة الحق بك في أنفسـنا وفي قومنا. واغفـر لنا ولهم وتب علينا وعليهم، وعاملنا وإياهم برحمتك، وعافنا وإياهم من عدلك وغضبتك. اللهم أنزل السـلم والسـلام على نفوسـنا وعلى أرضنا، وولِ اللهم أمورنا خيارنا، ولا تولِ
أمورنا شـرارنا بما كسـبنا، وأيقظ اللهم عقولنا وقلوبنا… حكاما ومحكومين… روادا ومرودين، لا إلـه غيرك ولا معبود سـواك، الرحمة منك والمـآل إليك.
أضواء على الطريق
“إذا كانت الكلمات القليلة التي أقولها فيها خدمة لكم فإنها يجب أن تعين كل واحد منكم على الانتشـار في الأرض ليخدم أطفال المـادة مثلما أحـاول أنا خدمتكم. إن نقل المعرفة التي تملكونها هو مسـئوليتكم أنتم، وأنا أعلم أن ذلك هو القانـون”. من كلمات السـيد الـروح المرشـد سـلفربرش
(فليعلم الحاضر منكم الغائب[١٠]، ورُب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)[١١]، حديث للرسـول عقب به على حديث طويل هدى وحذر به.
{فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض}[١٢] من تمت له الصلة حمل البلاغ.
من هدي القرآن.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة التوبة - ٢٥ ↩︎
سورة العلق - ١ ↩︎
سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎
مقولة للإمام عليّ (عليه السلام): إن الله أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته، فلا تستصغرن شيئا من طاعته، فربما وافق رضاه وأنت لا تعلم. وأخفى سخطه في معصيته، فلا تستصغرن شيئا من معصيته، فربما وافق سخطه معصيته وأنت لا تعلم. وأخفى إجابته في دعوته، فلا تستصغرن شيئا من دعائه، فربما وافق إجابته وأنت لا تعلم. وأخفى وليه في عباده، فلا تستصغرن عبدا من عبيد الله، فربما يكون وليه وأنت لا تعلم… بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎
سورة البروج - ٢٠ ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى.”. أخرجه أحمد بن حنبل. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها”، رواه الطبراني في “الكبير” وذكره الغزالي في الإحياء. ↩︎
سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “إِنَّي أُحَدِّثُكمُ الحديثَ، فلْيُحَدِّثِ الحاضرُ منكمُ الغائِبَ.” المحدث: الألباني. المصدر: صحيح الجامع. كذلك جاء في الصَّحيحَيْنِ: “فلْيُبلِّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ، فرُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعى مِن سامِعٍ” ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “نضَّرَ اللَّهُ امرأً سمِعَ مقالتي، فبلَّغَها، فرُبَّ حاملِ فِقهٍ، غيرُ فَقيهٍ، وربَّ حاملِ فِقهٍ إلى من هوَ أفقَهُ منهُ.” المحدث: الألباني. المصدر: صحيح الجامع. كذلك جاء في الصَّحيحَيْنِ مِن حَديثِ أبي بَكرةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: “فلْيُبلِّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ، فرُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعى مِن سامع” ↩︎
سورة الجمعة - ١٠ ↩︎