(٧)

الصلاة الصلة على النبي
كتاب الرائد والولي
وقيام الكلمة من الإنسان القدسي لمن لم يلد ولم يولد الأزلي

حديث الجمعة

١٢ ربيع الآخر ١٣٨١ هـ - ٢٢ سبتمبر ١٩٦١ م

صـلى وملأه قديما وما زال وملأه يصلي وسـيبقى وملأه يصلي… على من يعرِّف عنه ويحمل نبأه ويؤتمن على خبره… إلى نفسـه وعينـه من تجليـه بصنعه… فمن هو الذي صلى؟ وعلى من صـلى؟ ومن هـو الذي حمل نبــأه؟ والى من حمل نبـأه؟

أسـس في الناس دينا، جعل من العقل والمنطق أسـاسـه وأصله، وجعل من الصـدق والصفاء مورده وكتـابه وحوضه، وجعل من السـعي والعمل جزاءه ورزقه.

إن قديم من صُـلّىَ عليه هو الذي صَـلَّي على من صُلّي عليه، فصلى القديم على جديده، وصلى المشـهود على شـهيده، وصـلى الوالد على وليـده، وصلى الموجـد على موجوده، وأمـره بالصـلاة على معناه من جديد مبنـاه، فصلى لنفسـه في صلاته على من صلى عليه عينا لمعناه… فقامت الصلاة من جديد معناه على قديم معناه، فملئت بالحيـاة الفلاة، وتحقق الفلاح بقيام الصلاح، فتواجد الفرد أمة، واجتمعت الأمة فردا… فعرف الموجود بلا شـريك في معرفة الموجد عند من أوجد… موجودا بما أوجد، ظاهرا بما منه تواجد… من أحده وراء الكل محيط في جديده تعددت وجوهه في قيـام وحدانيته، وقامت وحدانيته في شـهود وجـوهه لمعناها في مـرآتها من وحدانية معناها بمعناه، من ورائها محيط وعلى كل منها قائم، وأينما ولت فوجهه… فعرف الرب بعبده، وقام العبد بربه.

نزعت سـخائم الخليقة من أرض الحقيقة، وتدفقت ميـاه الحيـاة من ميازيب الرحمة، من سـموات الإنسـان على أرض الإنسـان، فقام الإحسـان وذهب البهتـان وتواجد الرحمن في مظهره من الإنسـان عبـادا له تعنو لها الوجـوه معرفة للحي القيوم، ولقاءً لوجه الجـلال الذي يبقى ويدوم.

بهذا جاء عبد من عبـاد الله على سـنن من قديم فيه في قديم من أمـره بما ليس بدعا من وجود. طلع على النـاس من أنفسـهم بما تهيأت له أنفسـهم ليهيئهم لما اسـتعدت له نفسه في أمر الجـزاء والعطاء من قديمه، مسـتقبلا لهم في متابعتهم لقدوة حاضره إلى أحسـن تقويم للإنسـان بالحق وملئه، فزعموهم له أمتـه وما رأوا منه إلا جلدته. ما دخلـوا فيه إلى حـرم من قلب، أو إلى بيت لرب من قالـب. ما عنت له الوجـوه سـاجدة عند قدميه، وجـه الحق وطلعته، ومقاربة الغيب ومداناته. ما شـهدته النفوس بابا للحيـاة، ومدينـة للسعادة، وما آمنته العقول نفسـا طيعة للأسـوة، وطـريقا مقـاما للاسـتقامة والقـدوة. ولكنهم بمقاييس أنفسـهم بقسـوتها قاسـوه، وعابدين لأوهـام تواجدهم عبَّدوه. أفـردوه بعيـدا عن معانيهم - وهو الفريد - ولكنه الفريـد في معانيهم فيه يحيـون، وبه يتواجدون، وبمعنـاه يقـومون فيسـعدون ويعملون، فيتعالـون ويتدانـون، ما بين جسـم وروح يتواجـدونه، وما بين غفلة ويقظة يتحولون له أو عنه، وهم به لا الغفلة تميتهم ولا اليقظة تطغيهم، ولكنهم مع أنفسـهم وبأنفسـهم لأنفسـهم على ظلامها صـوروه، والشـياطين أنفسـهم لأنفسـهم زعمـوه، وتظاهروه. ما زادوا بأنفسـهم منه إلا بعدا، وما زادوا به لأنفسـهم لهم إلا فقدا، يقولون ويقولون وينقلون وينقلون، وبوهم كفاية النقل بعيدا عن الكسـب والعقل والغـريزة والوهب يقومون… ويظنون أنهم بذلك في الحيـاة يتواجدون… وما الحيـاة إلا نبع الحيـاة من مصدر الحيـاة فيه، تحيي به الأرض الميتة لنفوس متابعيه، ينزل عليها ماء الحيـاة من سـموات معانيه، فتهتز من خشـية الله وترى سـكرة الموت لفناء مبناها، وترى نشـوة الحيـاة بنشـأة معناها، من أسـفل تبدأ لا من عَليِّ تنحط… فالعَليّ في علاه لا ينحط عن معناه وإن انحط بنوره عن عالمه إلى عوالم دعوته من مبناه.

إن الحق الذي قام في الناس بمحمد ما انحط في قيامه وجوهره بقيامه بين الناس، وما فارق علوه إذ يقوم بين الناس… فهكذا يكون التواضع لا وضيعة فيه. إن النفس العالية تتواضع لأنها ليسـت نفسا وضيعة. وإن النفس الوضيعة تتعالى لأنها ليسـت نفسـا عالية. إن الله لا يعامل بالكبرياء إلا المتكبرين، ولا يعامل بكشف الضعة إلا الوضعاء، فيجعلهم محلا للشـياطين تؤزهم أزا، من سـيادتهم مرسـلين.

ماذا عرف الناس مما حمل لهم رسـولهم من أنفسـهم؟ فليس لله رسـول إذ ليسـت له غيرية. إن الذي يظهر في مثقال حبة من خردل كيف يكون له رسـول ولمن يرسـل؟ إنما الرسول هو من أصول الناس إلى أبنائهم من الناس، في أخوة من الناس من آباء من الناس مرسلة، قياما بأبوة أو أمومة أو أخوة في الناس على مثال من سـبق مما عرفوا من أبوة أو أمومة أو أخوة في وجود الناس في تواجدهم بخلق حميدة عندهم من الناس أهدافا إلى غاية، هي أن يعمل الناس لأنفسـهم، ويحاسـب الناس أنفسـهم، ويقيم الناس حيـاتهم، ويدخل الناس جناتهم من صنعهم، أو يدخل الناس نارهم من فعلهم. مثقال حبة من عمل يرون ويراهم، ويحكمون ويحكمهم. أعمالهم ترد إليهم في قيـام الله لا شـريك له ولا موجود غيره.

هل آمن الناس برسـولهم - آمن بالله وقيام وحدانية الله - فكان وجها لهم من الله من ورائهم محيط؟ أنفسـهم في مرآة صفائه يشـهدون، ونفوسـهم في أرض عالمه وذاتـه وقيامه يبعثون فيبعث فيهم فيحيون؟ ولكنهم يقولون بألسـنتهم بما ليس في قلوبهم يوم قالوا: أيها المبعوث فينا - وما يشـعرون - وما بعث فيهم، فقد كان هذا رجاؤهم ولكن بعثه فيهم يدَّعــون! وهم على بيته بينهم لأنفسـهم ينكرون.

إن أمة يقاس إيمانها بإيمان مجرد صديق من صديقين فيرجح إيمانه إيمانها… هل هي أمة من المؤمنين؟ أم أن الإسـلام ولد كسـيحا بين المسـلمين وعاد غريبـا على المتابعين بعد غيبة وجهه من شـهود العمي الغـافلين - وما كانـوا في الحق لوجهه مبصرين -؟ ولو أبصروه ما غاب عنهم ولا عن العالمين. كيف يغيب وجه الحق - وقد أعلنه الحق وجهه -؟ وكيف يغيب المتكاثر - وقد أبرزه الحـق كوثره -؟ وكيف يغيب من أعطي الخلـد - لم يعطَ لبشـر من قبله؟ إن كان خلود الروح… إن كان خلود المعنى… فهو خلود قائم دائم من قبله ومن بعده. ولكنه تميز وقد أعطي الخلود بشـرا بأنه يقوم في السـاجدين، ويتكاثر بالعابدين، ويتلو كتابه على مكث بعترته في العالمين، فتبقى رسـالته في الحكمة حية منشـورة ذاتا وروحا ونورا من رب العالمين… كتاب لم يترك دون من يتلوه في الناس ويبينه للناس فيبقى بنفسـه يتلوه في الناس على مكث دينـا قيما للقيمة على الناس من أنفسـهم، وطريقا لا عـوج فيه بين شـهادة الإنسـان وغيبه عبـد هو العباد، وقيام هو الكتاب فهو الوجه لربه وهو الإمام لخلقه، أودع فيه كل شـيء وأبان به كل شـيء، وأرسـله لكل شـيء، وقام به في كل شـيء…

أليس هو أولى بالمؤمنين من أنفسـهم وأزواجه أمهاتهم؟ إنه الأب الولود في السـموات والأرض، عبـدا لله يدب فوق السـموات بقدميه، ويدب فوق الأرض بنعليه بعثا لتجدد جديده. إن أقدامه سـموات للمسـتظلين بعباد لا تقلهم أرض ولا تظلهم سـماء… أليس هو عبد الرحمة من رب العالمين؟ إنه العبد المتسـع لمـا لم تتسـع له السـموات والأرض والذي يمتد بصفاته، وينمي لداته، ويأمر أهله بالصلاة، ويحث الناس على النجـاة، ويحمل النبأ، من شـاء فليؤمن ومن شـاء فليكفر، ليس عليهم بمسـيطر وليس عليهم بوكيل، إلا من أتى الله بقلب سـليم، فحكَّمه في نفسـه… {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}[١]

يؤمنون به إياه. يعرفونه في معرفة مولاه. يسـتحيون لنداء ربهم، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسـوله}[٢]

فالإيمان لا يكون إلا برسـول الله، والإسـلام لا يكون إلا لرسـول الله، والكفر لا يكون إلا برسـول الله. ما قدر النـاس الله حق قدره وهو اللانهائي الذي لا أثر لأعمالهم فيه، ولا في رسوله منه برسـوله منهم، وفي رسوله لهم يكون تواجدهم أحيـاء، ورقيهم أشياء في عبده لهم بلا انقضاء.

ألم يعرف النـاس أنه الغني عن العالمين، وأنـه لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية من خلقه بعبـاده! إن يشـأ أن يهلك من في الأرض جميعا من منظور وغير منظور خلقه، أو أن يهلك المسـيح وأمـه ومن على الأرض جميعا، من منظور خلقه وغير منظورهم لفعل.

أما عرفت يا عبده وحقه ووجهه وقيـامه أنه الغني عن العالمين، في قيامك بفنائه في عبوديتك له وحقيتك منه؟ أما عرفت أنه إن يشـأ أن يذهب بما أوحي إليك في مظهرك من خلقه فإنك لا تجد لك عليه نصيرا من حقه؟

اسـتقم يا عبد عبوديته كما أمرت… اسـتقم يا خلق حقيته لك كما علمت.

ربي إني لا أملك لنفسي الاسـتقامة على ما كلفت، وهي كما خلقت، فلا قـدرة لي إلا ما قدرت، إن أنت لم تقمني، وقد تفضلت وقدرت، فلا حيلة لي وإن علمت، فاجعل برحمتك في علمي قدرتـك، وفي تقديرك علمي، على ما أعلمت، فعلَّمت وقـدرت.

(لا يدخل أحدكم الجنة بعمله… حتى أنت يا رسول الله؟ حتى أنا إن لم يتغمدني الله برحمته)[٣]. {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز}[٤].

يا رسـول الله إنا نراك تقوم الليل ولا تسـكن بنهار: هل نفهم من ذلك أنك تطلب من الله وافر الأجـر؟ قال حاشـا لله أن يُضلَّني مع من ضلَّ. معـاذ الله أن لا أزدادَ من الله بصـلاتي إلا بعـدا، فإني لا أصلي له طلبا لجـزاء أو عطاء أو خشـية من بلاء. أما العطـاء فقد أعطاني في حيوات أنا اليـوم بعثها، وأما الجزاء فقد وفـره ومنَّه وقدَّمه عن قديم وجديـد وقائم، بما غفر لي من نسـبة الفعل لوجودي في ماضيّ وحاضري ومسـتقبلي. فقد جعل كل فعل لي فعلا له، وكل تواجد لي تواجـدا له، وقد جعل مني عبده قديما وقياما ومسـتقبلا. ولكني أقوم مصليا قيـام الشـاكر لربه على ما أعطى ومنَّ: فإنه لم يمنعني من نافلة شـكره، وقد قام بمفروض شـكره لنفسـه عني لعجزي عن القيام به.

{الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عِوجا}[٥].

يا إخـواني في بشـريتي… كم من مصلٍ لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدا… ذاك الذي صلى معتقدا أن الله بعيدا عنه وليس أقرب إليه من حبل الوريـد. وكذلك فإن المصلي الذي يعتقـد أنه يصلي بقدرتـه وإرادته لا صـلاة له. إن الله يصلي لنفسـه في صـلاة كل مصلي. إنـه دائما القـدوس لنفسـه… المصلي لنفسـه بنفسـه. وهو يصلي بعبـاده على عبـاده، إذ يسـتقبلهم بهم راحمـا… قبلة لهم برحمته… ويصلي في عبـاده يسـتقبلون منه رحمته من عبــاد.

إن الله يصلي بقديم الناس على حاضر الناس بأنبياء عنه، ليصلوا بدورهم بحاضرهم على جديدهم، وليصلي جديدهم لهم قديما له بجديد منهم… فما صلى من الله إلا الناس بحقيتهم منه، وما كانت صلاته على نبيه إلا صلاة قديم الناس على جديدهم به. وما كانت صلاة نبيه إلا صلاة الناس بوصلتهم وأصولهم لهم على أبنائهم وجديدهم منهم من الناس.

هل عرف الناس هذه المعاني يوم حملت لهم، أو أدركوها يوم أعيدت عليهم من أهلها من بينهم، المرة بعد المرة؟ يجدد الله بهم الدين على توالي القرون، في كل أرض، وفي كل بشـرية، وفي كل أمة، وفي كل بيئة، وفي كل لغة، وفي كل جنس، وفي كل وقت، في مشـارق الأرض ومغاربها وأواسـطها مضاءة قلوب فريق من الناس، سـرجا لمشـكاة صدورهم، مشـروحة هذه الصدور بذكر الله وبنـور الله من مصباح القلب المشـرق الممد من شـجرته الجامعة للجنس، لا تحدها فروعها في الشـرق، أو فروعها في الغرب، أو فروعها في السـماء، أو جذوعها في أواسـط الأرض وأغوار الأرض… إنها الإنسـان الأزلي.

إنه إنسـان الله وعبده ذلك الذي صلى به الغيب على الشـهادة بتواجد عباد للرحمن يمشـون على الأرض هونا. كان وجودهم صلاة المطلق من الجنس للشـهادة من الجنس يشـعل بهم مصابيح القلوب، ويجعل منهم أوتـاد الأرض، ويجعل منهم مصابيح السـماء الدنيا من الحيـاة.

هل عرف الناس محمدا يوم شـهدوه فخاصموه؟ هل تابعوه يوم سـالموه وأنفسـهم أسـلموه؟ هل جددوه لأنفسـهم بحبهم يوم آمنوه؟ هل بعثـوه بشـوقهم يوم فقدوه؟ إنهم في مقبرة واروه وقاموا عليها، وما زالوا يندبونه وكم ندبوه! ما قدروه فيها حيـا وهو الذي سـن وشـرع لهم (أنا حي في قبـري)[٦]… لا يذهب من بينهم من يخاطبه غير ابنته خطـاب العزيز المسـتذل من الناس… خـطاب من أودع الله فيهم عزته، وقد عاملهم الناس أنهم في الله بذلهم، جهلا منهم بالله وبعزته بهم.

إنا نحتفل في هذه الأيام بصلاة الله على الناس يوم أبرز فيهم الحسـين من الحسـن كله، ليكون جديدا ظاهرا لغيب ما ظهر كمالـه، والظاهر ما غاب مثالـه، ليكون وجها للحجاب الأعظم يتجـدد في الناس وجهه، وتنتشـر بهم بالإيمان مثله. يبعث في قلوبهم بمحبته يوم يتعرضون لنفحـات الله في دهرهم فينفحون، ويتعرضون بالإسـلام للإيمان فيؤمنون إيمانا مفاضا ممن هو على كل نفس قائم، ومن وراء كل نفس محيط.

هكذا علَّمهم من ذكـروه اسـما ومن علموه رسـما، عبده وكتـابه الذي تجدد بينهم على دوام ومكث فيهم، فما اسـتيقظوا من غفلة في قديم ولكن على آثار آبائهم يقتفون من الغافلين - على غفلتهم - وآثـار آبائهم من اليقظين يباعدون بحاضر من غفلتهم، وبميراث من كبوتهم، بالآبـاء يتوارثون التحريف للسـنة والكتاب، ويواصلون المخاصمة على المتواجد من الحـق، ويقولون بأفواههم إنهم لمحمد أمة، ولكتابه أهل، وعلى سـنته وأثره في طريق! ويوم تجبههم سـكرة الموت بالحق مما عنه حـادوا، فلات سـاعة مندم، الصيف ضيعت اللبن. يقولون أرجعنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل. ويرجعهم المـرة بعد المـرة مبدلا جلودهم على ما أنشـأهم أول مرة، {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل}[٧]؟ نعم لكم مرد ومرد، وسـبيل وسـبيل، ولكنكم على مكانتكم تمسـخون أو تمسـحون. فإن مسـختم فجلودكم تغيرون وعلى ما في قلوبكم تعنونون. وإن مسـحتم فأمة محمد تكونون، وفي بيته وأهله تولجون، وبه في مدنيته تُبعَثون، ووجوها لله تكونون، وكلمات منه ترسـلون.

هذه حقائق الدين والإسـلام والروح، لا فرق بين عالم الروح وعالم الشـهادة في أمـر الله وفي العـلم عن الله. المـلأ الأعلى يطلبونه والملأ الأدنى يطلبونه. والملأ الأعلى والملأ الأدنى إن لم يدركـوه في أنفسـهم فقد تحجب عليهم وقاموا وهم دونه بأنفسـهم. فالقلب بيت الرب. ولا يحيطون بشـيء من علمه إلا بما شـاء. ولو شـاء لهدى الناس جميعا ولكن الله لهذا الذي هم فيه على ما خلقهم وبهذا وصفهم {فريق في الجنة وفريق في السعير}[٨]. {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون}[٩]، وأصحاب الجنة وهم الفائزون، عن أصحـاب النار في المعرفة عنه لا يختلفون، ولكن أصحاب الله على الفريقين يعلون ولا يسـتعلون، ولهما يرعون ويعملون. لله الأمر من قبل ومن بعد في الأرض وفي السـموات وفي كل حيـن. لا إلـه إلا هو له الحمد وله الملك وهو على كل شـيء قدير.

اللهم إنا قد ظلمنا أنفسـنا كما ظلم آباؤنا أنفسـهم… عاشـوا في ظلام وأورثونا ظلاما. اللهم فاغفر لنا ولهم، وأنر أجداثنا وأجداثهم، وأحيِ صدورنا وصدورهم، وأحيِ قلوبنا وقلوبهم. اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السـفهاء منا. اللهم قنا شرور أنفسـنا وشـرور الأشـرار من خلقك. اللهم أنزل سـكينتك على قلوبنا والسـلم والسـلام على أرضنا، وادفـع اللهم عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم. اللهم عافنا من إقامة عدلك وعاملنا بمغفرتك وعفوك. وعافنا مما نحن له أهل وتولَنا بما أنت له أهل.

اللهم إنا عرفنا أنه لا إلـه غيرك ولا موجود بحق سـواك. اللهم إنا قد عرفنا القدم فيك. اللهم فأفض علينا الحنان برحمتك، واجعل اللهم لمحمد في داره منا مكانا، وفي بيته بنـا معنى وعنوانا، واجعل اللهم له من إنسـانه فينا إنسـانا.

لا إلـه غيرك علوت على الوصف، وعلوت على التقدير، وعلوت على التسـمية، وعلوت على الإدراك، وأحطت بكل عَلَمٍ أقمته في كل عالَم تواجدته. لا معلوم عنك إلا الجهل بك. ولا إدراك لك إلا في قيام وحدانيتك.

اللهم فاغفر لنا، وبرسـولك فألحقنا، وبه أدخلنا في حصن لا إلـه إلا أنت، وأقمنا وأحصنا بلا إلـه إلا أنت، وأقمنا وأحينا بعبدك ورسـولك. لا إلـه إلا أنت.

أضواء على الطريق

  • {إن لك في النهار سـبحا طويلا}[١٠] حديث الإحاطة

  • (لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها)[١١] "حديث الرسـول

  • (يحاول عالمكم أن يجد الذهب في الأرض. وعالمي يحاول أن يجد الذهب في النفس الإنسـانية. الذهب هناك كالذهب في عالمكم المادي يجب أن يسـتخرج إلى السـطح، ويدق وينقى، ويعامل بالنـار حتى يتكشـف المعدن النقي، وهذا ما نحاول جميعا عمله. يوجد ذهب نقي في كل طفل من أطفال الروح الأعظم، وقد يكون أحيـانا مطمورا جدا تحت قذارة العالم المادي حتى يصعب عليكم لقاؤه. وغالبا ما يسـتحيل اسـتخراجه ولكنه موجود هنـاك. ونحن نبتهج أو نعثر عليه ونأتي به).

  • (الغرض الذي يربطنا سـويا ويجعل الدائرة واحدة هو أن نقدم خدمة أينما تمكنا… قوة لكل الضعفاء، مسـاعدة لجميع المنكوبين، راحة لكل المجهَدين، علاجا لكل المرضى، ضوءا للذين هم في ظلام، ومعرفة للذين هم في جهالة).

من هدي السـيد الروح المرشـد (سـلفربرش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة النساء - ٦٥ ↩︎

  2. سورة الحديد - ٢٨ ↩︎

  3. إشارة إلى حديث شريف: "لن يُدخِل أحدَكم الجنةَ عملُه، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل.: رواه أحمد، ورواه البخاري ومسلم: "سددوا وقاربوا وابشروا فإنه لن يُدخل الجنة أحدكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمته ". ↩︎

  4. سورة آل عمران - ١٨٥ ↩︎

  5. سورة الكهف - ١ ↩︎

  6. حديث شريف يتردد في أدبيات التصوف، يتوافق مع الحديث الشريف: “الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ”. أخرجه أبو يعلي والبزار. ↩︎

  7. سورة غافر - ١١ ↩︎

  8. سورة الشورى - ٧ ↩︎

  9. سورة الحشر - ٢٠ ↩︎

  10. سورة المزمل - ٧ ↩︎

  11. من حديث شريف يخاطب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم الإمام علي بن أبي طالب. " فوالله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لكَ حُمْرُ النعم." أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎