(٢)

الكون لطيف متجسد
الكائن البشري قيام متجدد

حديث لمجلة

١٤ شوال ١٣٨١ هـ - ٢١ مارس ١٩٦٢ م

(حديث للســيد رئيس الجمعية الإســلامية الروحية مع مندوب لمجلة داخلية لجمعية اجتماعية)

س:

هل لنا أن نحصل من ســيادتكم على ما يؤيد ما قيل عن تجســد الأرواح في صور مادية… وما تعليل ذلك إن صح عندكم؟

ج:

لقد أرادت البشــرية في الماضي أن تتجاوز المشــهود باســم طلبها للمعرفة، وأبعدت الحقيقة عن شــهودها بإنكارها عليها في مشـهودها فطلبت الخالق بعيدا عن خلقه، وطلبت المعبود بعيدا عن عباده. ويوم اعتقدت في مخلوق قياما للخالق لاســتقامة صفاته تخلقا بصفات خالقه أضفت عليه وصف الخالق، ولم تدرك مثاليته للمخلوقات لتكونه بتوحيـد الخالق قولا وعملا باعتقاد وحـدانيته نظرا وعقيدة لإدراكه على صورته في أحـداث تجليه، فإذا كان هذا الوجود في وحدته هو الحق ظاهرا لأبعاضه بالحق…

فالمنطلق من الطاقة باســم الأرواح أو العقول أو النفوس أو الأشــباح إلى باطنه من ظاهره ما زال متعلقا به، إيمانا بمعرفة أو قبلة لعقل حائر أو جنة لنفس تطلب المتعة أو لشــبح يخشــى النار والعذاب. وبذلك حامت الأرواح والنفوس والأشــباح الغير متحررة من معاني المـادة وصورها حول الأرض. فمن تهيأت له الفرصة للعودة لمواصلة الحيـاة من الأرواح والنفوس، ولد في المواليد على عين نظام نشــأته الســابقة. ومن تهيأت له الفرصة من العقول للعودة لمواصلة رســالة العقل لم يحجم عن العودة في مولد على الأرض…

أما الأشــباح التي لم ترتقِ للحيـاة بوصف الروح أو النفس، ولم يولد في شــبحيتها العقل المميز بعد، والتي حكمها الوعي الغريزي لصفتها النباتية والحيوانية من المادة فهي ما زالت في تواجدها الأثيري على ما كانت عليه في جهلها الفيزيقي ســارية فوق الأرض وفي مجال حيـاتها المفقودة.

فإذا قلنا بتجســد الأرواح بلغة العلم الروحي فإنما نعني بهذا عودة اللطيف من الطاقة للذات البشــرية الذي آلت إليه باجتياز بوابة الموت إلى طريق التواجد بالحيـاة الأصيلة صاحبة البيئة الحـرة الطليقة. وهذا ما يليق بمعنى تجسـد الروح في الدوائر الروحية، والتجارب والظواهر الروحية…

أما إذا كنت تعني بســؤالك شــهود الانطلاقات الضالة أو الأشــباح البشــرية الغير ناضجة بعبارة أصح أو ما تأتيه من العبث أو الحركات المدركة للحس عند مشــاهد لها من هذه البشــرية، فهذا أمـر آخر وهذا أمر مرده الواقع، والأمور التي ترد لواقع لا يبدى فيها الرأي من حيث التصديق أو التكذيب. والثابت من الواقـع أن هذا أمر متكرر الحدوث من قديم ومن قديم جدا، ولا غضاضة من القول بأنه كان متواجدا مع تاريخ تواجد الجنس البشــري على الأرض كأمر طبيعي للفطرة البشــرية وما تواجد منها في مســتوياتها الدنيا، وتعلقه بحاضر أصله من المســتويات التي فارقها، ومحاولته التدخل في الحيـاة المفارقة دون علم منه بهذه المفارقة لها…

أما التواجد الموجد للصلة بين مســتويات أعلى من حاضر الجنس وســابقه، فهذا أمر آخر مرده إلى ما يتواجد في كثيف الحاضر كجزء صغير جدا مما يدعى بالأكتبلازم من عين الطبيعة اللطيفة للراحل من الجنس. فعن طريق قدرته على الانطلاق والعودة لداره من ذاته، وقدرته على الارتباط باللطيف من نوعه أو اســتقباله، سـميت هذه الحالة من ارتباط نفس أرضية بنفوس لطيفة علوية أو ما ينتج الصلة بالظواهر الروحية والوســاطة الروحية، وأمكن للنفوس اللطيفة الأرضية أصلا التجســد مع مصاحبها من أهل الحيـاة الفيزيقية، وأمكن للنفوس الفيزيقية الظهور بصورها الفيزيقية بجزئها اللطيف المنطلق في العـوالم اللطيفة. وبذلك يمكننا أن ندرك أن هذا الأمر من إمكان التجسد الروحي ليس قاصرا على المنتقلين من الحيـاة الفيزيقية، وهو ليس أمرا حادثا في البشــرية كذلك.

وقد ســميت المســتويات البدائية لهذا الاتصال في العصور القديمة بالكهانة، وســميت المســتويات المنحطة بالســحر، والمســتويات المســتقيمة المشــجعة على اســتقامة الحيـاة بالصلاح والكـرامة، والمســتويات العالية فيه بالحكمة والحكماء. فلما بلغ الاتصال التكليف بالخروج للناس وتجديد الفضيلة فيهم، وتذكيرهم بالقانون الذي لا يخطئ وقيام العون على الأداء ســميت هذه الاتصالات بالنبوة والرســـالة. فلما أســفر الاتصال عن علاقة معللة بين الموصول والمتصل باسـم الأبوة تواجـد حاضر الجنس في قديمه. فلما وصف الحاضر القديم بالرب، ونفســه بالعبد، تواجد قديم الجنس في حاضره، وقد تجســد القديم مع الحاضر كما انطلق الحاضر إلى القديم في تجســدات روحية وانطلاقات كونية…

ولكن الجديد على الحيـاة البشــرية في هذا العصر هو ســفور شــقيها أحدهما للآخر على أسـاس من معدلات الاســتقامة والانحراف في تجمعات المفردات الفيزيقية باتحاد الذبذبة والترنيم على وحدتها من الجانب الغيبي لهما من عالم الروح بوصف المرشــد بدائرة الاتصال الروحي، أو في حال الظواهر الخطرة بالتجمع العابث أو الاتصال المنحرف عن الســلامة.

إن البشــرية في هذا العصر تجتاز أشــق وأســعد مراحل حيـاتها في تاريخها من نشــأتها. إنها تملك اليوم في وحدتها من شــقيها زمام أمرها. إنها إن شــاءت أقامت الجنة على أرضها وفي ســمائها، وإن شــاءت فتحت أبواب الجحيم لذاتها بفعلها في أرضها وســمائها، بما ســمح لشــقيها به روح الحيـاة اللانهائي من الاجتماع، وما ترك لهذه الوحدة المجتمعة من حرية في الاتجاه، ومكنه على التصرف بمعدل الاتحاد واســتقامته.

إن هذه البشــرية في حقيقة أمرها ما هي إلا أرواح متجســدة. وما عالم الروح لهذه البشــرية إلا الفيزيقية التي نضجت من جلود البشـرية فانطلقت في أثيريتها أو دخانيتها في ظلل لســدم تتجمع لعوالم تنشــأ لها منها بها.

إن الحقيقة يجب أن تدرك فتشــهد في شــقي البشــرية بعالمها المتحد. إن نظر الظاهر للباطن بالأفضلية أو نظر الباطن للظاهر بالأفضلية إنما هو نظر جزئي وليس نظرا كليا عند الناظر أو المنظور، فالكون بمادياته ما هو الا لطيف متجســد فضلا عن البشــرية المتجمعة بلطيفها بمســتوياتها اللانهائية فيه تعبيرا عنه في عالمها الكبير. وهذا هو نظرنا عن تجســيد الأرواح في أشــكال مادية. فنحن نعيش على هذه الأرض في ســفينة أو غواصة ســابحة في بحر الأثير، وهي ومن عليها روح وأرواح متجســدة ســابحة فيه.

س:

ما هي النصيحة التي يمكن أن توجهها للشــباب؟

ج:

إني أنصح للشــباب بالحرص على تجديد الشــباب في العلم عن بدء الذات بما يعلمون عن نشــأتهم وانتهائها إلى ما علموا عن نشــأتهم، بنشــأة جديدة لها في داخل تواجدهم، لا ينتهي تواجدها لها، ولا يتوقف ظهورها بتعددها منها.

إن المدنية الداخلية للإنســان لا تبدأ إلا بمولد له فيه. والكائن البشــري الســليم مثله كدحية تحـوى مقومات الحيـاة للحي الكامن فيها والصالح للتواجد منها. وهو الأمر الذي ما جاءت الأديان المتعاقبة إلا لكشـفه للإنســان عن أمر نفســه، ومســاعدته على تحقيقه. فالتواصي بالحـق والتواصي بالصبر، وقيام المتابعة هو معنى الدنيا لهذه الخلية للحيـاة. فإذا انفعلت الخلية الـهامدة، وانشــق عنها حيوان تواجدها، فهذه هي الآخرة والقيامة. فإذا أثمر هذا القيام دحية منها في هذا التواجـد لتواصل معناها فيه، لتعرف له به، فقام بما قامت، وانتهى إلى ما إليه انتهت، فهذا هو البعث، وتمام الكلمة، باتصال أطراف دائرة الحيـاة، وهو هدف الكائن البشــرى، ليكون كائنا إنســانا.

إذا عرف الشــباب أن الدين هو الحيـاة في اســتقامتها على ما خلق الكائن البشـرى له، وأن الجنة في الإحساس بالقانون الذي لا يخطئ وعمله، وأن العلم والمعرفة في القيام بالقانون وكشـفه والتعريف عنـه، وأن النار في العبث بهذا القانون الذي لا يفلت كائن أو كون من قبضته، طابت الحيـاة للشــباب وســعدوا بمشــقتها وعملوا لتحقيق الآمال فيها…

وهذا لن يكون لهم إلا إذا حكموا على الأجيال القديمة وعلى جيلهم الحاضر بالغباء والغفلة، ما بعدوا وباعدوا من مدنية الداخل الإنســاني، وانشــغلوا وشــغلوا بمادي التواجد لذواتهم وذات أرضهم وما يحيط بهم من عملهم، غافلين عن فعل القانون الذي به تواجدوا وبه يتواجدون. وإن هزأوا به في يومهم فسـيهزأون بهم يوم تكشــفه لهم فيهم بموهوم الموت يتوهمونه ولا يتجاوزونه.

إن عالمنا المادي اليوم يرقص على فوهة بركان، بجهل القائمين فيه بقوانين الحيـاة لهم، جهلوها في آبائهم وفيما توارثـوه عنهم، ونمت في آبائهم قوانين العدم، وتوارثوها عنهم إلى ما يشــهدون من التفاخر بالقدرة على محو معالم الحيـاة عن الأرض أو تشـويهها، وأن قدرتهم على ذلك ما قـامت إلا في ظل قانـون المنح الذي مكن الإنســان في كســب كل ما يطلب لنفســه. وهم اليوم يكســبون ما ســبق أن طلبوا في صور آبائهم. وها هو يحقق للآباء مطلوبهم في صورهم بالأبناء. إنه القانون القادر الفاعل.

إن الشـباب اليوم يستطيع أن يهدم فعل الآباء المخرب، فيتحرر من ماضيه العفن، ومن عقائده الفاسـدة، إلى وعي بناء وعقائد مســتقيمة، ينتجها العلم الذي يجدد ما كان بين يدي الآباء والأجداد، من تراث ديني مســتقيم، حفظه القانون بالأحيـاء، به يعودون إلى الأرض اليوم، وغفل عنه الغالب الأعم، فبقي في ســباته عندهم من عمله، حتى يوقظه الأبنـاء الذين اسـتيقظوا وواصلوا اليقظة بيقظتهم، وتعقبهم لإيقاظ الغافلين من آبائهم. فإذا كان الصالحون من الآباء لنا قد رأوا الحق في الآباء لهم في ســابق الجنس، فإن الأبناء اليوم يسـتطيعون أن يظهروا بالحق للغافلين عنه من آبائهم، فيوقظوهم بحكم القانون، لقيام القانون عليهم وصلاحيتهم للقيام به لأنفســهم ولآبائهم…

فهل يعمل الشــباب لتحقيق ذلك لنفســه لخيره ولخير آبائه؟ هذا ما ســوف تكشــف عنه الأيام.

س:

ما رأى ســيادتكم في موضوع اختلاط الجنســين؟

ج:

إن إجابتي على هذا الســؤال أن أســألك هل هناك جنســان؟

إن القول بوجـود جنسـين من تذكير وتأنيث أو مذكر ومؤنث قول قديم يوم أن كان الكائن البشــرى غير مدرك لحقيقته. أما بعد قيام المدنية الداخلية للإنســان يوم عرف قانون {هن لباس لكم وأنتم لباس لهــن}[١]، فقد انتهت التفرقة بين الكائنات البشــرية بالتذكير والتأنيث، فلا شــرف لأحد الجنســين على الآخر، ولا محل للتفرقة بينهما بالتـفاوت. فالمرأة بكيـانها الظاهر بوصفها تحوي بشــقها الكامن كل صفات ومقومات رجل، وكذلك الرجل بشــقه الظاهر بوصفه يحوي بشــقه الكامن كل صفات ومقومات امرأة…

والكيان المنفرد الظاهر اليوم مشــتت في القيام الروحي غدا للهيكل المتجمع الظاهر من رجل أو امرأة، ودحية صالحة فيهما، كأرض جديدة لهما تصلح للحيـاة، والقيام بروح الحيـاة اللانهائي، وهي في موضعها من المشــكاة من هيكل الكون بالجسـد، في موضع القلب تماما، وهي الأرض الجديدة للحقيقة، إن أحياها الكائن البشــري الإنسـاني لنفســه بعمله، وهي الأقنوم المتواجد بين أقنومي الوجود، في ثالوث الواحد الموجود الحي القيوم من الحق الأزلي باســم الإنســان في معنى كل إنســان.

فالذاكرون والذاكرات، والعابدون والعابدات، والســائحون والســائحات لهم في الوجود القدســي المطلق ما يشاؤون. فهل هنـاك محل للقول بالتفرقـة بين الجنســين يا ســيدي؟

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة البقرة - ١٨٧ ↩︎