(١)

الاتصال الروحي
واقع الحياة ورسالتها
في عالمي الإنسان
يقوم به الدين وتثمر به المعرفة وتشرق به العقائد
ويفيض به التطور ويستقيم به العلم وتزدان به المدنية ويتحقق به السلام

تتسـاءل البشـرية بينها في سـائر عوالمها، كلما اسـتيقظ منها مسـتيقظ إلى أبعد مما هـو فيـه، كيف تواجد جنسـها ومتى بـدأ وأين؟ كما تتسـاءل البشـرية على الأرض حيث الخلافـة على هيـاكل الذوات وأرض القلوب لعـوالم مفرداتها، من القائم على كل نفس، ترى هل بدأت تواجـدها بوجودها في عالمها هذا، وعلى هذه الصورة فيه، أم على أرض أخرى! وعلى صورة أخرى! وسـواء كان هذا أو ذاك، هل لها إلى أرضها أو عالمها هذا مرجع! وعلى أي صورة! وكيف! وسـواء كان هذا أو ذاك، فهل يكون هذا مرة، أم في الأمر نظام ودورة!

هذه الحيـاة! ما هي ماهية هذه الحيـاة! هل هذه هي الحيـاة! وغيرها من صور التواجـد، ألا يتصف، وألا يحمل اسـم الحيـاة! هل هذه السـاعة من التواجد في دوام الوجود هي كل الحيـاة لأحيائها أم هي فترة وصورة من حيـاة متواصلة في أطوار متصلة! وإن كانت جـزء الحيـاة فمن أية مرحلة للحيـاة تكون هذه الحيـاة! ومتى بدأت وإلامَ تنتهي! ومن أين جـاءت! وأين هي الآن من وضعها في الوجود! وإلى أين هي غدا! وكيف! كيف جاءت؟ وكيف قامت؟ وكيف تصير!

لقد حاول مؤسسـو الأديان ومتابعوهم أن يشـبعوا الرغبة الغريزيـة عند الإنسـان للمعرفة بالإجابة عن هذا التسـاؤل فيما كشـفوا عن حقائق الحيـاة في مدارسـهم الدينية لأبنائهم في الروح ومتابعيهم إليها، ضاربين المثل بذواتهم وأرواحهم في بيوتهم وجمعهم، وهي المحـاولة التي قامت على أسـاسـها مدرسـة الحكمة بالحكماء من قبل النبوة ومن بعدها، إعمالا لقانون الفطرة بين جانبي الحيـاة لا انفصـال لهما للجنس البشـري الفطري الوجود والتواجد، المنتهي دائما وأبدا إلى الإنسـانية القدسـية الأزلية، وهذه هي نفس المحاولة التي يجـددها العلم الآن في هذا العصر، حاملا أمـانة المعرفة ونشـرها، مسـتقلا عن الحكمة القائمة بعد إهمالها، وعن الأديـان العاملة بعد تحـريفها، وذلك إعمـالا لقانون الفطرة وشـرائع الطبيعة في تطـور الكائنات في القيام الفطري والإدراك عنـه، بالتـرنم مـع القـدرة الفـاعلة في تنسـيق الذبذبـة للجزئيات بتجميعها على الذبذبـة الكلية لكليات التواجد في هذا الوجـود اللانهائي.

وما كانت الحكمة إلا الأصل الأول للأديان قرين تواجد أهلها على الأرض، في تطور انتهى لكمال نفوسـهم بالتصاعد منها والبعد عنها، وقد نشـأت النبـوة بعودتهم إليها بمجـالات من ذوات لهم على مثال من ذوات بدئهم بوصف الأنبياء، كان نـوح بدأهم ومحمـد لهم ختــام. به كان للحكمة عودة بالحكمــاء يبعثون من خلال معناه بالأبــوة بعثا لمجالاتهم بالنبوة في معاني العباد المتابعين له لتتصاعد عن ذواتهم ونفوسـهم وعقولهم معانيهم لمسـتويات أعلى للرشـاد، مواصلة لأطوار الحيـاة، وتجديدا للنفوس والعقول الكلية في شـقي التواجد للوجود المتحد الحر المطلق.

وما كانت الأديان في الواقع إلا أصلا للعلم، وما اختلفوا في أمرهم عليها إلا بعد الذي جاءهم من العلم عنهم، ولن يتفقوا عليها شـأنا لهم ولخيـرهم، وليسـت سـلطانا عليهم لكبتهم إلا بعد تطور العلم عنهم. فما كان العلم إلا ما وراء الحكمة والأديان، وما العلم اليوم إلا في طفولته، وما هو في هذه الطفولة إلا ثمرة للأديان في الحقيقة والواقـع. فالعـلم بقديمه لجديـده حقـه. والعلم بجديده لقديمـه خلقـه. وما كان محل العلم قديما أو حديثا إلا الإنسـان، فهو كتـابه وقرآنـه وتوراتـه وإنجيلـه وفيـداه. وما كان الإنسـان في قديمه إلا مظهرا للأقدم منه. وما كان الإنسـان في حديثه إلا أصلا للأحدث منه. فإذا تقادم الحديث وتجدد القديم، التقى الإنسـان في نفسـه من حاضره بالأقدم والأحدث، التقى بمعانيه في ذاته فرعا للقديم وأصلا للحديث وقياما للروح الحاضرة. فإن الأب فرع عن الجد وأصل للابن، يدرك قانون الأبـوة بأبيه، ويدرك قانون البنوة بابنه، وإلى ذلك انتهى علم الأديان الهدي إلى عيسـى عـن الإنسـان. ووراءه لم يجـاوز لعـلام الغيـوب الذي لقي فضلا عن السـير إلى الغيوب أو التلقي عنها، وهي المحاولة التي طلبها العلم وبدأها وطـرقها محمد بالدين فجعل من العـلم دين كما جعل من الدين علـم، طلبا لمعاني الرفيق الأعلى بعد معرفته عن النفس والالتقاء بأصولها من السـبق، وفروعها من اللحـاق التي حمل لـواء التعريف عنها بالعلم والدين من بعد سـابقيه من الأوادم ومن أبناء الأوادم من الأنبياء والحكماء بحثا عن الحقيقة وسـر الحيـاة وتعريفا عنهما، وهو ما قـام بمواصلته من بعده القـوم مجحودين، وهو عين ما يجيء به اليـوم أهل العلـم من عـوالم الروح من الآبـاء ليجددوه بيننـا مرشـدين بعد غفلتنا عنه ليسـدوا هذه الثغرة، وليشـبعوا هذه الفاقة، ويقوموا ما اعوجت إليه طريق الأديــان ومسـالك أهلها، وما جنحـت عنه علـوم البشـرية ومعارفها جنوحـا عن موارد الحيـاة حتى ترتـد سـفينة الحيـاة إلى شـاطئ السـلام وقد مالت إلى الهاوية بجهل ربابنتها وغفلة راكبيها.

إن محاولـة محترفي الديـن لإقامة ونشـر المعرفـة بعيدا عن العلم، أضعفت إمكانياتهم لتحقيق الإجـابة على ما يتسـاءل عنه الإنسـان، كلما تجددت أجيالـه واسـتقامت أحوالـه في طلب المعرفة عن نفسـه، ومصدره ونهائيته أو لا نهائيته حتى تكون لـه من هذه الحيـاة غاية يعمل لها، فيسـعد بشـقائه وهو يسـعى في طلب سـعادته وفي سـبيلها، بها يترفع عن جلباب حيـواني ماديته، ويعلو ويزهو بمعنوي أنانيته، ويمتطي نفسـه بقيادة عقله مسـتعينا بقدرات روحـه في بحار روح الحيـاة العظيم، والأعظم، واللانهائي لأناه الروحي، فيمتلك ذاته ويطورها إلى جديد لها من فعله، ويبذلها رخيصة عند الضرورة في سـبيل كسـب معنوياته، فيجعل من قلبه أرضا طيبة جديدة نامية لأهله من فيض حبه وضع يده وقائم تكاثره، كما يجعل من رأسـه شمسـا مشـرقة، علما ودليـلا عليه إنسـان ربه، ومن أطرافه سـيارات وأقمـار لجـديد كـونه، بتقطيع أرضـه يعمل بها في جديد تناثره، هيـأها لعالمه من أهل محبتـه ومتابعتـه لمعانيهم به بمغنـاه في دورتـه بأكـوانه، وفي وجـوده الكبيـر مظهرا لموجوده وعلما على أحديتـه بأحديتـه.

فالناس ببعدهم عن العلم حمل إليهم في عبارات وكلمات وآيات النبوة والإنباء المتواصل انحرفت بهم الطريق إلى طريق نفوسـهم المنحـرفة إلى الهاوية، هم ومن تحمل سـفن نفوسـهم من المعطلين لعقولهم، والمجرمين في حق أنفسـهم بوهم روادهم الغافلين حتى عن أنفسـهم.

ومع الأسـف الشـديد فإن المنشـغلين بالبحث عن المعرفة من المسـتأجرين عليها المسـترزقين بالعـلم، لـم يخـرج أمـرهم عن المسـترزقين بالديـن، فقد انحـرفت بهم مراكب نفوسـهم وحملـوا الإنسـانية معهم إلى حـافة الهاوية بابتعادهم بالعـلم عن حقل الدين، وبالدين عن حقل العلم، نافـرين من الدين حتى لأنفسـهم. وما اجتمع الدين على العلم إلا في اسـتقامة ذوات العلماء في العقائد، أو في إيمان رجال الدين بالعلم رائدا لهم في نشـر واجب المعاملة مع الله وتقبل فيوضات المناسـك للنفس.

إن الإنسـان في الحقيقة هو المعلم والمتعلم الدائمان كما هو في ذاته كتـاب ولبـاب العلم. فإذا اعتقد النـاس الكتاب لجمال غـلافه دون أن يقـرأوه، فقد عبَّدوا أنفسـهم لمادي ذواتهم في ذات قدسـوه وتابـعوه، فما نارت عقولهم، وما أشـعلت نفوسـهم، وما تحررت أرواحهم، وما تطورت لهم ذواتهم. فإذا قرأوا الكتاب ولم يدركوه، تحركت نباتيتهم وحيوانيتهم، فتجمعوا عن أشـجارهم متسـاقطين كأوراق الخريف تتسـاقط تحت الأقدام، طـعاما للأنعـام، وتحـدثوا بحيوانيتهم كنـقيق الضفـادع أو مـواء الأغنـام، فقدموا الآيات كما تقدمها لعـابث الببغـاوات، وحتى إذا قرأوا الكتاب مجتهدين، فلا يجوز لهم أن يتجاوزوا مقاعدهم إلى مقاعـد المعلميـن، وإلا فمـا علَّموا إلا هــراءً، وما انتظـروا لعمـلهم إلا عفـاءً، ولا لكتب ذواتهم إلا أن تذهب هبـاءً… فماذا فعل النـاس وإلامَ وصل النـاس؟!

كشـفوا عن أسـرار الذرة فالقين، فتكشـف لهم رب الفلق مسـفرا لليقين فنشـروا الفلق مفسـدين، وما آمنوا برب الفلق للإيمان ناشـرين. وهم الآن يبحثون وراء رتق الذرة ليكشـفوه ويفعِّلوه مسـخِّرين، وسـوف يتكشـف لهم ما داموا لهذا طالبين، وإلى تحقيقه سـاعين، وفيه عاملين، بحكم قانون الفطرة في إجابته لأبنائها دائبين. فهل إلى فاطر السـموات والأرض اجتماعا عليه يقصـدون، وإلى الرتـق بين شـقي الإنسـان يسـيرون، وإليـه يسـعون؟ أم أنهم إلى رتـق الأرواح دون الأشـباح يسـعون، فلهـذه الحيـاة بمادياتها يدمرون، والأرواح عن أشـباحها يفصلون في معـركة لا على الحـق ولا لنشـر اليقين؟ وما شـرعت لهم الحـرب يوما حتى دفاعا عن دين، بل هم ثمار الشـجرة، قبل أوان نضجها يسـقطون، وبالفسـاد يتفاخرون وبالفجور يتعالون.

هل أفادهم هذا الذي كشـفوا بخارجهم من الطبيعة في كشـف ما بداخلهم منها، وفي داخلهم المفعِّل الذرى والإلكتروني ومصانع الفلق والرتق من أعضاء الجسـد في وظائفها تتهيأ للتطور، كما أن بهم مراكـز الاسـتقبال والإصدار والرد من الجهاز العصبي، وكذلك مراكز الغدد الصماء للتوجيه اللاسـلكي في عوالم ذواتهم، كما أن فيهم الجهـاز العصبي للرباط الاتصالي الدائم اللاإرادي مع مركزه من الرأس، وما إلى ذلك من عمل دائب إرادي ولا إرادي، هو قوام حيـاة أجسـادهم في حركتها الظاهرية، وحركاتها غير المرئية، ونشـاطها الذي لا يتوقف؟

هل آمن العلماء بباطن الحيـاة للذات لا سـلطان للإنسـان عليها بظاهره وقد تواجدت الذات ظهورا له، فآمنوا بالحيـاة في ديموميتها تقرأ في كتاب التعريف المؤقت عنها بالجسـد المتجدد المسـتبدل، فعـرفوا أن هذا الكتـاب ما وضع إلا لمراحل التعليم الأولى؟ وأن كتبـا أرقى في الانتظار لمن يواصل طلب المعرفة والقـراءة لكتابه؟ كيف يمكن للعلم دراسـة النفس وهو لا يعرفها إلا جسـدا موقوتا، فلا يبحث وراء قديم لها، ولا يحاول تكرار الـحاضر منها، أو إنشـاء القابل بأجسـاد تملك لها هي ألواح في كتابها الأزلي الأبدي السـرمدي، الصـادر من طبيعتها وهي طبيعة الحـق لها ذاتا، وروحا، واتحادا، ووجودا؟ كيف يمكن فهم الحقيقة إذا لم يفرق العلم أو الدين بين الدائم والموقوت في شـخصية الكائـن البشـري إذا لم يفـرق بين الموجـود الجمادي والنباتي والحيـواني له، والموجود الإنسـاني والإلهي به؟

إن العالم في هذا العصر يتمتع بمدنية مادية لم يسـبق له - في حدود تـاريخه المعلوم له - أن شـاهدها. وهي على ظـاهر جمالها لم تحقق له ما تصبو إليه نفسـه من حيـاة السـلام. وإذا أردنا أن نحدد لهذه المدنية مصـدرا عنه أخذت، فما كان مصدرها إلا ما في الإنسـان على صورته الماديـة في عالمه هذا من الأرض بما عرف له عن أسـرار نفسـه. وما كانت هي بأسـرار في الحقيقة لأنها واقـع فيه، تكشـف له في ارتـداده بالتـأمل لنفسـه وفي ذاته بعد أن أعياه البحث عن الحقيقة خارجها بتوجيه المنحرفين الضالين المضلين من أدعيـاء الدين. وهو إذ يرجع إلى نفسـه متأملا ما قام إلا فيما أمر به الدين كتابا وهدى إليه فطرة. وما عرف فيما عرف إلا قشـورا عن نفسـه.

ولكن للأسـف أخذ الإنسـان من مظهر النفس وعمل على محاكاة أبعاضها من الجوارح الظاهرة له بوظائفها به، فاخترع الآلات والأجهزة التي قلبت حال هذه الدار ومظاهر الحيـاة فيها، دون أن ينتفع بالثمرة الصـالحة للارتداد إليها والتأمل فيها، والربط بين ذاتها ومحيطها، بأن يواصل هذا الارتداد إليها عبر الزمن وعبر حدود مظهرها من المـادة.

ما كان هذا مسـتحيلا على العلم، وما كان بعيدا عن متناول العلمـاء ولن يكون. وما صدرت الحكمة، وما قامت النبوة، وما تواجد الصـادقون من علماء الدين إلا به، وما صدروا إلا عنـه. وما قامت علوم الطب والطبيعة والكيميـاء والجبـر والرياضة والفلك والسـياسـة في أحوال صلاحيتها واسـتقامتها قديما وحديثا، إلا من فيض النفس الصالحـة له، من معلم لها فيها من شـق الحيـاة الغيبية لها، القائم على مظهرها من الذات، عنه أخـذت وبه عملت وله في قيامها أظهرت.

وحتى علماء النفس الذين شغلهم استكناه أمر الذات البشرية وما تحوي لا يلتفتون للأسـف لما يتكشـف لهم من تعدد معاني الحيـاة في الذات الواحـدة، وصراع الصفات الحيـة فيها لكشـف قيام النفس من حيواتها بجديد الجلبـاب من الذات، أو ما قد يخلق الفعل فيها من ألـوان الحيـاة وما سـبق أن خلق، وكذلك علماء الطـب بما يتكشـف لهم عن تطـور العلقة والمضغة والخلية الأولى للجنين، والصور المتعاقبة في تطوره، لا يفلسـفون ولا يدركون تسـجيل أطوار المادة في كتابها من الذات البشـرية، وما يمكن أن يواصلوا هذا التطـور فيحاولون الكشـف عنـه. وهؤلاء وغيرهم من علماء الجيولوجيا والطبيعة والرياضة لا يلفت نظرهم البديهية الأولى للعلم عن الطبيعة من ثبات قوانينها، ودوام فعلها، وإنتاجها للآثار الملازمة لأعمالها، إذ يقولون المـادة لا تفنى ولا تسـتحدث، ثم يقولون ببداية للإنسـان كتاب الطبيعة ومظهرها ووليدها، ولو عمقوا إلى ما وراءه منها لوجدوه مصدرها وأبوها وسـيدها، وهذا ما حملته لهم الأديـان بمعلومها. ولكنهم قد باعدوا بين معلوم الدين إليهم وما يعطي العلم عن ظاهر الحيـاة لهم منهم، باعـدوا بينهم والنـاس معهم عن الانتفاع بقوانين الحيـاة يأتي بها الدين لتعمل بها الدنيا، فيرتفع النـاس من تحت الطبيعة إلى أحسـن تقويم مما هو فوق الطبيعة من الجنس، اجتيـازا لعوالم الطبيعة مهيأة ومسـخرة لهم وعين معناهم لهم في مراحل منهم لمرتقـاهم… إن الحيـاة على ما هي عليـه كانت على ما هي عليـه، وسـتبقى على ما هي عليه لا بـدء ولا انتهاء لها، ولكنها في وحدتها الثابتة أمر يتجاوز لما نسـميه الأرض والسـموات. وما أمـرها إلا مظهرا لمثالـه من الأمور لا عد ولا حصر ولا بدء ولا انتهاء لها.

إن أثمن الكشـوف العلمية التي تتمتع بها البشـرية في هذا العصر ما تواجد إلا ثمرة لما سـماه مكتشـفهم بالصـدفة، وليس في الوجود ما هو صدفة. فما كان مثله فيه إلا كطفل عابث أو مجتهد أخطأ الطريق فتلاقى مع الصواب بتوجيه غير مدرك، أو اجتهد فتأمل فكشـف فتابع فاكتشـف ما قدمه للبشـرية من أنباء عن عوالم غير منظورة، أو قوانين قائمة في الطبيعة غير مدركـة، كانت سـببا في تغيير معالم الحيـاة التي ما زالت في تطـورها يوما بعد يوم في خطـاها الأولى، وإنها لواصلة يوما إلى أعماق النفس البشـرية ومسـتخرجة منها كنوز سـعادتها الذاتية والاجتماعية، يوم يعلم الإنسـان أن الســعادة والشـقاء لا يتواجدان إلا في داخل الإنسـان، وأن سـعادة المجتمع لن تتحقق إلا بحـرصه في أهدافه على سـعادته الداخلية وحـريته الفرديـة وعدم تحديد الخدمة وقصرها على أمانه المادي بالحرص على الحيـاة المادية، وهو الحرص الذي هو عين التفريط لأنه لا يؤدي إلى الغرض منه، وعدم جعل مجتمع الأجهزة البشـرية أسـاسـا ومصدرا للسـياسـة والسـيادة الاجتماعية، وإن كان هو الحقل الحقيقي لمجال الخدمة الإنسـانية من الأرواح الحية بين مفرداته. فإن هذا هو ما يوصف بالفسـاد ولا يصح اتصافه بالإصلاح في نظر الحقيقة الإنسـانية، ولن يتحقق به ما يواصل الناس الحديث عنه عن السـلام أو الأمن والأمان.

يجب أن يتعلم الفرد طريقه إلى السـعادة الداخلية بالإيثار وتحمل المشـاق في سـبيل خدمة الآخرين بإدراك الأخوة الإنسـانية للبشـرية معاملة مع الأبوة المقدسـة المرضية لأزل الجنس في أحديتها، ووحدانيتها، وإحاطتها بحيـاة أبنائها من مفرداتـه، لا فرق في هذا بين أنبيـائهم، وحكمائهم، وعلمائهم، وجهالهم، وغافليهم، أو حكامهم ومحكوميهم.

وهذا لا يتحقق للفرد عن طريق قصر البنوة عليه أو على أحد أخوته. ولا يصلح به المنتفع به ممن هو في حاجة إليه من أخوته إلا عن طريق تلقيه من فيض محبة أخيه. إن القانون البغيض عند من شـرع له لن ينتج عملا حبيبا في مجتمع تطبيقه.

يجب أن يتعلم الفرد تفاهة وجوده المادي أمام وجوده المعنوي، وتفاهة عمله المادي الصادر عن جوارحه بالمقارنة لعمله المعنوي الصـادر عن قلبـه وعقلـه، وتفاهـة حاضـر الوجود أمـام مرجو التواجد. يجب أن يعرف كيف ينتفع بحاضر وجوده لقادم تواجده. يجب أن نفرق بين الإنسـان الزارع الحاصـد والإنسـان المزروع المحصود. يجب أن نفرق بين الإنسـان الطعام والإنسـان الطاعم… بين الإنسـان الخالق والإنسـان المخلوق… بين صورة الإنسـان والإنســان… بين الإنســان المعبـر والإنسـان المعبر به… بين الحق والخلق… بين الواضع والموضوع… بين الفاعل والمفعول… بين الوجود والخيـال… بين الحي والتمثال.

إن الإنسـان في الطبيعة هو ثمرة الطبيعة التي تنتجه وتسـتهلكه، ولكن في الثمـار نـواة قلّ أن تؤكل هي سـر الأشـجار. فهل هو وإن كان للطبيعة الثمـرة، هل فيه نواة الشـجرة؟ وإن كان! فكيف يصبح النتاج مصدرا للإنتاج؟ إن الإنسـان يعـرف كيف يفعل بالبذور، وكيف يدفنها في الأرض فتغوص بالجذور، ثم تتصاعد على الأرض بالجذوع، وفي السـماء بالغصون وبالفروع. فأين أرضه فيدفن؟ وأين زارعه فيخشـع؟ إن الثمرة أنتجتها الشـجرة، والذي أخـرج الشـجرة هو الذي أكل الثمرة. إنه التراب والمـاء، وإنه الأرض والسـماء. إن الإنسـان للإنسـان هو الشجـرة والثمـرة، وهو التـراب والمـاء، وهو الأرض والسـماء. ليس للطبيعة في مظاهرها ما هو أقـوى في تعبيره عنها من الإنسـان في مثاليته لها بظاهره منها، إنه الطبيعة وما فوق الطبيعة من طبيعة، وما دون الطبيعة من طبيعة. فلمَ لا يرتفع الإنسـان من الثمرة للإثمـار ومن الشجرة للإشـجار؟ ومما دون الطبيعة إلى الطبيعة وما فوق الطبيعة؟ إن الإنسـان هو الطبيعة في مفـرداته وجمـاعاته، وإن الإنسـان هو ما دون الطبيعة في طبيعته بمفرداته وجماعاته. فلمَ لا يرتفع من طبيعته مما دونها إلى طبيعته مما فوقها بجمـاعاته خلف مفرداته، وبمفرداته خلف جماعاته؟

إن الثمـرة أحيـاها فنـاؤها في مصدرها. منه بعثت بمخبرها. ولو تجـاوزت فنـاء ما عرفت من مصـدر، لبعثت بالأكبر لها من مخبر. إن الإنسـان لو دفن في أبنائه أرضا له، لبعث منهم بآبائه شـجرة لهم. ولو جـاوز بعمله إلى أحفـاده لتواجد من أحفاده بأجداده، ولو جاوز في تجاهل نفسـه فنـاء إلى ما لا يعلم لبقي مبعوثا متجددا إلى ما لا يدرك، ولا يُعلم.

إن الذات البشـرية هي أرض العقل المصلحة له، وإن القلب منها أرضه الجديدة الصالحة لتطوير قديمه نفسـا له، فإن عملت جوارح الأرض المصلحة لحرث وإثمار الأرض الصالحة، لتواجد العقل بقديمه مرة أخرى على أرض عالمه الجديد بما كسـب في كشـف قدسـية معناه بقراءة مشـاهداته لعالمه القائم.

إن للعقل بلطائفه من الروح والنفس شـأن مسـتقل عن الذات والقلب، وهو وإن كان سـر الحيـاة لهما إلا أن حيـاته لا تتوقف عليهما ولا ترتبط بهما، ولكن ظهوره وتطـوره ورقيـه لا يكون إلا بهما. إن الموت لا يلحق إلا الـذات والقلـب، ولكنه لا يلحق العقل ولطائفه. فهو موجـود قائـم بلطائفه قبل مولد الذات والقلب من الأب وتغلفه بأرض الذات من الأم. وهو يلازم جهازي إنشـائه الواحـد بعد الآخـر من الأبوين حتى يتوالد منهما، فيلازم جهازه الخاص متخليـا عنهما. فينمو هذا الجهـاز في حـدود صوره من أصل نفسـه التي تملكه من فيض الروح في رعاية العقل.

إن العقل ينمو في تكـرار التجـربة بتواجـده بذواته في عوالم النفس وعوالم الروح. أما هو بطبيعته فمتصل بعالمه الكبير حيثما وجد. ينمو في وعيه عن تجـاربه في رعاية العقول الكلية للوجود.

إن العقل لا يضاف إلى جهازه بالبشـرية. ولكن جهازه من البشـرية هو الذي يضاف إليه بوصف العبد له، الحق به قائم. إن البشـرية جميعها إنما هي جهـاز من أجهزة بمعناها لعقل كلي واحـد يدبر أمرها من السـماء إلى الأرض، ويجني ثمارها من الأرض إلى السـماء.

إن مفردات الجهاز البشـري لا يحتفظون بشـرف الوصف بالبشـرية في الانتسـاب إلى العقل الكلي لهم إلا عن جدارة، بما يصدر عنهم برباطهم به لخير مجتمعهم من فيضه وتوجيهه.

إن المسـتوي على عرش السـموات والأرض إنما هو العقل الكلي لمفردات الجنس البشـري المتواجد في ظهوره من كنزية معناه على هذه الأرض نفسـا له وصفت بالحيـاة مضافة إليه يوم اسـتوى إلى الأرض فكانها فظهرته فأخرج منها ماءها ومرعاها، يـوم انفعلت بالحيـاة في اسـتوائه فاهتـزت بالحيـاة ربـا لأحيائها فربت مضافة إلى ربها ومسـتويها وعين الحيـاة عليها وعين الحيـاة فيها. إن روح الحيـاة في مادتها هو بعينه روح الحيـاة في نباتها وحيوانها وبشـرها. إن تجمعات الحيـاة بصورها من الجماد والنبـات والحيوان والبشـر المنطلقة طاقات حية طليقة من دحية الأرض في معمل التفريخ الكوني الدائم تحت الشـمس الممسـكة بدحاها المحيطة بها، تتجمع سـحبا لسـدم في أطوار نشـأتها تتلاحق وتتكاثف في طبقات متصلة تحمل صور ومعاني الحيـاة التي تواجـدتها ثم انفصلت بها عن كثيف كونها إلى لطيفه المتقبل لمواصلة الانفعال، لإرادة روح الحيـاة، والمتكيف على صـور مرادها من العقل الكلي، المجدد لنفسـه منها على دوام، والمتجـدد بمعنـاه على تعاقب، والمسـتوي بجديده كلما تصـاعد عنها قـديمه، على تعادل في الصعود والاسـتواء، كاملا في حاضره من ظاهره، وكاملا في غيبـه من باطنه، له المثل الأعلى في السـموات والأرض مصطفيا من بين أبعاض كلياته لكلياته، على ما اصطفى آدم لنفسـه من كليات كله بشـرا فكان باصطفائه إنسـانا، وكان بإنسـانه حـقا لحقيقته وعنوانـا… بيت قبلته وطريـق وصلته، به عرف محمد أن صفة العبوديـة للأنا من الإنسـان، أرقى صور الرباط بالهو للرحمن، من حقيقة معنـاه، وأن اللانهائي المعبود للإنسـان يقوم به العبد العـابد في قيـام لانهائيته في خلقه، بدوام التعبيد للانهائي معبـوده، وأن الخالق والمخلوق وجهان للأزل والأبد في الإنسـان. بهما عرف أن الزمـان صفة الإنسـان، في حال توقيته في الظهور، وأن الدهر ليس بعيدا عن وصفه في تشـريفه بسـرمدي الحضور.

إن كل ذات بشـرية لها وجودها وكيانها المسـتقل عن مثيلاتها. وقد تواجدت على مثـال لا تختلف فيه قيـد أنملة عن تواجد مثيلاتها من حيث الجلباب. ولكنها تختلف بخلقها مظهرا لما فيه، وإن كان جوهرها يتصل بخـارجه من الذات على صورة متشـابهة، في التعامل وفي الروابط فهي في معناها تحمل معاني لكلياتها إلى الكل لها، وهي في مبناها، سـر الوجود حكما، وهي كون في محيط الأكوان فعلا.

تتجمع الذوات وتتبادل الخدمات للجسـد أو تتنافر عليها لإقامة الروابط الداخلية المسـعدة أو تبقى في حال من الظـلام بالغفلة عنها، فتعيش مواصلة الحيـاة على الأرض على حسـاب إنهاء ظاهر الحيـاة عن غيرها، من الإنسـان والحيـوان والنبـات والجمـاد، متجـاهلة أنهم أُخوتها من الأحياء من أبناء الأرض، فتسـتهلكهم عنهم بقولها البقاء للأصلح.

إن الكائنات الحية على الأرض تقوم في جهاز له حركة وحيوية تعرف له بداية وتوقن له بنهاية. فالبشـرية في عماء عن معناها تقـدره أنانيتها وتلتصق به، ولا تحاول التجـرد عنه أو التحرر منه قبل انهياره، ولا تقبل دعوة التحرير لأنانيتها، ولا تصدق أنه جلباب أو دار مُعار لها من الأرض، ولا أنها تستطيع عمل وامتلاك الكثير من نوعه، أو أنها إن تحـررت تسـتطيع إعادة صنعه من عملها على صورة أصلح للخدمة وأصلح للبقاء، بل هي في الواقع تسـتطيع صنع مصـدره من الأرض ومصدره من السـماء، ولا تقبل أنها إن تحـررت تحمل نـواة لأرض لجديد تواجدها بما تسـميه قلبـا لها يمكن أن تجدد به عالم هيكلها، بينما لا تشـاركها المملكة الجمادية والنبـاتية والحيوانيـة التي لا تملك ما تملك البشـرية، هذا النظـر بل وترى سـعادتها في تقديم ذواتها على مذبـح التضحية للقيام في الإنسـان الأزلي من عوالم الحيـاة - كما تحرص على مواصلة خدمتها له بالتكاثر في جديدها المتفاني للخدمة من قديمها الراحل معه.

إن أولى الوحدات الكلية الأصيلة التي تجمع مختلف الحيوات لعوالم الأرض ومن البشـر عليها هي الأرض نفسـها. فهي الأمومة الحيـة الواهبة للحيـاة والمهيئة لها على صورة مباشـرة بتكوينها منها لذوات الأحيـاء عليها. فهي الكائن الذاتي الحي الواحـد الذي انشـقت عنـه هذه الذوات الحيـة والذي يسـتعيد منها إلى مصدرها فيه ما بقي لها من طبيعته. فإذا لم تكن هي حيـة في ذاتها ما صلحت لاسـتقبال فيض الحيـاة من السـماوات ومن الإطـلاق ومن الغيب ومن الشـمس والكواكب ومنها لها. وما صلحت لإفاضـة الحيـاة منها على ما انشـق عنها من الكائنات. ولما اسـتهلكت وهضمت فضلات مظاهر الحيـاة الجزئية في حياتها الكلية عند انتهاء عملها وارتفاع ما تطـور بها إلى طاقة حــرة منطلقة.

إن أمومـة الكواكـب لأقمارها، وإن أمومـة الشـمس بدورها للأرض وشـقيقاتها من الأجرام السماوية من الكواكب السيارة، وأمومة الجامع الفلكي للشموس من السـديم الواحد، وكذلك الجامع الفلكي للسـدم والجامع له على تتابع لا يُدرك مداه في الوجود المادي الواسـع المتسـع، أصبح أمرا مدركا للوعي البشـري بصـورة يقينية، وإن أدركه الإنسـان على صـورة تقديرية مختلفة الدرجات في مختلف عصوره. وقد أصبح باتجاه النظر إلى الأصغر فالأصغر من الموجودات ممكنا للعقل الإنسـاني أن يرى المجهول في الكبير والأكبـر ماثلا بصورته في الصغير والأصغر في ظل قانون طبيعي قائم فاعل، أدركه الإنسـان على وجه اليقين عنده. وبذلك أمكن إدراك مجهول السـعة بالاتجـاه إلى الضآلة، فتكشـفت للإنسـان وحـدة الأسـرة الشمسـية كمثال أكبر لوحـدة الأرض والقمر أو الكواكب وأقمارها، كما عـرف قديم انقسـام وحدتها إلى مفرداتها، وانقسـام أصغر أجرامها الدائرة في أفلاك مراكزها حتى إلى إدراك الذرة المركبة والمبسـطة وأطوارها بدءا من ذرة بمركزها وتابعه وانقسـامات مركزها إلى مركز وتوابع، أو توحيد بينها منتهي لمركز وتوابعه إلى ما يقدر ولا يدرك أو يحصر.

وفي هذا تتلاقى معارف الأديان العقائدية عن شـرح الواقع الثابت المتجدد بعباراتها المحكمة والمتشـابهة مع معارف العلم اليقينية عن الطبيعة. وهذا فيه ما يشـبه قيام وحركة مفردات البشـرية من وإلى كليـاتها، كذرة مركبـة، أو مجموعة شمسـية، أو مجاميع متداخلة في سـديم واحد أو جماعات من السـدم في أصل لها. فالفـرد في المجتمع البشـري أصل لأمة حكما، ويعمل بالزمن ليكونها فعـلا. والأمة الصادرة عنه في البشـرية أصل لإنسـان يتجمع ليتواجد في المجتمع الإنسـاني، في عوالمه الروحية حكما، يعمل ليكون أحدية إنسـان واقعا وفعلا، مع الصبر وعبـر الزمـان والمكان. وعلى هذا قامت معارف وتوجيهات الأديـان يجمعها دين العلم في هذا الزمـان، وهو يحاول الكشـف عن هذه الحقيقة بأسـاليبه، وأنه ليوشـك أن يقدمها مقبولة سـائغة بما أصبح بين يديه من مقدمات لها.

هذا عن تجمعات الإنسـان بمعنوياته. أما عن تطور ذاته بمعالمه بين عوالمه فهو جديد لقـديم لبيت سـكينته وهو إلى عالـم فوجـود لمعنـاه عند مفرداتـه، من قيامه بمعناه في قيامهم ومعانيهم، بين فرق وجمع من فرد في بدئه وإلى فرد في غايته.

إن مفردات الجنس البشـري من حيث ذواتها بما يقوم بها من طاقات الحيـاة المتداخلة إلى الطاقات المطلقة، إنما هي في حقيقة أمرها نهايات لانقسـامات عن الأرض تجاوزت عهد الانقسـام إلى طور التجمع بأوادمها، فهي بدايات في الوقت نفسـه لعوالم أكبر على مثال من عالم نشـأتها وأمومتها.

فإذا ما تجمعت مفرداتها، وتداخلت طاقاتها، وتوحدت غاياتها، كونت بداية لعالم كبير على مثال من منظـور عالمها. فخلق السـموات والأرض هو التطور الأكبر لخلق الإنسـان من عالمي النـاس من البشـرية.

فإنه إذا ما التأمت وانتظمت هذه المفردات من الإنس وقديمها من الكواكب أو من الإنس وقرنائهم من الجن بمعنوياتها المتنافرة في الأصل الخالق، عن طريق الاختيار والمحبة، على مثال من انتظامها الحتمي بضروراتها في تناسـق ذواتها في مجتمعاتها في ركب الحيـاة القهري، لتكشـف لها أمـر وحدتها وهي في عالم نشـأتها هذا من عالم إنشـائها السـابق عليه. ولتكشـف لها بتوحد معانيها في الحاضر مع السـبق واللحاق في عوالم مفرداتها ما يمكن لمفرداتها من بناء عالم أكبر لمسـتقبلها في اتجاهين من تجديد المكان، وامتداد الزمان، وتطوير الطبيعة، ورقي المعنى لا نهاية لهما. وهذه هي الحيـاة بفلقها ورتقها. فالبشـرية الأرضية تكوين وسـط في الإنسـان بين قديمه وقابله، وبين عاليه وسـافله.

إن الكائن البشـري الواحـد منفصل متصل بالبشـرية والكون. كما أن الكون في وحـدته والبشـرية في وحدتها لهما كيـان منفصل متصل مع كليـاته بعيدا عن مفرداتها… متصل بكليته مع مفرداتـه من كلياته بأحديته معها، منفصل بقوانينه عن مفرداتها بمباشـر صـلاته في أحدية مع مفرداته. إنهما يقومان ويحييان على نظام من الاسـتهلاك الجزئي والإنشـاء الجزئي على ثبات لهما في كليهما، وذلك على نظام مقابل لاسـتهلاك الذات البشـرية لخلاياها وإنشـائها. فما ظهر الوجود في صمدانيته ولا مفرداته من العالم بتعبير عنه من مفرداته بقـدر ما عبرت عن ذلك الذات البشـرية في وجودها الصمداني النوع الموقوت الفردية. وهذا ما عنـاه الحكماء يوم قالوا (وتحسـب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر)[١]. فالكائن البشـري عالم كبير حكما، ولو ترنم مع القانـون الحتمي الذي لا يخطئ لروح الحيـاة اللانهائي لأصبح ما هو في قيام حكمي متواجد في قيام فعلي. وهذا ما يقيمه الإنسـان لما هو دونه من موجودات الحيـاة وهو يسـاعد بفعله النواة لتصبح شـجرة. فالنواة شـجرة حكما وأعطيت من روح الحيـاة القدرة على خلق نفسـها بنفسـها. {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}[٢] وأعطاها بالإنسـان هديها المهيئ لها سـبيل الانتفاع بما فيها من قدرة التخلق. وكذلك الكائن البشـري قد أودع فيه قدرة التواجد الخلقي المتتابع وأعطى هديـه لذلك برسـالات الروح الأب، والأم من أزلي الجنس لينتفع بما فيه محمولا إليه مع كلمات الله بالأخوة ممن صح لهم وصف الأبناء للإنسـان من الحكماء والنبيين والشـهداء والصديقين، كتبهم بأيمانهم عنهم، وأناجيلهم بصدورهم عن أزليهم. وهذا ما عناه الحديث عن حقيقة محمد يـوم قال للنـاس واضعا كـلامه في فيه ناطقا بلسـانه (ما ظهرت في شـيء مثل ظهوري في الإنسـان)[٣] . ويوم قال الإنسـان الأزلي عن المحـدث منه (…إذا أحببته كنته)[٤].

إن غريزة الحرص على الحيـاة، وشـهوة الظهور بها عند الفرد والجماعة على تقابل لها من الجنس والكون هي سـر الوجـود الأزلي والبقاء الأبدي الذي يحمله الجنس والفرد في طياته، ويحمله الكون بدوام تجديد مفرداته لحسـاب الجنس، ويجعل من الاسـتهلاك للظاهر والتجديد له اسـتهلاكا جزئيا وتجديدا جزئيا، يجعل منه لمجالات التجديد الغلبة على مجالات الاسـتهلاك فيه كما في الفرد النامي. وبذلك كان الوجود ناميا في مظهره وعوالم ظهوره، ثمرة للإرادة الصـادرة عنه بالظهور والبقاء. وبذلك كان الوجود قدسـي في ذاته، حي قيوم بالحيـاة على مفرداته. إذا ولد بحقيقته لا يفنى وليده. وإذا ولد بماديته اسـتهلك وأفنى قديمه جديده، أو أفنى جديده قديمه، في صراع سـرمدي على البقاء.

إذا أدركنا سـلامة ذلك، أدركنا في الوقت نفسـه مصدر تدريكه، من مقابلة مفردات الجنس للمفردات الكلية له بما لكائنات الكون في الوجـود المطلق من حركة. وعلمنا أن في انتظام تجمع وحـدات الجنس وجماعاته على ما نرى وفي صراعها ما يقابل بين كليـات الكون من عوالمـه، فاهتدينا بذلك إلى أن التجمع الاختيـاري، والصراع الاختياري، منتهي إلى تجمعات في وحـدات فطرية غريزية اضطرارية، لها هي في أحدياتها الحـرية والقدرة على صورة الإحـاطة، في معراج إلى الكمال النوعي والقدرة به، اتجاها إلى الترنم مع القانـون الأزلي الذي لا يخطئ ولا يهزم للإطلاق المنشـود، والمتحقق الارتباط به أزلا وأبدا من التواجد بين يدي رحمته. وكان في انتظـام هذا التجمع، وفي انتظام الصراع على الكمال فيه سـر مواصلة الحيـاة والنمو بها في الوجود وملء فراغه بالعوالم الجديدة للحيـاة الممتـدة من قديمها الأزلي في تواجد أبدي.

فالإنسـان البشـري تقترن معاني الحيـاة فيه مع حريته. ويقترن العدم له مع فقدانها. أما الكون المملوك له فتقترن معاني الحيـاة فيه مع فقدان الحـرية، ويقتـرن العدم له مع قيامها، بفقدان المتحكم فيه لسـلطانه عليه. فمقياس الحيـاة للإنسـان في مجتمعاته هو قسـطه من الحرية، ومقياس العدم له هو فقدانه للقسـط الضروري لقيام الحيـاة بها.

والفرد من الإنسـان هو معنويات الجهاز الفيزيقي المملوك له وليس هو الجهاز نفسـه، والكون بالنسـبة له هو هـذا الجهاز الفيزيقي نفسـه المملوك لإنسـان الوعي الكامل له، وليس هو الوعي العارض المسـيطر عليه وإن ظهر به.

فإذا تجمعت معنويات الأجهزة من مفردات الناس على مراد واحد، فتوحدت هذه المعنويات في أمر معنوي واحـد، ظهر هذا الكائن المعنوي الواحد على جميع مفرداته من الأجهزة بمعنوياته وإمكانياتها جهازا واحـدا له. وبذلك تكونت الجماعة الواحدة، أو الأمة الواحدة، أو القومية الواحدة إلى مرجو ومأمول البشـرية الواحدة في الإنسـانية اللانهائية.

بذلك كانت حيـاة الكائن المعنوي الجامع إنما هي في فقدان المفردات لمعنوياتها إلى معنويته، وحرياتها إلى قيام حريته، وقدراتها إلى عزيز قدرته، وكانت حيـاة المفردات في قيامها بمعنوية الكليات جارحة لها. وكانت حرياتها في تمثيلها لإرادتها ارادة لها، وحياتها في فقدان ذاتها قياما بها ذاتا لها. وبذلك كان العدم الفردي هو عين الحيـاة الكلية للمفردات، وكانت صحة الحيـاة الكلية في إدراك مفرداتها لقيامهم بمرادها ومعنوياتها حول فـرد مسـحها الذي كان معنى الفـرد فيه بعدمه عنه هو أمته بجماعها. وكانت الأمة السـليمة هي فردها الجامع لها.

وبذلك يدخل الفرد في دائرة الإحاطة ويبقى بها ويمثلها عند نفسـه من جماعتها. وبذلك تشـهد قدسـية الوجود في شـهود قدسـيته، بوصف جمعه، ووحدانية الوجود، في قيام وحدانيته أمة واحـدة. وفي إدراك هذا والقيام به قيامة الحق بقيامته. وهذا ما جاءت لتقدمه معارف الأديان النقية مع مؤسسـيها فتفرق الناس بها عنها وعن مصابيحها لهم.

إذا كانت هناك كليات آدمية في مجال لا نهائية الوجود الإنسـاني، تجدد نفسـها بدءا من وحدة جزئية لها ما زالت في عالم النشـأة والبدء من بشـرية هذه الأرض، وتواصل نمو حيويتها بإنهاء الحيـاة عن أبعاضها العاطلة فيها لتجـديد أبعاض أصلح تجديدا جزئيا لمفردات ذاتها في وحدتها بخلق الجزئيات الناشـئة الفتية المرجـوة لها عن طريق التخلص من مفرداتها الهرمة المثقلة بها بالرد إلى أرض النشـأة، وعرفنا أن هذه الأرض هي عالم البدء والإنشـاء لهذه العوالم الكلية دائما، كانت مفردات الناس من البشـرية عليها في ظل هذا القانون، في طريقهم إلى اسـتهلاك لقديمهم بجديـدهم من نشـأة، وفي هذا خيرهم ما تعجلوه ولم يتوقفوا مع قديم رث بال منهار. فإن حرصوا على قديمهم كان مدخلهم على هذا الظاهر من حيـاة الجنس في ظل هذا القانون إنما هو جيئة بحيوية تسـير إلى ما هو دونها، لا بحيوية تسـير إلى ما فوقها اسـتكمالا لقوة مدركة مرجوة.

وليس معنى هذا أن هذا المدخل حاكم للاتجاه في هذه الحيـاة حكما جبريا وهي التي بنيت على كامل الحرية الفردية والاختيار الفردي. فقد يتقهقر القوي المدخل إليها بقصد اسـتكمال نفسـه إلى الضعف بمؤثرات سـوء اختياره لقدوته، كما قد يفارق الضعيف ضعفه بمؤثرات إحاطته في حسـن اختياره لمن يكون عليه التجمع، وفيه الاقتـداء، وبه الأُسـوة. فسـلامة الدين في الاقتداء والتأسـي بالمثل العليا.

إذا عدنا إلى ما بدأنا به من تسـاؤل البشـرية عن زمان ومكان وصور نشـأتها، نجد أننا بهذه المقدمة قد دخلنا إلى الموضوع من البـاب الخلفي له. والواقع أن هذا هو المدخل العقائدي لا بل هو المدخل الممكن الإجابة به إجابة مباشـرة على التسـاؤل البشـري في عوالمه. كان هـذا هو المدخل الذي دخلت منه جميع الديانات على موضوع النشـأة الانسـانية. إذ أجلسـت الانسـان في كمالـه وبكرسـي سـلطانه على عرش الحيـاة الأزلية كأحـدية حية من أحديـات الوجود المطلق، وعالم من عوالمه لا بدء ولا عد ولا حد لها ولا توقف لها عن تواجد، وعرفت عنه بمعنى الحق الأول، ووعدته للاجتماع عليه الحق الآخـر، وجعلت الارتباط بمعناه والقيـام بمعناه في تصوير يسـتوعبه العقل أسـاس ما قدمت من علم وعقائد، ليراه المؤمن في مرآة نفسـه من قلبه في عالم ذاته، فتتفتـح لنفسـه أبواب المعرفة، وتتدفق على عقله ميـازيب الرجـاء، فيحيـا منه قلب القالب، أو يحيا منه فيه القلب الغير متخلق، في هيكل القلب المتخلق بغيبه من الحيـاة المطلـقة، ويتكشـف للعقل القلبي ما وراء حجـاب الهيكل المظلم بعيون وآذان وأنفاس القلب الحي المضفي بالحيـاة يسـتمدها من العقل على هيكل الوجود للذات كقلب متخلق ونواة لكون وعالم جديد، فيتحرر لطيف العقل من الرباط الطاغي عليه بمادة بيته، طائرا حرا في ملكوت الوجود الكبير، في الدورة الدموية البيضاء أو الحمراء للوجـود، بما لا يلبث أن يأوي إلى عرشـه من هيكله طلبا لمعروفه، طائفا ببيت قدسـه لملكوت الأكبـر بين جـوانحه حول سـراج القلب في مشـكاة الصدر.

أما الرسـالة الفطرية الجامعة للمعرفة مع محمدها من العقل الكلي، المتواجد على الأرض بوجوهه المتكاثرة، في دثار من صور النـاس في البشـرية، فقد دخلت على المعرفة من الباب الأمامي، وقد شـرفت العقل، وعذرت النفس، وقربت الـروح، وأقامت الهيكل، وجددت اللبـاس، وأحضرت الغيب، وغيبت الشـهادة، وعادلت الظاهر بالباطن، وعـرفت الباطن بالظاهر، وقدمت الكل في كنه الجزء، وكبرت الجزء إلى رحابة الكل، وفتحت أبواب الحيـاة للفقراء للحياة.

كيف يدرك الكائن الغير موجود بالحيـاة معاني الوجود الحي؟ بل كيف يدرك الكائن الموقوت الكائـن الأزلي؟ كيف يدرك الكائن المحدود الكائن المطلق؟ كيف يدرك الجهل كله العلم كله؟ كيف يدرك الظلام النور وهما لا يجتمعان؟ كيف يدرك الجسـد الروح وهما لا يتوحدان؟

إن عدم قدرة الجسـد على إدراك الروح لا يحط من قدر الجسـد، ولا يرفع من قدرة الروح. وأكثر من هذا فإن هشم الجسد أو تعطيل وظيفته كجسد لا ترتضيه الروح وإن هيأ لها أسـباب الانطـلاق. فالجسـد كينونة لها طريقها في التطور والرقي المنتظر على مثال من قديم لها وهي التي انتهى بها وجودها إلى هذه الصورة الجسـدية بدءا من شـبه العدم الذاتي في نشـأتها هذه من قديمها الحالي من أصلها البشـري، فهي الآن بدورها مـرة أخري في شبه العدم الذي كان لها في نشأتها من حاضرها تجديدا لقديم لها بعلقة وبويضة ظهورا من مجهول عالم إرادتها. فالروح تسـتريح لسـلامة الجسـد فعملها وظهورها به في هـذا العالم من مجتمع العوالم القائم لرب العالمين من الناس.

ظاهر أننا نعني بهذا الكشـف عن فعل القانون الصادر من الإرادة اللانهائية {كما بدأنا أول خلق نعيده}[٥]، وهو ما يقـوم في الطور الواحـد نفاذا لقانونه الدائب {خلقكم أطوارا}[٦] وليس لنا في هذا ما نضيفه إلى أنفسـنا… إنما هـو توجيه قانون هديه {وفي أنفسـكم أفلا تبصرون}[٧]، ومذكرة بيانـه {فلينظر الإنسان مما خلق}[٨]. لقد بـدأ الإنسـان الحيـاة على ظهر هـذا الكوكـب في عالم غيبها عليه من عـالم إرادتها به علقة تخلقت في صلب أبيه، خلقتها إرادته الفاعلة الجبـارة في جهاز عالم ذاته، خلقتها من طعامه المسـتهلك في نـار حضـرته من عوالم الحيـاة النبـاتية والحيوانية، مما ولدت هذه الحيـاة الأرضية بنظمها الخالدة وقوانينها السـرمدية في وجودها الأبدي، وليدة والدها الأزلي المرئي بالوجود المعروف بالإطـلاق. إن هذه العلقة تحمل في ذاتها سـر تكوين مصنع إنشـائها نواة لجديد منه، كما تحمل في معنوياتها سـر تجديـد معنويـاته بها جديدا لـه. فإذا هبطت من عالمها العلوي الغيبي عليها إلى عالم الأم غير المدرك لها، ولقيت فيه أرضها في ظلام رحمه فدخلتها فأخصبتها وأحيتها أرضـا طاهـرة حيـة قام عالم الأم على تطويـرها لتكون أرضا جديدة هي القلب، وعالما جديدا هو الذات، حتى إذا ما تواجـد وليد الوالدين أو الحقين منفصـلا عنهما بعـد انشـقاقه المتتابع عنهما ومواصلته الانقسـام والاجتماع في ذاته، بدأ العالم الثـالث للعالمين قيـامه في رعايتهما، أو الحقيقة الثالثة في رعاية حقيها، وفي ارتباط هذا الثـالوث من العوالم في وحدة مترنمة لقانون الحيـاة، متجددة الظهور بجديد لها أبـدا، مواصلة التكنز والتقادم في أزل متخلق لمعانيها سـرمدا. تعارف جـديدها لقديمها ربـا له، وتجدد قديمها من جديده عبـدا له، فتعادل القديم مع الجديد في أوصـافه، وتعادل الجديـد مع القديم في اتصـافه. تعارف الانسـان إلى الانسـان، وآمن الإنسـان بالإنسـان عبـدا وربا، ومخلوقا وخالقا، وحادثا وقديما، ومدركا ومجهولا، وقائما وغيبـا، فقام الحق وزهق الباطل. وهذا أمر لا يدرك إلا للعقول القارئة لكتاب الوجود في نفسـها، العاملة بقانون الحيـاة السـرمدية الذي لا يتعطل، والمدركـة للهـدي الأزلي، (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول…)[٩] و{ارجـع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسـئا وهـو حسـير…}[١٠]، فتقـوم البشـرى الموعودة للكـافة من الإرادة الأزليـة {فكشـفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد…}[١١] أو يقوم الإنذار الأزلي {اقـرأ كتابك كفى بنفسـك اليوم عليك حسـيبا…}[١٢] وتقـوم الحيـاة نفـاذا للقانـون على هـذا الوعي {علمت نفس ما قدمت وأخرت}[١٣]، {إمـا العذاب وإمـا السـاعة}[١٤]. (إنما هي أعمالكم ترد إليكم)[١٥].

فإذا كانت العلقـة من الأب قد دفنت نفسـها في أرض البويضة من الأم فنمت البويضة إلى أرض صورة قلب، وانطلقت العلقة فنسـجت حول هذه الأرض عالما كاملا من الذات، واسـتوت على عرشـه من الـرأس، فإن هذه الـذات بالنسـبة لمسـتقبل لها لا تعادل إلا ما كانت العلقة بالنسـبة لما تواجد بها.

فإذا قال وعي الجسـد بضرورة الرب المعبود فهو روحه. وإذا قال بالإلـه المعروف فهو معنى الحيـاة فيه. وإذا آمـن بالرسـول فهو كبير نفسـه وهو العقل الكلي لعقول مفردات الأعضـاء فيه. وإذا خالل الشـيطان فهو حرصه على مادته وجسـمه. وإذا وسـوس له وسـواس فهو غريزة شـهواته لحسـاب ماديته. وإذا عرف ربه فقد دخل قبلته في قلبه فحرر عقل، وحكم نفسـه، وطور هيكله.

إن النعمة في تحرر العقل من سـجن النفس. وفي تحرر النفس من سـجن الذات. كما أن النقمة في احتبـاس العقل في دائرة النفس، واحتباس النفس في دائرة الحس الهيكلي.

فالإنسـانية السـوداء من إنتاج الجلباب الترابي، والإنسـانية الحمراء من إنتاج النفس الحرارية، والإنسـانية البيضاء من إنتاج الوعي البشـري المنير.

أما الجلباب الترابي فهو تطور الحيـاة المعدنية والنباتية، وكذلك النفس الحيوانية هي تطور الطاقة الحرارية المكتسـبة من الشـمس المرتدة من الأرض في جلباب من التراب. وهي سـير الطاقة والحركة الكامنة في الحيـاة الأرضية على اختلاف مسـتوياتها، وهي تطور الحيـاة الأرضية في زمنها من العمر الترابي الذي يأخذ شـكل الجلباب الترابي الذي تطورت فيه، أو الجلابيب المتعاقبة التي تطورت فيها. والإنسـانية الحمراء يقف تطورها عند هذه الطبيعة البشـرية، تجـدد جلابيبها الترابية فيها على تواصل، وتجمعها فيها على تفاضل، وتتطور في ذاتها إلى رقي لا نهائي يتسـع ويرتقي باتسـاع سـيادتها المرضية عندها على مفردات من الجنس الترابي الممكن منها بكلماته، فهي قيام إنسـاني حقي على أسـاس من الطـاقة والأعلى منها يدرك التفاضل وينتظم على أسـاس من الإيمان به.

أما إنسـانية الوعي البشـري فهي تطور من البشـرية إلى المقام المحمود لها شـوقا إلى مصدرها من روح الحيـاة للوجـود، بتناسـي الذات والغاية الدنيا إلى ما وراء وحدانية الكل أي إلى المحبة الخلاقة.

ومن وحدة الإنسـانية بألوانها تتواجد إنسـانية الحقيقة في حضرات هي الملأ الأعلى وهو عالم الحقيقة المدرك لوحدته، كل واحد من مفرداته علم الوجود في ذاته وملأ صفاته. وهؤلاء أعلام لا تطيق الأرض وطأتهم، ولا يتواجد على الأرض أو على الكواكب أو عوالم الروح إلا مجـال لهم في دورة منتظمة من أوادم بدايات للجنس في مختلف مسـتوياته، بالتطور في ثياب ألوانهم من طبائعهم. ولكل وقت ولكل جمـع آدمه بمجـال له منهم في دوام منتظم متـرنم مع القانون السـرمدي.

إن أوادم الجنس هم الأبواب الأمامية للدخول على حقيقة الانسـان أو حقائقه المتعاقبة في معراجها. ولا يخلو زمـان أو بشـرية من تواجـدهم ولكن دورة الظهور لأحدهم هي ظاهرة كونية للأكـوان، وظاهـرة روحيـة للأرواح في آن معا، قَلَّ أن يجود الزمان بظهورها لا شـحا منه، ولكن مزيدا من الرحمة بالجنس وعوالمه، وتوسـعة في العطاء لمفرداته من روح الحيـاة اللانهائي… إذ بظهور هذه الأوادم أعـلاما على المعلوم المطلق تتحدد معاني الكفر والإيمان لمفردات الناس، ويصبغوا بطابع أنفسـهم من حاضر فعلهم واختيارهم، ويتركوا لهذا السـير حتى يغيـروا ما بأنفسـهم مع مظهر ينتظر في قابل حيواتهم المتكررة في جلابيب الأرض، وفي هذا خسـران لهم ولحيوات سـبقت في هذا الانتـظار. ومن يدري ما يكون من أمر حيوات تلحق في هذا الانتظار دون جدوى ما دام الأمر مرده كامل الاختيار!

إن في ظهور أعلام المعلوم من الأوادم إنما هو سـاعات فاصلة في حيـاة الناس، وبقدر ما يكون هذا الظهور بقدر ما يكون الابتلاء، والمسـئولية تنتج عن المخالفة والمبـاعدة. وبقدر ما يكون الخفاء منهم تكون النعمة وسـعة العطـاء للمؤمن والمسـتجيب مع الموجود العامل بينهم في القيام، كما يتخفف عبء المسـئولية عن المباعد والمخالف بدرجة الخفاء ومسـتواه.

إن تواجد وظهور أعلام المعلوم من الأوادم للخاصة بالمحبة هو ما أسـمته العصور القديمة للأديان بالقيامة. وظهورهم بالسـلطان هو ما أسـمته بالسـاعة. والارتباط بهم هو ما أسـمته بالطريق. والدخـول في معانيهم هو ما أسـمته بالتحقيق. وفوات الحيـاة بهم والمباعدة لهم هو ما أسـمته بالهلاك والنار.

لقد بنيت جميع تعاليم الأديان في العصور القديمة على تجمع مفردات الناس على المثل العليا بينهم، على مثال مما هو في الحيـوات الجنسـية الراقية لأهل الكواكب المتقدمة في الحضارة الذاتية والنوعية للجنس البشـري عليها من الملأ من أهل السـموات، محاكاة منهم للمثل الأعلى لحضرات الحقائق المجردة من عوالم المعاني.

وقد جاءت تعاليم الرسـالة المحمدية مجددة للإسـلام الفطري ميسـرة لأمر الارتباط بالباب الأمامي للمدخل على الحقيقة، بافتراضه معروفا عند الطارق في وجه كل إنسـان حتى يكشـفه له القائم على كل نفس من الموجـود المطلق وجها له، في حال صدق الطلب بتيسـير من تدبير المطلق لأمـر لقائه، وإن كان الرسـول لم يترك أمته مجهلا عنه من نفسـه وإن جهل عنه في الناس من ربه.

إن كل فرد من مفردات هذه البشـرية قد دخلها وبيسـراه كتاب يشـمل جميع خطـواته في هذه الحيـاة الظاهرية وما قبلها عن ارتداده من أحسـن تقـويم، هو لهذا الكتـاب يمين. فإذا انتقل هذا الكتـاب بجديد مرضي من عمله من معنى يســاره لمعنى يمينه، فكان الكتـاب يمينه قرأه وأدرك ما فيه، واتبع الحسـنة السـيئة فمحتها، وعاد للحيـاة الروحية فخورا بما قطع من أشـواط التواجد، وبما ربح من معارج المعـرفة بهذه الدورة من الحيـاة. أما إذا بقي بيسـاره كما دخل به وخـرج منها وهو في وضعه فقد سـقطت هذه الدورة من الحيـاة من حيـاته أو حيواته. وقد دخلها ميسـرا لما خلق له وخرج بنواياه وما خلقت له.

فمحمد ذاك الذي نقل كتابه ليمينه فقال هاؤمُ اقرأوا كتابيـه بعثا بالحق وقيامة به في حيـاة مقبلة في عالم الروح أو عالم الذات. وما بعث به محمد الرسـول من الحق يبعث به كل مبعوث بالحق ممن طلبه وعمل لقيـام الحق به بتعبيد نفسـه له وتسـليم ذاته ليد قدرته مبسـوطة في عباد له، على تتابع في تواجد في قادم أو قائم من حيواته.

ومحمد الرسـول في بعثه ورسـالته في قائم حياته بكتاب يمينه من قديمه مبعوثا به في جديده، ما بعث إلا ليتمم مكارم الأخـلاق في الفـرد للجماعة، ويبدأ بمعناه قيامـة الجنس بالحق. فلم يبعث بنشـاذ من الحق أو بمعدوم أو مفقود من رسـالة فقد جدد بكتـابه لأمته ما في الصحف الأولى أو الأمم الأولى لكل رسـالة عنونت بدء العبودية لأمة من عباد في طريقهم للتواجد الذاتي من عوالم الروح، كما جـدد ببعثه بالحق بدء العبـاد في طريقهم للتواجد على الأرض عوالم من عالم الروح هو لهم قائد ورب، ولأممهم حق وبدء، ولعوالمهم إمـام وركب. فعنـون ببعثه وحقه ربـا لعالمين علما على المعـلوم المطلق من الله في أنفسـهم، دورة لآدم أوادم له، وبدءا لبدايات تقادم له، مخلِّصا وبشـيرا، ومحققا ونذيرا، على سـنن من سـبق جحد، وعلى سـنن من لحاق وعد فكذب. وما كان شـرفه في ربوبيته خلفها في قومه، ولكن كان شـرفه في عبوديته حفظها واحتفظ بها لمعراج ذاته وأنانيـته قدوة بها لسـائر العوالم.

فالإسـلام لله ورسـوله - على ما جدده محمد بتعاليمه وهديه - يأخذ مسـلكين يتميز أحدهما عن الآخر تمييزا تاما على ما كان من الأمر في الأمم والرسـالات السـابقة تماما… أن يتعارف المسـلم للرسـول إسـلاما لله من المؤمنين بكتابه إلى إمام له يتابعه من بعده على ما تابعه عليه في جـزء حياتهما الأرضية المشـترك، أو إماما أخرجه سـابق عليه اللهم إلا إذا كان المؤمن قد أوصله الرسـول أو الإمام إلى ما وصل إليه، وأخـرجه للناس مشـيرا إليه إماما لهم، وبذلك وجب على من عرفوه متابعة رسـول الرسـول في أمور دينهم.

فإن لم يكن المسـلم للرسـول قد شـهده، ولم يعرف له في عصره من يتابعه ممن أخرج الرسـول للناس، أو ممن أخرج من أخرج الرسـول، واختفت من أمام ناظريه سـنة التتابع للمثل الأعلى المرضي، ووجوهه المتتابعة بحكم المتـابعة على هـدي الكتاب وسـنة صاحبه، وجب اتباع المسـلك الثاني من حسـن الظن بالمعبود في الكافة، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر مع أي من النـاس حسـب الاجتهاد والتقديـر الشـخصي، (عض ولو على جذع شجرة)[١٦]، مع التهيؤ لاسـتقبال الإمـام المعتقد وجوده والمنتظر للقلب ظهـوره في حـال لقائـه، إذا ما تهيـأت الأسـباب عنـده لذلك، مع اعتقـاد دوام قيامه في النـاس ويقين تجدده بينهم بتجددهم بالموت والمولد بغير انقطاع.

أما المنتظر من أمر الله بمعنى السـاعة فهذا له شـأن آخر ولا يمت للهـدي البشـري بصلة. فهو السـاعة في وصفها بالمرارة والقهر لجاحديها والمنكرين عليها من دوام قيامها بعباد رحمته، ومصابيح نوره، ووجـوه الحق من قدسـه. إنها ظهور عبد اسـتقامة على الأمر منه وقيام في موازين العدل به لأهل المكابـرة وأهل الغفلـة من خلقه، وقد جحـدوا سـلطان رحمته معهم لخلاصهم من قوانين عدلـه القاضية في اسـتقامة تطبيقها بهلاكهم على دوام من قيام، وتواجـد وظهور وعمل، وقد عطلها سـلطان رحمته بقيام عباد حضرة الرحمن بينهم، {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}[١٧]، {واعلموا أن فيكم رسـول الله}[١٨]، فظهور عبد العدل بسـلطانه لا يكون إلا بعد تخلي القلب عن القالب في عباد الرحمن فيقومون على الناس بنفوس قوالبهم ولا يتعاملون معهم بحي قلوبهم، وهو ما يشـفق منه عباد الرحمن أن يكون لما يعلمون من شـدة وطـأة الحق على الباطل إذا عولج من خارج النفس البشـرية التي حاولوا خلاصها بهديهم ومثاليتهم لها وإفاضتهم بأنوارهم عليها رغم ارتداد هذه الأنوار إليهم لتغلف النفس في جلباب ظلامها وجحودها بقدس ربها فيها وبقبلته أمام ناظريها، فيصدر إلى قلوبهم الأمر بالتخلي وعدم الحيلولة بين الناس من خلقه وبين مظاهر عباده وهو ما يطلبه الناس من ربهم بجهلهم، ويشـفق منه أهل العلم لخيرهم ورحمتهم.

وها هو الملأ الأعلى الذي جاءت منه رسـالات الرحمة التي ختمها محمد لبقايا من قبله من أمم الرسـل، وبدأها بعبوديته لسـائر من بعـده من العبـاد لأمة البشـر أمة واحدة، يتلافى هذا الانحـدار إلى الهاوية في انتظار هذا المطلب الخاطئ الذي جعله محترفو الأديان سـتارا يحجبـون به أهل الحق بين النـاس عن الناس لحسـاب أنفسـهم بمعناهم، فكانوا به جنود الباطل وأبالسـة القيام مما كاد أن يذهب بسـلام البشـرية ويقضي على حياتها المادية بعد أن قضوا به محترفين شـهوة الاسـترزاق بالدين على حيـاة الجنس الروحية والمعنوية.

ها هي الروحية تجدد من واقع الاتصال الروحي العلني المدرك لظاهر الإنسـانية من عوالم غيبها رسـالتها الأزلية، على رجاء دوام بها لدوام تجديد نصيب الحق بعباده بين ظهرانيها، قبلة صلاة لجماعاتها وبيوت طواف لبيوت الاعتمار بها.

ها هو ركب الأرواح المرشـدة يزحف منتصرا يتقدمه الروح المرشـد العظيم رسـول الروح الأعظم وقبس النور لروح الحيـاة اللانهائي السـيد (سـلفربرش) الرفيـق الأعلى لذوات الرسـل من البشـرية الذي عمل معهم جميعا، وهو مثال الإنسـان الكامل للبشـرية من جمعها المتواجد في الملأ الأعلى من الآباء من أوادمها من رفاقه، ظهورا لآدم أوادم على أرض آدم على ما سـبق أن بلغ الرسـول (لا تقوم السـاعة إلا ويظهر على الأرض آدم)[١٩] عـودا من السـماء ذات الرجـع وإنـذار قيـام لذي قـرنيها من الأرض ذات الصدع.

ننتهي بذلك كله إلى أن الحق والمعرفة يتحد في جميع الأديان عند مؤسسـيها ومجدديها من قبل محمد ومن بعده، وأن الدين وحدة من حلقات متصلة بكتبـه وأزمانه، وأنه لا يسـتقيم عند أمة من أممه على أسـاس من كتاب لها إلا في ربط ما في الأمم الأخرى، وما في الكتب الأخرى لتكشـف ما وراء الألفاظ في كل تبليغ. وقد اختصت كل رسـالة بتفصيل عن زاويـة من زوايـا الحقيقة مع إجمال عن الأخرى أو مجرد إشـارة إليها.

أما الطريق أو السـلوك إلى قيام الحقائق في النفس وإدراكها بالذات، وهو ما عرف عند أهل الأديان من أهل المعرفة والصدق والإيمـان باليقين، فقد رسـمت له في جميع الأديـان طريقان فطريان… المجاهدة الفردية المنفردة اسـتقامة مع نبع الذات وراء مدرك العقل دون مرشـد خاص، أو القيـام في ذلك مع مرشـد خاص تقوم العلاقة معه على أسـاس الإعجـاب به والرضاء عنه والحب له، والمطالبة للنفس باحتذائه في العمل والخلق، والرضاء بمواصلة الحيـاة معه في دنيا التواجد وأخراه، طلبا للمعرفة عن الله في النفس.

أما سـالكو الطريق ابتداءً أو انتهاءً بالارتباط بقدوة مرتضاة فمسـلمون كتابيون انتفعوا بالرسـول والكتـاب وقد بدأوا الحيـاة ويواصلونها في الحيـاة الروحية مع إمامهم مظاهرين له ومظاهرين منه لاسـتكمال ما فاتهم. فالطريق هي التسـامي بالمعرفة وكشـف الغطاء من النفس المظلمة عما يكمن فيها من نـار الحيـاة ونورها في جلابيب الظلام والتراب لها. والطـارق إلى هذه الغاية هو العقل الممتطى إلى مراده للنفس الحيـوانية، والمطروق هو الذات الكونية بتطـويرها إلى الوجـود الأكبر لها بالحيـاة المتكيفة عن تطوير النفس المسـتجيبة لمراد العقل، المجددة لمادة الذات خلف من سـلك هذه المسـالك وعرج هذه المعارج، من رائـد صالح بالمؤاخاة والمحبة والتفاني إلى الغاية بمصاحبة روحية معنوية دائمة له في كل الأوقات والأعمال بأوصافها من الطاعة والغفلة.

أما سـالكو الطريق خبط عشـواء ممن يجاهدون أنفسـهم فرادى بتوجيه عقولهم فمسـلمون فطريون، في حاجة في حياتهم الروحية لإمام ونبع حيـاة قد يصادفهم في الحيـاة الروحية إن أحسـنوا الاختيار له، وصدقوا في حياتهم الأرضية الطلب للرباط به والشـوق إليه من مؤسسـي الأديـان أو مجدديها، فيبدأون الحيـاة معه فيها مظاهرا لهم ومظاهرين له، وهو ينتهي في دورة لهم إلى إلحاقهم بإمام لهم من الأرض، وهو ما فاتهم زمن التواجد عليها.

وسـالكو الطريق الأول قد لا يحتاجون إلى موالد لذواتهم كثيرة في الحيـاة الأرضيـة في حـال صدقهم، وقد يكفيهم أن يعودوا أرواحا مهيمنة بعد إفاقتهم من سـكرة الموت حتى يتهيأ لهم أن يعودوا إليها بموالد هداة مبعوثين أو مع هداة صديقين لهم باختيارهم وبعد إعدادهم باجتياز لمجالات للإرشـاد والهدي. أما سـالكو الطريق الثاني فالعودة بالمولد في هذه الأرض أجدى عليهم، ولهم إليها حاجة، ومنهم إليها حنين حتى يتخذوا لهم قبلة إمامية يشـهدونها في حياتهم الأبديـة المتواصلة بعينها فيهم قوام قيامهم معها يتوحدون، إلا إذا وصلوا لهذا الوعي مع من ألحقوا به في حياتهم الروحية من إمام في البشـرية.

ما دعا داع صادق إلى الحق إلا دعا الناس إلى الحق في أنفسـهم على ما عرفه في نفسـه، مؤمنا بالحـق قائما فيمن دعاهم إليه في أنفسـهم. وما كان داع لمن دعا إلا مثلا مضروبا يحتذيه موعـودا لنفسـه منـه بما شـهد ويشـهد فيـه. فهو أبوتـه أو معلمه أو ربوبية اختيـاره وجها لوجـه في ربوبية وألوهيـة اضطرارية للموجود الأكبر الجامع لهما في القيام وفي روح الحيـاة اللانهائي المطلق، وذلك في ظل قيام وعمل قوانين الفطرة للحق الأزلي المنفرد من روح الحيـاة الأعظم اللانهائي.

إن علاقة الإطلاق بالموجودات ليس للموجودات فيها اختيار، ولا توصف الموجودات معه بالعباد، ولا يوصف هو معها بالسيادة، بل بالقانون الخالق والمتجلي بالخلق، فلا توصف العلاقة له مع الموجودات بالربوبية في الحقيقة. فالعبـودية والربوبية لفظان للتعبير تعنيان معاني السـيادة والمسـودة أو القياد والانقياد، وكلاهما وصف في عباد الله مجتمع لكل عبد لله في نفسـه، يقوم عليه به قائم منه، ويقوم هو به على من يقام عليه منه.

فكلما اتصل العبد بعباد لله توحد معهم، وتجدد الاتصاف لأحدهما مع الآخر تبعا للاتجاه الداخلي أو الخارجي للناظر والمنظور في وحدتهما من المركز الموجه أو المحيط المتجه الموجَّه، أو من المحيط الشـامل الموجِّه، أو تبعا للاتجـاه الزمني من القبل والبعد عندهما في اتصـاف الأب والابن، أو الخـالق والمخلوق، أو في الوجهة إلى الإطـلاق اسـتقبالا منه في وحدتهما، أو انطـلاقا إليـه بشـتاتهما. والإطـلاق يحويهما ولا يتأثر بهما وإن تأثرا به في أمرهما وتطورهما.

فالبحث عن الحقيقة في الواقع يقتضي البحث عن المعلم، كما أن يقين الحقيقة في الوجـود يقتضي يقين المعلم في القيـام، وصدق الباحـث في الغاية، وصفاؤه في الطلب يحدد نوع ومسـتوى المعلم المحتمل الاجتماع عليه وزمان الاجتماع به.

ليس للإطـلاق بوصف الحقيقة صفة زمنية أو مكانية أو نوعية، ولكنه يتحدد بصفاته عند المعبد لنفسـه، المنطلق حسـب اتجاهه من القبل والبعد، أو إلى الخارج المحيط أو الداخل المحرك، أو الكيان المحكوم والكيـان الحاكم بين نقطة المركز من القلب ودائرة الذات، أو نقطة الذات ودائرة الهوية.

إن العقل المفيق والقلب الحي في الذات المتوحدة بهما بمفردات الجوارح البشـرية لهما يكوِّن أصـدق تصوير لمثال الحقين المتوحدين وملحقاتهما في دائرة ثالثة لحق لهما، تمثل المطلق المحيط عندهما، فأحدهما عقل للآخر أو قلب له وبالعكس حسـب الأحوال وبلا تمايز، وقد يتكون الثالوث من الهيكل الواحد إذا شـارك وحيا الجلد مع الضفيرة الشـمسـية للعقل والقلب.

وتظهر آثار هذه الوحدة في صورة من صورها في ارتباط شـخصين من البشـرية عن طريق الرباط النفسـي في روابط التنويم المغناطيسـي، وكيف يتغير بها حـال النـائم إلى ما في جوهر المنـوم من إمكانيات الروح المتحد، باعتبـار جسـد النائم جارحة لمعاني الوحدة في الروح المتحد للمنوم، يوجهها العقل الظاهر من ذات جهاز المنوم، وهذا طبعا مع فارق إمكان تبادل الوصف والمقعد في المخـاللة الروحية الكاملة في حال التعادل في دائرة الوتـر بالثالث لهما، المسـوى بينهما والجامع لثالوثه فيه بهم بسـلطان غيبه.

فإذا قلنا إن البشـرية وحدة، وأنها واقعة تحت سـلطان روح جامع لها بتأثيـر أرواح جامعة فيها في هَـرم منتظم، وأن هذه الـروح وما فيها بدورها مع مثـالها يقعون تحت تأثير روح أكبر في تهـرم أكبر، وأن هذه أيضا مع مثالها يقعون تحت تأثير روح أكبر لهرم أكبر، وهكذا، اسـتقام وعينا في روح الحيـاة اللانهائي، وأمكننا أن نقدر أن الـروح الجامع للبشـرية يمكن أن يكون من بين أبناء هذه الأرض، سـواء في سـابق أو لاحق أو قائم، وأن صاحب المعنى أو قائمه كان له سـوابق ويكون له لواحق ظهور عليها، وبذلك يسـتقيم فهمنا عن آدمنا. فإذا قلنا إن الأكبر والأكبر منه كذلك كان لهم ظهور أقدم فأقـدم، ويكون لهم دوام ظهور أبعد وأبعـد، أدركنا أن هذه الكلمات من الأرواح هي بدايات الحيـاة المبعوثة على هذه الأرض بمن أسـميناهم أوادم أو كلمات لله أو أرواح قـدس الله أو عبـاد اصطفاء الله، وذهبنـا في هذا إلى مجهول الزمـن من الماضي والمسـتقبل، أي مجهول الخلق من الخالق، لأزلية الخلق بأزلية الخالق… فأدركنا تعبير الرسـول في هديه (قبل آدم مائـة ألف آدم)[٢٠]، وأدركنـا ما أراده الرسـول بقوله (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا)[٢١] ومراد الكتاب إذ يصف الناس وهو يتوفاهم في منامهم، وأنه يتوفـاهم إلى حال الوعي بالموت عنهم، فيبعثون بالحيـاة أحواضا لها بين موتى الناس، فأدركنا مقالة عيسـى عليه السـلام، وهو يقول لأحـد حواريه (دع الموتى يدفنون موتاهم وابق مع الحيـاة)[٢٢] ،كما أدركنا قوله عليه السـلام إذ يتوجه به إلى الأب الذي آب إلى غيوب لا تدرك له، مدركة عند أبيه وربـه {تعـلم ما في نفسـي ولا أعـلم ما في نفسـك إنك أنت عـلام الغيوب}[٢٣].

فإذا حقق منا لنفسـه محقق هدي رسـول الله من (موتوا قبل أن تموتوا)[٢٤]، وهدي الكتاب وقد ضرب ابن مريم لأهله مثلا فإذا قوم محمد به لا يؤمنون وعنه يصدون، عرفنا أن تواجد كلمات متتابعة لله في الجنس البشـري الذي هو دوام آدم أمـر ميسـر ومبشـر بل وضروري، وأن آدم وهو وحدة الجنس البشـري بلا بـدء يدرك لنوعه في أراضي الوجود وعوالمه يتلقى دواما هذه الكلمات حيث يوجد بأراضيه وعوالمه، وأن تواجد كلمة تامة بين مفردات الجنس إنما هو ظهور الروح الأب الجـامع للبشـرية في بيئة مفرداته في جلباب الجسـد للمعنى المسـتكمل للحيـاة ودوامها كهيكل لظهور كلي الحضـور من الروح والذات علما على الأقدس من الرفيق الأعلى من الإنسـان عبدا ورسـولا له، وأن هذا أمر فطري وقانون دائب ما دام الجنس في وصـف آدم المخلوق من آدم الإنسـان الخالق… ينتقل حاضـره في وعيه العام، وعقائـده من الوعي الخاص لخواصه، إلى مرحلته التالية في سـلم معراجه البشري، باعتقاد قدس الإنسان في روحه ونفسه وذاتـه، بتعميم وصف وصفات الكلمة على مفرداته، والعمل للبعث بها مشـهودة بالمتابعة لها، موجودة في نشـأتهم الفطرية الأرضية المتطـورة، على اختلاف المسـتويات لها، وهو ما سـوف يكون بعد مرحلة وسـطى من العمل واليقظة في ظل انتشـار حقائـق الدين على وجهها الصحيح باسـتقامة الجميع على أمره، في السـياسـة والاجتماع والعلم والمنهج، باسـتجابة نداء السـماء والرسـالة الروحية الحديثة.

إن عالم الروح من البشـرية الأرضية تقوم مثله العليا في كلمات الله من أبناء الجنس، وهي معاني الحضرات الربانية فيه، والبيوت التي يذكر فيها اسـمه منه، ولكن لا يظهر أمرها على الأرض سـافرا في تواجـدها لعدم اسـتكمالها لصفات الإنسـان، للجلبـاب الأرضي لها، إلى معاني ذي القرنين الذي يتواجد منها يقوم على البشـرية باسـم الله الرحمن الرحيم، وهو ما تم دون سـفور به لكلمة الله التامة في جلبابها محمد، ليحكم بما أنزل إليه، وتعرض عليه الأعمال في قيـام دائم، أما قيام من قام باسـم الرحمن الرحيـم على عالم الجـن كسـليمان وأمته من صـوره فقد كان فيه مثالية لمن قام بها في عالم الروح من الإنس كعيسـى حيث ملكوته من النفوس النورانيـة، أما تجمـع هذه الكلمات ينتظمها حضرة ربانية لعبد لله وحدتها الـروح العظيم المعروف بروح القدس، ليقوم بها في وحدة كإنسـان واحـد أو حـق واحـد، فهذا لا يتواجد إلا في وحداته من الملأ الأعلى، وروح القـدس بمجتمعه من كلمات الله فيـه جوارح له، فينتظمه عالم إنسـاني من الحقائق السـابحة في روح الحيـاة المطلق اللانهائي، وهؤلاء يجتمع لهم فيهم معاني الأحديـة والواحدية، ومنهم تنبع صفة السـيادة، وبهم تقوم صفة المسـودة يفيضون الربوبية والرحمة والمعرفة على عبـاد لذوات معانيهم بالأبوة، فيظهرون باصطفائهم من النـاس بين البشـرية كمجالات لهم، كما يظهرون أيضا بمجـالات لهم في عوالم الروح يعنونون لأنفسـهم كمال الإنسـان وحقائق الرحمة وحضرة الإحسـان، وهي الحضرة المطلوبة والمنشـودة لمطالعة صفات الجمال والجلال للمعروف المنزه والموجود المطلق المذكور في معارف الأديان باسـم الله وكلمة الله ولفظ الله، ويعينون طالب المسـودة بالعبودية على تحقيق طلبه.

في عالم البداية من هذه الأرض لأهلها تبدأ الحيـاة فيضا من أزلية الحيـاة ولانهائيتها المرة بعد المرة، بدءا بعد بدء، وبعثا لكل بدء خلال الجديد من كل بدء. وبدوام بدايات الحيـاة بمفردات الإنسـان عليها تعرف أبدية الحيـاة لأهلها، وببعث مجالات القديم من خلال الجديد تعرف أزلية الحيـاة لها.

وعلى هذه الأرض يظهر رجال الملأ الأعلى بحقائق العبودية بين ظهرانيها مشـهودين لعوالم الروح بمعاني الربوبية في مثالياتها، سـماءً لسـمواتهم، فيسـتقبل عالم الروح من أهل السـماوات، ممن لم يسـتكملوا معانيهم لقيـام الإنسـان الكامل، البيت الأعلى الموضوع علما على الغيبي عليهم، المرفوع عن مسـتوياتهم، قبلة صـلاة لهم، في حـرم الوجـود، لدائـرة مركزها الأرض، اتجاها إلى مظهر الأكبر من الحقائق في منسـك العبـادة لله، والتطلع إلى وجهه الكريم، في طلعة له توحدت مع الأقدس… وقامت في تقييدها به، علما على مطلقه من القيود، وغيبه في اللانهائي المعروف بالوجود، والمعبود الموصوف بالتنزيه.

ومن هذا يمكن لنا فهم قوله تعالى في كتاب الإحاطة {وفي السـماء رزقكم وما توعدون}[٢٥] وارتبـاطه بقوله {إني جاعل في الأرض خليفـة}[٢٦] فهما مسـتقيما، كما يمكن فهم وربط هدي الرسـول (يخلق اللَّه له صورة يتجلى بها على الخلق يوم القيامة)[٢٧]، بقوله (أول من تنشـق عنه الأرض أنا)[٢٨] وتعليمه (أقربكم مني منازل في القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون)[٢٩]، وسـفوره بالحق (من رآني فقد رآني حقا)[٣٠]، وهدي الكتاب إليه {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سـيئاتهم وأصلح بالهم}[٣١] وتبشـير الرسـول بمكنة الصلة بالحق للكافة في تبشـيره (خلفت الله عليكم)[٣٢] بيانا لتبليغ ربه {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان }[٣٣].

ونخرج من هذا ومن غيره مما لم نشـر إليه ومما يمكن إدراكه للمتبصر أن محمدا عرّف عن العبودية والربوبية والألوهية والتنزيه والإطلاق تعريفا كاملا مسـتقيما. كما عرف عن الخلق والحق تعريفا شـاملا مبينا.

وما عرَّف محمد إلا لما عرف من أمر قام به، وقام عليه، وأقـامه منـه، عن إدراك وحس ووعي كامل شـامل. أدرك العبودية لنفسـه كما أدركها لغيره قبله من أهلها قام معه خليلا حبيبا. وأقامها من نفسـه مخاللا محبا. وأدرك الربوبية له عبئا عليه القيام به، كما أدركها فضلا عليه، على ربـه يتوكل وإليه ينيب، فأقامها منه لمن عليه توكل وإليه أناب ممن دعاهم إليه وجها لربه فأجـاب. وأدرك الألوهية له بمعراج العبودية فيه، كما أدركها عليه بوعي اللانهائي المنشـود مطلوبا منه ليكون له مجالـه فيه لا يحاط به مدركه فيه مجال له. وأدركها مفاضة منه على من يتابعه بحرصه على بقاء العبودية وصفا وفعلا له في مواصلة طلبه للانهائي التواجد في لانهائي الوجود.

محمد بين النـاس… ومحمد في النـاس… ومحمد فوق النـاس… ومحمد تحت النـاس موضوع الدين، وموضوع السـلوك وموضـوع اليقين، وموضوع العـلم. إن موضوع محمد هو موضوع الناس، وإن موضوع الناس هو موضوع محمد. وإن موضوع الله في الناس أو بين النـاس أو على الناس أو قبل النـاس أو بعد النـاس إنما هو موضوع محمد النـاس… ومحمد الله… ومحمد الخلق… ومحمد الحق. إن قضية محمد هي قضية كل إنسـان كيفما كان وأينما كان.

لقد عرَّف عبد الله ورسـوله محمد عن ربه ودعا إليه. والرسـالة الروحية التي يتطور إليها الاتصـال الروحي في هذا العصر، بعثا لحلقات الاتصال النبوي واسـتكمالا لها، إنما هي رسـالة واقع بقانون الفطرة، به يقوم التعريف لما أنكره النـاس على الله في أمـر أول العابـدين ورسـوله إليهم، وما أنكـروه على الله في أنفسـهم ولأنفسـهم تبعا لذلك. يقوم بها عباد ملائكيون أرضيو النشـأة تمت لهم كلمة الله كما يظهر فيها قيام لإنسـان العبودية في محمد الحـق فنـاءً في الرفيـق الأعلى له، معرفـا عن روح الحيـاة اللانهائي والروح العظيم في رسـوله، كما عرف هو عنه ربا له، جامعا النـاس عليه، باجتماعهم على وجه قيامه رسـولا من أنفسـهم، مجـددا به لهم قدوة عامة وأسـوة مرتضاة جحدوها في أقوامها، وحرفوها في أعلامها، وبيوت قبلة ظاهروها ما جددوها، وحقائق أنكروها كلما ظهرت، وما تابعوها حتى خبت، ورحمة فارقوها ما وردوها، ومعرفة أغفلوها ما اقتنصوها إلا من رحم، فضلا عن طريق مسـتقيم أخفوا معالمه، وسلام مقيم قوضوا قوائمه وفاءً بسـابق وعده، ونفاذا لقديم عهده، فاجتمع لأمة محمد الهدى، وهـدمه بعد أن نفذ {جمعه وقرآنـه}[٣٤] ليظهره بأمته على الدين كله، بعد أن أظهر الرسول على الدين كله، وحفظه في خاصة العلماء من قومه، فإذا الإسـلام يعود غريبا كما بدأ. وإذا الجاهلية الثانية أكثف ظلاما وأثقل عبئا من الجاهلية الأولى بما يصاحبها من جهل باسـم المعرفة… وظلم باسـم العدالة… وحرب باسـم السـلام… وظلام باسـم النور.

محمد عبد الله الذي لم تعمه رؤية الله في نفسـه عن رؤية الله في النـاس إذ به رآه، حيثما ولى فوجهه، ولم تعقه رؤيـة الناس فيه محيطا بهم عن رؤيته لنفسـه في الناس محيطين به، ولم تعطله رحمة الله لذاتـه عن اسـترحام الله لوحدانيته مع النـاس، ولم تكفه معرفته بربه في ذاته عن ضرورة معرفته له في صفاته مع الناس في ذواتهم ارتباطا وامتدادا لصفاته اليه ومنه، عمل لنفسـه ولغيـره، ولم ينتظر أو ينظـر للجزاء أو الشـكر. اتهم نفسـه دائما ولم يتهم ربه أبدا. وابتلي فرضي ولم يجـزع للبـلاء. فقُبل وأُعْطِيَ فلم يقنع بالقبول ولم يغن بالعطاء. طلبهما من ربه للمؤمنين على ما حققهما له، طلبـا لنفسـه من ربه شـفيعا متوسـلا، فجعله الله أسـوة لمن يُقبل، ومثـالا لمن يعمل، وأظهره للنـاس ومكنه من الظهور في النـاس خلافة له فيه مرتضاه، ورسـولا بالحق وبمعنـاه، وعبدا أكـرمه وتولاه، وخالـله في هيكل قدسـه وبيت ذكره بمعناه تنزيها لغيب الله وكمالا لأحدية العبودية في عبوديته للرفيق الأعلى لعين معناه.

الرسـالة الفطرية في دوام تتعدد. واتصال السـماء بالأرض في دائم قائم يتجدد. وها هي الأرض تشـهد منذ نيف وقرن من الزمان بداية لاتصال جديد واسـع بين السـماء والأرض، بين الغيب والشـهادة للجنس، بعودة الأرواح الأمينة المرشـدة على مسـرح الحيـاة الأرضيـة، تمهيـدا لبنـاء آدميـة وإنسـانية رشـيدة من أبنـاء الأرض، نزاعة للسـلام بعثا وقياما لعالم جديد عليها، على أنقـاض عالمها المتـداعي بمدنيته المـادية الخـرقاء، وقيامه البشـري المتحلل في صرح ذاته المنهار انقضاء لزمان وأهله وقياما لزمان وأهله.

لقد دار الزمان ببشـرية هذه الأرض دورة بدأت بظهور الحيـاة عليها فيما قبل التاريخ، وتمت باختباء آدم منها نفسـا توفيت بموتها عنها إلى محييها وهاديها في التاريخ العقائدي، المعبر بالتصوير الإشـاري المعنـوي يوم تجددت بنوح وسـفينته ذاتا جديدة ومظهرا لقديم لها من أرض نشـأتها وعـالم صفوتها وجنة اختبارها ونار اصطبارها، على سـنن من سـبق مجهول عليه، معـلوم له به، في سلسـلة من بـدء لا يدرك مداه ولا يحصر تعــدده.

بدأت بشـرية هذه الأرض تواجدها بآدمها الثاني وأهل سـفينته من نفسـه الكبيرة، واسـتكملت كلماتها إلى إبراهيم به تمت لنـوح الكلمات واسـتوفت الآيـات. وقامت في إبراهيم كلمات اختباره حتى أصبح أمة، جعل في ذريته الكتـاب والنبوة فكشـف في معنـاه معنى السـفينة بآدم سـبقه. وعلى مثاله من نفسـه وبيتـه وقومه وقع الاصطفـاء على آل عمران الذين جعل عيسـى عليه السـلام لهم ختاما لآدمية اسـحق روح القدس للكلمات المتلاحقة منه، كان في عيسـى وأمـه تمامها آيتين للجنس من بني إسـرائيل كشـعب متطور قام فيه عمل الكتاب والنبوة، ثم وقع الاصطفاء على محمد عليه الصلوات ليكون بيتا موضوعا لآدم وذريته، ونـوح وأهل سـفينته، وإبراهيم وكلماته، وعمران وأسـرته، فجعل من محمد آدم جماع وسـفين اجتماع، ومدين بيوت، وكتـاب كتب على سـنن من اصطفاء أبيه للبشـرية رأسـا لبيت النبوة، فيه انتهت صفة النبوة للكلمات، واتسـعت بالعبودية الحقية تنشـد من الكافة كمالا للجنس في ظاهره وباطنه، وبعثا للأنبيـاء بوصف العلماء لكمال عبوديتهم على مثال من أبوتهم.

فآدم الأنبياء المعروف باسـم آدم إنما هو أصل بيت النبوة وليس هو من كان بدءا للخليقة كما هو معروف بالأثر، فهو كلمة وفرد اصطفيت من بيت آدم الخليقة الذي أبرز على صورة سـبق من أوادم الحقيقة بلا بـدء له يدرك في أزل الجنس من روح الحيـاة اللانهائي المطلق. فالآدميـة لها قيامها وعملها في كل أرض دحتها وهيـأتها بلا انتـهاء لفعلها على مثـال مما بدأت بلا بدء يدرك أو يفترض.

فالمحمدية هي أولى الآدميات الفطرية، المعلومة لنا في معلوم الجنس في معارفه التـاريخية عن التبليغ السـماوي. وهي الرسـالة الحقية والفطـرية الأولى في التاريخ البشـري المحفوظ بلا مطعن عليه.

ولما كانت المحمدية قد قامت مظهرا لبعث الآدمية الأولى للنبوة تعبيرا عن آدمية الخلق، كما بنيت تعاليمها على أسـاس وحـدة البشـرية، وكان الإيمان بالرسـول مبعوثا بالحق أسـاسـها، وأسـاس المعرفة في وحدانية الباعث له والخالق للجميع والباعث لهم والقائم عليهم، كان الحق الظاهر به غير قابل للعدم وإن تدثر بجلبـاب قابل له، وهو ما اقتضى تغييـر الجلباب كلما انتهت رسـالته، فقـام بين النـاس في دوام بمتجـدد ومتعدد من دثـار، كما جدد تعاليمه في ثيـاب القرون من البشـرية، فأصبح أمة على جانبي الحيـاة، وهو ما يقتضيه اسـتقامة رسـالة كتب لها الدوام لبشـرية كتب لها دوام التجدد.

ها هو محمد كأمة من ذاته الآدمية يأتي بركبـه الروحي مع أمة إنسـان ربوبيته من إنسـانية سـبقه من الرفيق الأعلى عبادا لروح الحيـاة اللانهائي، مجددا في البشـرية الأرضية أقدام أحديته مظاهرا بالـرفيق الأعلى جماع النـاس وروح الأجنـاس ليجدد تعاليمه بالسـلام بين النـاس بالإسـلام لرب النـاس طوعـا وكـرها، وليحكم بما أنزل الله لا يطيع آثما ولا كفورا مأمورا بأن يعدل بينهم.

فإذا كانت الرسـالة الذاتية له قد حملت للناس البلاغ من البشـرى والإنذار فها هي الرسـالة الروحية الحقية رسـالة ثانية له، تجديدا لرسـالته الفطرية الأولى وتوابعها، وبيانا لها وبدءا لرسـالته الحقيـة تنتـظر سـاعتها وقيامتها نفاذا لما في الرسـالتين وقيـاما للأمرين.

لن يتحقق السـلام بين الناس في الأرض إلا بالإسـلام لروح الحيـاة، ولا يتحقق السـلام للنفس إلا بالعلم عن الحيــاة وكشـف مغاليـق الحكمـة فـي قيــام الوجـود وموضـع الإنســان بيـن الموجـودات، وعلاقتـه بها في حاضره وماضيـه ومسـتقبله. {علمت نفس ما قدمت وأخرت}[٣٥].

إن الإنسـان حائر بين التوقيت والدوام وبين الاختيار والجبر، وهي عين حيرته بين الجسـد والـروح أو بين الجلباب ومسـتعيره، ولو أنه عرف أنـه غير الجسـد وانعكس إلى داخله ليراه لتكشـفت له أموره، ولانتهت حيرته، ولقام اختيـاره وانقضى جبره، ولجدد جلباب توقيته لدائم أنانيته. وهو ما تقوم بمسـاعدته عليه الرسالة الروحية الحديثة، بتعميم الاتصال بين عالمي الروح للبشـرية.

يبدأ ظهور الاتصال بين العالمين من روح مرشـد باختيار وسـيط من عالم البشـرية ووسـيط من عالم الـروح يجمعهما ثالث لهما من مـلأ أعلى، يجمعهما ويفرقهما في انتـظام، ويؤدي بهما فـي عـالمي البشـرية رسـالة حكمـة، أو رسـالة عـلاج، أو رسـالة علم، أو رسـالة ظواهر روحيـة، أو رسـالة تعريف للأمـور في العالمين أو في أحدهما يظهره بمعناه في غيبة عنهم وسـطاؤه في العالمين، ويظهره بيقظة به أبناؤه في العالمين.

ومن أهل الملأ الأعلى الذين يعملون في هذا الاتصال ويحملون رسـائل توجيه للبشـرية بعض الأنبياء والحكماء والقديسـين المعروفين، ومنهم بعض شـخصيات من العهود القديمة من المصلحين ممن لا يخفون شـخصياتهم، ومنهم من يخفون شـخصياتهم من قدامى الجنس أو من ذوي المكانة الروحية العالية من المغمورين في حيـاة الأمم ذات التاريـخ، ومنهم من هو معروف للبشـرية في تاريخها ولكنه لا يكشـف عن شـخصيته لحكمة تقتضيها رسـالته.

ومن بين الشـخصيات العاملة ممن يعترف بفضله وحكمته ورحابة إمكانياته في الغرب والشـرق بعض صحابة الرسول من المغمورين في تاريخ أمته، يتابعهم بعض المعروفين في تاريخها ممن يظهرون بأسـمائهم، ومنهم من اختـاروا إخفاء أسـمائهم لحكمة اقتضتها رسـالتهم، ولرفع الإغراب عن الملبين لندائهم إذ هم يأتون بقديم شـخصياتهم قبل الظهور معه مبعوثين في أمته لقديم الصلة بينهم وبينه قديما للجنس، وهم ممن جمعهم معنى جبريل إليه منه وقياما معه في صحبه وأمته، فما كان جبريل إلا عالم ما بين قديمه ومحدثه من عوالم الروح، به تعارف قديمه إلى قادمه خلال قائمه. وهم يختارون لأنفسـهم من دنيا الحيـاة الروحية وسـطاء لهم يحملون أسـماء رمزية يظهرون بهم صـورا تعرف بها هذه الأسـماء، تعريفا عن معانيهم من قديم الجنس. ومن بين شـخصيات العصر المحمدي من يظهرون بأسـمائهم من آل البيت أو من الصحـابة والتابعين وبعض المتصوفة في الغرب وفي الشـرق في جماعة المتصلين أو على اسـتقلال كأرواح عاملة.

وقد اشـتهر من بينهم من عقد له لواء جمعهم روحا أمينا موجها، ونـورا متدفقا مخـاللا، كلمة ولدت صحابيا مغمورا متابعا، ودانيته روحا أمينا مخـاللا وصفه الرسـول بأخيه وبالرفيق، وأشـار إليه مغمورا بين الناس بمن يصطفي الله لنفسه وللطريق. فرآه في عهده من يقوم على رسـالته من بعده، فيدعو إليه ويجمع عليه، ويظهره بمعنـاه، ويقومه بمبناه آدم ومعناه، تصديقا لفعل مولاه، وما به تولاه ومنه والاه… قلبـان تآلفان لا فرق بينهما ولا تعدد لهما اتحـدا روحـان، وتآلفا قلبـان، واجتمعا شـبحان، وقاما واحدا للحق معنى وعنوانا.

إن الكائن البشـري إذا ارتقى إلى معناه الإنسـاني سـما فوق الصور إلى المصور، وفوق الأسـماء إلى المعروف المسمى في روح الحيـاة اللانهائي فيفارق الافتقار والعجز والمسودة ويرتفع فوق معاني القيادة والسـيادة. ولا يتمتع من الأرواح المرشـدة بهذه المعـاني في وصلتـها بالأعلى ممن يتصفون بها إلا القليـل النـادر. ولا يرتبـط من الذوات الرائدة ذات الأرواح الصافية بهذا الركب إلا القليل النادر أيضا.

ويسـعد البشـرية ويشـرف الجمعية الإسـلامية الروحية أن تتعرض لهدي وفيض الروح المرشـد المتعارف لعالمي الجنس بصورة متسـمية بلفظ (برش). فهو من النادر الكامل الوصلة بالكمال، والممكن من الاتصال والقيـام به. إنه المعلم والمتعلم والعلم. إنـه الإنسـان الأب، والإنسـان الابن، والإنسـان الروح من اللانهائي، من دخل في عهده كان آمنـا، ومن اسـتقبل من فيضه كان عالما، ومن قامه ابنا ومعنى كان حقا قائما، فكان قبلة صلاة، وبيت طواف، وسـاحة حجيج. يظهره بمعناه في غيبة عنهم وسـطاؤه. ويظهره بيقظة به أبناؤه… عبد الله، وابن عبد الله، وأبو عبد الله روح من روح الله، وحوض للروح فياض، وقبس من نـور الله يقوم ويمتد ويزداد.

هو ما تحت العبد عبدا له به صار العبد ربا، وهو ما فوق الرب ربا له به صـار الرب عبـدا - وهو عين من يتعارف إليه. به يعرف عارفه وحدانيته معه، فيعرف الكائن المتعارف معه كيف تكون المعرفة، والمتوحد معه كيف تكون الوحـدانية مع الأدنى ومع الأعلى في المنفـرد اللانهائي في قربه وبعده. به عرف العبد لنفسـه وصف الإلـه والرب في وصف الشـهادة والغيب.

عمل مع كل نبي على إبراز مكانته له في وضع مكانته إليه. وعمل مع الرسـول معتمرا به في نفسـه، وطائـفا حـوله في بيته، فاعتمر به الرسـول، وطاف حوله الرسـول فظهر للرسـول في كل مكانـة له في مكانته معه. فأخذ الرسـول مواضعه في كل مكانـة له في مكانته معه. فكان الأدنى وكان الأعلى. وكان المحيـط وكان المركز. فكان الرسـول معه ما كان هو مع الرسـول. أخذ موضعه حيث ظهر له فرآه في موضعه من ظهر له، فعرف معاني الوصف والاتصـاف لنفسـه. وعرف معاني التـعدد لمعناه في أصله وفرعه في وحدانية معناه في قبله وبعده.

توحد مع الرسـول وتعدد معه، في كل موضع ظهره أو أظهره، أو ظهر له أو ظهر به، وفي كل موضع مكنه منه ليظهره أو يظهر به. وأخذ في تعديده معه أنانية من مواضعه منه، فكان معه رفيقا ومرافقا ومرتفقا… رفيق قائمه، ورفيق قادمه، ورفيق قديمه.

كان إليه وحيا وكان منه وحيا. وكان عين الوحي في ذات ذاته. كان إليه كتابا وكان منه كتـابا. وكان عين الكتاب في عين كتابه. كان له عنه حجابا، وكان عنه له حجابا، وكان عين الحجاب في عين معناه، من الحجاب عنه.

به تعـدد عندهما العبـاد، وبهما انفـرد عندهما المعبـود، فكانا لعـوالم الحـق ولعوالم الخلق الأسـاس والنبراس للدين والدنيـا والآخـرة، بقيــام البدايـة لمن يطلبها عبدا للانهايـة لمن يطلبها له ربــا.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. بيت شعر للإمام علي كرم الله وجهه. ↩︎

  2. سورة طه - ٥٠ ↩︎

  3. مقولة صوفية تتناغم مع خلق الله للإنسان كخليفة لله. ↩︎

  4. عبارة يستخدمها السيد رافع في معظم الأحيان مصاحبة للحديث القدسي: “مَن عادَى لي ولِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ.” صحيح: البخاري. ↩︎

  5. سورة الأنبياء - ١٠٤ ↩︎

  6. سورة نوح - ١٤ ↩︎

  7. سورة الذاريات - ٢١ ↩︎

  8. سورة الطارق - ٥ ↩︎

  9. حديث شريف ذات صلة: “خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى. وابدأ بمن تعول.” صحيح البخاري وصحيح النسائي. أيضا: “ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها فإن فضلَ شيءٌ فلأهلكَ، فإن فضل من أهلك شيءٌ، فلذي قرابتِك فإن فضَل من ذي قرابتك شيءٌ فهكذا وهكذا، وهكذا.” أخرجه مسلم والنسائي. ↩︎

  10. سورة الملك - ٤ ↩︎

  11. سورة ق - ٢٢ ↩︎

  12. سورة الإسراء - ١٤ ↩︎

  13. سورة الانفطار- ٥ ↩︎

  14. سورة مريم - ٧٥ ↩︎

  15. من حديث قدسي: “… يا عبادي! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه.” الراوي: أبو ذر الغفاري. المحدث: ابن تيمية المصدر: مجموع الفتاوى، وحلية الأولياء حكم المحدث: صحيح. ↩︎

  16. من حديث شريف ذات صلة: “تكونُ دعاةٌ على أبوابِ جهنمَ، مَنْ أجابَهم إليها قذفوه فيها، هم قومٌ مِنْ جِلْدَتِنا، يَتَكَلَّمُونَ بألسنتِنا، فالزمَ جماعَةَ المسلمينَ وإمامَهم، فإِنْ لم تَكُنْ جماعَةٌ ولَا إمامٌ فاعتزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّها، ولَو أنْ تَعَضَّ بأصلِ شجَرَةٍ حتى يُدْرِكَكَ الموتُ وأنتَ كذلِكَ.” المحدث: الألباني. المصدر: صحيح الجامع. أخرجه البخاري بصياغة متقاربة، وكذلك مسلم وابن ماجه. ↩︎

  17. سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎

  18. سورة الحجرات - ٧ ↩︎

  19. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  20. إشارة إلى حديث شريف ذات صلة ذكره ابن العربي الحاتمي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: “إن الله خلق مائة ألف آدم”. وجاء في بحار الأنوار، من المكتبة الشيعية، عن السيد محمد الباقر: “بلى والله لقد خلق الله تبارك وتعالى ألف ألف عالم وألف ألف آدم.” ↩︎

  21. “النَّاسُ نيامٌ فإذا ماتوا انتبهوا”. قول للإمام عليّ كرم الله وجهه. المحدث: السيوطي. المصدر: الدرر المنتثرة. ↩︎

  22. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ فَاذْهَبْ وَنَادِ بِمَلَكُوتِ اللهِ»." (لو ٩: ٦٠). ↩︎

  23. سورة المائدة - ١١٦ ↩︎

  24. حديث شريف. المحدث: الزرقاني، ولكن لم يثبت سنده، ويوافق الحديث الشريف: “كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ وعُدَّ نفسَك في الموتَى”. أخرجه البخاري. ↩︎

  25. سورة الذاريات - ٢٢ ↩︎

  26. سورة البقرة - ٣٠ ↩︎

  27. إشارة إلى حديث شريف طويل: " إنَّ اللَّهَ يتجلَّى لَهم يومَ القيامةِ ثمَّ يأتيهم في صورةٍ غيرِ الصُّورةِ الَّتي رأوْهُ فيها أوَّلَ مرَّةٍ فيقولُ أنا ربُّكم فيقولونَ نعوذُ باللَّهِ منكَ هذا مَكانُنا حتَّى يأتيَنا ربُّنا فإذا جاءَ ربُّنا عرفناه. ثمَّ يأتيهم في الصُّورةِ الَّتي رأوْهُ فيها في أوَّلِ مرَّةٍ فيقولُ أنا ربُّكم فيقولونَ أنتَ ربُّنا." صحيح البخاري. ↩︎

  28. من الحديث الشريف: “أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ.” صحيح ابن ماجه. ↩︎

  29. حديث شريف: “إن أحبكم إليّ أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إليّ المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة”. أخرجه أحمد والطبراني وابن حبان. ↩︎

  30. إشارة إلى الحديث الشريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎

  31. سورة محمد - ٢ ↩︎

  32. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  33. سورة البقرة - ١٨٦ ↩︎

  34. سورة القيامة - ١٧ ↩︎

  35. سورة الانفطار - ٥ ↩︎