(٢٤)

طريق
الخلاص والحياة

حديث الجمعة

٢٤ محرم ١٣٨١ هـ - ٧ يوليو ١٩٦١ م

اللهم إنا قد مسـتنا من أنفسـنا البأسـاء والضراء، فلك جأرنا، فمسـتنا منك النعمة، فلك شــكرنا، واسـتيقظت عقولنا، فلك رجعنا، وأفاقت نفوسـنا فلك طَلبنا…

اللهم إنا بك قد آمنا ولرسـولك قد أسـلمنا…

اللهم إليك فأرجعنا، وبخلقك بمحمد ألحقنا، وفيه أدخلنا، وبما أنزلت معه من الحق حققنا.

اللهم إنا نترسـم خطاه، ونتابع مسـراه. اللهم به فقومنا، وبطريقه وبسـبيله أوصلنا، وعلى بابه لك أوقفنا… اللهم منه إليك فأدخلنا، ومن رحمتك معه لا تحرمنا وفيها أغرقنا.

عباد الله:

إننا كما تعلمون في عصر بلغت فيه الأرض زخرفها وازينت، وتجاوز أهلها الظن بأنهم قادرون عليها. إن الظـلام قد شــملنا وأحاطنا، وإن الخصام قد قـام بنا وأهلكنا، ولا خلاص لنا مما به أحطنا، إلا بالمرجع إليه في أعماقنا وفي قلوبنا، وفي لبنا.

إن العذاب وإن العقاب لا يلحق إلا جلودنا، فلنتخلص منه بالهروب منه، من سـطحنا إلى داخلنا إلى أعماقنا…

إن القلوب إذا حييت… إن اللب إذا تـواجد، لا يلحقه نصب ولا يضيق بتعب. فلنرجع إلى الله - معنا - أقرب إلينا من حبل الوريد، إلى الله في أعماقنا. إن القلوب هي أرض الله الواسـعة التي يفر إليها المكروب من كل كرب…

لقد جاءنا رسـوله، منه وعليه السـلام، ومنه وعليه الصلوات، فأقام بيننا مرآة صفاء ربه، يراه أهل الجلود ممـن يعيشـون على الأرض أو في السـماء بجلودهم جلـدة على مثالهم، فيحتذونه ما شــهدوه، ويغيبونه ما فقدوه…

ويراه أهل الألباب لبا بلبهم، فيعرفونه لبا لهم فلا يقطعونه، ولا يغيبونه، ولا يعمهونه في ألبابهم…

ويراه أهل النفوس منهم، نفسـا على مثالهم في صفائها بصفائهم، ويراه أهل العقول عقلا على مثالهم، حكيما محكما في حكمتهم فيصلونه بلا انقطاع في العلاقة بينه وبينهم…

ويراه أهل الروح روحا على مثالهم وروحا لأرواحهم، فيحيونه ويتواجدونه ولا يعمهونه أبدا…

ويراه كلمات الله كلمة لله جامعة لهم فيجتمعونه كلمة عليهم وإماما لهم…

ويراه الأوادم آدما يتكاثر وينتشــر، ويتفرق ويجتمع ويتوحد وينتثر… إنسـانية وبشــرية لله، بما يقوم في معانيهم من آدميتهم بأوادمهم أوادمَ لله، وبدايات خلقه، ومظاهر حقه…

ويراه أهل الغيب غيبا من غيب الله يغيبون فيه، به يتواجدون، وفيه يتكنزون، وبه يظهرون، ولمرضاته يعملون، وفي محبته يتفانون، وبه سـرمدا يبقون…

إن محمدا خلق الله، وإن محمدا رسـول الله، وإن محمدا حكمة الله، وإن محمدا عبد الله، وإن محمدا إنسـان الله، وإن محمدا حق الله، وإن محمدا وجه الله… اجتمع له ذلك كله بوصفه رسـولا من الله، وبوصفه رسـولا إلى الله من خلق الله… رسـولا من الله من حـق الله لخلق الله. ورسـولا من خلق الله وإمامـا لخلق الله، وإمامـا لعوالم الله، وإماما للثقلين في الله إلى الله… قائد ركب عوالمه إليه. وبصفته عبدا سـرمديا لله.

إن محمدا حق الله ما عرفه إلا الحق من ربه. فما عرف نفسـه، وما عرفه الناس، وكان للناس أسـوة وقـدوة في جهله بنفسـه، وفي معرفته بربه… جهل الناس أنفسـهم في الله، لأن إمامهم وقدوتهم ما عرف نفسـه في الله… وآمن الناس بالله في أنفسـهم لأن إمامهم وقدوتهم ورسـول الله إليهم وأُسـوتهم آمن ربـه أقرب إليه من حبل الوريد، آمن ربه ممسـكا بيده نفسـه أبدا وأزلا، آمن لله في نفسـه.

حمل لنا الأثر كما حمل لنا الخبر… أثر رسـول الله وخبر رسـول الله، فوصلناه أثرا كلما وقفنا له على أثر، وسـمعناه خبرا فصدقناه وتابعنـاه كلما نقل إلينا عنه خبر… فترسـمناه خلقا وآمنـاه حقا… فشــممنا طيب ريحه فتابعناه، وآمناه حقا فوصلنا ووصلناه على قدر فيه وقدر منه… نطلب مزيدا فيه ونطلب رضاء منه.

ها نحن بهذا نعمل، وفي هذا نسـير، وعليه نجمع، لا نرى الإيمان لنا ما لم نري الإيمان يشــرق في قلوب النـاس، وفي عقول الناس، وفي نفوس الناس، نحبه ونرتضيه، ونسـأل الله أن يزيدنا منه، وأن يزيد الناس فيه… وأنه ما زاد الناس فيه فقد زادنا، وما زادنا فقد زاد الناس فيه… إنا لا نفترق من الناس ونسـأله أن لا يفرقنا من النـاس… لأنا نؤمن بالله في الناس، ونؤمن بالله في أنفسـنا ما آمنا بالله في الناس.

إن الله جامعنا ليوم لا ريب فيه… إن الله جامعنا في إنسـان لا ريب فيه… إن الله جامعنا في حق لا ريب فيه… إن الله جامعنا في عبد لا ريب فيه… إن الله جامعنا في آدم لا ريب فيه… إن الله جامعنا في ملأ لا ريب فيه… إن الله جامعنا في أرض لا ريب فيها… إن الله جامعنا في جمع لا ريب فيه… إن الله جامعنا في يوم لا ريب فيه.

إن الله يجمعنا في ليـل نسـكن فيه… إن الله يجمعنا في ليل لا نشــقى فيه… إن الله جامعنا في ليلة تنزل الملائكة والـروح فيها بإذن ربهم من كل أمـر… إن الله جامعنا في نفس… إن الله جامعنا في عبد… إن الله جامعنا في إنسـان خير من ألف شــهر.

من دخل في إنسـان الله… من دخـل في عبد الله… من دخل في محمد الله… من دخل في رسـول الله فهو آمن، قامت قيامته، وأشــرقت سـاعته، واسـتقام في الله أمره، وقام بالله حقه.

ما جاء مرآة صفاء الله للعالمين إلا رحمة لهم في عليين وفي سـافلين، وفيما بين ذلك من العالمين… رسـولا من أنفسـهم لا يـرى فيه الرائي إلا نفسـه في وجود الحق مسـتقيما وجوده، ومسـتقيمة نفسـه على ما أرادها الله إليه… رأتـه الملائكة ملكا فآخته وآخاها، وتعارفته وتعارفها. فكان جبريل له أخا وكان هو لجبريل أخا. جمع على جبريل غيبا له يوم نادى في الناس إلى روح الله أن هلموا. ومنها لا تيأسـوا. ويجمع عليه جبريل الناس… يا أيها الناس هيَّا إلى رسـول الله أن هلموا. ومن وصاله لا تيأسـوا.

ورد في الأثر على لسـان جبريل عن لسـان رسـول الله أن أحب عمل إلى جبريل هو أن يجمـع النـاس من أمته على رسـول الله. وقد بخع رسـول الله نفسـه في أثر الناس أن يؤمنوا بحديثه، وأن لا ييأسـوا لأنفسـهم من روح الله التي عرفها وعرفته، والتي قامها وقامته، فكانها وكانته.

وها روح الله قد عملت في أمته وما زالت تعمل… وها هي في هذا العصـر تسـفر عاملة، وسـوف تسـفر على رسـول الله جامعة، وبه آمرة وله مؤتمرة، وإلى حضرته للناس داعية، وعلى حضرته للطالبين جامعة.

إن الأرواح المرشــدة التي تعمل في البشــرية في هذا العصر داعية الناس إلى الروح الأعظم لله أبا للجميع، لا تعني بالروح الأعظم لله إلا روح رسـول الله… روح رسـول الله الحقية السـرمدية الدائمة الأبدية، أظهرها الله في قديم عبوديته، وأبقاها الله وصلة جديد عبوديته، ودائم عبوديته في دائم خلقه، لقديم خلقه، ولقائم خلقه، ولمسـتديم خلقه… قامتها ذات الرسـول وشــجرته.

إن الروح الأعظم من الله روحا لأرواح الله من عباد الله في كلمات الله، وأوادم خلق الله، ودائـم إنسـانية الله… هي معنى تعالَى الله… هي معني تعالِي الله عن الوصف وعن الصفة… وهي معني تداني الله للخلق في الخلق، بمعاني الحق وبصفات الحق.

إن المعرفة في الروح الأعظم أو المعرفة عن الروح الأعظم هي عين المعرفة عن الله، وهي عين المعرفة عن الإنسـان لمعرفته عن نفسـه من الله. وإن المعرفة في الذات والذات الأقدس هي المعرفة عن الربوبية.

إننا في هذا العصر الذي اشــتد ظلامه كما أشــرت، والذي تزايد طغيانه كما قلت وكما نشــهد… فيه إشــراق روح الله عن الـروح الأعظم من الله، تداني خلق الله، وتقارب عباد الله، وتظاهر إنسـانية الله. إننا بهذه الصلة وفي هذه الصلة في رحمة من الله، وفي عناية من الله، وفي نعمة من الله لا نقدرها الآن حق قدرها لأننا في طبيعتنا لا نقدر الله حـق قدره. ولكن هذه الرحمة المدانية… هذه القطرات من ماء السـماء تتسـاقط على الأرض فتتلقفها أرض طيبة من قلوب طيبة تهتز بها وتربو، فتبدأ انقسـاماتها وتوحداتها، وتبدأ في الله حياتها.

لقد أدرك الكثير منكم هذه الحقيقة في قلوبهم لأنفسـهم. وأقول الكثير - وإن قلوا - فإن الواحد من أرض القلوب الحية إنسـانية بأسـرها… إن الذي يحيا قلبه، ويقوم أديمه، ويسـتقيم آدمـه، وتظهر به من الله كلمته، ويشــرق به في الناس للناس وجهه كثير وإن قل، عديد وإن تعدد بقدر أصابع اليد… إنه النفس الواحدة التي بحياتها يحيا الناس جميعا وبموتها يموت الناس جميعا…

إنكم في جماعتكم هذه مدرسـة الحياة… مدرسـة الروح… مدرسـة الله… مدرسـة الرسـول… أمـة الرسـول… كلمات الله من الرسـول… وجوه الله لوجه الرسـول… ما حييت أرض قلوبكم، وما أزهـرت شــجرة أديمكم، وما اسـتقامت طريق عقولكم، وما تكثرت حضرة نفوسـكم. فيكم هذا كله ما جاهدتم أنفسـكم وواصلتم طريقكم إلى أهدافكم بل إلى هدفكم وهو الله، الله من ورائكم مظاهر ولكم معين بإحاطته.

فاسـتقيموا كما أمرتم… أقامكم الله وأعانكم، وهدانا وهداكم، وهدى الناس بكم… لا إله غيره وإليه المصير.

عباد الله: اتقوا الله وآمنوا برسـوله يؤتكم كفلين من رحمته…

اللهم إنا نسـألك أن تنزل السـكينة على قلوبنا، والسـلم والسـلام على أرضنا. اللهم إنا نسـألك أن تؤلف بين قلوبنا كما ترضى وكما تحب، وأن تقوم فيك طريقنا على ما تحب وعلى ما ترضى، وأن تجعل قيامنا فيك عاملين مجاهدين على ما تحب وعلى ما ترضى. اللهم لا تكلنا إلى ما نحـب ونرضى، وأقمنا اللهم برحمتك وبكرمك فيما تحب وترضى، والقنا كما تحب وترضى لمن أحببت ورضيت، واختم لنا بخاتمة السـعادة أجمعين، وتولَنا حكاما ومحكومين، وارحمنا حكاما ومحكومين، واغفر لنا يا أرحم الراحمين حكاما ومحكومين.