(٢٢)

ثمرة
قطفت من شجرة
لتزرع في أرض المغفرة
(بمناسبة انتقال الأخ/ أحمد قدري سليمان)

حديث الجمعة

١٩ ذو الحجة ١٣٨٠ هـ - ٢ يونيو ١٩٦١ م

نَضَج باكرا صراعه، واسـتقام في الطريق اتباعه، فكان مظهـرًا لما في الإنسـان من معـركة مشـبوبة بين لطيفه وكثيفه، بين مادته وروحه، بين ظلامه ونوره، بين جهله وعلمه، بين شـكره وكفره، بين حياته وموته، بين السـير في نوره والسـير في ظلامه… ونضجت فيه قضية المعركـة، ودفعه عقله إلى روحه وخـلاه عن جسـده، وصارعه جسـده اسـتبقاء للحياة ودفاعا عن الحياة… فنصر روحه بعقله، وخاصم جسـده وقد سـاندته نزوة نفسـه، وكانت المعركة بينهما فيه سـجال، وكانت المعركة فيه على أشـدها.

ونظر البسـتاني إلى ثمـار أشـجاره فرأى هذه الثمرة باكرة النضج بين أخواتها، وخشـي عليها من الخفاش لأنها تأبى أن تسـتتر في أوراق شـجرتها، وتخفي عن الناظرين نضجها وبهجـتها. خشـي عليها البسـتاني من الليل إذا أقبل بسـكينته وانطلق الخفاش بحريته. خشـي عليها من غيره فقطفها، ولنفسـه أضافها، ووضع حدا للمعركة فيها بين اللطيف والكثيف، بين الشـكر والكفر، بين الإيمان والضلالة، بين الاسـتقامة والفتنة… جناها وأحسـن مثواها وكشـف لها عن خلقها بغلافها وعن معناها بحقها… قطفت هذه الثمرة قبل تمام نضجها، وغابت عن بسـتانها في نظـر الناظرين لأشـجار البسـتان وثمارها… ولكنها لم تغب عن إنسـان بسـتانها وإنسـان شـجرتها.

كم علَّم - بما آمن - من أن الموت لا محل له في الحياة، وأن الحياة لا محل لها في الموت؟ بالأمس آمن فعلَّم واليوم عَلِم فأعلم. وإذا كان اليوم قد عَلِم وأعلم فإنه سـوف يُعلِّم مرة وأخرى بما يؤمن به، وبما يتعلم وسـوف يعلِّم مما يعلم مرة وأخرى كذلك. لقد علَّم ما عَلِم عن عـالم الروح في عالم الأشـباح، وعما قليل سـيُعلِّم في عالم الـروح ما عَلِم عن عالم الأشـباح، مما تجهل بعض عوالم الروح. إن العلم أو ما يجب أن يعلم ليس قاصرا على عالم الأرواح في أشـباح النور أو النار. وإن العلم ليس معقودا في عالم الأرواح في أوادم الأشـباح. إن الله وهو المعلم، وإن الله - وهو في كل عالم - وإن الله - وهو الهادي لعوالمه - يعلِّم في عوالم الأشـباح من عوالم الروح علما لا يعلِّمه في عالم الأرواح من عوالم النور، كما يعلم في عالم الأرواح علما لا يعلمه عالم الأشـباح.

ومن طلب الله حق طلبه، وعرف الله حق معرفته، فأحاط بما علَّمه فيه من علمه عنه، فعرف نفسـه صغيرا، ضئيـلا، ضعيفا، في معـاني قدرته وسـعته وحريته، وعرف نفسـه جاهلا غافلا في معاني علمه ويقظته، وعرف نفسـه عاجزا منحرفا في معاني إرادته واسـتقامته.

وعـرف نفسـه في الوقت نفسـه قويـا قادرا في معاني ضعفه… وعرف نفسـه عالما محيطا مدركا في معاني جهله… وعرف نفسـه كبيرا متسـعا منتشـرا لانهائيا في معاني ضآلته… فقد عـرف نفسـه… عرفها في ربه عبدا مسـودا وكونا مخلوقا موجودا… عـرفها معنىً في ربه لا تعدد معه، فلا وجـود لها بل وجوده، ولا شـهود لها بل شـهوده، ولا قدرة لها بل قدرته، فلا ضعف بل تواضعه، ولا علم بل كتاب فضله… عرف نفسـه معنى في ربه، وعرف ربه وجودا في معناه…

كما عرف ربه مربوبا لمولاه وعرف مولاه آلها في إلهه… وعرف إلهه غيبا في إطلاقه، وعرف إطـلاقه لانهائيا في وجوده سـواء كان روحـا في أشـباحها أو معنى مجردا عن أوزارها. هـذا من عرف الله أو كان في طريقه إليه… من عرف معناه من معانيه في صفة الإنسـان، وعرف نفسـه في صفة العنوان. وإذا عرفت الحقيقة فقد قام الله، وإذا قام الله كانت القيامة.

تلقى ذلك بالأمس، وما زال يتلقاه أخ لنا أمسـى معنا في ظلام جمعنا، وأصبح معنا في فجر فرقنا. تقلب فيه الليل والنهار معسعسـين… وتقلب عليه الليل والنهار واقبين، سرى به النهار فقطفه البسـتاني في نهاره… وأمسـى به الليل فإذا هو يسـكن إلى جواره…

فارقنا على مودة، وقطف على ألفة، ولم يغلبه ليله، وانتصر على معناه نهـاره فذهب مغفورا، وقُطف مشـكورا، وذهب مأجورا، وأضيف إلى الراشـدين مرحومًا منظـورا… فكان هذا من رحمة الله عليه وعلينا… ومن فضل الله عليه وعلينا… ومن كرم الله علينا وعليه… ومن عناية الله بنا وبه… فحمدنا الله وحمـده… وشـكرنا الله وشـكره… وذكـرنا الله وذكـره… وعرفنا الأمر وعرفه…

هذا هو أخونا أحمد قدري الذي فارقنا - ولم يفارق - وغادر أرضنا - ولم يغادر - ودخل عالم الـروح - ولم يدخل - لأنه كان بروحه في عالم الروح قبل أن يدخله تاركا غـلافه… لم يجدَّ عليـه جديد في أمره ولكنه واصل ما كان فيه من أمـره… واصل الحيـاة عالما بما علم… جاهلا بما جهل. واصل العمل… واصل النشـاط… واصل التوحيـد… واصل العلم… واصل التجـربة… واصل الكسـب…

وها هو يواصل تدريبه… وها هي تتكشـف له الطريق… وها هو يبعث في عالم الروح على ما مات عليه… وها هو يعاد إلينا فيحدثنا في أسـرع مما كنا نقدر وأسـرع مما كنـا نرجو… فيعرفنا ما نطلب أن نعرف عن لحظاته الأخيرة في عالمنا… ولم يعد بعد أخوتـه من رحلتهم ولكنـه عـاد إلينا قبلهم… أراد أن يدخل السـلام على نفوسـنا، وأن ينزل السـكينة على قلوبنـا، فنعلم منه أننا على الحق، لأنه كان متعبا مما كان في نفسـه من بعض القلق عن مسـلكه ككل صادق. فلما هدأت نفسـه وسـكنت إلى الحق… عاد ليقول يا إخواني… لقد كنا على الحق، وما زلنا على الحق، وسـنبقي على الحـق… وها أنذا أعود إليكم لأبقى معكم كما علمت وكما عَلَّمت… ها أنا أحييكم وها أنا أسـتقبل تحياتكم فاحتفظوا لي بمقعدي بينكم ولا تحسـبوني غائبا عنكم، فإني سـأبقى واحدا منكم.

إن الحياة الآخرة للحياة الأولى… إن الحياة الثانية… إن الحياة الجديدة بعد أولى حيوات الإنسـان الروحية على أرضنا وفي عالمنا لا تغير ما بين الناس من أوشـاج العلاقة والمحبة.

إن الناس مدعوُّون في الله في وجوده اللانهائي وفي الحق الأبدي منه بأئمتهم من الناس من أنفسـهم.

هذه هي أسـرة الروح… هذه هي حضرة الروح… هذه هي وحدة الروح… هذه هي إنسـانية الـروح… هذه هي حقية الإنسـان بالـروح لا بالجسـد أو الشـبح… إن الناس يتجمعون على معانيهم بأوانيهم… فكما يجتمعون بأوانيهم يجمعهم الله بمعانيهم، ويظهر بينهم وحدانيته في وحدة معانيهم، كما أظهر وحدانيته في جمعهم من أشـباحهم بوحدة أهدافهم، في تواصيهم في الله بالحق وتواصيهم فيه بالصبر واحدا لا شـريك له… قائما لا قيام لغيره… قيوما لا يغفل عن قيامه في عبيده من عوالمه.

إن المعرفة في الآجلة إن لم تبدأ في الأولى فإنها لا تتواجد. فالتواجد في الآجلة لا يكون إلا على صورة مما تواجدت عليه النفس في الأولى… فإذا كانت في الأولى لا تقوم إلا على قيـام الجسـد وفرقة الأجسـاد، فهي في الآجلة إنما تقوم على الكز على النفس والأنانية والبعد عن الوصلة بمجتمع الإنسـان.

إن الله يظهر في التحاب وفي المحبة بين الناس وهم في أشـباحهم، ويتواجـد باليقين على صورته في وجودهم بالأرواح بوحدة معناهم في معـراج معنـاه… إن الأرواح تقـوم بالوحدانية في قيامها… وإن الأشـباح تقوم بالوحـدانية في وجدانها وعقائدها… وإذا طلـب أهل الأشـباح يقين أهل الأرواح فانطلقت من الأشـباح أرواحهم وائتلفـت في معاني الروح معانيهم، قاموا في عوالم أرواح الله وهم في عالم الأشـباح بأبدانهم ما زالوا.

هذا ما جاء به مؤسسـو الأديان على تفاوت في الفهم فيه والإبانة عنه وعلى درجـات في القيام به… وجاء محمد رسـول الله والذين معه بجماع ذلك للناس، أمة وسـطا، متوحدة في معانيها، مجاهدة في مبانيها، مؤتلفة في نفوسـها، متعلمة في عقـولها، متوحدة في أهدافها… متطهرة في أرواحها، متزكية في نفوسـها، منتشـرة في نـورها، مسـتمدة متجـددة في افتقارها… فكان صاحب البسـتان، وكان أصحابه فيه وجوه العنـوان، وكان عبدا لعنوان لله وحضرة ربـه للعيان. وكان الحق من الإنسـان للإنسـان رسـولا من أنفسـهم… عرَّف البشـرية كيف تنتـصر بالضعف مع الله، وعلَّمها كيف أن في الضعف معـه قـوة… أن في الضعف لله قـوة الله، وأن في القوة بالنفس ضعف الشـيطان… علَّم البشـرية… علَّم الإنسـانية أنها إن أدركت الضعف مع الرحمن، كانت عنوان الرحمن بعباد الـرحمن يمشـون على الأرض هـونا وإذا خاطبهم الجـاهلون قالـوا سـلاما… وعرَّفها أنها إذا عرفت عبـاد الرحمن وآمنت بينها بالعنوان يمشـي خالصا من الزور والبهتان، أخذت من الضعف قوة… {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخيـر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}[١]. {محمد رسـول الله والذين معه أشـداء على الكفـار رحماء بينهم… مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل}[٢]. بلغ به الناس قبل بعثهم صفوة الناس من قبلهم. أقـام الله بهم حجته على خلقه في العوالم الأولى وفي العوالم الآخرة… في عوالم الأرض، وفي عوالم السـماء، وفي عوالم الروح… علما على الحـق من الله الواحد الأحد الفرد الصمد الحي القيوم.

إن أسـرة الروح من إنسـانية الله تعاني في صبر وفي أناة المعركة الأزلية بينها وبين المادة… إن أسـرة الروح للإنسـان أودع الله فيها من أمره ومن قدرته ومن حكمته ومن علمه ومن رحمتـه ومن حلمه ومن صبره، ما جعلها فـوق إدراك عوالم المادة. ولا تظنوا أن عوالم المـادة لفظ قاصر على العالم الأول من عـالم الأرض، ولكنه لفظ يشـمل عوالم الكواكب جميعا، ويمتد أيضا إلى العوالم الأولى من عوالم الروح التي ما زالت فيها معاني الأنانية، ولم تقم أنانيتها بعد بمعاني الغيرية، ولم تعنـون بعد أبدية الفرد الصمد قائمة به لا قيام له بها… فقيامه أرفـع من أن يقومه قائم فيه مهما عظم قـدره ومهما علا شـأنه، وكل قائم فيه لا وجود له معه، ووجوده لاحق فيه لأصل وجوده منه، ولا دوام له إلا بقدر ما مثَّل من دوامه، وبقـدر ما مثل من زاويـة من زواياه وجها له… يشـرق ليخبو أو يشـرق ليفنى… يشـرق في لمحـة ويغيب في ظـلام أبدي… أو يشـرق فـي أزليـة تشـهد في دوام… والمشـرق لا يشـرق ولا يدوم إشـراقه إلا لمن كان منه… فمن كان منه دام في دوامـه، ومن كان منه أشـرق عليه في معناه وفي عنوانه، فأشـرق به بدوره في دائرة عمله ووجوده.

إن الحق موجود متواجد… موجود في قيام الوجود لا بدء له… متواجد في خلق الوجـود من الوجـود في سـاحة الوجود اللانهائي… خلق السـماء بأيد من عباده وإنه لموسـع في خلقه بأهل رشـاده - عضـدا له -… {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم}[٣]، {أوليس الذي خلق السـموات والأرض بقـادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم}[٤].

إن أسـرة الروح، إن أسـرة الله، إن أسـرة الحق، إن أهل البيت، إن أهل بيت الله، إن أهل الخيمة، إن أهل السـرادق، إن أهل الغرفة، إن أهل الحجرة إن أهل الحجرات، إن أبناء الإنسـان، مرفوع ذكـرهم، عالٍ في الله أمرهم، محفوظ في الناس خبرهم، متواجد في الناس معناهم… معناهم عن الناس لا يغيب عترة لرسـول الله، وكتابا حيًّا لله صنو كتابه ولا يفترق عنه، وحجابا قائما من رحمة الله عين حجابه، ويدا ممتدة من غيب الله لخلق الله عين يده. قوتهم في الناس في ضعفهم أمام الناس… علوهم على النـاس في تواضعهم عند أقـدام النـاس… إرادتهم من الله وإرادتهم بالله في رضائهم عن الناس رضاء عن الله… وطلبهم للناس تحقيق مرادهم في الله… مرادا لله هو مرادهم… قدروا الله حق قدره… فحيثما كانوا شـهدوه، وفي أي عالم تواجدوا تواجدوه، وفي أي وجود وجدوا مثَّلوه… فكانوا عبادا له… فكانوا عبادا له في الأرض، وعبادا له في السـماء، وعبادا له حيث لا يعلم النـاس… بهم عُرف الله، وبهم ظهر الله، وإليهم تعارف الله… فعرَّفـوه، وفي قلوب الناس بأنوارهم نشـروه، وفي الناس بحقهم امتدوه… فقامت بهم وحدانية الله، واحـدا لا شـريك له، معبودا في عباده في أنفسـهم… جعل من قلوبهم بيوته، ومن ظهورهم وجوهه، ومن سـلطانهم كرسـيه، ومن انتشـارهم عرشـه، ومن اجتماعهم عليه قوائم عرشـه، عليه يسـتوي بحقه… فيتوحد العـارش والمعروش، والكرسـي والعرش، والسـلطان ومن امتد عليه السـلطان.

إن الله ليس على وصف خلقه، وليس على وصف الناس، وليس على وصف الإنسـان… ولكن خلقه، ولكن الناس، ولكن أوادم النـاس، ولكن إنسـانية الناس، ولكن إنسـانية الله، تتصف وتتخلق بصفاته… فصفاته ثابتة أبدية أزلية سـرمدية يتصفها النـاس ما وحدوه، ولكنها لا تحل بالناس، ولا تتصف بالناس مهما قاموه. ولكن الناس يطلبونها موجودة، ويعلمون نفوسـهم فيها مفقودة، فيتواجـدونها صفات لله، تواجدت في وجـودهم، وحقائق لله، تحققت بها خلقيتهم، فأصبحت به حقية حيـة، وهو الحق الدائم لا انتهاء لعمله، ولا انتهاء لفعله، ولا حد لقدرته.

إنه كما خلق آدم كما تعلمون، يخلق في كل لمحة، وفي كل نفس آدم وآدم وأوادم… وكما بعث محـمدا بالحـق يبعث الحـقّ محمدا في كل وقت وحين… وهذا معنى ما تطلبون في صلاتكم على رسـول الله في قولـكم اللهم صلي على محمد… أي تطلبون أن يصل الله محمدا والله واصل محمدا وقد وصله… ففيم المطلب؟ ولكنـكم إذا كنتم محمدا على ما اعتقدتم، وكان أولى بكم من أنفسـكم، وأزواجه أمهاتكم، فأنتم أبنـاء له وكان الولد سـرا لأبيه… فتطلبون من الله أن يصلـكم، وها أنتم محمد، كما فعل لأبيكم محمد، ولآبائـه محمدين… إن الله وملائكته صلوا على محمد قديما… فإن محمدا إنما هو كائن قديم وما كان في جديده إلا على مثال من قديمه، ولا يكون في جديد له إلا على مثال من قديم له، وإن محمدا الذي عـرفتم جديدا ما كان إلا صورة من نفسـه من معناه من محـمد قديما، وإن محمدا على ما كان في جديده من قديمه إنما هو كائن بينكم دائما وفي كل وقت وفي كل حين على ما كان بما عرفتموه جديد القديم، ويصبح جديده قديما في قديم فلا بد أن يكون له بينكم جديد في جديد على صورة دائمة وذات لا تغيب. إن آمنتموه كذلك امتد إليكم نوره فكنتم جديدا في جديده كما كان قديما في قديمه.

أفمن يجعل الله له نورا يمشـي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها! (إن للـه في أيام دهركم لنفحات فتعرضوا لها) [٥].

وها هي رحمة الله وغياثه، وقيومية الله، وقرب الله، وقدس الله، يداني عالم خلق الله من عالم روح الله، بما يبعث بيننا اليوم من أرواح الآبـاء والأوادم، وقد نفخ في الصور الحاجز بيننا وبينهم، من ذواتنـا وذواتهم، وقد أصبحت أوانيهم من عالم البرازخ لا تحجبهم، ولا تحول بينهم عن الامتداد والتداني والاتصال والقرب، كما أصبحت أوانينا من عالم الشـهادة، من أغلفة معانينا، لا تحول بيننا وبين الاتصال بهذه المعاني القديمة أصولا لنا ولآباء جاءوا بأمر الله وبإذن الله ليقربونا إلى الله في أنفسـنا، وليكشـفوا الغطاء عن ظلام أغلِفتنا، حتى توضع أحمالنا وأثقالنا وأوزارنا من ذواتنا، وتتكشـف حقائق الله لنا في أنفسـنا فطرة الله وصبغته، ومن أحسـن من الله صبغة؟ ومن أقوم من الله فطرة؟

هذا هو الحق من الله، فإذا تنبهتم إليه يا إخواني وأخذتم الأمر جدا لا هـزلا، وحرصتم على معاني الحق في أنفسـكم حتى لا تتعلق معانيكم من أنانيتكم بأشـباحكم فتفقدوا الحـق يوما لأنكم لم تطلبوه في أوانيكم، ولم تعرفـوه في معانيكم، ولم تقوموه بأرواحكم في عوالمه من أشـباح ذواتكم، إن الذي هو أقرب إليكم من حبل الوريـد إنما هو حق معناكم، إنما هو في الله بالله أناكم. فلا تقولوا لا إله إلا الله غير مدركيها ولا مقيميها… ولكن الذين قالوا ربنا الله لا إله إلا الله ثم اسـتقاموا وكانوا خلفاء الأرض، خلفهم الله على أرض ذواتهم وأشـباحهم وعلى أرض أغلفتهم، وجعل من غلافهم عالما يحيونه، ويخلقونه، ويجددونه.

هذا هو الدين إن كان لكم في الدين رغبة، وهذا هو الله إن كان لكم في الله طلب وإليه مسـار قبل أن يأتي يوم البوار، فلا تـروا الله، ولا يكلمكم الله ولا تعرفوا شـيئا من أمركم أو أمرا من أنفسـكم، إلا عالما لكم أضعتموه فأضعتم أنفسـكم، وفقدتموه ففقدتموها، وفقدتموها ففقدتم الله لكم. هذا هو الحق من ربكم فاعلموه، وهذا هو الذكر من ربكم فاذكروه.

لا إله إلا الله لا شـريك له… له الأمر وله الملك وله الحمد… اللهم إنا نسـألك بضعفنا أن تشـملنا برحمتك، وأن تحيطنا برعايتك، وأن تكـلأنا بجودك وكـرمك. اللهم إنا لا نعرف سـواك، ولا نطلب من غيرك، ونقوم بمعنانا مفقودا لا وجود له… فالوجود لك، والأمـر لك، والحكم لك، والملك لك، والهدي منك والفتنة منك. اللهم عن طريق الفتنة فأبعدنا، ومنها فخلصنا، ولا تجعل لأنفسـنا سـلطانا علينـا في مجالها من الفتنة، واجعل اللهم منها مطية طيعة في مجالك من الرحمة… اللهم قوم فيك أمرنا وخـذ بيدنا. اللهم أنزل سـكينتك على قلوبنا والسـلم والسـلام على أرضنا، وارفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم، إنك أنت الأعز الأكـرم وأنت الأقوى والأقـدر… اللهم فاغفر لنا وللمذنبين. اللهم أصلح لنا شـأن الحاكم والمحكومين، وقوم طريقنا رعاة ومرعيين، هداة ومهتدين.

اللهم ألف بين قلوبنا، ووحد وجهتنا، واجمعنا على كلمة الحق واليقين على كلمة النور والمعرفة… على كلمة السـلم والسـلام… لا إله إلا أنت يا سـلام سـبحانك نسـتغفرك ونتوب إليك.

أضواء على الطريق

من هدي الأثر:

  • (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليه مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتـى أحبـه فإذا أحببته [كنته])[٦]. لا إله إلا الله قائم على كل نفس وأقرب إليها من حبل الوريد.

  • (من طلبني وجدني ومن وجدني عشقني ومن عشقني قتلته ومن قتلته كانت على ديته ومن كانت على ديته فأنا ديته)[٧]. محمد رسول الله – {قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا}[٨].

  • (وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة[٩]… ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتـى أحبـه فإذا أحببتـه كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها [إذا أحببته كنته])[١٠]

  • {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}[١١].

  • {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}[١٢].

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة آل عمران - ١٠٤ ↩︎

  2. سورة الفتح - ٢٩ ↩︎

  3. سورة الفتح - ١٠ ↩︎

  4. سورة يس - ٨١ ↩︎

  5. حديث شريف: “إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها”، رواه الطبراني في “الكبير” وذكره الغزالي في الإحياء. ↩︎

  6. من حديث قدسي: “إنَّ اللَّهَ قالَ: مَن عادَى لي ولِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ.” صحيح البخاري. عبارة “إذا أحببته كنته” عبارة للسيد رافع. ↩︎

  7. حديث قدسي يرد في الأدب الصوفي: “من طلبني وجدني، ومن وجدني عشقني، ومن عشقني عشقته، ومن عشقته قتلته، ومن قتلته فعلي ديته، وأنا ديته”، لكن لا تعترف به كتب الأحاديث، لكن المعنى يمكن فهمه من السياق. ↩︎

  8. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  9. حديث قدسي أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة: “أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وإن تقرب إليّ بشبر تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة”. ↩︎

  10. من الحديث القدسي الذي أخرجه البخاري. وعبارة “إذا أحببته كنته” ليست من أصل الحديث ولكنها معنى من السيد رافع. ↩︎

  11. سورة الأنفال - ١٧ ↩︎

  12. سورة الفتح - ١٠ ↩︎