(٢٠)

لبيك
على عرفات أنفسنا

حديث عيد الأضحى

١٠ ذو الحجة ١٣٨٠ هـ - ٢٤ مايو ١٩٦١ م

لبيـــــك.

لبيــك الله.

لبيك اللهم لبيك.

لبيك أقرب إلينا من حبل الوريد.

لبيك يا من هو معنا أينما كنا.

لبيك يا من هو من ورائنا محيط.

لبيك يا من هو كل شـيء وكل أشـيائنا.

لبيك يا من هو كل معنى وكل معانينا.

لبيك يا من هو مشـيئتنا وإرادتنا وحياتنا وقيامنا ووجودنا.

لبيك في دمائنا… لبيك في عقولنا… لبيك في أرواحنا…

لبيك في نفوسـنا… لبيك في معانينا…

لبيك مسـتويا على عرش أوانينا.

لبيـك يا من هو قديمنـا في أحسـن تقويم… لبيك يا من هو قابلنا في أحسـن تقويم… لبيك يا من هو أحسـن تقويم.

لبيك يا من لا وجود مع وجوده ولا شـهود مع شـهوده.

لبيك لا إله غيرك ولا معبود سـواك.

لبيك يا بارئ يا معيد، يا من بدأتنا فيما لا نعلم، وأوجدتنا فيما لا نعلم، وتعيدنا للوجود فيما لا نعلم.

لبيك يا من علمتنا كيف نعلم وكيف لا نعلم.

لبيك في علمنا… لبيك في عمائنا وجهلنا.

لبيك في حياتنا أحياء ولا حياة لنا.

لبيك في معانينا من معانيك ولا معنى لنا.

لبيك في وجودنا من وجودك ولا وجود لنا.

لبيك أيها الحيــــــاة.

عباد الله:

في مثل هذه الأيام من كل عام نأتي منسـكا نسـميه بالحج، ويقطع الزمان في حياتنا أياما، نسـميها بالعيد، ونميز في جمعنا بين من حـج وبين من لم يحج، ونتميز بوصف الحاج لمن حج… فما هو الحج؟ وما هو العيد؟ وما هو العود؟

إن الحج في الدين إنما هو على ما يعرفه من عرف الدين ومن دخل الدين، ليس إلا توبة صادقة يتوبها المسـيء - وكلنـا هذا المسـيء - توبة من أكبـر الكبائـر، هي أصل الكبائر تتسـاقط بجانبها وبالمقارنة لها كل الأخطاء، هي الشـرك بالله، والقيام بالنفس، والعزلة بالأنا. فجعلت شـعيرة الحج توبة صادقة من هذا الوزر ومن هذا الاعتقاد ومن هذا القيام، إذا ما أداها العبد، إذا ما أداها المسـلم، إذا ما رجع بها المؤمن فارغا قلبه من كل ما سـوى الله، وقد ذهب قاصدا بيت الله يطوفه ثم يدخله ويصبح من أهله، مرتحـلا إلى مكان يقدسـه لأن هذا المكان قدسـه من قبله إمامـه وأسـوته وقدوته عبد الله ورسـوله على سـنن من سـبق. وهو على نهجه يسـير وبسـنته يعمل… يطوف كما طـاف، ويُحَيِّي كما حيَّا ويجافي كما جافى، ويخلع لباس قيامه إلى لباس عزيمته، لا فرق بينه وبين الناس، مُحْرما عن رؤية أنانيته وعزلته إلى جديده من اندماجه ووحدته… هو والناس كل لا يتجزأ… هو والناس واحد لا يتفتت… يلبون تلبية واحدة، ويقفون وقفة واحدة، ويقطعون يوما واحدا… كلهم في بادية من صحراء… على ربوة وهاوية… يلتفون حول جبل يرون فيه عنوان الرحمة، وتحيطهم سلسـلة من جبال يرون فيها عنوان الحماية والوقاية. يلبون من ناداهم إلى هذا المكان ليلقاهم في أنفسـهم ولا مكان له… صحراء جرداء إلا من رحمة الله… تعنـون التجرد من الدنيـا وشـهواتها، والبعد عن التعلق بقيمها وخيراتها، طلبا لمبدعها في جنته من الأرض الطيبة، يذكـر فيها اسـمه، ولا يعرف فيها خير إلا خيره ولا ري إلا ريه، ولا يذكر فيها اسـم إلا اسـمه، ولا يعرف فيها معروف، إلا معروفه في نفس عبده.

إن الحج ليس أكثر من توبة صادقة لمن صدق في توبته، ليس أكثر من رجعة صادقة لمن رجع إلى ربـه معه في نفسـه، فإذا كان المصلي قد لا يزداد بصلاته من الله إلا بعدا وقد غيبه عنه وسـوفه لـه، وإذا كان الصائم قد لا ينـاله من صيامه إلا الجوع والعطش إذ لم يهيئ بالصيام كشـف معيته له، فكذلك الحاج قد لا يربح من إتيانه لهذا المنسـك إلا المشـقة والنصب وتمضية الوقت في التعب وإنفاق المال، واشـغال البال، إذا لم يكن في هذا المنسـك نزعة منه في التوبة إلى الله والرجعة إليه. وإن صدق الإنسـان في توبته، وإن صدق في رجعته، حج ولو هو في عقر داره. فالحج إنما هو لمحة اليقظة… إنه لمحة الضمير… إنها لمحة الحياة يوم يرجع الإنسـان صادقا إلى ربه مدركا له في معيته.

خلق الله الإنسـان في أحسـن تقويم، كل مولود يولد على الفطرة، وارتد الإنسـان بفعله، وتحمَّل الله عنه فعله إلى أسـفل سـافلين… ثم تهيأت له برحمة الله سـبل التوبة والرجعة إلى الله، ليرجع بعمله، وبيقظته، وبتوبته، إلى أحسـن تقويم عملا منه وعطاء من ربه غير ممنون.

فالإنسـان بغفلته متأثرا ببيئته سـقط إلى أسـفل سـافلين من أحسـن تقويم. والإنسـان بيقظته يرجـع إلى طبيعته من أحسـن تقويم. ولا يرجع الإنسـان إلى أحسـن تقويم أو يسـير الإنسـان في الواقـع إلى أحسـن تقويم، وهو يلتفت خلفه إلى قديمه… إلى سـقطته… إلى كبوته، سـواء من حيواته القديمة التي لا يدركها أو من أوقاته القديمة التي هو مدركها ولم يقطعها في يقظة وقطعته في غفلة… فلينـظر الإنسـان أمامه دائما ولينظر إلى حاضـره وغده، ولا يلتفت إلى أمسـه إلا بما يقتضيه إدراك التجربة، ولا ييأس من رحمة الله، مما حصَّل من معاصيه وغفلاته من فعله بأمسـه، من حاضر حياته أو قديم حيواته… إن الله يعفو عن كثير، وإن الله يغفر الكثير، وإن الله لا يسـأل عبده ما سـأل العبد نفسـه، ولا يذكره بماضيه من أخطائه ما كره العبد لماضيه بأخطائه.

إن وجود الإنسـان على هذه الأرض، على ما سـبق أن بدأه ربه في قديم من حيوات، إنما هـو في ذاته توبة. إنه رجعة إلى الله، إنه حج مطهِّر كل مولود يولد على الفطرة، لا يسـأل عن حيواته القديمة ولا يرتبط بها مهما كان بها من أخطاء أو سـيئات. إنه ابن يومه في حياته الراهنة. الله مولاه والله قائم عليه بما كسـب وبما يكتسـب والله معه حيثما كان، والله من ورائه محيط… فليقطـع نفسـه من شـجرة ماضيه ما أدرك خطيئته، وليـزرع نفسـه في شـجرة الحاضر ما رأى أرضها وعَرف زارعها.

إن الإنسـان بإرادته وبأنفاسـه كل يوم في لباس من خلق جديد ما جدد نفسـه بتجديد فكره، وما أكبر ربه عما هو فيه وعما هو إليه وما وحد إلهه جـامعا لهما، وما آمـن بالله إيمانا بهما في معناه مولىً له يرعاه ولا ينسـاه… فما عاد عبد لله مِن حجه إلا قبله الله لما صنـع به الله وقد بدل سـيئاته حسـنات، وإن كانت أمثال الجبال… من تاب تاب الله عليه. من اسـتغفر غفر الله له. من رجع إلى الله وجد أحضان الله مفتحة له.

هذا هو العود إلى الله، وهذا هو العيد لمن أعاده إليه الله، وقد أعاده عقله وأعاده ضميره فعادت نفسـه إلى الله… فما أعاده في الواقع إلى الله غيره، وما عاد إلى الله بغير الله… ومن عاد إلى الله فقد حج.

عباد الله:

لا تقنطوا أبدا من رحمة الله. واعلموا أنكم على أرضكم في بيت الله، وفي مسـجد الله وفي حـج إلى الله، ما ذكـرتم الله في أنفسـكم تضرعا وخيفة… ألم يقل لكم رسـوله من أنفسـكم ومن أنتم على دينه: (جعلت لي الأرض مسـجدا وطهورا)[١] ؟ ألم يقل لكم: (زويت لي الأرض)[٢]؟ ألم يقل لكم: (تناكحوا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة)[٣]؟

إنه عرف حكمة الله من خلقه للخلق، إنسـًا وجِنًا، ما أوجدهم إلا ليعرفوه في أنفسـهم ويمثلوه لأنفسـهم، وعرف أنه بالغ فيهم أمره، وأنه جعل لكل شـيء سـببا، وأن رحمته غالبـة عذابه، وأن رحمتـه هي التي تقوم في عبده وتتخلله، وأن العبد مهما عَلا فهو ضعيف، وأن العبد مهما ضعف فهو به قـوي. إن الضعف إنما هو في العزلة عن الله حتى العدم، وإن القوة إنما هي في قيام وحدانية الله وعقيدة وحدانية الله وشـهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسـول الله، حتى وجه الله.

إن محمدا عبد الله ورسـوله، به ومنه وفيه نعرف الدين، ونعرف اليقين، ونعرف أنفسـنا، ونعرف الله. إنه وصلتنا بأنفسـنا، وإنه وصلتنا بربه ربا لنا… إذا لم تطف عقولنا حول اسـمه ورسـمه وبيته وكتابه ودعوته ومعناه وقيامه وغيبه وشـهادته وقربه وبعده وحبه وبغضه، فلا دين لنا، ولا رب لنا، ولا إله لنا.

إن العودة إنما هي إليه عبدا لله… وإن البدء إنما هـو منه بعثا به حقا لله… وإن الحب إنما هـو له وجها لله… وإن الرضـا إنما هو عنه رحمة من الله… وإن الوصلة إنما هي به، حقا من الله، فهل عرفناه على ما يليق بنا أن نعرفه أو على ما يليق به أن يُعرف؟

كيف يُعرف الله إذا لم يعرف عبده ورسـوله؟ وكيف يقدر الله إذا لم يُقدر عبده ورسـوله؟ وكيف يوصل الله إذا لم يوصل عبده ورسـوله؟ وكيف يقوم الله إذا لم يقم عبده ورسـوله؟

هل لنا عقول نفكر بها؟ هل لنا نفوس نحس بها؟ هل لنا قلوب نحن ونخشـع بها؟ إن عقولنـا عاطلة، ونفوسـنا جذوتها خامدة، وقلوبنا أرضها هامدة، فكيف يكون لنا قيام بالله إذا لم يقم فينا ذكر له ونزوع إليه وتواصينا بذلك فيما بيننا؟ كيف يكون لنا ذلك ونحن نرى آباءنا قل منهم من كان كذلك وما زلنا على أثرهم؟ ونحن نرى جمعنا وأمتنا تسـتغرب ذلك، وتسـتبعد ذلك على ما كان عليه أصولها من جاهليتها؟ إن من اسـتيقظ قلبه وجنانه من بيننا فقد اسـتيقظ بـه أمـة للحكمة، فليحرص على ذلـك لنفسـه وأثـره، وليعلم أن ما أصابه من رحمة الله فيه الخير الكثير يعم البشـرية، وينتشـر فيها من روحه، فيبعث رفاتها ويحيي أمواتها، فليدأب على ما هو عليه، وليواصل المزيـد فيه… فما من كمال إلا وعند الله أكمل منه، وما من جمال إلا وعند الله أجمل منه، وما من قرب إلا وعند الله أقرب منه، وما من ارتقاء إلا وعند الله أعلى منه، وما من علم إلا وعند الله أوسـع منه… فاحرصوا على ما أنتم في الله، واحرصوا على طلبكم لما أدركتم من نعمة الله، ومن رحمـة الله، ومن الوعي عن الله، واجعلوا حديثكم عن الله وعملكم لمرضاته.

هدانا الله وإياكم سـواء السـبيل، وجمع قلوبنا في سـاحة رحمته، وأنزل السـكينة عليها بجوده وكرمه، وأخرجها من الظلمات إلى النـور بفضله وعطائه… لا إله غيره ولا معبود سـواه.

اللهم كن لنا في الكبير والصغير من شـأننا… اللهم تولَنا فيما نعلم، وفيما لا نعلم، وولِ اللهم أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شـرارنا… وذكرنا حكاما ومحكومين… وخذ بنواصينـا إلى الخير حكاما ومحكومين… وتولنا برحمتك حكاما ومحكومين… اللهم اغفر لغافلنا واقبل من عاملنا… وألف بين قلوبنا ووحد جمعنا…

لا إله غيرك إليــــــك المصير.

أضواء على الطريق

  • ‏{وأذن في الناس بالحج يأتوك…}[٤]

  • ‏‏{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت}[٥].

  • ‏‏{وأْمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها}[٦].

  • ‏‏{النبي أولي بالمؤمنين من أنفسـهم وأزواجه أمهاتهم}[٧].

  • ‏‏{في بيوت أذن الله أن ترفع ويُذكر فيها اسـمه… رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله}[٨].

  • ‏‏{إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا}[٩].

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. من الحديث الشريف: "فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لِىَ الغَنائِمُ، وجُعِلَتْ لِىَ الأرضُ مَسْجِدًا وطَهورًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كَافَّةً، وخُتِمَ بي النبيُّونَ‏). سنن الترمذي، ومسلم باختلاف يسير. كما أخرج البخاري بعضا منه في أحاديث أخرى. ↩︎

  2. من حديث شريف: "إنَّ اللهَ زوَى لي الأرضَ فرأَيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها فإنَّ أُمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زوَى لي منها وأُعطِيتُ الكَنزَيْنِ : الأحمرَ والأبيضَ… أخرجه مسلم في صحيحه. ↩︎

  3. حديث شريف: " تناكحوا تناسـلوا أباهي بكم الأمم يوم القيامة." المحدث: الزرقاني. المصدر: مختصر المقاصد. خلاصة حكم المحدث: صحيح. ↩︎

  4. سورة الحج - ٢٧ ↩︎

  5. سورة الأحزاب - ٣٣ ↩︎

  6. سورة طه - ١٣٢ ↩︎

  7. سورة الأحزاب - ٦ ↩︎

  8. سورة النور - ٣٦:٣٧ ↩︎

  9. سورة آل عمران - ٩٦ ↩︎