(١٨)
بقية الله
رسالة الروح بعد رسالة النفس
ليقظة العقل وقيام الحياة
حديث الجمعة
٢٠ ذو القعدة ١٣٨٠ هـ - ٥ مايو ١٩٦١ م
{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونسـاء}[١].
يا أيها الناس…
اسـتيقظوا من نومكم…
ارجـعوا البصر كرتين… كرة إلى ماضيكم على أرضكم، وكرة إلى ما تنتظرون من مسـتقبل جنسـكم على أرضكم. إن فعلتم! ينقلب إليكم البصـر خاسـئا وهو حسـير. إن فعلتم! يكشـف عنكم غطاؤكم. إن فعلتم! تعلم نفس ما قدمت وما أخرت، ولِمَ عادت؟ ولِمَ وجدت؟ وفي أي طريق سُـيرت؟ فتعرف كيف نشـأت وممن بدأت. إن فعلتم رأيتم ثبات جنسـكم، وتجدد مفرداتكم، ودوام ذكركم فرعا لقديم، وأصلا لجديد.
يا أيها الناس…
إن الذي تدعون من ذكركم الله إنما هو معكم أينما كنتم، وكيفما كنتم، ومتى كنتم، وهو جماع ما أنتم على ما أنتم تشـهدون في حاضر يومكم، من الأرض بدأكم ولا بدء لكم! كما تشـهدون من الأرض انتهاءكم ولا انتهاء لكم! تشـهدون يومـا من أيام أو ليلة من ليالي، وأيامكم لا تعد ولياليكم لا تحصى.
يا أيها الناس…
إن الذي تلوك ألسـنتكم من أمر ربكم، إنما هو ما هو قائم على كل نفس منكم بما كسـبت، إنمـا هو ما هو من وراء كل نفس منكم بما يحيط، أنتم له وجوه - على ما أنتم - علما على حكمته، وعلما على إرادته، وعلما على صنعه، وعلما على أمـره، وعلما على حقه، وعلما على خلقه، وعلما على فعلـه، وعلما على فاعليته، وعلما على ما فعل، وعلما علـى ما انفعل، وعلمـا على ما يفعل، علما على أسـمائه وصفاته. ملكوته بين جوانحكم، وقبلته في قلوبكم، وعوالمه في ذواتكم.
يا أيها الناس…
لا تسـوفوا أمر الله وهو عليكم قائم، ولا تسـوفوا وجـه الله وهو بكم قائم، ولا تسـوفوا ما وعـدكم الله في أنفسـكم وهو في قيامكم نافذ قائم، ولا تسـوفوا ما وعدكم الله وهو بينكم قائم، ولا تسـوفوا ما أعلمكم الله أو علَّمكم عنكم، فهو بينكم وفيكم وبكم متواجد وموجود ويتواجد.
يا أيها الناس…
لا تسـوفوا ما جاءكم به الدين في شـأن جنة أو نار، وفي شـأن دنيا تمرون بها أو آخـرة تسـتقرون فيها، أو قبلية لا وجود لكم في زمانها، أو بعدية تتواجدونها تواجدا لا تفنـون فيه أبـدا. فكل ذلك أمـر الله وشـأنه، وكل هذا لكم قائم، وعليكم قائم، وبكم قائم، وفيكم يقوم، وبكم ينفذ، وبإرادتكم يتواجد، وبإرادتكم في الغفلة عنه يختفي، وبكشـف الغفلة يشـهد ويدرك.
يا أيها الناس…
لا تفرِقوا بين الله ورسـله، ولا تفرِقوا بين رسـل الله وبينكم. إن الله يصل رسـله ويصلي عليهم في حياتهم برسـالاتهم وعليهم فيمن يدعـون بدعوتهم. وإن رسـله يصلونكم ويصلون عليكم ما وصلتموهم بمتابعـة، ويتصفونكم ما اتصفتموهم بمحبة، ويتواجدونكم ما تواجدتموهم بمعرفة بالله… وبذلك يصلي الله عليكم صلاته عليهم، فيخرجكم بصلاته وصلته من الظلمات إلى النور. إن الله وملائكته يصلون على كل نبي… إن الله وملائكته يصلون على كل إمام… إن الله وملائكته يصلون على كل ولي… إن الله وملائكته يصلون على كل نفس تزكت… إن الله وملائكته يصلون على كل عبد لله، على كل عبد للرحمن، على كل رحمة مهداة. لقد كشـف محمد ذلك للناس فانقطع به الإنباء عن الحياة، وقامت به الحياة لكافة الناس، وإن عباد الله وكل من صلى عليهم الله وملائكته يصلون على الناس لتكون صلاتهم وصلتهم بالناس سـكنا لهم ورحمة من الله عليهم، وصلة من الله بهم وصلاة منه عليهم. وبذلك كانت أمته بمعناه، الحق الوسـط بين قديم ومحدث الحقائق للخلائق من أمم البشـرية السـرمدية.
يا أيها الناس…
لا تغيبوا الديان فيغيب الدين.
يا أيها الناس…
ادخلوا في الدين لتشـهدوا في أنفسـكم الديان. إن الله معكم على دوام. وصفاته قائمة عليكم وقائمة بكم على غير انقطاع. في أمن وسـلام.
يا أيها الناس…
أما آن لأرض نفوسـكم أن تشـرق بشـمس الله، وأن تتغذى بنور الله، وأن تقوم بأمر الله؟! أما آن لأرض نفوسـكم أن تخشـع لذكر الله، وأن تسـتقبل ماء الحيـاة، وأن تهتز وتربو وتثمر فتكسـو أديمها بخضرتها، وتغذى أرضها بثمرتها؟! أما آن لها أن تخرج أثقالها، وتخرج من خمودها إلى حركتها… فتتصاعد في السـماء بغصون شـجرتها… وتمتد في باطـن الأرض بجذور عترتها… وتقوم شـامخة بوحدتها… وتمتد وتتسـع وتتكاثر جنة لله ببهجتها، فيها كلمات الله الطيبـة، فيها أصـول إنسـانية الله من أوادمه، فيها كلماته التامات في وحدتها قدسـي حضرتها؟!
يا أيها الناس…
أما آن لكم أن تدركوا في الله عظمة أنفسـكم به موصولة، وضآلة أنفسـكم عنه مقطوعة… بين شـجرات خبيثة تجتث من فوق سـطح الأرض فما لها من قرار… وشـجرات طيبة أصلها ثابت وفرعها في السـماء، تؤتي أُكلها بإذن ربها كل حين؟!
يا أيها الناس…
أما آن لكم أن تبدأوا من أنفسـكم متأملين، وأن تطلبوا الله بدءا من معيتكم شـاكرين، ولربكم معكم ذاكرين؟! أما آن لكم أن تدركوا أنكم ظاهر ربكم؟! أما آن لكم أن تدركوا أن ربكم ليس إلا باطنكم من الله؟! أما آن لكم أن تدركـوا أنكم وربكم من الحي القيوم؟ بالحيـاة منه تقومون فيظهر، وبالحيـاة عليكم يقوم فتحيون، وبوابـة الموت إلى الحياة تجتازون، فتعلمون أن الموت ما خلق إلا نعمة لكم، لها تجهلون وبـها تجحدون، وأن الحيــاة به مخلـوقة لكم ولسـعادتكم وديموميتكم لـها لا تدركـون ولا تطلبـون ولا تعلمون، وأن الله الحي القيـوم لا يُخلق ولا يَخلِق، ولكنه ينفعل بالظهور فيظهر خلقا، وينفعل بالكبـرياء والتعالي، فيختفي عن جلابيبه من خلقه إلى معانيه من حقه.
أما آن لكم أن تعلموا أن الإنسـان في معناكم، وأن الإنسـان في غيبكم، وأن الإنسـان فيما لا تدركون من غيب أو شـهادة، إنما هو الإنسـان؟ لا يتبعض ولا يتجزأ ولا ينفصل ولا يختلف… ولكنه في أمر صامد لأنه من الحق ولأنه الحق.
إن الإنسـان هو الخلق، وإن الإنسـان هو الحق، وإن الإنسـان هو العبد، وإن الإنسـان هو الرب، وإن الإنسـان هو الظاهـر، وإن الإنسـان هو الباطن، وإن الإنسـان هو المخلوق، وإن الإنسـان هو الخالق، إن الإنسـان هو كل شـيء. فإن فقد إنسـانيته فهو لا شـيء. إن الإنسـان هو الله في كنزيته وتعاليه. إن الإنسـان هو الله في فاعليته وتدانيه. إن الإنسـان هو الله في قدرته بالله خالقا، وفي تجلي الله به موصوفا بالخلق.
لا تعطوا حاضـر إنسـانيتكم ما لا يَسـتحق أو أكثر مما يسـتحق، ولا تمنعوا إنسـانيتكم عما تسـتحق. ما من كمال للإنسـان إلا وعند الله أكمل منه. وما من فعل للإنسـان يسـيء إليه ويضيعه إلا وعند الله ما هو أقسـى منه.
إن الإنسـان بحقيته هو المختار لعدمه بإرادته، والمختار للحياة بها بإرادته. واختيار الإيمان هو اختيار للحيـاة، واختيار الكفر هو اختيـار للعدم. ومن شــاء فليؤمن بالله في نفسـه. ومن شـاء فليكفـر بالله في معنى غيره. إن اللـه لا يقبل أن يشـرك به، ويغفـر ما دون الشـرك به… {إن الله لا يغفـر أن يشـرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشـاء}[٢]، {يا عبـادي الذين أسـرفوا على أنفسـهم لا تقنطوا من رحمة الله. إن الله يغفر الذنوب جميعا}[٣].
إنكم بتواجدكم على هذه الأرض، وعلى هذه الصورة، وبهذه الإمكانيات، وبهذه الإرادة الحـرة الطليقة، كانت لكم فرصة الحياة. إنها فرصة الأنا. إنها فرصة الوجود… إنها فرصة العمر… إنها فرصة الشـهود… إنها فرصة التواجد… إنها فرصة التزاوج والتخالل… إنها فرصة التوالد والتكاثر… إنها فرصة الامتداد بحاضر الحياة، في التكاثر بمظاهر وجلود الحياة لكسـب ذات الدوام بالحياة.
إنكم في هذه الحياة، إن حييتم، تمتدون في آبائكم سَـامقين، وتمتدون في أبنائكم قائمين، وتمتدون في مزاوجيكم متسـعين، وتمتدون في أحبابكم وإخوانكم شـافعين. إنكم في هذا النوع من الحياة على هذه الأرض من حيوات إنسـانية الكواكب، ومن حيوات إنسـانية الروح، تجمعون ما بين حيـاة عوالم الروح وحياة عوالم الكواكب، تجمعون بين حياة الخلق وبين حياة الحق، تجمعون بين ظاهر الحيـاة وباطن الحيـاة، تجمعون بين مرضي الحياة في دور الرضاء، وبين مقلو الحياة في دور الابتلاء. إنها صورة صغيرة مجسـمة لحياة العالم الأكبر.
إنكم في حياة ما قبل آدم تتواجدونه. إن ذواتكم هي أرض آدم ولبنات ذاته بيتا لله، ما ارتبطت قلوبكم، وتراصت ذواتكم، والتحمت نفوسـكم، واتحدت عقولـكم، وامتزجت أرواحـكم، وتوحدت في الله وجهتكم، فاسـتقامت طريقكم. فآدم الله يقومكم وتقوموه، ويشـهدكم وتشـهدوه، ويتواجـدكم وتتواجدوه، بيتا لله تتجمع بكم أركانه، ويتصاعد بكم بنيانه، ويتجدد بكم في الدهر زمانـه، ويبقى ويصمد في الحيـاة ذكره وعنوانه… ذكرًا لله وعلمًا على الله ووجها لله، في وحدة لوجوه ناضرة بوجه ربها لوجهه ناظرة، تقوم قيام أمره، وتكشـف مكنون سـره، وترفع للناس فيهم عنهم سـتره… أول عابدين لا آخر لهم وأول ذاكـرين لا انتهاء لهم، وأول عاملين لا انقضـاء لعملهم ولا توقف لبنائهم وفعلهم… بهم يسـتدير الزمان على هيأته كيوم خلق الله السـموات والأرض من ســدم دخانها من النفوس سـرجا لله، وأراضين لله، وسـموات لله، وملك وممالك لله… إنسـان الله لهم جماعهم رب العالمين، ملك ومالك يوم الدين وجها لله وطلعة له… مشـهودا لوجـه المعبود من الله مخاطبا من وجوهه بالعابدين {إياك نعبد}[٤]، ومن وجوهه بالفقراء المفتقرين {وإياك نسـتعين}[٥]… ومن وجوه علمه الذين يعلمون أن عطـاء الله غير مجذوذ، وأنهم وربهم في تعالٍ لا انتهاء له، فيطلبون الأكثر من الرشـاد، ويفارقون ما بقي من العناد {اهدنا الصراط المسـتقيم}[٦] يطلبون مزيدا من اسـتقامة السـبيل الذي لا نهايـة له والذي لا بداية له، والذي لا يحده عرض ولا تشـغله أرض… {صراط الذين أنعمت عليهم}[٧] أولين مع من أنعمت عليهم من العابدين فما كنا في أولئك بأولين… فالأولية فيك لأولية معنـاك وهذه نعمتك لمن تشـاء، يا صمد الصفات، لا تنقطع أولياتك، ولا تتوقف عن إبـراز آحـادك… وكل أحد فيك ليس كفؤا لأحديتك، وإن كان أحدية خلقك… وأحديـة عبـادك يتوحدون مع أحديـة عبدٍ لك… يا أحد الآحـاد… يا أولية الأولين بلا أولية له… يا أولية الأولين السـرمدية، والسـرمدية من فعله ومن عطائه.
ها نحن نعتقد أمرك، ونرى عدمنا مع وجـودك، كما نرى ضعفنا وقدرتك، ونرى سـعادتنا في اصطفائك، لم تلد ولم تولد، كلماتك إلى آدم بك منك إليك بإرادتك هو أحدها وجماعها أوجدته فيه باصطفائك، وجعلته وجه ربوبيتك إلينا ووجه عبوديتك إليك، وكنت قديمه بنورك، وكان جديدك في معنى ذاتـك. كنت مذكـوره وكان ذكـرك. كنت أوليتـه وكان أوليتنا. أوليتنا فيك لك… به عرفناك وبه نتواجد بمعناه لمبناك عبادا لك جددته لنا عبدا رسـولا… وجعلته بقديمه من معنـاه بك موصولا… وجعلته بما أودعته من حقك لنا حوضا ووصـولا، وجعلتنا الأحياء بصلته والعباد بمعرفته، وجعلت أمته أمة وسـطا يقومون آدما ويُعَبِّدون أنفسـهم لقديـم لآدم، ويجددون أنفسـهم في الحياة آدما… ويتركون ويُخَلِّفون من بعدهم آدمـا… هذا دينهم وهذا إيمانهم وهذا شـرعهم وهذا علمهم… إذا ارتضيتهم تفضـلا منك على عبدك ومرتضاك للدوام رسـالة، وارتضيتهم للدوام كتابا، وارتضيتهم للدوام آدما، وارتضيتهم للدوام إنسـانا، وارتضيتهم للدوام حقا، وارتضيتهم للدوام لك عبدا.
إن هذه البشـرية… إن هذه الأرض… إن هذه الدحية بين دحى الله في واسـع ملكه تحمل أصول إنسـانية ما قبل آدم. منها يبدأ ومنها يصطفي بأولية بيته يرفع، كما تحمل إنسـانية ما بعد آدم عليها يتحقق بمعاني حقه ببيته يوضع.
إن هذه الأرض وهذه البشـرية تقوم بها جنـة آدم كما تقوم بها أرض بعده، ومنها ذات قطيعته وذات رجعته وذات نشـأته، كما تقوم بها أرض اختباره وأرض اجتبائه وأرض علمه وارتقائه، في معانيه من ذاته.
إن هذه البشـرية كتاب جامع للحياة، بحاضر الحياة من قائم الحياة… ترى فيها بدايات لآدم، وترى بينها نهايات لآدم، وترى فيها اصطفاءات لآدم. ويرى بين أهلها حقائق لآدم، ويقوم عليها عباد للرحمن يمشـون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سـلاما. كما يقوم عليها رجال للطاغوت يفسـدون في الأرض باسـم الإصلاح، ويقومون بالطلاح باسـم الفلاح، ضل سـعيهم، إذا قيل لهم لا تفسـدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، وإنهم المفسـدون ولكن لا يشـعرون. فكيف عن الفسـاد يردون؟ وكيف السـبيل إلى حماية الأرض منهم؟ إلا بالالتجاء لله رب العالمين الذي بحكمته أبدعهم، ومعرفة أسـباب حكمته، والعمل لإجابة إرادته.
إن هذه الأرض يجتمع عليها آدمية ما قبل آدم، وآدمية آدم، وآدمية ما بعد آدم… عليها يتلاقون وعليها يتعارفون… إن هذه الأرض تجمع آدما في اصطفائه وآدمـا في ابتـلائه، فيها يتباغضون وعليها يتنافرون ويقتتلون.
إن هذه الأرض تجمع آدما هُدِي السـبيل، وآدما ضل السـبيل… تجمع آدم الصحيح السـليم وآدم العليل السـقيم. عليها يتعارفون، ويتعاونون، ويتناصحون.
يا أيها الناس…
ابدأوا معارفكم من أنفسـكم، وابدأوا أمركم من ذواتكم، وابدأوا حياتكم من يومكم من حاضركم، واعلموا أن ما تشـهدون من روح الله تدانيكم وتكلمكم من وراء حجـاب من بينكم إنما هي بقية الله من حقية رسـولكم من أنفسـكم، جـاء به الحق إلى أرضكم وكان أولية عباد لبيت لله من بينكم، بكم يقوم وبكم يبعث، ولم يكن آخرية عباد الله منكم أو آخرية بيوت الله لكم.
إن الروح المرشـد الذي يدانيكم مرسـلا من الروح الأعظم على الوجود القائم بكم، إنما هو رسـول الله، إنما هو بقية رسـول الله تدانيكم من حقيقة الأعظم بالحـق لكم من الله لتذكركم وتجدد لكم أمور دينكم، لتعلمكم أن الدين إنما يقوم في شـهادة أن لا إلـه إلا الله وفي شـهادة أن محـمدا رسـول الله، وأن شـهادة أن لا إلـه إلا الله تُشـهد في شـهادة أن محمدا هو الحق المرسـل من الله، وأن شـهادة أن محمدا رسـول الله، لا تشـهد الحق من الله إلا بشـهادة أن لا إلـه إلا الله… فهما شـهادتان متلازمتان لا تنفصلان ولا تفترقان أبدا، لا تتقدم أحـدهما على الأخرى ولا تتخلف أحدهما عن الأخـرى (تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، ما إن تمسـكتم بهما لا تضلون أبدا، فإنهما لا يفترقان أبدا)[٨]، فكتاب الله في شـهادة أن لا إلـه إلا الله، وعترة رسـول الله تقوم بشـهادة أن محمدا رسـول الله في النـاس يتكاثر، وفي الناس يمتد وفي الناس ينتشـر ويتناثر… فيهم يتواجد، به يحيون ويتواجدون وجوها لله وحقائق من الله… فهما شـهادتان متلازمتان في دين الله معنى للا إلـه إلا الله. ولأن عباد الرحمن يمشـون على الأرض عترة رسـول الله، وعَلما على رسـول الله، ووجوها لله مطلة من بيت الله، فهم الحق من الله في دائـم تعريفه عن شـهادة أن لا إلـه إلا الله لا يفترقون عن الكتاب ولا يفترق الكتاب عنهم. من عـرف الكتاب مسـتقلا عنهم فقد ضل وأضل، أضله الله بالكتاب. ومن تمسـك بمعناهم دون الكتاب جهلا منه، وجهلا به وجهلا بهم ولم يقم بكتاب الله فقد ضل… إنهما لا يفتـرقان أبدا… إنهما عماد الحقيقة وعماد الطريقة، وعماد الدين، وعماد اليقين، وعماد النجاة… {ولمن خاف مقام ربه جنتان}[٩] من ذكر ربه في نفسـه تضرعا وخيفة… عرفه في نفسـه ونجَّاه، وأذهب عنه الخوف ما قطعه وما جفاه، وما نسـيه أو تناسـاه، وما أغفله في أخـراه من دنياه، قائما لله وجها له في معنـاه {واُذكر ربك في نفسـك…}[١٠].
إن الله يُخشـى في قطيعته، ولا يخشـى في عذابه… مرحبا بناره مع وصلته، ولا كانت جنـة مع قطيعته. إن الحقية في الجنة في الاتصال به، في اتصال القلوب بالاجتماع عليه. وإن العذاب إنما هو في فـرقة القلوب تنفصل عن القلوب عامرة به. إن العذاب في الجهل به، وفي السـير في الظلام لا هـدى منه ولا نور يسـري في القلب عنه.
ليس هناك جهنم إلا في قطيعته، وليس هناك جنة إلا في أن تنجو بوصلته.
ما كان الله ليعذبهم لو سـلكوا طريقه، ما يرسـل الله بالآيـات إلا تخويفا، ما يفعل الله بعذابهم، إن الله مخرجهم من النار التي طال اصطبـارهم عليها، وراحمهم بوصلته التـي غفلوا عنها، ما تذكـروه واتبعوا السـبيل.
اذكروا الله في أنفسـكم لا تعمهوه، واذكروه رحيما لا تجافوه، واذكروه متصلا لا تقطعوا أنفسـكم منه، واذكـروه كريما ما شـكرتموه، فهو يرحمكم ويخلصكم من أنفسـكم ما طلبتموه، وهو قريب منكم ما ذكرتموه، وهو مجيب لكم ما ناديتموه. وهو ملاقيكم بكم ما وحدتموه.
اللهم إن حالنا ظاهر بين يديك. اللهم فتولَنا وارحمنا. اللهم عاملنا بما أنت له أهل وعافنا مما نحن له أهل. اللهم خذ بيدنا حكاما ومحكومين، وقوم فيك طريقنا، وأوضح لنا سـبيلنا. اللهم ولِ أمورنا خيـارنا، ولا تولِ أمورنـا شـرارنا. اللهم تولَنـا برحمتك عاصين وطائعين، وتولَنا برعايتك يقظين وغافلين، وخـذ بيدنا أجمعين، وأنزل سـكينتك على قلوبنا والسـلم والسـلام على أرضنا.
أضواء على الطريق
من هدي القــرآن:
-
إن الله لا يغفر أن يشـرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشـاء.
-
أينما تولوا فثم وجه الله - والله من ورائهم محيط - أقرب إليكم من حبل الوريد - ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر.
-
كل من عليها فان ويبقى وجـه ربك - يرث الله الأرض ومن عليها - كشـفنا عنك غطاءك - قل جاء الحق.
-
قائم على كل نفس بما كسـبت، لها ما كسـبت وعليها ما اكتسـبت - إن الأرض يرثها عبادي الصالحون.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة النساء - ١ ↩︎
سورة النساء - ٤٨ , سورة النساء - ١١٦ ↩︎
سورة الزمر - ٥٣ ↩︎
سورة الفاتحة - ٥ ↩︎
سورة الفاتحة - ٥ ↩︎
سورة الفاتحة - ٦ ↩︎
سورة الفاتحة - ٧ ↩︎
إشارة إلى حديثين شريفين: “إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض”. أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده. و"إني تارك فيكم ما إن استمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما". جاء في سنن الترمذي: ↩︎
سورة الرحمن - ٤٦ ↩︎
سورة الأعراف - ٢٠٥ ↩︎