(١٦)

الإسلام
سراج الفطرة وطريق الإنسان

حديث الجمعة

٢٠ جمادى الآخرة ١٣٨٠ هـ - ٩ ديسمبر ١٩٦٠ م

أشـهد أنه المعروف لا وصف له. أشـهد أنه الموجود لا عدم له. أشـهد أنه المشـهود لا غيبـة له أشـهد أنه الحي لا موت له. أشـهد أنه القيوم لا انقطاع له. أشـهد أنه المعلوم لا جهل له. أشـهد أنه الموصوف بكل وصف، لا يحدده وصف ولا تقيده صفة. أشـهد أنه لا إلـه إلا الله وأشـهد أن عبده قديم بقدم الربفيه، وأشـهد أن الموصوف بالعبد والرب معنى من معانيه.

لا إلـه غيـره ولا معبود سـواه. ما تألَّـه فيه إلا وصف من أوصافه ومعنى من معانيه. وما تنزه فيه إلا حقٌّ من حقائقه ومبنى من مبانيه. وما ظهر منه إلا صفة من صفاتـه وحضرة من حضراته.

علم الإنسـان كيف يظهـر وكيف يبين، كما علمه كيف يرتقي وكيف يختفي. علَّـم الإنسـان كيف يتعبد، وكيف يتألـه، وكيف يشـرق، وكيف يتكنـز، وكيف يتخلق، وكيف يتحقق، وكيف يعلم، وكيف يجهل، كيف يقرأ وكيف ينسـى ما قرأ، كيف يجهل ما يجـب أن يجهل، وكيف يتجاهل عما به يعلم. علمه كيف يعلم ومتى يتعالم ومتى يتجـاهل، كما علمه كيف يعمل وكيف يستسـلم، وكيف يقـوى وكيف يضعف، كيف يرضـى وكيف يغضب، كما علمه متى بذلك يكون، ومتى بشـيء من ذلك لا يكون، كما علمه كيف يتعدد وكيف يتوحـد، كيف يظهر فردا، وكيف يظهر مجتمعا، وكيف يتطور من فرد إلى مجتمع، ومن مجتمع إلى فرد.

جعل للإنسـان فيه كل أوصافه وكل معانيه، وجعل الإنسـان منه هو الإنسـان فيه. كله من أوصافه وكله من معانيه. وألبسـه غلاف الكون من مجاليه.

هذا ما جاء به الدين في تأسيسـه بأزمانه ومؤسسـيه، وهذا ما جمعه الإسـلام وأبرزه للناس، وجدَّده في الناس، وأحيـاه في الناس، وأقامه في الناس بالناس بكل أحوالـه ومعانيه، برسـوله وصحبه وآلـه ومبانيه. ويجدده ليظهره في رسـالة الروح بأجلى معانيه.

إن الإسـلام كحقيقة فيه فطرة، وفيه عقيدة، وفيه مجتمع، وفيه إنسـان، وهو إذ يعالج أمر الفطـرة إنما يعالجها بالفلسـفة لطلب الحقيقة، وطلب المعرفة بالعلوم الاجتماعية، وبالعلوم الكونية، وبالعلوم الروحية على مختلف ألوانها وأسـمائها ومواضيعها وأطوار إبرازها، وكشـفها وتعميمها بواقع فطرة الحياة.

والإنسـان في هذا كله هو الكائن الفطري، هو الكائن الشـيئي، هو الكائن المادي، هو الكائن الترابي، هو الكائن الوقتي، هو الكائن البدئي، هو الكائن المحدث بألوانه في أبدانه، هو الكائن الأولي لمبناه، والكائن الروحي لمعناه، وهو في الوقت نفسـه نهايات كل هذه البدايات واجتماعها. يبدأ بها ويرتقي فيها ثم يجمعها فتتجمع ثم يرتقي بجمعها فيعرج فيها وترتقي فيه فيكونها وتكونـه. يجمع بينها فيه على تناقضها، ويمتد ويتشـعب بها على وحدته، يفـرق نفسـه ويجمع نفسـه، ويباين بين أبعاضه، ويتقلب في صفاته، يجمعها فيه ويوحدها به ويتوحد معها، ويتوحدها وتتوحده، يقوم شـيطانا ويقوم رحمانا، يقوم وجها ظاهرا، ويقوم غيبا لا يدرك وإلها لا يوصف، يقوم ربـا ويقوم عبدًا، ويقوم روحًا، ويقوم نورا، ويقوم ظلاما، ويقوم سـرا، ويقوم جهرا، ويقوم بيانا، ويقوم كتمانا. يقوم على ما هو، ويقوم علما على معناه على ما هو… فهو هو… وهو هو… وهو فيه، إنما هو هو ما عرفه إلا هو… وما عُرف إلا له.

إن الإنسـان في قانون الفطرة هو ثمرة الفطرة، وهو الفطرة، وهو ما وراء الفطرة. وإن الإنسـان في الفطرة هو قانونها. وكما هو قانون الفطرة هو ذات الفطرة، وطاقة الفطرة، وعجز الفطرة، وظهور الفطرة، وغيب الفطرة.

هذا هو الإسـلام في الفطرة أو الفطرة في الإسـلام أو الإسـلام دينا للفطرة أعطيته والتزمته. أما الإسـلام عقيدة وكتابا، والإسـلام مجتمعا مظلما أو مشـرقا، فهذا أمر آخر، وشـأن آخر، ووعي آخر، وعلم آخر، وقيام آخر.

إن الإسـلام في طرفه الآخر من الفطرة بتطبيق عقائده الفطرية هو مجتمع فطري، وبتطبيق عقائده الكتابية هو مجتمع كتابي… مجتمع يجمع طبقاته، ويتوحد في ذاتـه، ويجتمع على نواته، وينتشـر منها في دوائر تجمعاته. يتزايد في حلقاته، ويتوجه إلى بؤرة ذاته، وينتشـر من بؤرة ذاته في دوائـر امتداده ومعـارج تنزلاته، وحيـواته، وعوالمه، ومنشـئاته من حقه وخلقه تلقائيا دون تدبير أو توجيه أو تبليغ إلى مجتمع مظلم مادي أو مجتمع مشـرق نوراني.

إن الإسـلام كمجتمع فطري، أو المجتمع الفطري كمجتمع إنما ينظم نفسـه بنفسـه في ظل ما هـدي به في غريزته صِدِّيقا لما وعى مما حُمل إليه من عقله فاروقا فيما أمر به من غريزة حرصه على الحيـاة، مؤمنا لفطرة الواقع في متابعاته، آمَّا باجتهاد مفرداته، مُكبـرا لله على نفسـه بعجزه، شـاكرا النعمة من الله في نفسـه بتذوقه، طالبا الله في فطرته بعقله واسـتقامته وصفائه.

إن الإسـلام إنسـان ومجتمع، إنما هو مظهر الإسـلام فطرة في نهايات الجنس على صلاحية من الفطرة بآدميته وقيام إنسـانيته. والإسـلام مجتمع مثالي، لا يكون مظهرا للإسـلام فطـرة وللجنس رسـالة ما لم يدرك فيه وينتشـر به وينتشـر عنه ويقوم عليه الإسـلام عقيدة. فبالعقيدة تسـارع عوامل الفطرة بإنتاج ثمارها فيه. فعقائد الإسـلام كتابا هي من قوانين الفطرة قياما.

إننا في جماعتنا هذه وفي قيامنا هذا، إنما يشـغلنا، إنما نعمل، إنما نتواصى، إنما نتذاكر بالإسـلام في دائرة العقيدة. أما الإسـلام في دائرة الفطرة فهو غني عن فعل الخلق لقيام الخلق بالخالق وقيام الخالق بالخلق، قياما كفاتا لا وسـيط فيه ولا وسـيلة فيه ولا عميل فيه. الحقيقة فيه أقرب إلى الناس، وإلى نفوس الناس، وإلى قيام الناس، وإلى ذوات الناس، وإلى عقول الناس، أقـرب إليهم من حبل الوريد بفطرتهم، نامية أو ضامرة بكسـبهم أو اكتسـابهم.

لا سـلطان لمخلوق على مخلوق، ولا سـلطان لحقيقة على حقيقة، ولا سـلطان لحق على حـق. لا سـلطان لعبد على عبد، ولا سـلطان لرب على رب. بل السـلطان كله لوحدة الفطرة. لا يشـغل مفردات الناس، ولا يشـغل مفردات العقول، ولا يشـغل مفـردات النفوس، ولا يشـغل مفـردات الهمم إلا ما يعني صاحبها في ذاتـه وفي نفسـه. يبدأ بنفسـه، يحرص على نفسـه، يعمل لصالـح نفسـه، بعقله هو، بتجربته هو، يسـتقيم وينحرف، ينهض ويكبو، يحسـن الاتجاه ويلتوي، الله بالغ فيه أمره، لقد أعطى كل شـيء خلقه، وجعل فيه هديه وحسـابه ومعراجـه وهاويته، وعوامل بقائه وعوامل فنائه.

إن الإسـلام كدين لفطرة هو المعرفة، هو كشـف القناع عن معرفة الكائنـات بكينونتها، والأشـياء بشـيئيتها، في المدى القصير أو الطويل، للتطـور بأطوارها وفي الزمن الطويل لدوام قيامها بذواتها ومعانيها في غنـاء الله عن العجلة بسـر دوامه، وبإحاطة الله بقدرتـه على الأشـياء إلى ما يـريد وما يشـاء. وما إرادة الله إلا إرادة الكائنات وما مشـيئة الله إلا مشـيئة الأشـياء على ما كانت هذه الكائنات إن كانت، وعلى ما شـاءت هذه الأشـياء إن شـاءت، وإن بدت الكائنات والأشـياء فيما عملت أنها قد أتت عملها خبط عشـواء أصابت أم أخطأت. فغناء الله عن العالمين أعطى العوالم حريتها فيما تريد إلى ما تريد.

هذه الفطرة تبدو ولا سـلطان لها علينا مدركا لنا في وحدتها إلا في سـلطاننا نحن على أنفسـنا. كما يبدو كذلك أن لا سـلطان لنا عليها، إذ لا نسـتطيع أن نقوم منها سـبيلا فسـبيلها قائمة على ما هي، ولا نسـتطيع أن نقوم فيها أمرا فأمرها قائم دائما على ما هي كذلـك. وهذا الأمـر لا يشـغلنا فيما هو خارج عنا ولا لغيبنا إلا بقدر ما يمس سـلطاننا علينا في ذاته.

فإذا كانت الفطرة لا سـلطان لنا عليها، فكذلك الإسـلام كمجتمع فطري لا سـلطان لنا عليه، ولا نسـتطيع أن نقيمه أو أن ننشـره. ولكننا نسـتطيع أن ندخله ونقوم فيه. ونسـتطيع أن نترك له أنفسـنا لينتشـر فيها. نسـتطيع أن نقومه بأنفسـنا لأنفسـنا، إذ مظهر الإسـلام كفطرة إنما هو المجتمع البشـري بأسـره، والجزء لا يحكم الكل.

أما الذي يعنينا أن نجتمع عليه، ونتحدث عنه، ونتواصى فيه، ونفيد منه، إنما هو الإسـلام عقيدة وكتابا. ونحن في هذا الإسـلام العقائدي إنما نتابع إنسـانا منا ورسـولا من أنفسـنا، وعبدا من عبـاد الله بيننا، تواجد بيننا بذاته وبصفاته وما زال يتواجد بيننا بمصاحبيه ومتابعيهم، هو من نسـميه محـمدا ومن يتصف عندنا برسـول الله، ومن تلوك ألسـنتنا اسـمه وتردد ذكر ربه، ترديد أسـماء من نفتقد في حال فاقتنا، ومن نذكر في حال حاجتنا.

إن ترديدنا لاسـم من نفتقد عند فقده لا يحضره. وإن ذكر ما نطلب عندما نحتاج لا يوجده. إذا شـعرت بالعطش فرددت اسـم الماء كما تردده الأنعام، هل أرتوي من ترديد اسـم الماء فأشـعر بالـري في نفسـي، فيبعد الظمأ عني؟ إذا أحسسـت بالجوع فرددت اسـم الخبز، هل يرد هذا الاسـم وأنا أردده غائلة الجـوع عني؟ هل أشـبع من تـرديد كلمة خبـز؟ أو ما يقابلها من أسـماء الطعـام؟!

إننا نذكر محمدا وربه كما يردد الريان لا الظمآن اسـم الماء، وكما يردد المتخوم لا الجوعان اسـم الطعام. إن ترديد الاسـم لا قيمة له، ولا يقيم في الإنسـان شـيئا، ولكن المطلوب إنما هو الصلة بالمسـمى، إنما هو القيـام بالمذكور. كلما جاءهم ذكر محدث… كلما جاءهم من يقوم بذكر الله من قيامه ذكرا لله، اسـتمعوه لاهية قلوبهم، ظاهروه، انصرفوا إلى دنياهم وتركوه، انصرفوا إلى لهوهم، انصرفوا إلى تجارتهم، وتركوا ما عند الله، وتركوا ما عند الذكر المحدث علما على الله ووجها لله، ويدا لله لهم منبسـطة، ووجها لله منبسـطة أسـاريره، وحوضا لله فيه ماء الحياة، ومائدة من الله فيها ومنها خبز الحياة، لا يذكر لفظا ولكن يقيم في الناس حقا، يقومه ويقدمه، لا يطلب مقابلا، ويبذله كرما لا يطلب أجرا أو شـكرا.

إن ذكر الله المحدث، إنما هو الإنسـان، إنما هو عبد الله، إنما هو بين الناس… من الناس… ناس حقق الله فيهم ذكره، ورفع لهم ذكرهم من معنى ذكره المرفوع والموضوع فلا يُشـارك رفيع الدرجـات ممن رفع من الناس ولكن يتابع ويعتقد ولا يحقد عليه. وكذلك رفيع الدرجات ممن وضع. وضع الله لذكره بيوتا، ورفع بذكره بيوتا، وأحيا باسـمه بيوتا، وأفنى بقدرته بيوتا، وأعدم بحكمته بيوتا، وذكَّر بفضله بيوتا، وأعطى بمنته في البيوت غرفا، وجعل من الغرف قبلة اسـتقبلها النـاس مصلين، وطاف بها الناس حاجين على مدى الأزمان والدهور. فما ارتفع رفيع إلا من رفعه رفيع في الدرجات. وما داني مدان إلا كان في مداناته رفيعا… كان رفيع الدرجـات مدانٍ في مداناته كما كان رفيع الدرجات في تنزهاته. والإنسـان في الرحمن والإنسـان في الله هو رفيع الدرجـات. والإنسـان في رفيع الدرجات هو الدرجات. والإنسـان في الدرجات هو كل ما فيها وكل ما لها من صفات.

الإنسـان كل ذلك. هذا ما جاءت به العقيدة، رفعنا بعضكم فوق بعض درجات وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا. فمن كان ذكرا لله كان رفيع الدرجات. هذا ما جاء به الإسـلام عقيدة. ولا يسـتقيم الإسـلام عقيدة إلا إذا اعتقد المسـلم في رسـول الإسـلام كل هذه المعاني له محققة… إلا إذا اعتقد المسـلم في رسـول الإسـلام أنه معطي ومهيئ لكل هذه المعاني بدوره، ومربٍ وخالق للإنسـان المتابع له بكل هذه المعاني، فيطلب رسـول الله، ويطلب في طلبه وفي اعتقاده به وجـه الله، لأن وجه الله حق للمرسـلين ونعمة للمرسـل إليهم. إن الرسـول هو الحق من ربهم وجها لله وقياما للحق به.

الناس يقومون به ويُبعثون به، ممتدين من روحه ونوره وهـديه، فيكونون رسـلا في مجتمعهم هم له وجوه حقه. وهو من ربه لهم وجـه الحق منه. والناس بمتابعتهم له في متابعتهم لمن امتد فيهم بروحه ونوره، إنما يدخلون في صلتهم بربهم وربه في صلتهم به في بناء للحق متماسـك. الصـلاة عنده صلة بين العبد وربه، والصلاة عنده صلة بين الرب وربه، والصلاة عنده وعي عند العبد عن ربه في نفسـه، وعن إلهه قائما على نفسـه على ما يشـهده فيه في نفسـه، امتدادا من اشـراقات وأنوار وفيوضات ربه معلوما له بوجهه مجهولا عليه بإحاطته.

إن الرب مدرك في الإسـلام في إدراك الإنسـان المسـلم لمعاني الإيمان تطرق قلبه وحسـه، وتشـرق في وعيه وإدراكه، وتقوم في زكاة نفسـه، وتُحيِي قائم جوارحه وأحاسيسـه على صورة مدركة عنده، ومن مصدر لا يُجهله.

هذا هو الإسـلام كعقيدة وهو ما نعتقده وهو ما نقوم فيه وهو ما نتواصى به. لا يتخذ منا بعضنا بعضا أربابـا من دون الله فيه، بل نرى الله فينا في جماعنا، ونـرانا في الله بجماعنا. نرى الله فينا بقدر ما يُظهر من صفاته. يظهرها فينا من اسـتقامته ومن حِلمه ومن كَرمه ومن فعله، بإيثـار له على أنفسـنا أو بذل له في أنفسـنا، ومن معرفته بنفسـه، ومن علمه بكونه، وبترك للدنيـا وزهد فيها على إحـاطة بها، وطلب للآخـرة وعمل لها في مسـتقيم طريق إليها، في شـوق للحقيقة وقيام بها. كل هذه الصفات إنما تقوم فينا معنونة معناها في الله من معناه في رسـول الله، قائمة برسـول الله بمعناه من ربه بربه.

إن الله عند المسـلم له معارج يعـرج فيها العارج إليه طلبا له حتى يلقاه. يطلبه الطالب بعقيدته، ويعرفه العارف بشـريعته، ويوحـده السـالك بهمته، فيطلب الله روحا أعظم وذاتا أقدس عروجا إليه في معراجه.

إن المسـلم من سـلم الناس من لسـانه ويده، وسـلم هو من فتنة نفسـه وطغيانها. إن المسـلم من أسـلم لله لا غيب له، ومن علم الله لا ظهور له… إن الله وراء ما ظهر، وإن الله هو الظاهر فيما ظهر… أينما نولي فوجهه - والله أكبر - إن انعكسـنا في انفسـنا فلا نرى إلا وجهه - والله أكبر - وإن تأملنا ببصيرتنا فيما حولنا لا نرى إلا وجهه - والله أكبر -.

هذه هي عقيدة المسـلم إن اسـتقام بالإسـلام كعقيدة، وهي لب الإسـلام. إن العقيدة هي اللب الذي يتجه بها المسـلم إلى طرفي الإسـلام فطرة ومجتمعا. اتقوا الله بالعقيدة يعلمكم الله بالفطرة، وكونوا عبـادا لله في الفطرة يقومكم الله في المجتمع غرف وبيوت عقيدة وقبلة صلاة. لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها.

إن المجتمع في الإسـلام يتكون من رجلين. إن المجتمع في الإسـلام يبدأ من رجلين. إن الفطـرة في الإسـلام تبـدأ من كائنين. تبدأ من كينونتين تتمثـلان في معنيين من رجل وامرأتين، أو من رجل بين أم وابنة. جعل المسـيح وأمه آيتين، كما جعل مثله مثل آدم، كما وحـد محمدا مع أمه وابنته في قولـه - فاطمة ابنتي روحـي وأم أبيها، كما وحد بين الزوجين، هن لباس لكم وأنتم لباس لهن. {أن تقوموا لله مثنى وفرادى…}[١] .كما تتمثلان في أخ وأخيه من رجلين. واضرب لهم مثل الرجلين، واضرب لهم مثل ابني آدم بالحق… ولدان لآدم… أخوان في آدم… صديقان في أبوة أو عدوان في أبوة، وكذلك أب وولده أو ولد وولده أو والد ووالده… يتزاحمان على معنى في الأبوة أو على صفة من الأبوة، على حقيقة من الأبوة، بهما يتكون مجتمع فطـري في الإسـلام، مجتمع من رجلين وجه للقديم من القديم، ووجه للبـاقي من الباقي كلقمان وولده، حكيم وولده الحكيم، وإبراهيم وأبوه، ثم إبراهيم وبنيه… ناصح بدأ بنفسـه فانتصح، وبدأ بولده أو لوالده لينصح فتناصح، فتكون منه المجتمع الفطري في الإسـلام متوحدا متحدا، أو منشـقا منفصلا. من هذه النواة في الإسـلام يتواجد المجتمع وينتشـر وينمو كوحدة لمجتمع.

فإذا لم يكن الإسـلام كعقيدة منبها لمفردات الناس أن الله قائم على هذه المفردات، على كل نفس بما كسـبت وأقرب إليها من حبل الوريـد، أينما كانت وكيفما كانت فلا تسـليم ولا إسـلام.

فإذا تنبه الناس إلى ذلك فعملوا فيه أخوة متناصحين ليكونوا من أخوتهم مجتمعا متماسـكا، قاموا فيه بيتا واحدا ليكونوا من بيوتهم - تتعدد وتتلاحق - بيتا أكبر ومجتمعا أوسـع، وتناصحوا فيه آبـاء في أخوة، وأبناء في أخوة ليكونوا برباط المحبة بعد رباط الطبيعة والفطرة إخوانا يتكون بهم مجتمع في فطرة الله، فلا إسـلام ولا اجتماع عليه.

إذا لم يكن للنـاس تواصي بـرباط العقيدة على ما أرادت العقيدة، وهدي رسـول العقيدة، وهدي المعتقد الذي أعطى كل شـيء خلقه ثم هدى، فلا إسـلام ولا مسـلمون.

إن الذي فرق وجمع في قانون فطرته جعل الإنسـان من صبغته. فإذا لم يصل به أهل العقيدة إلى ذلك لا تسـلم العقيدة لأهلها، وإذا لم تسـلم العقيدة من الشـوائب لم تصلح امتداداتهم في الفطرة من الرواسـب. واقتضت قوانينها فرقا جديدا لجمعهم.

إن الناس يريدون مجتمعا إسـلاميا وهو أمر لا يتعذر عليهم في ظل العقيدة السـليمة {ولتكن منكم أمـة يدعون إلى الخير…}[٢] فلهم أن يوجدوه في أنفسـهم وأزواجهم وأولادهم ومن يعولون من أهلهم وبيئتهم. إن هذا لا يمتنع على مفردات المسـلمين إذا تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. ولكن المسـلمين يخطئون الفهم لدينهم فيخطئون المسـلك والطـريق إليه ويختفي البـاب وتجهل القبلة والبيت، فيسـيرون في صحراء جرداء لا يدركون لهم فيها طريقا إلى واحـة غناء بالزرع وعيون الماء ويهتدون فيها بنجم يفني عنهم ظلمة الليل السـرمد، يدخلون البحـار الزاخرة للحياة لا حدود لها ولا سـفينة ولا ربان لهم. فكيف يصلحون؟ وكيف بهم يمكن أن يصلـح غيرهم؟ وكيف يقومون روادا للحياة بالحق؟ وكيف يقام بهم لله حق وهم مع ذلك - وهذا ما هو أدهى - يزعمون أنهم المسـلمون، وأنهم يمثلون الإسـلام، وهذا الزعم هو الحائل الجبار بينهم وبين الإسـلام ومجتمع الإسـلام؟

إنهم يطلبون ما أوجده وجود محمد بينهم بالحق، وما قام به محمد من الحق فانتشـر به الحق فتجمع به الإنسـان، فكان المحمد من ذاته والذين معه أشـداء على الكفار رحماء بينهم. إن المسـلمين أو أدعيـاء الإسـلام - بتعبير أصح - يطلبون الآن هذه النتيجة من الشـدة على الكفـار في نظرهـم ممن يسـتعمرونهم ويسـلطون عليهم بظلمهم لأنفسـهم، وينسـون حتى أن يقيموا أولا بينهم معاني الرحمة فيكونوا رحماء بينهم… إن شـدتهم على الكفار ما أعطيت لهم إلا لأن مجتمعهم قام بالرحمة بينهم حتى إذا ما دخل الكافر فيهم بإسـلامه كان له بينهم ما لهم وعليـه ما عليهم. وبذلـك يعنونون الحق ويقيمون سـاحته، ويعنونون الرحمة، ويعنونون جمال الفطرة. وجمال الفطرة في وحدة المجتمع بانتظام العقيدة والطريقة. كيف يقوم مجتمع إسـلامي لا محمد له، ولا قبلة له، ولا علم له، ولا إمام له، ولا أسـوة ولا قدوة له؟

ولكن الإنسـان خلق عجولا، إنه يطلب النهاية والغاية قبل أن يحقق أصول البداية، وقبل أن يسـلك إليها طريقها ويتوسـل لتحقيقها بوسـيلتها. إذا قلت له اُذكر الله في نفسـك، كما يذكر أهل الله الله في أنفسـهم، التوى به الوعي والنفس فوهم وزعم أن أهل الحـق يقولون إن الله قد حل بهم، وهذا أمر وهمي خيالي لا تسـنده حقيقة…

إن المعاني وراء الألفاظ هي التي تحكم السـلامة للمعاني والحيـاة للألفاظ أو تقرر الملامة على المعنى الخاطئ. أما الألفاظ في ذاتها فإنها لا تعطي شـيئا ولا تحدد أمـرا ولا تدين مدانا بخطأ. إذا قلنا إن الله فيكم - وهو فيكم - أو إذا قلنا إنكم في الله - وإنكم في الله - فهذا أمر عند أهل المعرفة والإيمان أمر بديهي وأولي، ولكنكم تزعمون أن هذا أمر خطير أو فكر عميق وأن النـاس لا يصلحون لأن يقال لهم ذلك، ويتجاهلون أنه سـبق أن قيل لهم، وصلحوا له بعد معارك، ويأبى الناس إلا أن يكرروا هذه المعارك مع تكرار القول، كلما اقتضى الأمر التكرار لمحو الظلام بصوت النور.

سـبحان الله! الناس في واقع ووجود يتأهلون للعلم به. إنه الواقع وليس العلم. إن العلم لا ينشـئ جديدا على الواقع. إذا قيل لكم أنتم في الله والله فيكم، فهذا ليس علما به تتعلمونه، ولكنه الواقـع إن شـئتم أقمتموه بكشـفه فنموتموه بإيمانكم وعملكم، فإنه قابل لأن يتكشـف لكم. وإن شـئتم أنكرتموه على أنفسـكم فإنكم بعملكم تحرمون كشـفه. وتأتي سـكرة الموت بما كنتم عنه تحيدون، وقد أوجدتم أنفسـكم من عملكم بما كان من الحق بكم على صورة غافلة هي أنانيتكم بالإنكـار والغفلة، فتتعرفون عليها بما كان من الحق بكم تخلى عنكم فتندمون وتتعذبون وتذوقون العذاب ألوانا. وما أشـد العذاب إلا إدراككم لهذا الذي فقدتم والذي لا تسـتطيعون أن ترجعوه إلى أنفسـكم. لا، لا تسـتطيعون أن ترجعوا أنفسـكم إلى هذه الحياة مرة أخرى بإرادتكم. ليس هذا في مكنتكم ولن يكون في مكنتكم، ولكنـه في مكنة الله بقوانينه، إن شـاء فعله ووقتما يشـاء، وإن شـاء لم يفعله، وقد وعد أنه يفعله لمن يشـاء مرجعا عظامه مسـويا بنانه. إنه قد يعيدك إلى هذه الأرض بلون جلدك وبارتفاع قامتك وبعدد مسـامك وتقاطيع وجهك ورسـوم بصمتك من بنانك. وقد يعيدك باسـمك وقد يعيدك بأنانيتك ولا شـيء من ذلك…

ولكـن متى؟ لا تـدري. ولكن أين؟ لا تدري. هـذا في مكنة الله ويجب أن يعتقد الإنسـان في مكنته وأنه عليه لقادر وأنه يوم يفعله، فإنه فاعله على مثال من قيامك اليوم عليها. تأمل كيف تواجدت اليوم؟ ألم تتواجد بالميلاد من أب وأم؟ ألم يقل لك إنك كنت روحا مخاطبا قبل مجيئك؟ إنه يوم يعيدك لن يعيدك إلا مولودا من أبوين كما هو مقيمك الآن. ألم يقل لك إنه كان لك وجود قبل هذا الإيجاد حمل صورتك واسـمك ومعارفك، وقصة حياتك في وجودك الآن؟ ما تواجدت الآن إلا مبـرزا من قديم وجـود لك، وجودك اليوم إنما هو إبراز لوجودك القديم. وإن الله في قابل لمبرزك بما كتبت اليوم وكسـبت اليوم وبما أردت اليوم، وبما أجبت به اليوم لدعوة العقل والضمير، ومحقق لك - ما صدقت - ما افتقدت اليوم مما أردت أن تكون فيه به، وتود لو كان لك في وجودك مما تعشـق وتحب وهذه هي جنتك.

إنك تكتب اليوم بقلم القدرة في ألواح كتاب الله في أم الكتاب عندك مسـتقبل كائن إنسـاني يبرزه الله على هذه الصورة ولهذه الصفات المنطوي عليها ضميرك الإنسـاني… إنك تكتب هذه الصفحة لكائن يبعث يوما ما بها، بما أردت. (يُبعث المرء على ما مات عليه)[٣].

إن الذي كان منك مشـهود اليوم بما أنت فيه، وهو ما سـيكون يوما لك بما منك يكون. تجـاهل حاضرك بما تكره، وتجاهل ماضيك بما تعقل من مراد لك فاتك في يومك، وانشـد الكمال في مراد لك من الله مع مثال يرضيك، تحتذيه فيحتويك، وعلى مثالـه يعيدك وينشـيك، ترتضيه ويرتضيك. ابدأ معه حيـاة الغد من اليوم لا تؤمن بماضيك ولا تكرره بإصرارك على ما أنت فيه ولا بحاضرك، فتكتب مسـتقبلك على ما أنت عليه مما تسـتهويه، ولكن آمن في مسـتقبلك واعمل له فإن كل كمال من الله - وإن تحـقق لك - فعند الله ما هو أكمل منه، فانتظره وارتجيه، واتخذ لك مثالا تحتذيه، وارضه لنفسـك وتابعه على ما لنفسـه ولك يرتضيه.

هذا ما جاءنـا به الإسـلام عقيدة {لكم في رسـول الله أسـوة}[٤]. وهذا ما يجب أن نتواصى به معا ونتذاكره معا. لا سـلطان لنا على مجتمع ولا سـلطان لنا على فطرة. ولكننا بين يدي الفطرة والمجتمع بين يدي رحمته. يشـغلنا أمر أنفسـنا فيه وأن ننمو فيها بحقائقه، ونزيد بالمعرفة فيه في المعرفة عن أنفسـنا، وبالمعرفة عن أنفسـنا معرفة عنه فيه.

هذا دين العقيدة. وهذا ما نرجو أن نتواصى دواما فيه بالحق ونتواصى فيـه بالصبر، وأن لا نتعجل فيه، وأن يأخذ بعضنا بيد البعض فيه مهما كانت عدتنا، فإن ذرات من القلوب عند توحدها تكون لله كتابا مرقوما وكرسـيا منصوبا مرموقا. إننا إذا توحدنا وتمسـكنا بطريقنا فقمنا بالله وقد أقام الله الحـق بيننا بروحه فإن الله يقيم بنا حقه، فنشـهد الله معنا والله أكبر. هذه هي عقيدتنا وهذا هو الإسـلام.

نسـأل الله أن يجعل من محمد لنا، بقيامه علينا حظا نشـهده به، وحقا نقومه به، وحقا به ننشـره في الناس. لا إلـه إلا الله محمد رسـول الله.

اللهم ادفـع عنا شـرور أنفسـنا وشـرور الأشـرار من خلقك. اللهم جنبنا الفرقة والخصام وارزقنا الألفة والوئام. اللهم أنزل سـكينتك على قلوبنا والسـلم والسـلام على أرضنا. اللهم وحـد قلوبنا، وزكي نفوسـنا، وأنر عقولنا، وقوم جوارحنا، وقوم جماعتنا وجمعنا. اللهم أقم حقك فينا وانشـره بنا. اللهم فرج كروب المكروبين وعسـر المعسـرين وضيق التعسـين، وارزقنا الحرية في كوننا من كونك في كونك، وأعتق رقابنا من النار، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك.

أضواء على الطريق

  • اُعبد الله كأنك تراه، فإن لمن تكن تراه. فإنه يراك.

  • الله قائم على كل نفس بما كسـبت وأقرب إليها من حبل الوريد ومن ورائها محيط.

  • كل من عليها فان ويبقي ممن عليها من كان وجها لله.

  • يرث الله الأرض ومن عليها يوم يرثها عباد الله الصالحين.

  • يبدل الله الأرض غير الأرض والسـموات، يوم يقوم على الأرض أمر الله الذي لم يقبله الناس لأنفسـهم مثلهم الأعلى ثم زعموهم فيه، وزعموه لهم على سـفور منه وعلى قبول واضطرار منهم.

  • الجنة التي عرضها السـموات والأرض مفتحة على دوام، والدخول فيها والخروج منها، قائم على دوام.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة سبأ - ٤٦ ↩︎

  2. سورة آل عمران - ١٠٤ ↩︎

  3. حديث شريف: “يُبعث كل عبد على ما مات عليه.” أخرجه مسلم ↩︎

  4. سورة الأحزاب - ٢١ ↩︎