(١٣)

الإسلام لله
في الإسلام لرسول الله

حديث الجمعة

١٥ رمضان ١٣٨٠ هـ - ٢ مارس ١٩٦١ م

اللهم إنا أسـلمنا لمحمد، فلك أسـلمنا، وآمنا بمحمد، فبك آمنا، واتصلنا بمحمد، فبك اتصلنا، وإليك وصلنا…

اللهم إنا عنه عرفنا، فقرآنك قرأنا، وكتبنا بأيدينا أخذنا.

اللهم عنه لا تقطعنا. اللهم منه فزدنا، والسـكينة على قلوبنـا منه أنزلها، وصلاتك وملائكتك علينا منه أوصلها… لا إلـه غيرك ولا عبد ولا معبود سـواك. لا عبد لك إلا من كان كلمة منك، وروحا من روحك، وقياما من أمرك…

اللهم لك فعبدنا، وإياه فاجعلنا، وفيه فامحنا عنا…

اللهم اجعل منه بدءنا وإليه انتهاءنا… فهو كل شـيء لنا وهو بك ومنك كل شـيء لك عندنا. انتهى القديم إليه اجتماعا، وقـام بك في الحاضر انطباعا، وبعث به في المسـتقبل أمة وأتباعا… إليه انتهى قديم أمـرك، ومنه بدأ جديد أمرك، وبه قام قائم أمرك… عبدا لك هو طلعتك، وعبدا لك هو حضرتك، وعبدا لك هو حقك، وعبدا لك هو خلقك…

اتجه إليه الماضي مسـتقبلا قبلته فكان له مسـتقبلا للحق به، ويتجه إليه المسـتقبل بمحدثه يسـتقبل قبلته فكان له ماضيا في الحق بك، ويقوم الحاضر به مسـتقبلا فيه قبلته. به تمت نعمتك على خلقك، وبه ظهر قديم حقك، لحاضر خلقك، وقامت البشـرى لحاضر خلقك أنهم مسـتقبل حقك لنفوسـهم من خلقك.

كانت به القيامة في قيامه، وكانت به السـاعة في لقائه وسـلامه، وكان حسـن الخلق في متابعته، كما كانت الحقيقة في الإيمان به. كان بك جماع الأشـياء، كما كان جماع الأمور، كما كان وحـدانية الأمر من أمرك… تابعناه فسـرناه في سـبيلك، وأحببناه فوردنا موارد حبك، واسـتضأنا بطلعته فامتـلأنا من نـورك، مشـرقا بك جماع أنوارك. شـهدنا به أنه لا إلـه إلا أنت وشـهدنا بك أنه عبدك ورسـولك.

ها نحن في مواسـم الخير من شـهر أمته، فأكمل علينا نعمتك، ولا تحرمنا من إشـراق طلعته، تحيي به قلوبنا، وتضيء به عقولنا، وتزكي به أنفسـنا، ونتم به الصلاة لك، ونقيم به الصلاة منك، ويقوم به الصلاة منا منه لك، صلاتك وصلاته، فنقومه ونشـهدك ونقومك ونشـهده.

به عرفنا أنه لا إلـه إلا أنت، ولا موجود بحق سـواك. به عرفنا أن الكون بنا فيك فان، وبه بك باق، وأن طلعتك علينا لا تفارق. به عرفنا أنك اللطيف، تلحق الأبصـار فتدرك الأبصـار طلعتك، وتشـهد حقك، الجنة لها في جمالك، والحضرة لها في وحدانيتك، ما شَـهِدَتك واحدا لا شـريك لك من نفس، ولا شـريك لك من أمر، ولا شـريك لك من قيام، ولا شـريك لك من ذات، ولا شـريك لك من وعي، ولا شـريك لك من تدبير.

أنت القيام، وبك القيام، وإليك القيام، كما كان منك القيام. فلا إليك إلا من كان منك، وما كان منـك إلا ما هو كائن بك… لا إلـه غيرك… لا مرتقى لمرتق فيك إلا بقائمٍ بوحدانيتك، ولا إيمان بوحدانيتك مع قيام الشـرك بك، ولا قيامة لشـرك بك ما آمن الكائن أن كينونته ليسـت إلا من كينونتك. تتسع كينونتك لكل كينونـة، ولا تتسـع كينونـة في السـموات والأرض لعظمة كينونتك. فلا إليك… لا إلى غيبك إلا حاضـرك، ولا حاضر لك إلا ما جاء من غيبك… لا إلـه غيرك ولا موجود سـواك.

علمنا محمد عبدك ورسـولك أنك على كل نفس قائم، وحذرنا فيما نكسـب وفيما نكتسـب، وأمـرنا أن تكون كسـبنا، وأن يكون فيك اكتسـابنا، لا نلتفت لغيـرك، ولا نعبد سـواك، ولا نقـوم مع شـريك، أو وهم شـريك لك، مشـركين في الأمـر بك… أنت أمرنا، وأنت قيامنا، وأنت حسـبنا، وأنت وحدانيتنا، وأنت واحدنا، وأنت أحدنا، وأنت أنانا، وأنت معنانا… أوجدتنا وتجليت بنا بجودك وكرمك… وحجبتنا عنا منك بحكمتك ورحمتك لتجعل منا عبادا لك، خلفاء في عوالمهم عنك على أنفسـهم من نفسـك، يشـهدونك في شـهود أنفسـهم لا شـريك لك، ويعرفونك في معرفة أنفسـهم لا إحاطة بك، ويقومونك في سـلام أنفسـهم عبادا لك، لا إلـه غيرك ولا موجود سـواك.

إنا لا نطلب لنا فيك إلا أن نكـون بك. أنت حسـبنا وأنت وكيلنا - ونعم الوكيل -. وأنت حسـبنا - ونعم الـرب ونعم الحسـب - لا يدين أبدا… ما يرسـل بالآيـات إلا تخـويفا… ليس له إرادة بعذاب، وليسـت عنده إرادة في عقاب، غفـر قبل المعصية فلا رغبة في حسـاب، ترك لنا حسـاب أنفسـنا فكان هذا حسـابنا، وجعل في يقظة الضمير عذابنا، وجعل في تداركنا برحمته عزاءنا.

اللهم من وهم الحسـاب فعافنا، ومن وهم العتاب فأشفنا، وعن خيـالات النعمة فأبعدنا، واجعل نعمتنا في كشـف القنـاع عنا، لنشـهد بلطيفك وجه لطفك.

اللهم فاغفر لنا ولكل مسـيء، فكلنا عبادك، وارحمنا مخطئين فنحن أهل لأخطائنا، وأنت أهل لرحمتك بنا، وأهل لعفوك ومغفرتك لنا… اللهم عافنا مما فعل السـفهاء منا، واغفر لآبائنا عما فعلوا، وعما صنعوا، وعما خلفوا لأنفسـهم فينا.

اللهم أورثنا خيرهم ولا تورثنا غفلتهم وشـرورهم. اللهم ارحمنا بمن رحمت، وأكرمنا بمن أكرمت، وأوصلنا بمن وصلت، ولا تجعل لنا طلبا إلا في رحمة منك، ولا تجعل لنا نظـرا إلا لعظمتك وسـعتك وجودك وكرمك. والفت اللهم أنظارنا عن أعمالنـا إن حسـنت، واكشـف القنـاع لنا عن أعمالنـا إن سـاءت وفسـدت، ولا تيئسـنا من رحمتك إن كشـفت إسـاءتنا لنا، ولا تطغي أنفسـنا إن تكشـفت علينا نعمتك لنا. اللهم قوم ميزاننا، وثبت في الطريق خطونا، وأنر بنورك عقولنا، وزكي بفضلك نفوسـنا، وقوم بحكمتك جوارحنا، ويسـر بفضلك سـبيلنا… اللهم اجعل قلوبنـا على قلبه، قلبا واحدا منك، وقلبا واحدا لك… اللهم جدد قلوبنا بقلبه قلبا واحدا له، وقياما واحدا علينا، وقيوما واحدا به، وقياما واحدا لنا.

اللهم اجعل من محمد دوامنا، ومن محمد بدءنا، ومن محمد انتهاءنا لك عبوديتنا. اللهم اجعل منـا له بدءا فيه، وخلقا منك، واجعل منه لنا انتهاء إليك بحق له إلى حق لك. اللهم ابدأنا منه خلقا لك، وانهنا إليه حقا لك. اللهم اجعله واقع الحياة لنا في أنفسـنا، وفيما يحيط بنا، ولا تجعل معه غيرية عنه تحجبنا، وعن طريقه تمنعنا، ومنك تقطعنا.

اللهم صلِّ عليه منا، وصلِّ علينا منه، صلاة منه بها تحيينا، وصلاة منا بها تشـهدنا.

اللهم به فارحمنا، وبه فأوصلنا، ومنه وصلنا. لا إلـه غيرك ولا معبود سـواك.

اللهم وفق حكامنا وولِ أمورنا خيارنا ولا تولِ أمورنا شـرارنا بما كسـبنا، واغفر لنا وارحمنا وخذ بيدنا وعلى أنفسـنا فانصرنا ولاقنا كما تحب وترضى، واجعل خير أعمالنا خواتيمها واجعل خير أيامنا يوم لقائك.

أضواء على الطريق

  • {قل لا تمنوا عليَّ إسـلامكم، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان}[١].

  • {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسـهم وأزواجه أمهاتهم}.[٢]

  • {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسـلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم}[٣].

  • {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسـوله يؤتكم كفلين من رحمته}[٤].

  • {ومن يضلل الله فلن تجد له وليا مرشـدا}[٥].

  • {وما أرسـلناك إلا رحمة للعالمين}[٦].

  • {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسـألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى}[٧].

  • {واصبر نفسـك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشـي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا}[٨].

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الحجرات - ١٧ ↩︎

  2. سورة الأحزاب - ٦ ↩︎

  3. سورة الحجرات - ١٤ ↩︎

  4. سورة الحديد - ٢٨ ↩︎

  5. سورة الكهف - ١٧. ↩︎

  6. سورة الأنبياء - ١٠٧ ↩︎

  7. سورة طه - ١٣٢ ↩︎

  8. سورة الكهف - ٢٨ ↩︎