(١٢)

المقصود وجه الله
المقصود رسول الله
المقصود روح الله

حديث الجمعة

١٧ شعبان ١٣٨٠ هـ - ٣ فبراير ١٩٦١ م

إليك… إليك يا من انفردت بالعظمة في ذاتك، وبعدم المشـاركة في صفاتك، وبعدم الانقطاع لآياتك.

إليك يا واحـد، يا أحـد، يا متوحـد، يا متحـد. إليك في أنفسـنا منزها عن أن لا تكونك.

وإليك علينا منزها عن أن نكونك.

إليك لا تدرك منزها عن أن ندركك.

وإليك معروفا منزها عن أن نجهلك.

وإليك يا من هو كل وجودنا ولسـنا إلا وجوها في وجوده.

إليك يا موجود يا من ندرك معاني الفنـاء لنا في إدراكه، ومعاني العجز لنا في قدرته، ومعاني الرحمة بنا في وصلته، ومعاني الجنة في أنفسـنا في لقائه، ومعاني النار قائمة بنا في جفوته منا وبعـده عن حسـنا، ومعاني الحسـاب منه في يقظة ضمائرنا، وصحو عقولنا، وحياة نفوسـنا، واستقامة مبانينا، على مراد معانينا.

إليك يا من لا يقصد غيره، ولا يرجى سـواه.

إليك ظاهرا لا يغيب سـرمده، وإليك باطنا لا يدرك أبده.

إلى عبدك فيك، ورسـولك منك، وحقنا به من عظيم حقك.

إلى وجه قدسـك، ويد فعلك، وقدم قربك وبعدك.

إلى شـرف إنسـانيتك، وظهور إنسـانك، ولسـان بيانك، وكتاب هديك، وقرب عنـوانك. من عرفناه محمدا، وذكرناه عبدا، وقدرناه رسـولا، وآمناه خلقا، ونطمع أن نشـهده بك حقا. عطاء منك وفضلًا.

إلي من إذا صدقناه صدقناك، ومن إذا عرفناه عرفناك، ومن إذا قاربنـاه قاربناك، ومن إذا وجدنـاه وجدناك، ومن إذا كناه كناك… إلى عبدك في حضرتك لا ندركه ولا نقدره، إلى رسـولك في ضمائـرنا نجـده، وفي شـرائعنا نسترشـده، وفي طرائقنا نرتضيه، وعلى نفوسـنا نُعلِّيه فيه نمتطيها، وللناس نضعها فنحييها.

إلى من به عرفنا أنفسـنا فيك به فينا. إلى من به فيه من أنانية النار تنجينا. وبالجنة له فيه تؤوينا، وبرحمة رحمتك ترتضينا، وبالحق معه فيه تعلينا وتحيينا.

إلى من به عنـا وعن دنانا تغنينا، ومن به فيك وجها لك تبقينا.

إلى من به تميتنا وتحيينا، وترضاه فترضينا، وترضانا فترضيه.

إلى ابن الأمـان وآمنة… إلى ابن السـلام وعبد الله… إلى آمنة الأمومة… إلى عبد الله الأبوة… إلى من جعلته عليا في علاك، وجعلته حَسـنا مرضيا في بديـع معناك، ودانيته حسـينا لمن والاك، وفطمت نفسـه عن هواها وكشـفتها لنا بمعناها، فكان روح قدسـك، وإنسـان حقك، وعبد عظمتك، ويد قربك، وقدم سـعيك، ووجه جمالك، ومعنى حالك.

إلـى مدينة العـلم… إلـى مدينة السـلام… إلى نسـائم الرحمة… إلى السـلام… إلى سـلام القيام… إلى المخاطب في الناس بياسـين… إلى المخاطب بالرحمة في العالمين… إلى المخاطب بقوانين الحيـاة في ألف لام ميم {الم}[١]… إلى مرتقى الســموات في حا ميم {حم}[٢]… إلـى كتـاب الله في كاف ها يا عين صاد {كهيعص}[٣]… إلـى المخـاطب بعظمتك في ألف لام راء {الر}[٤]… إلـى المأذون بالسـفور بحقك في طأها {طه}[٥]… إلى من لم يعرفه غير ربـه، ولم يشـرفه بغير عبده… إلى بسـم الله الرحمن الرحيم… إلى عبد الله في السـموات والأرض… إلى الطاوي للسـموات والأرض بعبوديته لربه… إلى نـور السـموات والأرض… إلى مصباح الصدور… إلى سـراج القلوب… إلى السـكينة… إلى رسـول السـكينة… إلى المنزِّل للسـكينة… إلى من أُنزل بالحـق… إلى من بالحـق نزل… إلى من أبرزه الحق بالحـق… إلى من بالحق للخلق برز… إلى عبد الله… إلى رسـول الله… إلى حق الله… إلى كل الناس… إلى كل الأجناس… إلى حاضر النـاس… إلى قديم النـاس… إلى جديد الناس… إلى من شـرَّف النـاس… إلى من شـرُف به النـاس… إلى من حقق النـاس… إلى من تحـقق به النـاس… إلى من شَـرّف بالناس… إلى من تحقق بالناس… إلى وجه الناس… إلى رب الناس… إلى ملك الناس… إلى إلـه النـاس… إلى خـادم النـاس… إلى عبد النـاس… إلى روح الناس… إلى مظهر روح الناس… إلى محمد… إلى أحمـد… إلى محمود… إلى حـامد… إلى حمد الله… إلى الحمد لله رب العالمين… إلى الحمد لله مالـك يـوم الدين… إلى إيـاك نعبد وإياك نسـتعين… إلى اهدنـا الصراط المسـتقيم… إلى صـراط الذين آمنـوا وعملوا الصالحات غير ضالين… إلى الأسـوة والمثال… إلى القدوة والكمال.

إلى الله ورسـوله… إلى الـرب وعبده… إلى الرسـول وإلهه… إلى العبد وربه… إلى الظاهـر والباطن… إلى الباطن والظاهـر… إلى كل شـيء… نتوجه ونلجأ مؤمنين مفتقرين.

بهما إليهما نتوجه شـاكرين، ونسـجد حامدين، وندخل باب الرحمة مطأطئين، ونسـألهما مفتقرين، ونغنى بهما غير مسـتغنين، لما أنزلـوا على هذه الأرض من نسـمات السـكينة في نسـمات السـلام، وانقشـاع غمـة الخصومة، وغمة الصراع في حـرب باردة أو سـاخنة… فها هي ريح السـلام تهب علينا طيبة عطرة. وها هم خصوم السـماء يزحزحون عن أماكنهم، ليحل محلهم جنود للسـلام وطالبون للسـلام…

فنسـأله تعالى ببركة رسـول السـلام، ومدينـة السـلام، أن يتمم نعمة السـلام لأهل هذه الدار، من دور الخصام ودور السـلام.

ها هي الرسـالة الروحية، وها هو الروح المرشـد من دار السـلام، من مدينة السـلام من حضرة السلام، من لانهائي السـلام تنتصر على قوى الخصام، تنتصر على الملتوين المفرقين بين النـاس من اللئام. مكـروا مكـرا ومكر الله مكـرا، وبار مكـرهم - وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال - وانتصر مكر الله. ولله المكر جميعا.

لقد عملت الدوائر الروحية في سـائر بقاع الأرض جاهدة دائبة، لله ذاكـرة، وله مسـلمة، وبه مؤمنة، وعليـه معتمدة، وبه متوكلة لتكون بأهلها جندا في معـركة السـلام، يقودها عالم الروح، لتوحـيد عقول البشـر على الأرض، وتهيئة توحد قلوبهم بينهم في أنفسـهم، حتى يعرفوه بين جوانحهم، وحتى يعـرفوه أقرب إليهم من حبل الـوريد، على كل نفس قائم، ومن ورائها محيط، حتى يعـرفوا أنفسـهم وجوها ناضرة في مـرآة ربها ناظرة، أو يعرفوا أنفسـهم وجوها عليها غبرة ترهقها قترة.

إن رسـالة الروح هي رسـالة الله تعريفا عن نفسـه وقياما بنفسـه على خلقه، مظاهر نفسـه، وعوالم قيامه، وحضرات أنامه، نياما فيه أو قياما به. فإذا استيقظوا أنامه، قاموا قيامه، إذا تناسـوا أناهم، للهو في معناهم، نطق منهم بأناه، وقام بهم بمعناه بعد أن كان قائما عليهم بقيومه، قام بهم بقيامه، فقامهم بمعناه، بفناء أنامهم في نيامهم، وصحو أنامه في قيامهم.

إن السـماء تسـتقبل أبناء الحقيقة باسـمة راضية، والأرض تسـتقبل أبناء الحقيقة سـاعية نامية، طيعة راضية. إن أبنـاء الحقيقة ما هم إلا أوادم الخليقة، يتخلـون عن بيوتهم رؤوسـا لهـا إلى بيت الحقيقة أطفـالا فيها. إنها دورة الحيـاة بين القديم والجديد، وبين الجديد وما يتجدد منه، بعثا لقديمه في دورة دائرة دائبة ليس لها نقطة بدء. كل بدء فيها هو انتهاء، وكل انتهاء فيها هـو ابتداء، مشـارق ومغارب، مشـرقين ومغربين، مشـرق ومغرب. إن المشـرق والمغرب يختلفان ويتلونـان، ولكن المشـرق باطنه مغرب، والمغرب باطنه مشـرق. إن الليل والنهار يتعاقبان ويتداخـلان، بداية الليل نهاية النهار، وبداية النهار نهاية الليل. إن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، في وحدة يوم من زمان، وقيام حقي من إنسـان.

وإنكم أيها الأيام، فيكم الليل والنهار، فيكم الشـروق والغـروب، عليكم وعلى أرضكم يقـوم المشـرق والمغرب. أنتم أيها المشـارق والمغارب، أيها العالَمون… ألِربِّ العالمين - في أنفسـكم - ألا تَذَكَّـرون؟! وله - وهـو معكم - ألا تخضعون! وبـه - وهـو لكم - ألا تقـومون! ولـه - وهـو إيـاكم - ألا توحـدون! ورسـول رحمته لكم ألا تقومون!

إن الله معكم حيثما تكونون. إن الله لكم عرفتم أو لا تعرفون. إن الله هو نور إشـراقكم، وهو سـكينة ظلامكم، إذا كنتم له لا تجحدون… أفـرأيتم إن أرسـل عليكم النهار سـرمدا من إلـه غير الله يأتيكم بليل تسـكنون فيه؟! لا تظنوا به الظنون إذا نشـر الليل عليكم، ونشـر الليل بكم، ونشـر الليل فيكم، فإن النور بذلك يكمن ويسـكن فيكم ليأخذ في الظـلام مكانه، وليتعلم فيكم على الظـلام حنـانه، حتى يذهبه في رفق ويقشـعه في سـلام… إذا قتلتم فأحسـنوا القتلـة، فإذا نشـر فيكم نـوره فأدركتـم الحقيقة، وفهمتم الطريقة، أشـفقتم على أهل الظـلام، وحننتم لأهل الظلام، واحتضنتم بينكم أهل الظلام، لتميتوا الظلام فيهم، وتشـرقوا بنوركـم في قلوب أهله في رفق وإشـفاق وحنان. لا تَخَاصَموا بينكم ولكن توادوا… لا تنافروا بينكم ولكن تحابوا… لا تفـرقوا بينكم ولكن توحدوا واتحدوا… وإذا خاطبكم الجاهلون فكونوا لهم سـلاما.

هذا ما تأتيكم به السـماء اليوم، وقد جاءتكم السـماء به في الأمس، وهو ما سـتكونون به أنتم سـماء في الغد، ترعون به عوالمكم وتسـهرون به على ما تخلق منكم.

إن الربوبية بالسـماء اليوم تعلمكم لتكونوا عباد حاضركم أرباب غدكم.

إن الروحية من السـماء اليوم تهيئكم لتكونوا أنبياء أو أصحابا للأنبياء.

إن الروحية من السـماء اليوم تفتح لكم أبواب السـموات والأرض بفتحها لكم أبواب أنفسـكم.

إن الروحية من السـماء اليوم تجمعكم أرضا على سـمواتكم وتحييكم سـماء على أراضيكم.

إن الروحية من السـماء اليوم جماع الأديان.

إن الروحية من السـماء اليوم جماع الإحسـان.

إن الروحية من السـماء اليوم جماع العوالم والأكوان.

إن الروحية من السـماء اليوم تجعل منكـم جميعا أعـلاما على الله.

إن الروحية من السـماء اليوم تجعل منكم جميعا وجوها لله.

إن الروحية من السـماء اليوم هي ممن هو مـن ورائكم محيط.

إن الروحية من السـماء اليوم هي ممن هو أقرب إليكم من حبل الوريد.

إن الروحية من السـماء اليوم هي ممن هو معكم أينما كنتم.

إن الروحية من السـماء اليوم تعرفكم أن الله إنما هو أنتم والله أكبر.

إن الروحية من السـماء اليوم إنما هي قيامة الحـق في قيامكم… إنما هي تحقيق الخلق في تحقيقكم… إنما هي حشـر الخلائق في حشـركم… إنما هي تجمـع الحقائق في تجمعكم… إنها البعث… إنها القيامة… إنها السـاعة… إنها الحق…

ها هي تنشـر ألوية السـلام بين الناس، وتسـتل سـخائم الخصام من صدور الناس، ليتنبه الناس أنهم كانوا في خصام أكبر، وأنهم يجب أن لا يكتفـوا ويفـرحوا بسـلام لأبدانهم بل عليهم أن يطلبوا السـلام لقلوبهم حيث جنانهم… ولعقولهم حيث حقائقهم… ولنفوسـهم حيث مغانمهم… لسـلامتهم من الفنـاء… ولسـلامتهم من القطيعة… لسـلامتهم من الخيبة… ولسـلامهم من الفاقة… لسـلامتهم من العجز في سـلامهم مع الله بين جوانحهم.

ها هي الروحية من السـماء اليوم توشـك أن تنتهي من حربها الصغيرة إلى حـربها الكبيرة… من حـروبها المؤقتـة إلى حـربها السـرمدية… إلى الحرب بين الخلق والخـالق… خلق الخلق من نطفة ليعـرفه… ليعبده… ليَظهَرَه… ليكونه… ليوجده… فإذا هـو خصيم مبين، ما كتم خصومته، ولكن أشـهر سـلاحه، وسـنَّ قلمه، وأظهـر وأعلى في الخصومة صـوته… يُبين… يتكلم… يدافع… يماري… ينافق ضميره… يخاصم نفسـه… يجافي حقيقته… يكتم قلقه… يُظهر غير ما يبطن… يظهر إيمانا بما يقول ويبطن شـكا فيما يعمل… يظهر توحيدا ويبطن تعديدا…

هذه هي الحقيقة الخالدة والمعركة الدائمة، يقوم السـلام بغلبة أهل السـلام، وبنشـر دين السلام، ويختفي السـلام في اختفـاء أهل السـلام، وغلبة أهل الخصام… دواليك… الأيام يداولها بين الناس.

ها نحن الآن نودع ليلا من خصام، ونسـتقبل نهارا من سـلام طامعين في نشـر ألوية السـلام على ربوع هذه الأرض، دارًا للسـلام. سـوف ترفع ألوية السـلام في مشـارقها، وفي مغاربها باسـم السـلام، وبالعمل للسـلام.

ها نحن هنا لم نحرم نصيبنا في المعركة القائمة من معارك السـلام، ونسـأل الله أن لا نحرم نصيبنا في المعركة القادمة من معارك السـلام فندخل في لا إلـه إلا الله، ونرفـع بنود لا إلـه إلا الله، ونقوم رجـلا واحـدا محمدا رسـول الله، نَظْهَره الناس، فيقوم الناس من كل الأجناس. لا إلـه إلا الله محمد رسـول الله.

اللهم قنا شـرور أنفسـنا، وشـرور الأشـرار من خلقك. اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا. اللهم أنـزل على قلوبنا سـكينتك، وعلى أرضنا سـلامك ورحمتك… اللهم قومنا بكرمك وجودك، وعافنا من إقامة عدلك. اللهم عاملنا بما أنت له أهل، وعافنا مما نحن له أهل… اللهم أعلِ كلمة الحق والدين، وانشـر لواء السـلام والإسـلام واليقين، واجعلنـا جميعا من المسـلمين. اللهم اغفـر لنـا، وتب علينا وارحمنا، وولِ أمورنا خيارنا ولا تولِ أمورنا شـرارنا. وأصلح شـأننا حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، أئمة ومؤتمين، علماء ومتعلمين، متابعين ومجاهدين، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقائك.

أضواء على الطريق

دعا الرسـول سـائر العوالم إلى ربه معلوما عنده وعلما عليه، وظهر بينهم لهم من أنفسـهم بما هم عليه، فعرفته البشـرية بشـرا، وعرفه منها أهل القلوب قلبا، وعرفه أهل القوالب والجلود قالبا وجلدا، كما عـرفه أهل النفـوس نفسـا، وأهل العقول عقـلا. وأدركـه أهل الأرواح روحـا، كما قـدره أهل الأشـباح شـبحا.

أما الأكوان فقد رأته كونا، كما رآه الوجود وجودا، كما عرف الربانيون فيه ربا، واجتمع الآلهون به آلهـا، كما اجتمع العبيد فيه عبدا، واجتمع الأوادم عليه آدما لهم، والملائكة عليه ملكا منهم وعليهم.

إنه المرآة الصافية التي رأت وترى الكائنات فيها وجودها على ما هي عليه. أما هو فهو على ما هو عليه ما عرف غير ربـه، ولم يعرف هو عنه إلا بما رآه فـؤاده وبصيرته مما أحاط به من علم عن الله بإذنـه، في نفسـه، وفي حسـه، وفي قيامه، وفي روحـه، وفي عقله، وبقي هو مجهولا على نفسـه.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة البقرة - ١ ↩︎

  2. سورة غافر - ١ ↩︎

  3. سورة مريم - ١ ↩︎

  4. سورة يوسف - ١ ↩︎

  5. سورة طه - ١ ↩︎