(١١)
منك وإليك
ما حييت في الله
عالِما به وعالَما له
حديث الجمعة
٢٦ رجب ١٣٨٠ هـ - ١٣ يناير ١٩٦١ م
منك وإليـك يا رسـول الله… نعم… (منك وإليـك يا رسـول الله)[١].
أشـهد أنه لا إلى الله، إلا الله. وأشـهد أنه ليس من الله إلا الله. وأشـهد أنه لا مـن رسـول الله إلا رسـول الله. وأشـهد أنه لا إلى رسـول الله إلا رسـول الله.
وأشـهد أنه لا إلى عبد الله إلا عبد الله. وأنه لا من عبد الله إلا عبد الله.
هذه هي فطرة الله، وصبغة الله، وقوانين الله في وجود الله، وفي صفات الله.
محمد حق الله… وعبد الله… ورسـول الله.
يحتفل المسـلمون في مثل هذا اليـوم من كل عـام بما تعارفوه ليلة الإسـراء والمعراج. وهو ما تعارفوا على أنه حدث فيه معجزة لرسـول الله. وهي حقيقة معجزة لرسـول الله من ربه، ومعجزة من رسـول الله عند أمته… ولكن متى يعجِزُ بها رسـول الله؟ إنها معجـزة من الله لرسـول الله أدرك بها آيــة من آياتـه الكبرى، وإنها معجـزة من رسـول الله لمن آمـن برسـول الله فآمـن بالله يرى بها حق نفسـه وصدق ربه. إنها معجزة من غيب الله أعْجزَ بها رسـولُه وحـقه عبدَ الله ورسـولَه، بما أشـهده من مكنـة حـقه ورسـوله على عبده ورسـوله حتى يسـتقيم العبد في أمره ويسـتقيم الرسـول في، قوله فيُعرف أمر الرب في أمر النفس شـهده في أمر نفسـه إن يشـأ يخرجـه ربه للناس رسـولا، يعجزهم في أمر أنفسـهم، بما أودع الله به في أمر نفسـه، على مثال مما أعجز به في أمرِ نفسـه، من أمر ربه ورسـوله.
نعم إن الإسـراء والمعراج معجزة من رسـول الله لقومه يتذوقونها معه آية كبرى ومعجزة لرسول الله من رب رسـول الله لنفسـه، ذاقها على يد رسـول الله إليه رسـوله لله كان بها في قومه خاتم النبيين بدوام العارفين السـارين العارجين. إن الذي أسـرى بمحمد إلي ربه - وهو رسـول ربه - علَّم محمدا كيف يُسـري بالناس إلي ربه، كما أُسـرِي به إلى ربه. وبذلك كان الإيمان بمحمد قـرين الإيمان بربه. دعا إلى ربه ليكون ربه هدف الإيمان في قومه. ودعا ربُّه قومه ليكون محمد هدف الإيمان عند قومه، وقد آمنوا معه بربه ربا لهم.
على هذا قام الإسـلام، قام على أحدية الله، وعلى أحدية ربوبيته في نفس عبيده مثاليتهم لهم في رسـله منهم إلى النـاس ومن الناس - رسـلا من أنفسـهم - كان محمد لهم قيام، ولسـبقهم ختـام، ولدوامهم إمام، ختم الله به ما قبله، وبدأ الله به ما بعده، فكان آدما في ذاته وآدما في علمه، وآدما في كلمات الله منه، وآدما لكلمات الله إليه. جعل الله منـه دورة تمت لآدم، وجعل علمه لنفسـه عن دورة آدم، فأقامه إنسـانا أسـجده للرفيق الأعلى لإنسـان سـبقه، وأسـجد له إنسـان لحـاقه ذاتا أقدس وروحا أعظم. جعل منه ابنا لآدم في قديمٍ لآدم، وجعل منه آدم في قيام لأبناء لآدم، وجعله قائم وقيوم آدم في ذاته وصفاته، وجعل منه أبا لآدم في ولدِ آدم، وَعَدَه محمود بعثـه، ومعاد قيـامه من فارض قرآنه يتواجد بإرادته من نافلـة قيامه، في صلته بليل وجوده من معنى آدم خلقيته بالناس.
وبذلك كان محمد - وهو آدم في ذاته - مسـبوقا بآدم ملحوقا بآدم. آدم وحدانية الأحد في وحدة آدم يجتمع على وحدة سـبقه ويتحده، ويجتمع على وحدة آدم لحاقه ويلحق به فيتحده. قـرأ كتابه عن أحـدية الله في واحدية قديمه وقيومه مع قائمه وقيامه، وفي واحدية جديده له مع قائمه وقيامه منه، فلم يغيب أحدية الله في قيامه وقيومه في الوجود، أو في قيومه مع قائم نفسـه، أو في قائمه مع قيام نفسـه.
عرف السـاعة، وكان رجلها، إلى ربه منتهاها وإليه في الناس غيبهم وشـهيدا على شـهدائهم برحمته تـرعاها. إذا عـرفوه وشـهدوه وقاموه وأقاموه كان حقهم اجتمعوه. (من رآني فقد رأى حقا)[٢]، (إذا كانت القيامة انقطع كل نسب وحسب وسبب وصهر إلا نسبي وحسبي وسببي وصهري)[٣]. إن القيامة في قيامه على النفوس. وإن السـاعة في سـلامه للنفوس…
فإذا كان رسـول الله في مثل هذا اليوم من أيام الله المتعاقبة غير المبدوءة وغير المنتهية قد شـهد في الله أمرا… أن أسـري به من المسـجد الحرام إلى المسـجد الأقصى… قد أسـري به على الأرض من مسـجد إلى مسـجد، من مكان إلى مكان، فكان هذا معنى لرحلته في ذاته من مقام إلى مقام، ومن قيام إلى قيام، ومن صورة إلى صـورة، ومن درجة إلى درجة، ومن طور إلى طـور، من إنسـان إلى إنسـان أسـري به من المحرَّم على غيره أسـوة مرضية للنـاس إلى أقصى ما ينـال طالب الله في أرضه من رحمته ومن معرفته… أسـري بقلبه في قالبه زويت له الأرض… أسـراه في قلبـه متسـعا لما لم تتسـع له الأرض… سـرى بقلبه في معناه من قلب إلى قلب… أسـرى أناه في قلبه نفسـا طواها من حال إلى حال.
حرم قلبه على غير الله فصار قلبه حرما لله، ولبيوت الله… فما أحب في قيامه ومعناه سـواه، وما طلب سـواه، وما ركن لسـواه، وما ضعف أمام سـواه، وما افتقر لسـواه، وما اعتـز بسـواه، وما عمل لسـواه، وما تحدث عن سـواه، فكان قلبه بيت الله الحرام والمحرم على سـواه، لا يدخله من النـاس من به بقية لسـواه، لا يدخله من الناس إلا من كانوا وجوها لله، ولا يطوف به من النـاس من يطلبون سـواه، ولا تتفتح أبوابه لأحد من الناس يطرق بابا سـوى أبوابه، أو يلبس جلبابا غير جلبابه. إن قَلب محمد هو حضرة الله لمن طلب الله، وهو جنة الله لمن لحقته نعمة الله.
يا أيتها النفس المطمئنة، ادخلي في محمد. ادخلي في قلب محمد. ادخلي في عبـادي أصفياء مصطفين بيوتا موضوعة. ادخلي في عبـادي مسـحاء محمودين بيوتا مرفوعة. يا أيتها النفس المجاهدة أقيمي الصلوات، وحافظي على الصلاة الوسـطى. اركبي سـفن النجاة تأتيك من أرض محـمد عبر بحـار الله لتحملك إلى أرض النجاة… إلى أرض محمد… إلى الأرض الطيبة… إلى الأرض التي لا يعصى فيها الله، والتي لا يحتجب عنها نور الله، ولا تغرب عنها شـمس ذات الله… إنها المدينة الطيبة. إنها مدينة العلم. إنها مدينة الوجود. إنها مدينة الحياة. إنها مدينة العيون. إنها أرض السـر المكنون، وشـجرة الزيتون.
عرج رسـول الله، عرج رسـول رب محمد بمحمد إلى مدينة حق محمد ورب محمد. فعندما دخـل مدينته… عندما دخل جنته… عندما دخل حقيقته… عندما تعـرض لشـمس ذات الله عبدًا له ووجها له… عندما رأى بلطيف نور الله عظمة نور الله… عندما رأى بعين الله فيه وجـه الله له… عندما رأى بوجه الله ذات وجـوه الله… عندما قام في حضرة ربه فأنطقه بما نطق، وعلَّمه بما علم، وأقامه بما قـام به، وسـرمده بوصفه، وحققه بقديم معناه، وقديم قيامه ومبناه، حقيقة من حقائق الله في المـلأ الأعلى لله، من حكماء الله، وأوادم الله، وعباد الله، ووجوه الله، كان بذلك لمحمد الخلد… ثم عاد محـمد إلى وعيه ومعناه من الأرض، عاد إلى وعيه الأرضي قديما لمحدث فيه، عاد لحسـه الأرضي، وذاته الدموي، ووجوده الترابي، وقيامه المقيد، عادت نفسـه الروح إلى نفسـه الأرض… عـاد عقله إلى مجاله الأرض… وما الأرض فيه إلا ذاتيته نواة لعالم أكبـر، بل نواة لعوالم أكبـر… نواة لعالمين هو لهم جمـاع، وهو لهم سـيد، وهم لهم راع، وهو عَليهم قائم، وهو لهم رب، وهو العبد المسـود من ربه القائم فيه، الفاعل به.
عرف نفسـه فعرف ربه. عرف نفسـه فعرف ضعفه وجهله وفناءه، وعرف ربه فعرف قدرته، وعرف عزته، وعرف أحديته، وعرف صمديته، فكان فيما عرف من معرفته عنه، إنما هو صادر من نفسـه إلى نفسـه، وطـالب بنفسـه لنفسـه… فكان الأمـر حقيقة كما قال له رسـول ربه وقد عَرَفه بعد إذن بمعرفته، وهو رفيق علمه، ورفيق نشـأته، ورفيق وجوده، ورفيق تواجده في الأقدم والأحدث من وجوده (منك وإليك يا رسـول الله)[٤].
وها نحن اليوم في طريقه وفي دينه، نجدد إيماننا به ويجدد لنا رسـالته وإسـلامه فينـا، فنشـهد ما شـهده رسـول ربـه من حقيقة أمـره، فنقول نعم… منك وإليـك يا رسـول الله. منك في قديمك، وإليك في قيامك. ومنك في قيامك، وإليك في دوامـك، يا رسـول الله. منـك وإليك البـلاغ، والكتاب. ومنك وإليك الحكمة والحجـاب. ومنك وإليك، ابنا لآدم. ومنك وإليك آدم، ومنك وإليك أبا لآدم. ومنك وإليك أصـلا لآدم. ومنك وإليك فـرعا عن آدم. منك وإليك إنسـانا ما قبل الإنسـان. منـك وإليك إنسـانا ما بعد الإنسـان. منـك وإليك إنسـانا مشـهودا من أنفسـنا في القيـام. منك وإليك دائما يا رسـول الله. ويا عبد الله، ويا حق الله، ويا وجه الله.
منك ما قبل الكون، وإليك إنسـان الكون، ومنك إنسـان الكـون، وإليك ما بعد الكـون. نعم منك وإليك دائما يا رسـول الله. منك من الوجود لا بداية له، وإليك في الوجود لا نهاية له. ومنك في الوجـود لا إحاطة به، وإليك في الوجـود لا إحاطة بك… يا رسـول الله!
إن المعرفة في رسـول الله، هي المعرفة في الله وعن الله. وإن المعرفة في رسـول الله هي المعرفة عن الوجود وموجده، ودوام قديم وجوده. إن المعرفة عن رسـول الله هي المعرفة عن قوانين الوجود وقوانين الحيـاة. إن المعـرفة عن رسـول الله هي معرفة كل إنسـان عن نفسـه، واجتماع كل كائن على كينونته، وعقل العقل لمعقوله عن عاقله، وإدراك الذات عن الذات ومن أوجدها، وعن الذات وما تتـواجد… إن المعرفة عن رسـول الله هي جماع كتب الله، وجماع أناجيل الله، وجمع قرآن الله، وجماع وجمع خلق الله، وجماع وجمع حقائق الله.
إن المعرفة عن رسـول الله هي دين الله، وهي كشـف الحجاب عن الحق من الله. والغفلة عن هذه المعرفة هي الحجاب عن حقائق الله.
إن رسـول الله هو قـرآن الله، وهو كتاب الله، وهو نور الله، وهو شـمس ذات الله، جعله دليلا على معناه، وقياما معبرا بمجلاه، ورحمة لمن رحـم منه فهداه. فما كان بوحدانيته إلا إياه. دخلت أمته به في حصن لا إلـه إلا الله، بدخولها في حصن محمد رسـول الله… شـهدت أن لا إلـه إلا الله بعقـولها، فأشـهدها الله أن محمدا رسـول الله بحسـها وخلاصها.
إلى متى نبقى في جهل عن رسـول الله؟ وإلى متى نبقى بمنأى عن رسـول الله؟ وإلى متى نقنع بلفظ رسـول الله دون رسـول الله، ودون حقيقة رسـول الله، ودون قيامنـا رسـول الله، ودون شـهودنا في أنفسـنا رسـول الله، ودون إدراكنا في قيامنا آدم الله يقومنا ونقومه، ويشـهدنا ونشـهده، ويتواجدنا ونتواجده، فنحيا بالله وباسـم الله، وبذكر الله، وبعباد الله، وبحقائق الله، وبنور الله، وبرسـل الله …؟!
إلى متى نبقى بمنأى عن إدراك معاني الحياة، في سـاعة الحياة، بأمانة الحيـاة، بطيب الحياة بالحي الذي يحياها ويحييها، بالقيوم الذي يرعاها ويسـقيها؟!
متى تسـتيقظ عقولنا؟ ومتى ترجع نفوسـنا؟ ومتي تترنم عقولنا؟ ومتى تطيب حياتنا؟ ومتى ينقطع شـقاؤنا؟ وأمر ذلك كله بيدنا؟
ما عرفنا ما جاءنا به محمد، وما قام به بيننا محمد، وما يتكاثر به فينا محمد، وما يقوم به بيننا على دوام محمد، وما يُبعث به فينا على تتابع محمد، وما يتطور إليه فينا على كمال محمد.
هذا هو الدين وهذه هي الحياة. فمتى نرجع للدين فنقيمه في أنفسـنا، ونرجع للحياة فنراها في أنفسـنا، فلا نسـوف حـق الله، ولا نسـوف جنـان الله، ولا نسـوف نـار الله، ولا نسـوف سـاعة الله، ولا نسـوف حسـاب الله، ولا نسـوف قيام الله، فنشـهد أن لا إلـه إلا الله، ونشـهد أن محمدا رسـول الله؟ متى نشـهد أن لا إلـه إلا الله؟ متى نشـهد أن محمدا رسـول الله؟
أشـهد أن لا إلـه إلا الله، وأشـهد أن محمدا رسـول الله. أسـتغفر الله وأتوب إليه، وأرجع إليه، وأسـتعين به، باسـمه مشـهودا لاسـمه اللهم، محكما في ذكرك اللهم، ظاهرا في وجهك اللهم، مسـموعا بلسـانك اللهم.
اللهم اغفر لي واغفـر لللاهم، وارحمني وارحم اللهم، واقبلني واقبل اللهم - باسـمك اللهم - لا إله إلا أنت ولا معبود سـواك.
اللهم ولِ أمورنا خيارنا ولا تولِ أمورنا شـرارنا، وعافنا من إقامة عدلك فينا وعاملنا بعفـوك ورحمتك. عافنـا مما نحن له أهل، وعاملنا بما أنت له أهل. اللهم أيقظنا حكاما ومحكومين، علماء وجـاهلين، روادا ومرودين. اللهم ارحمنا بـرحمتك وقومنـا بإرادتك. اللهم سـربلنا بسـرابيل عفوك، وخذ بنواصينا إلى الخيـر واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك.
أضواء على الطريق
إذا أسـفر بين الناس آدمٌ لله كان الناس في أدب العلاقة والسـلوك أبناءه.
وإذا أسـفر بين الناس كلمة لله كان الناس في أدب العلاقة والسـلوك إخوته.
وإذا أسـفر بين الناس وجهٌ لله كان الناس في أدب العلاقة والسـلوك وجوهه.
وإذا أسـفر بين الناس عبدٌ لله كان الناس في أدب العلاقة والسـلوك رفاقه.
وإذا قامت صلة للغيب بالناس كان الناس في أدب العقيدة عبيده. فالتسـليم يكـون لوجهه، والمعـرفة تكون عن آدمه، والمحبـة تكـون لكلمتـه، والأسـوة تكـون بعبـده، والعقيـدة تكون لغيبه.
وقد جمع الإسـلام لإنسـانه كل هذه الصفات، فكل ذلك اجتمع للإنسـان في معاني رسـوله، واجتمع للناس في متابعة رسـوله ومحبته.
مصادر التوثيق والتحقيق
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
حديث شريف: “كلُّ نسَبٍ وصِهرٍ ينقطع يومَ القيامةِ إلا نسَبي وصِهْري”. رواه الطبراني، والحاكم، والبيهقي، ورواه أحمد في مسنده، كما جاء أيضا بلفظ: “كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي.” أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)). ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎