(١٠)

عبد الله وإنسانه
ما كان الله وما كان بيانه
- مع الموتى -

حديث الجمعة

١٢ رجب ١٣٨٠ هـ - ٣٠ ديسمبر ١٩٦٠ م

وعد ووفَّى وتعهد فأوفى. قال وصـدق. وعـرَّف وفعل. جمع قديمه على جديده، وبشـر قابله بقديمه في حاضره. حَيا ميتـا، ومات حيًّـا، وقام خلقا، وبُعث حقا. وظهـر عبدا وبطُن ربا. وتجمع إنسـانا، وظهر كتابا وبيانا، وانتشـر نورا، ورؤى قبورا. وقام حقا، وتجدَّد خلقا. وتكلم مرسَـلا وأَلهم مرسِـلا، وشَـرُف عبدا وتواضع ربا.

ظهر عيانا، وما دام إنسـانا، فذكـر خبرا، وأغفل أثرا، وتُوبع مأمورا وخولف آمرا، وما غاب بعد عيانه، وما كان غائبا قبل بيانه.

إنه عبد الله وإنسـانه، ما كان الله، وما كان بيانه.

أول العابدين روحـا وذاتا ومعنى… أصل الملائكة والجنة والناس وأصل كل الأجناس.

هذا مَن عدَّدنا أسـماءه، ولم نحفظ بيننا أبناءه، سـفن نجاة وأبواب خلاص. هذا من عدَّدنـا أسـماءه، وما عدَّدنا بيننا ذاته وبنـاءه، وما جددنا فينا عينه وإناءه… منعناه عنا مواعينه، وحرمناه علينا عين عيوننا، وأذن آذاننا، وقلب قلوبنا، وجديد قوالبنا، وروح انطلاقنا، ونور معرفتنا، ودوام حياتنا، وأسـوة قيامنا إلى ما نحب، ووسـيلة خلاصنا مما نكره.

عبدُ الله ورسـوله. عبد الله ورسـول عبد الله. عبد الله وظهور عبد الله. آدم الله وابن آدم الله. نـور الله ومشـكاة نـور الله. كـون الله وعالم الله. عبد الله ورب عوالم الله. عبد الله ورب عالِمِي الله. عبـد الله ورب العالمـين في الله. عبد الله ووجـه غيب الله. عبد الله ورسـول ذات الله. عبد الله ورسـول الأقـدس من ذات الله. عبد الله ورسـول مـلأ الله. عبد الله وفرد المـلأ الأعلى لله. عبد الله ورسـول المـلأ الأعلى إلى نفسـه في ذات الله. عبد الله ورسـول الأعظـم من المـلأ الأعلى كتـابا وعبـدا من عبـاد الله، يعرف الله ويتصفه، ويعرفه الله ويصفه. يرتضي الله ويرتضيه الله.

هذا الذي ذكرناه وما عرفناه، ونسـبنا أنفسـنا إليه أسـوة لنا، وما جددناه، ووهمنا متابعته وما كناه، واعتقاده وما صرناه، ومعرفته وما تواصيناه، وحبه وما في قلوبنا جدَّدناه. والخلافة على دينه وما بقوالبنا أظهرناه، وهو المبعوث فينا بنور الله ما آمناه.

إن المعرفة في عبد الله هي معرفة في الله، وهي معرفة لنفس الإنسـان من نفس الله، ولـذات الإنسـان من ذات الوجـود لله، ولعقل الإنسـان من نور حكمة الله، ولحياة الإنسـان من روح الله.

لقد كان لنا ذلك كله في محمد فما حرصناه. ولكن محمدا الذي وهمنا متابعته وما شـرفناه، ما تخلى عنا أبدا لا بروحه ولا بمعنـاه، ولا بيننا مبعوثا غاب يوما عن مبناه.

ها هو اليـوم ينادي الدنيا إلى حـوض رحمته. أما في بيئة قومه، فيقوم بحجاب علما على نفسـه باسـمه في مبناه، ويظهر بيننا بروحـه من بيت معناه. ينادينا صـوتَ الله ونداءَ الله: أن هلموا… للحـج إلى بيت الله…

يؤَذن فينا بالحج إلى بيته بيتا لله… إلى معناه معنى في الله. يدعونا إلى سـلامة الاعتقاد في الله، عقيدة نقية مُصفَّاة… أن هلموا إلى قبلة الله واسـتقبلوا بيت الله، لعلكم تتطهرون، خلق الله وعباد الله… يدعونا إلى السـلم مع الله وإلى السـلام مع أنفسـنا في الله.

جمع الزمان في قيامنا على تباعده. دَرَّكنا إياه بسـفور بيننا، بذات لمبناه، وروح لمعناه، يجتمع على ما جمعه الله، ويُفرق على ما فَرَقَه الله. يتواجـد في بيته من كل قلب، باسـمه سـريعا لمن ناداه… عيد غريبا على ما عرَّفه وأوحاه، وعلى ما بدأه من آدم مبناه وانتهاه إلى إنسـان معنـاه، حقا وعبدا لله، وعلى ما يجدده اليوم فينا أبا سـريعا في نجدته بعين قديمه من عين معناه.

نائم يطوف بغرفته من الكعبة جزيها، حرمها الأرض مسـجدا له بروحه طواه، فطهره، وبنفسـه فيها زكاه فأقام القواعد إعـلاما عمن هداه فآواه، عند من وجده عين معناه في نفسـه به مؤمنة فارتضاه. ما أعطيه فلأمته، ولمن دعا منها بدعوته، ولمن قام في ملته فحيا بشـريعته، من رآه أمرا قيما فأقام نفسـه في سـاحته، وأقـام حقه بيقينه في طاعته. نفسـه زكَّاها وما دسـاها وأخرج من أرضها ماءها ومرعاها، وطورها عالما فأحياها.

ها هو بيننا رسـول الله. ها هو فوقنا رسـول الله. ها هو لنا رسـول الله. ها هو من بعدنا يبقى رسـول الله. حَيانا وما حَيينَاه. أحْيانا وما أحييناه. تجدد فينا وما تجددناه - إلا من رحـم - وقليل من عباد الله من شـكر، وقليل من خلق الله من عبد، وقليل ممن عبد من في نفسـه عرفـه فاتقاه، ومن في معيته عشـقه فرآه. والأقل من وحَّده فكان ذا الجلال والإكرام من وجـه معناه. قليل من خلقه من دخل في حصن لا إلـه إلا الله، وأقل منهم من شـهده محمدا رسـول الله.

عباد الله! اتقوا الله وارحموا أنفسـكم في الله. ففيكم رحمة الله، وفيكم نور الله، وفيكم روح الله، وفيكم عالم الله، وفيكم ملكوت الله، وفيكم ناسـوت الله.

بكل هذا جاءكم كتاب الله، وبكل هذا جاءتكم سـنة رسـول الله، وفي كل هذا قامت بينكم عتـرة الله، وعترة رسـول الله من عباد الله، فما اسـتقام على الجادة إلا النادر القليل، وما عـرف الحوض إلا الفاقـر العليل، من عرف علته فطلب الطبيب. ومن طلب الطبيب لم يمتنع عليه الدواء، ولم يحـرم من الله الشـفاء. إن الذي أمرض هو الذي أعفا، وهو الذي أظهر وأخفى، وهو الذي أمـات وأحيـا، وهو الذي أفنى وأبقى… وهو الذي جَهَّل وعلم، وهو الذي أنـار وأظلم، وهو الذي أوحى وكلم، وهو الذي أضل وهدى، وهو الذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى.

يا أيها الناس:

احرصوا على مبناكم عالم الله، وآمنوا بمعناكم وجود الله، وبعقولكم رسـول الله، وبضمائـركم حكيما لله، وبأنفسـكم مُخْتَبَر الله، وبزمانكم فرصة الله، تتعرضون فيها لرحمة الله، ولمنة الله، بزمان حَجَبَكُم عن الله اختبارا فيـه ليعلم أيكم أحسـن عملا، فيـرد إلى إنسـان الغيب والشـهادة من أبوتكم، ليضع كلا منكم نفسـه في موضعه بعد مرجعه، وقد شـهده في يقظته ومضجعه، أنامه وأيقظه، أحياه نائما، وأنامه يقظا عاملا.

هذه هي دنياكم. وهذه هي أخراكم. من عرف دنياه أخراه لدنيا قديمه، ومن عرف في أخراه دنياه لمواصلة الحياة، عرف الحياة، وعرف البعث، وعرف الموت، وعرف القيامة، وعرف الندامة، وعرف السـاعة، وعرف السـلامة، وشـهد العقاب، وقام الحسـاب.

ليس هناك ما هو غائب عن حاضـركم فيما أوعدتم وفيما بلغتم ووعدتم… ظاهرا لباطن… ظاهرا تقوموه وباطنا تعلموه. اذكروا الله قرين ذكركم أنفسـكم. واذكروا أنفسـكم قرين ذكركم الله، حتى توحدوا الله وتشـهدوه في مرآة قيامكم، مجلاه تؤمنون، ومجلاه تظهرون، ومجلاه ترجعون، إن كنتم حقيقة من المؤمنين وحقيقة من الموحدين. هذا ما جاء به الدين. وهذا ما يأتي به اليقين.

وها نحن اليوم مع من يدعون بالموتى من المؤمنين، نعيش في هذه الدار مغتربين، ونعد أنفسـنا من الموتى لنكـون من المؤمنين. وها نحن نشـهد رسـول الله حيا، إذ نحن أموات، ونقدر رسـول الله ميتا إذ نحن أحياء. ها نحن مع الناس نشـهده من الموتى، وها نحن في موتنا نشـهده من الأحيـاء، بل وحياة الأحياء، ونشـهده حقيقة رسـول الله الذي لا يموت، وأنه يقينا وجه الله الذي لم يخلق، وأنه مدركا حصن لا إلـه إلا الله.

ها نحن هنا أول المؤمنين، ونطمع أن نكون به فيـه له يوما أول العابدين، يوم يقوم فينا الدين، ويقوم بنا اليقين، إذ نحن ننتسـب إليه اليـوم كتاب دين، ونؤمن به لنا نور يقين، ونشـهده عين الحق المبين، في موت عن الخلق، إلى حيث الحياة وحيث الحـق، وحيث لا عبد ولا رب في رب العالمين، ولا خلق ولا خالق في الأحد الصمد، ولا قريب ولا بعيد في الموجود المطلق، ولا كبير ولا صغير في اللانهائي السـرمد، ولا تقي ولا سـعيد في الرحمن الرحيم.

هذا ما يأتينا به روح رسـول الله، وهذا ما يظهر فينا به روح رسـول الله، عاملا ما انقطع، جذوة من قدس الله، مشـتعلة ما خمدت وما خبت وما قترت، وما عن طالب اختفت، أو على نائم يطـوف بالكعبة امتنعت، يبعث يحدث الناس حي في قبـره، ما قبـر الناس نفوسـهم في مقابره من أجداثهم، فماتوا عن موتهم في حياته، فانتشـر في أرضهم بروحـه فانشـقت أرضهم عنه بنوره، وجدد بذاتهم ذاته، وأقام في صفاتهم صفاته. وهذا هو معنى لا إلـه إلا الله محمد رسـول الله مبعوثا في الناس.

اللهم إنا بك في أنفسـنا آمنا، وفي إنسـانيتنا، وفي وجودنا من وجودك إليك تعارفنا. نشـهد أن لا إلـه إلا أنت حيثمـا توجهنـا، ونجتمع عليك لا إلـه إلا أنت كلما طلبنا، ونراك لا إلـه إلا أنت كلما اسـتيقظنا، ومن سـباتنا أفقنا.

اللهم إنا نشـهد أنه لا إلـه لا أنت من وراء كل نفس محيط في ملئنا، ونشـهد أنك فينا أرسـلت لنا عبدا رسـولا من أنفسـنا، عرفناه فعرفناك، وآمناه فآمناك، وطلبناه فوجدناك.

اللهم إن لك ملأ أعلى، وذاتا أقدس أظهرتَ وظهرتَ وعلينا بها قمت، ولنا إليها ذهابا وعدت، اللهم بها فألحقنا، وإليها فوجهنا، وبها إليك فخذنا.

اللهم وحدنا في ملئنا، ووحدنا في الملأ الأعلى.

اللهم وجهنا إليك لا نهائيا في عقائدنا، لانهائيا في قلوبنا، لا نهائيا في ضمائرنا، لا نهائيا في نفوسـنا، لانهائيا في عقولنا، لا نهائيا في مواجيدنا، لا نهائيا في وجودنا، لا نهائيا في معارجنا.

اللهم إنه لا إلـه إلا أنت فيك أقمنا وبوحدانيتك قمنا. فلا تجعل منا شـريكا لك. ولا تجعل منا خصيما لك. في السـلم أدخلنا وبالسـلام سـربلنا وبالسـكينة أسـعدنا. لا إلـه غيرك ولا معبـــود سـواك.

أضواء على الطريق

  • الله لا إلـه إلا هو الحي القيوم.

  • غفرانك ربنا وإليك المصير.

  • أقرب إليكم من حبل الوريد… معكم أين ما كنتم.