(٩)

الغنى بالله
والافتقار إليه
ذبيح كربلاء

حديث الجمعة

٢ ربيع الآخر ١٣٨٠ هـ - ٢٣ سبتمبر ١٩٦٠ م

مرحبا بالشـهر المجــــيد

مرحبا بالوجه الشهــــــيد

مرحبا بالنور الوليــــــــد

مرحبا بالحق المعيـــــــــد

مرحبا بالقريب البعيـــــــد

مرحبا بالقديـــــم الجــــــــديد

مرحبا بعبــــــــد اللـــــــه

مرحبا بأبي عبد اللــــــــــــه

مرحبا بابن عبد اللـــــــــــه

مرحبـــــا بالأمريـــــــن

مرحبـا بالحســـــــــنين

مرحبــــــا بالعليين

مرحبا بالمحمـــدين

مرحبا بالحســـين

مرحبا بربيع الثاني. مرحبا بآدم المباني. مرحبا بطلعة المتداني.

مرحبا بآدم القلوب. مرحبا بنور العقول. مرحبا بزكاة النفوس.

مرحبا بالبدء المتين. مرحبا بالعود الأمين. مرحبا بالهمة، مرحبا بالنجدة.

مرحبا بعين ربيع، مرحبا بوجه البديع.

في كل عام تحتفل البلاد أو هذا البلد بمولد جديد الرسـول، الحسـين بن عليّ من الدوحة الزهراء. يذكرونه أو يتذكرونه على الطريقة التي ارتضوها لأنفسـهم، وكيَّفوا بها أنفسـهم. واختاروا بها أمرهم في الله.

(إنَّ للهِ عبادًا إذا ذُكروا ذُكِر الله)[١]. وإن لله عبادا إذا نظروا نظر الله. وإن لله عبادا إذا سـمعوا سـمع الله. وإن لله عبادا إذا قالوا قال الله. وإن لله عبادا إذا استمعوا استمع الله. وإن لله عبـادا إذا قبلوا قبل الله. وإن لله عبادا إذا أحبوا أحب الله. وإن لله عبادا إذا ارتضوا رضي الله. إن الله دائما وأبدا من وراء عباده بإحاطته وأسـمائه وصفاته من كلماته وروحه.

إن القرب إلى الله إنما هو في القرب إلى عباد الله. وإن البعد عن الله إنما هو في البعد عن عباد الله. إن الله الذي ليس كمثله شـيء، والذي هو كل شـيء، كيف يمكن الابتعاد عنه؟ وكيف يسـتطاع إدراك القرب منه؟ إنه البعيد على قربه. وإنه القريب على بعده. وإنه الواحد على تعدده. وإنه المنزه عن وجوهه على وحدانيته وتوحُّده.

أمر الناس فيه إنما هو أمر عباده منهم بينهم، ولهم ومن نوعهم، وعلى صورهم، ومن إنشـائهم في حقيقتهم وفي اجتماعهم.

نحتفل بربيع الثاني، ونحـن إنما نحتفل بمحمد ثانٍ، وبحسـن ثانٍ، وبعَليٍّ ثانٍ، وبآدم ثانٍ. إن آدم محمد يتكاثر بمعاني آدم في آدميته. وإن إنسـان محمد يتكاثر بمعاني الإنسان في إنسـانية حقيقته. وإن وجه الحق بمحمد في محمد متكاثر بوجه الحق في الناس، للناس، ومن الناس. {والله من ورائهم محيط}[٢].

الله باق للناس في النـاس بالنـاس بمن هو أبقى الناس وجها له. وكل من عليها فان ويبقى وجـه رب الرسـول. كلكم عليها، وكلكم فان مبتلع منها، ولكن لا يفنـى منكم بل يبقى وجه رب محمد. ومن هو وجـه رب محمد؟ إنه محمد، {أنه الحـق من ربهم}[٣]. كل من عليها فان إلا محمد. كل من عليـها فان إلا من أصبـح منكم محمدا. كل من عليها فان إلا أمـة محمد. كل من عليها فان إلا أمة كلها محمد.

رفع ذكره، وقوَّم أمـره، وأتم به كلمته، ورضي دينه لأمته وللنـاس من بعده. وجعله حزبه، وجعله جنده، أمة وسـطا لتكون في تعددها وحـدة فيه، وفي وحدتها جمعا به أمـة قانتة لله، جمعها في محمدها محمدا له، شـهداء على الناس بإحـاطتهم بالناس وانـزواء الأرض لهم على ما انزوت لإمامهم، رسـول الله إليهم من أنفسـهم بين مفرداتهم وهو الشـهيد عليهم في اجتماعهم وجمعهم، يتواجد ويتواجدون حتى انفراط عقدهم.

هذا هو دين محمد. وهذا هو محمد. فمن ارتضى أن يكون محمدا فقد دخل في دين محمد. ومن دخل في دين محمد طلب من ربه - على عمله - أن يبعث فيه محمدا، وأن يئد فيه نفسـه في عزلتها بنفسـها. ألم يجعل ربه فيه للناس أسـوة؟ ألم يجعل ربه هذه الأسـوة للناس كافة؟ ألم يجعل له نورا يمشـي به في الناس؟ ألم يجعله أمرا لله؟ ألم يجعل الروح من أمـر ربه ينفخها في أمته منـه فيصيروه وقد ألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانا؟ ألم يجعل ربه تعاليمه معه - تعاليم الفطـرة - جامعة لجوهر كل تعاليـم عرفتـها البشـرية؟ سـواء سـبقتها فكانت هي لها بعثا أو لحقتها وهي في طريقها للتواجد والظهور، فكانت هي لها أصلا؟ لأن ربه قد جعل منه ومن تعاليمه قضية في الله، وبرزخـا وفيصلا وسـاحة في الزمان وفي العوالم، يلتقي فيها قديم الإنسـان بلا بدء، وجديد الإنسـان بلا انتهاء. وجعل وصلة الإنسـانية القديمة إلى الأزل قائمة به، متصلة بذاته وبأمته ذاتا له، وبمعناه وبمظهره من ذاته وبمظاهره من تجدداتـه، إذ جعل صلاتها بحقائقها وملائكتها وخلائقها منصبة عليه، وجعل بعث القديم المتكامل من عوالم الأزل، في طريق التواجد في عوالم الأبد إنما هو من خلال الوسـط السـرمدي. كما جعل بعث أهل عوالم الأبد، وهم يطلبون معانيهم من عوالم الأزل، إنما يكون من خلال المحمد السـرمدي في معارج تعدده لكماله.

فآدم نشـأته بلا بدء إنما هو آدم جدته بلا انتهاء، وآدم جدته بلا انتهاء إنما هو آدم بدئه بلا ابتداء. إنه تلاقي نقاط الدائرة الربانية للأقدس.

هذا كلام - وإن بدا غريبا على الآذان - فإنه ليس غريبا على القلوب إذا تفتحت لاستقباله. وهو ليس غريبا على العقول إذا استشـرفت لإدراك معناها من الحق فأدركت معناه، كما أنه لا يُجافي مدرك النفوس المتطلعة للتزكي المتخلصة من ظلمانيتها وظلامها، المفتقرة للمزيد من النور والنار.

إن محمدا أمة وسـطا بين أمم الجنس، وأمـرا وسـطا بين أُولي الأمر من عالم أوامـر الله أو أموره، لا يعـرف له بدء من سـبقه، ويجب أن يدرك أنـه ليس له بدء لبدئه ممن لا بدء له، لأن الله لا يوصف بأنه بدء من عدم وهذا لمعاني العبـد فيـه. والله ليس له ظهور مثل ظهوره في الإنسـان. والإنسـان ليس له ظهور أظهر من ظهوره بالأشـياء. والله ظاهـر بالإنسـان على سـرمديته.

وبذلك كان الإنسـان في ظهوره بالأشـياء هو ظهور الله بالأشـياء من قديم بلا بدء وعلى سـرمدية.

وسـيبقى ظهور الإنسـان بالأشـياء موصوفا بظهور الله، متجددا في ظهور الأشـياء بجدتها على دوام بلا انتهاء لأن في هذا ظهور الله في الأشـياء، والله كحقيقة لا يطرأ عليه التغيير. فظهور الأشـياء بالإنسـان، وظهور الإنسـان بربه من قديمه إنما هو ظهور في الحقيقة، وليس ظهورا للحقيقة، فهي ظاهرة سـرمدا ومنزهة عن الخفاء تنزيهها عن أن يحاط بها.

وبذلك كان الإنسـان في معناه للأشـياء، وكانت الأشـياء بقيامها بمعناه الإنسـان أمرا لا يدرك بإحاطة ولا يجب أن يوصف بأن له أول أو له آخر، إذا أدرك الإنسـان هـذا - وقد يُدرك لكم هذا من هذا الحديث، فإن لـم تدركوه الآن فإنكم داركوه يوما - ففي إدراكـه أو محاولة إدراكه فقه الدين، وفقه العقيدة، كما أن فيه بدء الحياة لمولد القلب من ذات القالب أُما للقلب، لا تلبث أن تكون ابنة له - إذا تعرض القلب للحياة ممن هو عليها قائم من أمر الله، وإذا عرَّضت الذات قلبها لأضواء الحق بهدي العقل من مصدرها.

فقلوبكم وإن كانت بيوتا لله إلا أنها في حاجة إليكم للقيام في وظيفتها. إنها في حاجـة لأن تعرضوها لرحمة الله ونعمته لتقوم في وظيفتها بيت اعتكافه. وهذا ما يجعل قلوبكم في حاجـة إلى إعمال عقولكم. فأنتم في حاجـة إلى العقول الموجودة والماثلـة فيكم وبكم. فعقولكم لكم وهي أنتم، ونفوسـكم وذواتكم مسـخرة لكم وخلقت من أجلكم. وها هي قلوبكم بين جوانحكم، تسـتعد للقيام بمسـتقبلكم. كل ذلك وحدة كاملة للحياة والوجود هي معنى الإنسـان.

(فالإنسـان كينونة من إنشـاء نفسـه بهدي ربه وليس من إنشـاء غيره.)[٤]

الإنسـان مُوجد لنفسـه بنفسـه، وموجد لقلبه بقلبه، وموجـد لعقله بعقله، وموجد لذاته بذاته، وموجد لمعناه بمعناه. مثقال ذرة من عمله ليس غيره… وما صُنعه إلا معناه وصانعه.

إن الأمر المعجم على الناس، إنما هو الناس.

إن الأمر المطلوب معرفته عند الناس، إنما هو الناس. إن الله هو الله في صمدانيته على حاله. وإن الرسـول هو الرسـول على حقيقته مـن الصمد من ربـه. إنما المطلـوب، إنما المنشـود… هو الناس وأمر الناس وفهم الناس عند الناس فهما للناس عن أنفسـهم.

إذا لم يكن في المرجع إلى الله ورسـوله لك غاية، فلا خير في الرجـوع إلى الله ورسـوله. وإذا لم يكن لك أمل في أن تقـوم بالله ورسـوله، وأن تظهـر يـوما بالله ورسـوله، وأن تتحقق بالله ورسـوله، وأن تفعل بالله ورسـوله، وأن تنمـو بالله ورسـوله، وأن تقوم في الله ورسـوله، فلا خيـر من الإيمان بالله ورسـوله.

إن السـعادة في الصلة بالله ورسـوله إنما تقوم في الشـعور الداخلي بالافتقار إلى الله ورسـوله. والافتقار إلى الله ورسـوله لا يقـوم إلا في إدراك الغنى عنـد من اتصل بالله ورسـوله، وإدراك الغنى في الله ورسـوله لا يقوم إلا في إدراك الافتقار الدائم إلى الله ورسـوله من مدرك الغنى بالله ورسـوله. فكل غني بالله ورسـوله فقير إلى الله ورسـوله.

أمَّا وَهْم الغنى بفتنة الله ورسـوله، وبزعم الإيمان بالله ورسـوله، ففيه الحرمان من الله ورسـوله، وفي الحرمان الضياع والعدم والفقدان.

إن الغنى بدنيا الناس فتنة للناس وابتلاء للناس من الله ورسـوله. ولولا رحمته بالذين آمنوا لجعل لمن يكفرون برحمته بيوتـا رحبة ذات سـقف من فضة، وجعل لها معارج عليها يظهرون بغناء الفتنة، بغناء الوهم، بغناء الخيال في عالم الخيال ومهد الحقيقة. وإن هذه الدنيا من الخيال الزائل بمفرداته الدائم بقيامه وآياته، إنما هي تعبير مجسـم، إنما هي كتاب، إنما هي ثمرة أقلام وبعث أقلام، إنما هي ألواح وبعث لألواح، إنما هي محابر وبعث محابر للقدرة فيها فتنة من منابر. وفيها بعث لمظاهر من مقابـر. يظهر بها الحي القابر، ويظهر بها الحي القيوم. يظهر بها الحي بآثاره ويظهر بها الميت بأخباره.

إن الناس لا يفتقِرون إلى الله، ولا يُوصَفون بمعاني الافتقار إليه، إلا إذا كانت الدنيا وحيـاة الوهم والخيال ملك يمينهم وطوع إشـارتهم، عند أنفسـهم لا عند النـاس. والافتقـار إلى الله عند المدرك للغنى في الافتقار إليه أمـر نسـبي يقدره المدرك في الزهد عما مَلَك وإن قلَّ. أما من لم يزهد فيما ملك - قل أو كثر- فإنه لا يعتبر فقيرا إلى الله مهما أنفـق - وإن كثر -. فالأمر أمر تقدير الله في تقديـر الإنسـان لأمـر الله فيه… {أنتم الفقراء إلى الله}[٥] مهما أغناكم - حتى بحقائقه - فأنتم الفقراء إلي الله مهما وهمتم الغنى في حياة وهمكم من الغنى بدنياكم، أو الغنى بحقائقكم.

إن الذي يملك زمام الحياة على حقيقتها إنما هو الذي يملك زمام الموت، والذي يملك زمام الموت هو من لا يرهب الموت. ومن لا يرهب الموت إنما هو من عرف أنه باب الحيـاة. ولا يعرفه بابا للحياة إلا من ولجه، إلا من اجتازه، ولا يجتازه إلا من مات قبل أن يموت. ولا موت إلا لمن مات قبل أن يموت. وغيره إنما يواصل غطيطه من حياة النيام. وبهذا هدى الرسـول بنصحه أن (مُوتوا قبل أن تموتوا)[٦]، وعَرَّف أن (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا)[٧]. والانتباه أمر يصدر عن المنتبه، ولا يُسـمى انتباها إلا بصدوره قبل فـوات الأوان. ولا يعتبر صادرا قبل فوات الأوان إلا بصدوره قبل انقضاء حياة الكسـب، والإثبات والمحو، من حياة المنتبه. فإذا قال الرسـول في حديث آخـر (من مات فقد قامت قيامته)[٨] فهذا أمر لا ينصب على الانتباه، ولكنه ينصب على انقضاء حياة الكسـب، وبدء حياة المحاسـبة على ما انقضى من حياة المحاسَـب. والمحاسـبة نوع من الحياة مقابل لنوع حياة الكسـب تماما… باطن لظاهر وقد يقع فيها الانتباه بالموت أيضا، أو يقـع في معاني التعلق بها ومواصلة الحيـوات الوهمية في عالم من مخيلة الإنسـان، لا من قائم الوجود. فإدراك الحياة الحاضرة من حيوات البشـرية وهي الحياة الأولى أو حياة البدء، أو ما قبل البـدء في الحقيقة، لا يكون ولن يكون إلا بكسـب الموت في حال القيام بها، ففي كسـبه بدء الحياة منها في حال القيام بها…

فمن فارق هذه الحياة، دون بدء بالحياة منها بكسـب الموت عنها كان له عود إليها. أو كان العود إليها هو أمنيته إذا مات عن الحياة التالية مسـتيقظا فيها…

وهذا الموت المحيي عن حياة إلى حياة يتكرر في حياة الإنسـان في الحياة الواحدة في العالمين من عالم الكسـب وعالم الحسـاب.

إن رسـول الله وهو الغني بحقائق الله وهو القائم بأمر الله، كشـف عن هـذا القانـون وهـو يقول (ها أنا رسول الله بينكم ولا أدري ما يفعل الله بي غدا)[٩] (أنا أقربكم إلى الله وأخوفكم منه)[١٠]، فكيف بنا ونحن الذين نطمع أن ينشـئنا الله باستقامة فعلنا فيه وتفويض أمرنا إليه، لنكون شـعرات في رسـول الله من معاني إنسـانه، وهو الأرض الطيبة لحضرة الله بذاته، والوجه المشـرق لله بصفاته، ومجلى الله بما أبرز منه من آياته؟!

ها نحن نحتفل في مولد شـهر من شـهور، بمولد دهر من دهور، في مولد الـروح للحسـين. إن أوادم الله… إن أوادم القلوب في الحقيقة لا مولد لها، فهي المتوالدة في موالد الناس، يعرفونها ما آمنوا بموالدها في أنفسـهم. إن مولد الحسـين عندك إنما هو مولـد القلب منك إذا ما حيا فولد من إنـاء ذاتك، إذا ما حَييت بذكر الله أنفاسـك فأحييت أرض الله المــُعدة لأن ينفخ فيها من روحه.

ها أنت روح من روح الله. ها أنت حي من الحي القيوم. عطر أنفاسـك بذكر الله، وازرع كلمة الله في أرض ناسـوتك من قلبك أرضا لله - فيحيَا قلبك وهو أرض الله بروح الله وماء الحيـاة من أنفاسـك حيـة بذكره. احرص على أنفاسـك لا تدعها تنطلق خالية من اسـمه… فينشـط قلبك… يحيا قلبك… يولد قلبك… يضطرب ويهتز تواجدا بالحياة بين جوانحك فتشـعر بروح الحيـاة وقد نُفخت فيه منك، كما تشـعر المرأة بالحياة تدب في الجنين في أحشـائها حتى يأتيها المخاض فتنشـق عنه وتلد فلذة كبدها… تلد فلذة فؤادها… تلد قلبها يمشـي على الأرض… فيحملها إلى ذي المعـارج… تضع نفسـها ومطيتها تحتها قلبا سَـريَّا، يحملها إلى عرش الحقيقة يحييها الله من حنان أنفاسـها بذكره، ومن حنين جسـدها بتواجده، بتواجد القلب الذي ينمو شـيئا فشـيئا، وتتواجد معه وتنمو شـيئا فشـيئا.

هذه هي نفسـك، هذه هي ذاتك من نفسـك مع أرض آدمها من قلبك، أرضا مباركة تحيا وتولد فتنمو وتنمو، وتنمو معها ذاتك وتنمو معها نفسـك، وينمو معها عقلك، وينطلق ويتجدد في انطلاقها في ملكوت الله إرادتك من إرادته، فتكون وليدا بإرادتك في مولد إرادتك، تتواجد بإرادتك من عمل إرادتك على ما أدركت من انشـقاق قلبك عن ذاتك، ونفسـك عن معناك بجديد لمعناك عن قديم لمعناك. فأنت إرادة الله الوليدة، وأنت إرادة الله الجديدة، وأنت مشـيئة الله العتيدة، وأنت أمر الله الجد، من أمـره القديم السـرمد ما اتخذ في ذلك من نفسـه لنفسـه بك صاحبة ولا ولدا.

فإذا كنت جديد اسم الله لقديم اسم الله، بجديدك من قديمك، وكان قديمك يوما جديد اسم الله من قديم اسم الله في معراج لا يتناهى في قدمه، فاعلم أن جديدا منك، يكون بك جديدا لله، تكون أنت له قديمه، في دوام يتجدد بلا انتهاء… إن عرفت ذلك عنك من الله فقد عرفت الله. منه إرادتك، ومنك ظهور إرادته. منه مشـيئتك، ومنك ظهور مشـيئته. منه وجودك، ومنك ظهور وجوده، في أمر لا ينتهي معراجه وتجدده إن كنت ذلك، وأنت في يومك كذلك، فأنت عبد الله. وما أنت عبد لله إلا في عبوديتك لقديم الله بك، وقديم الله معك من عبد لله ورفيق أعلى في اتجاه القديم، له وصفه ولك منه وصفه، وفي رفيق أعلى في اتجاه الدوام، له رفيق منك يتواجد لقديم منه به تواجدت.

هذا فقه الدين لمن أراد أن يتفقه في الدين، وهذا فقه العلم لمن أراد أن يفقه في العلم، بعلم ينفع ولا يضر ولا يخلف الخطأ فيه ضررا مع صفاء النية وخلوص الطوية، أما الإعنات له فإثم وكذلك الجرأة عليه مع الجهل.

إن الله معنا. إن الله يجمعنا. إن الله لنا في قديم. إن الله لنا في جديد. إن الله منا ولنا ظهوره كما أنا منه بتواجدنا في وجوده. إن الله إنا كما أنا هو… لا إلـه غيره، لا تعالي فينا لنا بغيره ولا معبود بحق سـواه. نشـهده فنشـهد أن لا إلـه إلا الله. ونشـهد أن لا إلـه إلا الله فنشـهده إذ نشـهدنا. إنه قائم على كل نفس منا. وكل نفس منا إليه تُرد، إلى فتنته أو إلى رحمته، إلى عالم عمائه أو إلى عالم حكمته.

هكذا الله، وهكذا الناس. استغفروا الله من وجودكم يغفر لكم وجودكم، ويقوم فيكم أمـره فتشـهدوا أمـره فتشـهدوا أمره في شـهود أمركم، وتشـهدوا سـره في كشـف سـركم، وتعلموا جهره في جهر وجودكم.

هذه هي شـهادة أن لا إلـه إلا الله، فاطلبوها لعلكم تدخلوها، وادخلوها لعلكم تُوجَدُوها.

اسـألوا الله معي أن يرحمنا، واسـألوه معنا أن يوجدنا، واسـألوه أن ينزل السـكينة على قلوبنا، وأن يمنحنا السـلم والسـلام على أرضنا، وأن يدفع عنا شـرور أنفسـنا وشـرور الأشـرار من خلقه، وأن يولي أمورنا خيارنا ولا يولي أمورنا شـرارنا، وأن يأخذ بنواصينا إلى الخيـر، علماء ومتعلمين، روادا وغافلين، متصلين ومقطوعين، وأن يعافينـا من إقامة عدله، وأن يعاملنا برحمته وعفـوه، لا على ما نحـن له أهل، بل على ما هـو له أهل، وأن يجعل خيـر أعمالنا فيه خواتيمها، وخير أيامنا فيه- في ماضيها وحاضرها وقابلها- يوم لقائه، وأن يجعلنا فيمن يحب ويرضى، وأن يختم لنا وإياكم بخاتمة الســعادة أجمعين، وأن يجـزي نبينا وسـائر النبيين عنا خيـرا، وأن يجـزي مرشـدنا وسـائر المرشـدين عنا خيرا، وأن يجـزي عنا عباده العاملين وسـائر عباده عنا خيرا. إنه بذلك جدير، وهو بدوام فعله له فاعل، وعليه قدير. وإن رحمته لغالبة في قوانين عدله وحضرة وجوده.

أضواء على الطريق

  • كل بني امرئ يدعون إلى أبيهم إلا بنو فاطمة فأنا وليهم وأنا أبوهم.[١١]

  • مثل أهل بيتي كسـفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك.[١٢]

  • ٣لحمتي مني وإن نتنت والعِرق مني وإن مال[١٣].

  • أولادي أولادي إن عملوا خيرا فلأنفسـهم وإن عملوا شـرا فالضمان عليّ[١٤].

  • خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي.[١٥]

  • أمّا الحسن فإنّ له هيبتي وسؤددي، وأمّا الحسين فإنّ له شجاعتي وجودي.[١٦]

  • {قل لا أسـألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسـنة نزد له فيها حسـنا}[١٧].

  • {ويطعمون الطعام على حبه مسـكينا ويتيما وأسـيرا. إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شـكورا.}[١٨]

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. حديث شريف: " إن لله عبادا إذا رُؤوا ذَُكر الله." الراوي: الحسن البصري. صحيح ابن ماجه. ↩︎

  2. سورة البروج - ٢٠ ↩︎

  3. سورة البقرة - ١٤٤ , سورة البقرة - ٢٦ ↩︎

  4. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  5. سورة فاطر - ١٥ ↩︎

  6. حديث شريف. المحدث: الزرقاني، ولكن لم يثبت سنده، ويوافق الحديث الشريف: “كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ وعُدَّ نفسَك في الموتَى”. أخرجه البخاري. ↩︎

  7. قول للإمام عليّ كرم الله وجهه. المحدث: السيوطي. المصدر: الدرر المنتثرة. ↩︎

  8. حديث شريف: “إذا مات أحدُكم؛ فقد قامتْ قيامتُه؛ فاعبدوا اللهَ كأنكم ترَوْنَه، واستغفِروه كُلَّ ساعةٍ”. أخرجه الديلمي في الفردوس، ورواه العسكري في الأمثال. ↩︎

  9. إشارة إلى الحديث الشريف: “واللَّهِ ما أدرِي - وأَنا رسول اللَّه - ما يفعل بي ولا بكم.” صحيح البخاري. ↩︎

  10. إشارة إلى أكثر من حديث شريف منها: “إنَّ أتْقَاكُمْ وأَعْلَمَكُمْ باللَّهِ أنَا.” صحيح البخاري. أيضا “… ما بَالُ أقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أصْنَعُهُ؟! فَوَاللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُهُمْ باللَّهِ، وأَشَدُّهُمْ له خَشْيَةً.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  11. حديث شريف: “كل بني آدم ينتمون إلى عصبة إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم.” الراوي: السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.  المحدث السيوطي.  المصدر: الجامع الصغير. خلاصة المحدث: حسن. كما جاء في شرح إحقاق الحق – السيد المرعشي – المكتبة الشيعية. ↩︎

  12. حديث شريف: “مثل أهل بيتي مثل سـفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.” أخرجه الحاكم في المستدرك. ↩︎

  13. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  14. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  15. حديث شريف. أخرجه الترمذي في صحيحه، والدارمي ↩︎

  16. من حديث شريف قاله رسول الله صلى الله عليه وآله، حين أتت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله بابنيها الحسن والحسين عليهما السلام، في شكواه الذي توفّي فيه، فقالت: يا رسول الله، هذان ابناك فورّثهما شيئاً. المصدر: بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎

  17. سورة الشورى - ٢٣ ↩︎

  18. سورة الإنسان – ٨، ٩ ↩︎