(٨)
الدين والدنيا
ما قبل محمد وما بعد محمد
لا تفكروا في ذات الله وتفكروا في آلاء الله
حديث الجمعة
١٤ جمادى الأولى ١٣٨٠ هـ - ٥ نوفمبر ١٩٦٠ م
أسـتغفر الله وأتوب إليه، وأحمده وأسـتعينه وأسـتهديه. لا إلـه إلا هو، عليه يتوكل المتوكلون، وبه يسـتعين القادرون والموفقون والميسـرون، وعنه يغفل التعسـاء، والأشـقياء، والمحرومون.
عباد الله… اتقوا الله وآمنوا برسـوله، يؤتكم كفلين من رحمته، ويجعل لكم منه نورا تمشـون به في الناس، ما تحت الثرى وما فوق الثرى وما في السـموات… يجعل لكم ظلا ذا ثلاث شـعب تمتدون به في عوالم السـموات والأرض وما تحت الأرض فتحيون في أنفسـكم، تكسـبون الحيـاة، تتذوقون الحياة، تعرفون الحياة، تتعرفون بالحياة، تجتمعون على حياتكم وهو الله، عتقاء من القيود، متسـعون لما لم تتسـع له السـموات والأرض من أمـره.
قام الجنس على هذه الأرض من دهور بعيدة سـحيقة في القدم، لا تعرف لها في وعينا، ولا في تاريخنا، لا ولا في تقديرنا بدء، يمكن أن نحدد به لذلك زمنا. إننا نعجز عن إدراك بدء الجنس على هـذه الأرض المعمورة بهذا الجنس كما نرى… فكيف نتطاول إلى ما قبل هذه الأزمان؟ وكيف نتطاول إلى العلم بما هو أوسـع من هذه الأمكنة أو من هذا المكان إلا بقدر؟ كيف نشـرئب لإدراك عن بدء للوجود وهو لا بدء له؟
إن الناس يتحدثون من قديم الجنس عن القوى الخالقة لهم. يتألفونها أو يحاولون تألفها، ويخشـونها أو يخشـون جهلهم بهـا، ويحبونها أو يحبون متعة أنفسـهم منها… وذلك على جانبي الحياة في عوالمها الكثيفة واللطيفة، في مجتمعاتها المنظورة لمفرداتها، المحجوبة عن غير مجتمعها. وبذلك تَكَون منهم ومن أفكارهم ومن محاولاتهم ما أسـميناه أخيرا بالدين… سـواء ما كان منه بعادات مرعيـة أو طقوس شـكلية في العصور القديمة البدائية وما تخلف عنها، على ما كان له من مختلف صور، أو ما أخذ من نظـام وحي وكتاب ورسـول في العصور الوسـطى حتى ظهور خاتم هذا النظام الرسـالي الفردي وبادئ النظام الجماعي المتحد، والعلم الفطري المتكامل.
تواجد الناس على هذه الأرض قديما وما زالوا يتواجدون. وفارق الناس هذه الأرض قديما وما زالوا يفارقون، لا يدرون من أمـر تواجدهم أو مفارقتهم شـيئا، كما لم يدر من قبلهم من أمر تواجدهم ومفارقتهم شـيئا. فارقوا هذه الأرض بعد تواجد أمة بعد أمة، وعصرا بعد عصر. لم يرجعوا إلينا بنبأ. ولم يتكشـف لنا عنهم خبـر، حتى كانت عصور الحكمة ثم عصر النبـوة، عصور البشـرية تتلقى من السـماء حديثا، وتتلقى من السـماء خبرا، وتقيم هذه الأخبار فيها أحـداثا، وتكون بذاتها للناس حَدَثا. فعرفنا الحكماء والأنبياء، وعرفنا مطالعة الحكماء وكلام الأنبياء وحديث الغيب الإنسـاني إليهم، معرفين عن مواصلة الإنسـان للحياة في حياة أخرى، ومعرفين عن بعث الإنسـان من هذه الحياة الأخرى مواصلة للحياة أيضا.
تحدث إلينا الأنبياء بما وَعَوا في أنفسـهم. وبما أدركوا من الحديث إليهم، أو المشـاهدة تقوم بهم، حتى كان خاتـم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسـلام ختما لهذا العصر ولهذا النظام. وقد جاء متمما لهذا الأسـلوب ولهذا النظام الذي يتحدث فيه متحدث إلى متحدَّثٍ إليه من بين الناس، يخصه بحَديثه ويلتئم النـاس حول هذا المتحدَّث إليه، يطوفون حوله، ويقصدون بيته، وتتجول خواطرهم فيه وفي أمره وفي معناه، ويربطون بينهم وبينه، ويقارنون بين وعيهم ووعيه. يضعون أمـام نواظرهم وعيهم وأمام نواظرهم وعيه. ينظرون ذاته بينهم وينظرون ذاتهم في مرآته - إن عرفوا صفاءه - وينظـر هو ذاته في مرآتهم - إن أحبهم وتآخى معهم، واتخذ منهم عضدًا له على أمـره، وعونا له في رسـالته - وخاتما ينطبع عليه تلقائيا كل من سـبقه من الأنبياء ليكونوه لأنفسـهم.
هذا النظام هو محصلة ما انتهت إليه الإنسـانية في تاريخها إلى ظهور محمد وأمته. فلما جاءهم ليتحدث إليهم بما تحدثت به إليه أصول الإنسـان، ويعلم الناس مما علم، لم يُغفِل ما كان عليه أمر الناس من قبله، وأمر الأنبياء من قبله، وأمر الحكماء من قبلهم، وأمر الهداة من قبله، وأمر القادة والأئمة من قبله.
قدَّم للناس ما تلقى من أخ مؤدب له، ومن رفيق أعلى مُمتد فيه مُحيي لهما، ارتبط بهما لا انفصال بينهما وبينه هو ثالثهما في وحدة من الغيب باطنا لوحدة من الشـهادة هو أولها، يعرف بها محـمد عند الناس رسـول الله، وتعرف به في الناس حق الله، فيُعرِّف محمد بما هو مودع فيه من حياة وقدرة وإمكانيات كتاب الله عن محمد عبد الله وحقه بظاهر إمكانياته، ومدرك إفاضته من فيض روحـه ونورانيته، يتعاون شِـقَّاه ظاهرا لباطن وباطنا لظاهر. عَرَف محمد باطنه ربا له حبيبا مخالـلا ورفيقا أعلى لنفسـه، فعرَّفه إلى الناس رفيقا أعلى له وربا لهم وله. وعَـرَف رسـوله إليه نفسـه وعَرَّفَها أخا له (هذا أخي جبريل جاء يعلمكم دينكم)[١]، وعرَّف الرفيق الأعلى ربا له ولأخيه وربا للناس.
ولكن الناس ما زالت تتجول أفكارهم وعقولهم إلى ما لا طاقة لهم عليه، وما لم يتهيأوا له. يطلبون ما يسـمونه (الله) بلا وعي فيه أو علم به. يطلبون ما قبل وجـودهم. يطلبون ما قبل الوجود. يطلبون مسـتحيلا. يطلبون عدما. يطلبون وهما وخيالا. يطلبون ما لا وجود له، فما كان الوجود محدثا في وجوده، ولكن كانت الأكوان محدثة فيه، فانية فيه - ما أفناها -. متجددة فيه - ما جددها. - باقية به - ما أبقاها-.
إن الأكوان هي خلايا الوجود، على مثال من الإنسـان وما فيه من خلاياه وأعضائه وجوارحه وأجهزته، كنواة لعالم أو كون، تجدد وتسـتهلك في تعادل ونظام. فإذا زاد تجددها على اسـتهلاكها نما الوليد حتى صار رجلا. فإذا تناقص التجدد انحدر إلى طريق الذهاب من المادة شـيخا فكهلا. فإذا ما تغلبت نسـبة اسـتهلاك أنسـجته علـى نسـبة تجددها فزادت نسـبة التحول إلى الطاقة عن نسـبة التكوين الكيماوي من المادة إلى الخلية، انحدر القوس وتقوس الظهر، وغيرت الرأس اتجاهها من الوجهة إلى سـماء الأرض إلى الوجهة إلى أرض السـماء، فاتجه إلى باطن الأرض فضمته الأرض وانتهت وظيفة الجسـد.
إن الكون الكبير يُقرأ في الكون الصغير. وإن الكون الصغير إذا اسـتقام علـى قوانين صحته وقوانين سـلامته نما ونما حتى صـار كونا كبيرا.
طلب الناس إلى محمد أن يتحدث إليهم عمن يسـمونه الله متابعين في ذلك من سـبقهم من الناس بحثـا عن هذا ال الله. ولكن محمدا جاء الإنسـانية بجديد. إن محمدا جـاء للإنسـانية ليعرف عن عبد الله. ليقوم بين النـاس عبدا لله. ليظهر للنـاس بآلاء الله. ليعـرف الناس عن آلاء النـاس. ليقول للناس إن الله ليس موضع فكر كما أنه ليس موضع طلب. إن في طلبه حرمانه. إنه الموجود. إنه الحياة. إنه الحي القيوم. إنه أنتم. فكيف تطلبون موجـودا؟ إن في طلب الموجود المنظـور إغماض للعين عن نظره. إن في هذا تجاهل له، ومظاهرة له. فلا تعطوا الله ظهوركم. ولكن أعطوه وجوهكم. أينما تولوا فوجهه. وهو من ورائكم محيط فانقلبوا إليه في أنفسـكم. إنه أقـرب إليكم من حبل الوريـد. إنه معكم أينما كنتم. إنه أنتم فلا تغيبوه معيتكم بالحياة فلا تختانوا أنفسـكم.
قالوا: نحن خلقه… فكيف نكون خلقه ونكـونه وهو الخالق؟ قال لهم: (كان الله ولا شـيء معه ثم خلق الخلق حقا وهو الآن على ما عليه كان)[٢]. إن الخلق فيه لم يزيدوه وجـودا. ولم يزيدوه ظهـورا. ولم يشـاركوه وجودا. ولم يشـاركوه ظهـورا. إنه المتجلي بالخلق وهو ما تسـمُونه أنتم خَلق. إنه المتجلي بما أوجد، لا ليُعرف لغيره فما ثمة غيره، ولكن ليعرف في تجلياته عند تجلياته بمعاني عينه وشـهادته، لا تحيطون بشـيء من علمه عن نفسـه وهو العالم بنفسـه إلا بما شـاء.
فيا إخواني لا تجاهلوا الحياة في أنفسـكم. ولا تغمضوا عيونكم عن جماله، عن وجهه الظاهر لكم، فاشـهدوه واعتقدوه الوجود. فإنه لا يظهر لكم مدركا لوعيكم ما لم توحـدوه، فتؤمنوا به فتتواجدوه، إذ يكشـف الغطـاء عنكم لكم فتشـهدوه أنتم، وتشـهدوا ما تشـهدون عينكم، فتشـهدون لا إلـه إلا الله، لا مشـهود ولا مشـاهد إلا الله، لا موجود بحق إلا الله. لا تفكروا في ذات الله فأنتم في ذات الله، وأنتم من ذات الله، فكيف تفكرون في موجود بمعنى الغائب فتزدادون بصلاتكم له بعدا عنه!
يا عباد الله! لا تفكـروا في ذات الله ولكن تفكروا في آلاء الله وآيات الله. إنه الوجود كله - وكله على ما هو كله - لا على ما أحاطكم به منه أو أحطتم به منه إدراكا أو سـلطانا أو تصـورا. إن الوجـود هو ذات الله. هو الله. هو الله في ظهوره، وإن الوجود الذي هو الله له صفاته، وله قدراته، وله إمكانياته، وله حكمته، وله تدبيره، وله فعله، وله شـأنه في قوانين طبيعته.
إنكم إن آمنتم به مرتبطين، فتواجدتم به فاعلين، وسـرتم فيه أحرارا محررين، طلقاء ممكنين، حَفت بكم آلاؤه. وظهرت عليكم نعمـاؤه. وأُفيضت فيكم رحمته. وأُشـعلت في نـار قيامكم جذوته. وأشـرقت من احتراق موادكم أنـواره. وقامت بكم مظاهـره وأسـراره… لأنكم محل آلائه، ومحل جزائه، ومحل رضائه، ومحل وفائـه، كما أنكم محل بلائه ومحل ابتلائه ومحل إفنائه.
يا أيها الناس! إن الأمر يختلف في علاقتكم بالله في عظمة وجوده، وعلاقتكم بالوجـود المتخلق في علاقتكم بالمعبود، وعلاقتكم بالخالق، أو علاقتكم بالمحيي، وعلاقتكم بالحي القيوم… سـموه ما شـئتم. إن فهمكم عن علاقتكم به من بعد محمد العبد الرسـول يجب أن تختلف عن فهمكم عن علاقتكم به من قبل محمد الرسـول العبد. إن أمره فيكم من بعده يختلف تمام الاختلاف عن أمـره فيكم من قبله. وإن أمر الناس فيه من قبله يختلف تمام الاختلاف عن أمر الناس فيه من بعده.
لقد انقطعت النبـوة من بعده، علـى ما كانت عليـه من قبله. (خلفت الله عليكم)[٣]. خلّفَنِي الله عليكم. إن الله من بعده غير ممتنع عن الصلة بأيكم ما طلبه. لقد كشـف لكم بـه أنـه قائم فيكم، على مكث معكم، متكاثرا عبدًا له. لن يفارق الأرض بتكاثره، ولن يُفارق الأرض بانشـغاله… تعرض عليـه أعمالكم كما تعـرض على رسـوله والمؤمنين، فإن وجـد خيـرا حمد الله حمد نفسـه وحمده الرسـول والمؤمنون، وإن وجد شـرا غفـره وقد اسـتغفره لكم الرسـول والمؤمنون. إن الله يـرى عملكم ورسـوله والمؤمنون.
إن الأمر قد تغير من بعده. إنه عبده. إنه محل آلائه. إنه عبد قديم بقدمه من عباده القدامى بقدمه. إنه عبد باق ببقائه من عباده الباقين ببقائه. إنه عبد ملتصق به من عباده القائمين به لا يفترقون عنه أبدا… كما أنه لم ينفصل عنهم أبدا… إنه معاني ومغاني العبودية كلها… إنه العبودية فيه، وإنه العبودية له، وإنه العبودية منه، وإنه العبودية هو.
إنه ظهور ربوبيته. إنه ظهور رفيقه الأعلى منه. إنه حقيقة وإنه ظهور حقيقته. إنه حـق دانى به الحق وغيبه… دانى منه الحق ووجهه. دانى به الحق ويده. دانانا به الحق وعضده. دانانا منه الحق وعبده. لا تدعونه إلا بعبده، فهو أشـرف أسـمائه، وأكبـر آلائه، وأرقى نفحاته. فإن شـئتم فتابعوه إليه عبيدًا له.
صدقوني أن العبودية له مشـهودا بعبده ورسـوله جمال وحياة.
صدقوني أن العبودية له موجودا بعبده ورسـوله عز ونجاة.
صدقوني أن العبودية له معروفا بعبده ورسـوله فيها الحرية في الكون وفوقه… سـبحا في الوجـود من وجوده، واغترافا من نعمائه وجوده، والكل برحمة ربه معه في الحياة، فلا تعددوا العبد مع مولاه، ولا تعددوا المولى مع من والاه، ووحدوا ونزهوا في أنفسـكم وفي الوجود الله.
صدقوني أن المطلوب إنما هو العبودية. أما الحقيقة، أما الله، أما الوجود، أما الخالق، فإنه الموجود في وجودكم. إنه ائتمنكم فيكم على قدرات أسـمائه. فأنتم ذكره المحدث - ما تذكرتم وما تنبهتم، وما الغطاء عن أنفسـكم أزحتم -. فلسـتم الدثار ولكنكم المدثر.
(لا تفكروا في ذات الله ولكن تفكروا في آلاء الله)[٤]
ماذا يريد فقهاؤنا أن نعرف عن حديث رسـول الله لا تفكروا في ذات الله؟ ماذا يـريد عقلهم ووعيهم أن نتابعهم فيه؟ أيريدون أن ذات الله لا يصـح التجوال في التفكر فيها؟ ما إلى هـذا قصد رسـول هذه الذات. إنه إذا كان رسـولها يقول للنـاس لا تفكروا فيمن أرسـلني، فما هو برسـول وقد هدم رسـالته. كيف لا يفكر الناس فيمن أرسـل إليهم رسـولا من أنفسـهم، وهو يطلب منهم أن يؤمنوا به، ويكونوا عبادا له، ويقول إنه رآه وسـمعه، كما يقول إن ما أعطيه فهو لأمته؟
ما قال لهم محمد إن الله غيب الوجود دون الوجود! ولكن قال لهم إن الله في ظاهره الوجـود، وفي باطنه غيب الوجود في وقت واحد، لا تعرفوه غيبا لا ظاهـر له، ولا تعرفوه ظهورا لا غيب له. وكيف يكون لكم ذلك بتطور إليه في أنفسـكم وأنتم على ما أنتم في جمودكم؟ إن لكم ظاهرا كما أن لكم غيبا من ظاهره وغيبه. إن ظاهركم هذا الذي تظهرون به هو له وبداخلكم غيب هو له، لا يعرف إلا لمن دخل في هذا الغيب بدخوله في نفسـه. ما عَرَف الطب ظاهر الذات البشـرية إلا عن طريق الدخول في هذه الذات بعلوم التشـريح، وعلوم وظائف الأعضاء، فدخلوا في مجاهل هذه الذات، وعرفوها ورسـموها وصـوروها وأدركوها وقدروها وعَلِموها وعلَّموها. فإذا هي الكل فيها سـواء، لا تختلف ذات عن ذات في داخلها، وإن تعددت الألوان والأشـباه، وإن تعددت الأجناس، وإن اختلفت العقول، وإن اختلفت النفوس، وإن اختلفت الصفات. وما زالت مجاهل هذه الذات تتكشـف للعلم حتى هذا العصر، وما زالت بعض مجاهلها لم تعرف.
إن الإنسـان في مجاهله الداخلية من الذات إنما يحلل غيب هذه الذات عليه من حيث المادة والظاهر، ولكن هناك لهذه الذات غيب آخر من ذات لطيفة ليسـت في متناول التشـريح، لها دائرتها الصفاتية عن إمكانيات هذه الذات، وتأثيرها في وجودها الخارجي المرتبط بهذا الوجـود الداخلي، والذي يمتد سـلطانه ويرتبط محيطه بمركـزه الذاتي حتى نقطة القلب من سـويدائه من صميمه وصمامه، فهناك لهذه الذات اللطيفة دائـرة غيب آخر بها وعنها. وهذا ميدان آخر للعلم حلله التصوف الإسـلامي والتصوف الديني في كل ملة، كل على تصوير في حدود إمكانياته وما تكشـف له لا يختلف في جوهره شـأن كل علم، وإن اختلفت ألفاظ التعبير عنه.
فالكائن البشـري في نظر علوم الفطرة عبد لله بظاهره وباطنه. وهو ذات لظهور الله بعبده بظاهـره وباطنه، في ذات الله الأكبر المحيطة به بظاهرها وباطنها عَلما على الأقدس فالأقدس. هذا الكلام خلاصته ما تضمنه كتاب الحق المحيط مفصحا أو مشـيرا، وما تضمنه إجمالا حديث رسـول الدوام موضحا أو مشـيرا كذلك.
ولكنا في هذا العصر وفي هذا الزمان يقوم بيننا حدث ويقوم فينا أمر، به يتكشـف لنا جـديد عن هذا العنوان من معنانا من معنى الإنسـان، ذلك أن يتحدث إلينا الغيب الإنسـاني، أن تتحدث إلينا السـماء مرة أخرى حديثا موجها وشـاملا لعموم الناس، نداءً ظاهرا لجميع الناس، منسـوبا مصدره لأصول الناس، ظاهـرا للناس بأجهزة من الناس. وإنها إذ تتحدث مرة أخرى بحديثها القديم لا تتسـمَّى لنا بما تسـمت به في قديم، أو بما سـميناه نحن به في قديم، أو سـماها به آباؤنا في حـدود وعيهم من قولهم جـاء الملاك، أو جاء الـروح الأمين، أو جاء الرب، أو جاء الناموس، أو جاء الإلـه. هذه تعبيرات في الديانات القديمة لم يصبح لها محل بعد الذي جاءت به عوالم الغيب في هذا العصر.
لقد جاءنا محمد بتعاليم واضحة، وبأوامر صريحة - إذا سـألك عبـادي عني فإني قـريب أُجيب دعـوة الداع إذا دعانِ - من جاءني مشـيا جئته هـرولة، ومن تقدم إليّ ذراعا تقدمت إليه باعـا - وعلى ذلك مـن أحب الله خـردلة أَحبه الله قنـطارا. ومن رضي عن الله مثقالا رضي الله عنه ملء السـموات والأرض. فما ظهر الله في شـيء مثل ظهوره في الإنسـان، ومن تقرب إلى الله تقرب الله إليه، ومن آمن بنـوره فيه ظهر الله به بنوره في الناس، فمن أحب الله أحبه الله وإذا أحبه كانه له.
فلا تتكلموا بعد الآن عن الآلهة والأرباب والملائكة كما تكلم الآباء. ولكن تكلموا عن الإنسـان. تكلموا عن عظمة الإنسـان بربه. تكلموا عن الآلاء والإحسـان من ربه. تكلموا عن العبودية لربه. تكلموا عن العبودية للرحمن. تكلموا عن الإنسـان اسـم الله. تكلموا عن الإنسـان عنوان الله. تكلموا عن الذكـر المُحدَث من الله فيكم وبكم. أفكلما جاءكم ذكر محدث من الله أسـوة وقدوة التويتم على أنفسـكم، وظاهرتم وما واجهتم، فريقا كذبتم وفريقا تقتـلون! ألم يقل الرسـول خلفت الله عليكم، مع عبـاد الرحمن يمشـون بينكم على الأرض هونـا لا ينقطع بينكم تواجدهم؟! علمهم من لدنه علما وآتاهم من لدنه رحمة. جعلهم سـلاما لا يعرفون الخصام، ولا يجابهون بمخاصمة اللئام. إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سـلاما. إنهم في أمر أنفسـهم ومن يلوذ بهم. إنهم في أمـر عبوديتهم وأمر القائم على كل نفس بما كسـبت. إنهم في أمـر ربهم وإخوتهم من عباده. إنهم يبيتون لربهم ركعا وقياما. إنهم يصلون ربهم سُـجَّدا عابدين، كما يصلونه عمالا منطلقين، له ذاكرين وفيه أحـرار، وبه متحررين ومحررين، على الأرض يسـيرون، وعلى الماء يمشـون، وفي الهـواء يتجـولون. لهم عند ربهم ما يشـاؤون.
هؤلاء عباد الله. هم ذكر الله المحدث يبرزهم أسـوة للناس، وقدوة للناس، وإمامة للناس، وآحادا لحيوات الناس، شـموس إشـراق، وسـرج طريق، وأقمار جمال، ومصابيح نور، وبسـاتين أراضين، وسـفن رحمـة. إنهم يد الله المقلة، ويد الله المظلة، ويد الله المنبسـطة، ويد الله المنتشـرة، (خلفت الله عليكم)[٥]، لا تفكروا في ذات الله ولكن تفكروا في آلاء الله.
حال الرسـول فينا يقول اسـألوني فأنا بينكم وفيكم، واطلبوني فأنا المتواجد فيكم يوم تسـتيقظون، وأنا القائـم في نيامكم ونائمكم، وأنا اليقظ في يقظتكم ومسـتيقظكم، وأنا الحي في حياتكم ومسـتحييكم. اطلبوني فأنا بالرحمن خبير، وبالمعرفة جدير أبين لكم، أعلمكم، سـأختفي بينكم فاطلبوني. ابحثوا عني فإن بحثتم عني سـتجدوني - هو الذي يـراك حين تقوم وتقلبك في السـاجدين - إن وليي الله وهـو يتولى الصالحـين - أخفـى الله الأوليـاء في الخلق عباد الرحمن يمشـون على الأرض هونا، لا يسـتعلون ولا يسـتكبرون، ولا يبغون علوا في الأرض ولا فسـادا.
هذا هو الأمر بعد محمد. فما حاجة الإنسـانية من بعده للأنبياء؟ وقد جعل الله في أمته وفي معناه من تكاثره العديد من الأولياء، يتولاهم الله ويعينهم الله، يعرفون الله ويؤمنون به، ويتواجدونه، ويعرفون الله للناس على ما عرفوا فيعرفونه في أنفسـهم فيتواجدوه، وعما سـواه يتخلون، وفي معنـاه وحصنه يدخلون، فلا إلـه إلا الله يقومون، ولا إلـه إلا الله يدركون، ولا إلـه إلا الله يسـتقيمون، ولا إلـه إلا الله حصنـا يدخلون، فالله يشـهدون في أنفسـهم، والله يُشـهدون ممن يشـهدون الله في أنفسـهم، ولا تدخـلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسـوا وتسـلموا على أهلها… حتى تطلبوا إلى أهلها أن يطلبوا الله… حتى تجعلوا الله هو منشـود الناس، وهو حقيقة الناس، وهو مطلوب الناس.
هذا ما جاء به محمد. فكيف يبقى الأمـر من بعده على ما كان من قبله؟ إن محمدا سـر الناس، وإنه كافة الناس. إنه كافة الأمم وفطرة الأمم. إنه عبد الله. وهكذا يكون من كان عبدا لله.
يطلب الناس الله، ولا يطلبون من أنفسـهم أمرا أو طلبا، فكيف يحقق الله لهم ما يطلبـون؟ وهم من أنفسـهم شـيئا لا يطلبون؟ إنـه مطلوب منهم أن لا يفكروا في أنفسـهم بعيدة عن الله، أو مسـتقلة عنه، أو مشـيئة مصـارعة لمشـيئته. هذا مطلوب منهم وأن يعتقدوه ويسـتقيموه. فإذا فعلوا كانوه كانت إرادة الله في إرادتهم ومشـيئة الله في مشـيئتهم.
هذا ما جاء به محمد فكيف يكون حديث الله من بعد محمد على ما كان عليه من قبل محمد؟ وكيف تكون اسـتقامة النـاس من بعد محمد هي عين ما كان يطلب من الناس من قبل محمد؟
إن محمدا فيصل الزمان، وفيصل المكان، وفيصل الناس، وفيصل الحياة. بنفسـه فيصل وبأمته فيصل وبكل ظهور له في النـاس فيصل. إنه الشـهيد على الشـهداء على الناس. فالمشـهود منه إنما هم الشـهداء على الناس، إنهم هم أرباب حاضر الناس. أما هو فرب الشـهداء. أما فيمن يعلوه، أما في الرفـاق، أما في الرفيق الأعلى، فإنه عبد الله. إنه عبد الله في عظمته، وإنه رب الأرباب في عبوديته بعظمة عبوديته لله. إنه رب نفسـه. أما الشـهداء فهم أرباب الناس به ما ملكهم الناس أنفسـهم، وما ملكوا الناس في أنفسـهم إلا رحمة من الله بهم.
هذا ما جاءنا به محمد، وعرفه في سـنته وقوله وحكمته وسـياسـته، ويعرفه في وجوده دائما ما ظهر بتواجد.
فنسـأل الله أن يجعله فينا ويجعلنا فيه، وأن يجعلنا منه ويجعله منا، وأن يحققنا بالحق على ما حققه، وأن يعبدنا فيه على ما عبده، لا إلـه غيره ولا معبود سـواه.
اللهم إنا نسـألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، اللهم خذ بيدنا إلى الخيـر، اللهم لا تكلنا لأنفسـنا ولا لغيرك، وعافنا من عدلك وجزائك، وولِ أمورنا خيـارنا ولا تولِ أمورنا شـرارنا، وبرحمتك فعاملنا، ومن عدلك فأقلنـا، واختـم لنا بخـاتمة السـعادة أجمعيــــن.
أضواء على الطريق
الدعوة إلى المعرفة من المتصل بمثاله من سـبق رفيقا أعلى، (أنا أقربكم إلى الله وأخوفكم منه)[٦]، وبمثاله من لحاق {ويؤمن للمؤمنين}[٧] هي الدعوة إلى الصراط المسـتقيم {إن ربي على صراط مسـتقيم}[٨]، {وأن هذا صراطي مسـتقيما فاتبعـوه ولا تتبعوا السـبل فتفرق بكم عن سـبيله}[٩]. أما الدعوات الانفرادية المنقطعة عن الاتصال السـرمدي فهي دعـوات لا تمثل الحقيقة ولا توصل بها، مهما كان بها من حقائق عن الكون أو الوجود، فهي مجرد ظواهر كونية للحقيقة في الكون.
مصادر التوثيق والتحقيق
من حديث شريف “هذا جبريل عليه السلام أتاكم يعلمكم دينكم.”. أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، باختلاف يسير، والبيهقي في (السنن الصغير). يستخدم السيد رافع والمتصوفة عبارة (أخي جبريل) إشارة إلى جبريل عليه السلام. ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “كان اللهُ ولا شيءَ معه، وهو الآن على ما عليهِ كانَ”. المحدث: ابن تيمية، المصدر: مجموع الفتاوى. كما أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق بلفظ: “كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض.” ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
حديث شريف: “تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في الله.” أخرجه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) والطبراني في ((المعجم الأوسط))، وابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
إشارة إلى أكثر من حديث شريف منها: “إنَّ أتْقَاكُمْ وأَعْلَمَكُمْ باللَّهِ أنَا.” صحيح البخاري. أيضا “… ما بَالُ أقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أصْنَعُهُ؟! فَوَاللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُهُمْ باللَّهِ، وأَشَدُّهُمْ له خَشْيَةً.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
سورة التوبة - ٦١ ↩︎
سورة هود - ٥٦ ↩︎
سورة الأنعام - ١٥٣ ↩︎