(٧)
هو القادر فوق عباده
يقهر الإنسان بالإنسان. ويحقق الإنسان بالإنسان
كما عَلم الإنسان بالإنسان
حديث الجمعة
٧ جمادى الأولى ١٣٨٠ هـ - ١٨ أكتوبر ١٩٦٠ م
تصحيح التاريخ الهجري: ٢٧ ربيع الآخر ١٣٨٠ هـ
لا إلـه إلا الله في قيامنا. لا إلـه إلا الله في عظمة قيامه. لا إلـه إلا الله في دوامنا بدوامه.
الحمد لله متجليا بخلقه، والحمد منه إليه من تجليه في خلقه.
إننا نتحدث كثيرا عن الكفر والإيمان، ولا نتحـرى وجه الصواب ووجه الحـق لفهم الكفر وفهم الإيمان، حتى لا نتعرض إلى الكفر بجهلنا، وحتى لا نتعرض إلى فقدان الإيمان بغفلتنا. ما الكفر إلا كفرنا بنا. وما الإيمان إلا إيماننا بنا. إن كفرنا بنا منفصلين آمنا. وإن آمنا به بعيدا عنا أشـركنا فكفرنا.
إن إيمان الإنسـان لا يكون إلا بالإنسـان رسـولا، ومرسـلا، وعبدا. فإنسـانية القيام في وحدتها، وفي قيام مفرداتها بها، إنما هي حقيقة… حقيقة في الأفراد… وحقيقة في المجتمع… وحقيقة في التجمعات… وحقيقة في الحقائق.
فإيمان الفرد في هذه الإنسـانية الحقية إنما يكون بمجتمعها موحَّدا في معناه بوحدة وعيه وتدبيره، ظاهرة في تناسـق مفرداته وحـركاته، وإيمان الجماعة متواصين بالحـق متجمعين بظاهر كيانهم وباطن قيامهم، إنما يكون بالمثل الأعلى للفرد يبرز بين مفرداتهم عنوانا على قيام وحدتهم في هذه المثالية بروابط المحبة والإيثار، وهدم الأثرة والفردية. فإيمان الفرد بالجماعة وإيمان الجماعة بالفرد.
فإذا ما تجمعت الجماعة على الفرد، وإذا ما قام الفرد في الجماعة، قامت حقيقة إنسـانية هي بدء معراج لانهائي في الوعي وفي المعرفة، وبدأت بهذه الإنسـانية الحقية قيامها الواحد رسـالة معراجها في الإيمـان بالحقيقة الإنسـانية، تنشـر ما تؤمن به عنها، وتنشـر إيمانا بالإنسـانية على نطـاق أوسـع بما تحس به فيها بقيام أكبر، وبمعنى أشـمل، وبعالم أرحب تقومه وينتمي إليها، وبعالم أرحب يقومها وتنتمي إليه.
إذا ما فكرت هذه الإنسـانية في الإنسـانية التي عنها صدرت، فلها طلبت، وبها غيبا آمنت، عرفت أن الإنسـانية التي عنها صدرت إنما هي عالم الروح من الآباء والأجداد، خلعوا ثياب جلدتهم من نبات هذه الأرض، وانطلقوا في ملكوت الله، في مملكة الله، في جنـة الله، عرضها السـموات والأرض… أما امتدادها إلى أعلى فلا حدود له، وأما امتدادها إلى أسـفل فلا نهاية له… عرضها السـموات والأرض. لا سـقف لها إلا اللانهائي، ولا امتداد لها إلا إلى اللانهائي باللانهائي…
فإيمانها بالحق في إنسـانية السـبق من الآباء، وسـهرها على نفسـها من إنسـانية اللحاق في دوام الحق في الأبناء، يُبعث فيهم ومنهم في دورة لا نهائية منتظمة الأصول والآباء. وبذلك كانت إنسـانية القيـام التي اسـتكملت إدراكاتها عنها وعن مغانيها بمعانيها وسـط بين إنسـانية القِـدم الأزلي وإنسـانية الدوام الأبدي، فهي خير إنسـانية أُخرجت وتخرج للناس، إذ هي الإنسـانية الوسـط التي تؤمن بقديم الإنسـانية وأزلي الإنسـان. وتؤمن بدائم الإنسـانية وأبدي الإنسـان. وتؤمن بحاضر الإنسـانية وحقية الإنسـان. وتعرف بذلك الحقيقة في قدسـية الإنسـان، ويتصفها دائما كل وحدة إنسـانية كملت في نضجها من إنسـانيات السـبق واللحاق.
هذه هي الإنسـانية التي قامت على هذه الأرض بمحمد وأمة محمد، كلما ظهر محمد وتواجدت به له أمـة قامت على هذه الأرض بمحمد الذي جُعِل له الخلد، لم يُسـبق إليه عليها في كل ظهور له، والذي جُعل لأمته الدوام، شـهداء على الناس هو عليهم شـهيد. كلما تجمعت عليه أمة لا يغيبون عن الأرض أبدا. إنهم ذكر الله عليها… ذكر الله المحدث عليها لا ينقضي عليها إحداثه. أمة بعد أمة. وإمامة بعد إمامة، وعبودية متجددة لعبد دوامه وإنسـان قيامه، ورسـول سـلامه، ومرصاد خصامه. عبودية بعد عبودية هو فيها سـيد الناس، وعبد الناس، وخـادم الناس، وعين الناس، وجـزء الناس، وكل الناس.
هذه هي الرسـالة التي قـام بها محمد، تجديدا وتجميعا لقديم الرسـالات، وأصـلا يتفرع إلى محدث الرسـالات متنوعة فيه متحدة به، لا ينقطع أثرها، ولا يحتجب خبرها، ولا تُطفأ نارها، ولا يُحجب نورها. تتجـدد مع الناس بتجدد الناس، وتتعدد في الناس بتعدد الناس، وتتجدد في السـموات بتجدد السـموات، وتتجدد ما تحت الثرى في تجدد ما تحت الثرى إشـباعا للحاجـة، وتناسـقا مع الوحدة، وتطورا مع الفطرة. الله معها، الله متحدثها وسـامعها، الله فاعلها، والله انفعالها.
هذه هي حقيقة الرسـالة مع محمد وأمة محمد. هي إيمان الإنسـان بالإنسـان، وإيمان الإنسـان بنفسـه… يؤمـن الإنسـان بنفسـه متشـرعا مجتهدا، ويؤمن الإنسـان بالإنسـان رحمة مرسـلة، فيحيا الإنسـان في نفسـه، ويحيا الإنسـان في الناس، ويحيا الناس في الإنسـان… يجتهد الإنسـان في نفسـه فيهدى إلى سـبيل الحياة من المثل الأعلى يبرزه الله في السـموات والأرض. ولا مثل أعلى في السـموات والأرض إلا له. ولا يمثل المثل الأعلى في السـموات والأرض ممثل من دونه {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض}[١]، ولن يعـرف الإنسـان فيه إلا المثل الأعلى من الإنسـانية التي هو فيها، يظهر له فيظهر فيه. لا أمة لمحمد بدون محمد، ولا محمد بدون أمة لمحمد. الأصل في عقيدة الفرد اعتقاد المجتمع، أما اعتقاد المثل الأعلى فبسـر للفرد مع الفرد، وبسـر للمجتمع لاعتقاد المجتمع فيه.
فالمثل الأعلى المرئي للناس من رسـول الله أسوة حسـنة، له يشـهدون وله يطلبون وله يعشـقون، لا يعرفونه إلا إذا قاموه، فكانوه، وقد امتد بهم وامتد فيهم، وأضافهم إلى نفسـه فقـام في معاني قيامهم فعـرفوه. بعثوه بالحب في أنفسـهم فبعثوه (أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع)[٢].
إنه المثل الأعلى الذي جُعل له نور يمشـي به في الناس. إنه رحمة الله المهداة. إنه حوض الله المورود. إنه وجه الله المشـهود. إنه سـاحة الله المقصودة. إنه بيت الله حوله الطواف، وبه الالتفاف. إنه قبلة ومُصلَّى الناس. يسـتقبلونه فيسـتقبلهم. يطلبهم فيطلبونه أو يطلبونه فيطلبهم. هم منه وهو في الوقت نفسـه منهم. لا فرق بينهم وبينه في أي معراج كانوا، وعلى أي سُـلَّم من سُـلَم الحيـاة تواجدوا، غفلوا أو اسـتيقظوا. إنه موقظ غفلتهم. إنه نور يقظتهم. إنه سـكون ظلامهم. إنه نهار معاشـهم. إنه يوم حياتهم. إنه ليلهم ونهـارهم. إنه شـهرهم وغيبهم. إنـه جهرهم وصمتهم. وإنهم له لكذلك. إنهم له ذلك كله، واسـعا منتشـرا، مبعوثا، متكاثرا.
هذه هي أمة محمد. هذه هي إنسـانيته الوسـط. هذه هي الأمة الوسـط. هذا هو الإنسـان الوسـط. هذا هو الآدم الوسـط. ما آدم إلا هو، وما هو إلا آدم. إنه لآدم ولد، وإنه لآدم أب، وإنه من آدم عين، وإنه لعين الآباء الأوادم. إنه عين الأبناء الأوادم. إنه عين القيام من الأوادم. إنـه قضية آدم بسـرها وجهرها. إنـه آدم وإنه ولد آدم. إنه آدم ما قبل آدم. وإنه آدم ما بعد آدم… وإن الناس فيه لهو، وهم فيه أوادمه ليكونوه. وإن كانوه كانوا أوادم بيوتهم، وكانوا آباء قديم ومحدث أوادمهم، وكانوا أصول آبائهم وأبنائهم وأوادمهم. كانوا في معنى الإنسـان. وكانوا في الإنسـان. كانوا عبادا للرحمن. كانوا أسـماءً لله. كانـوا محدث ذكـر الله. كانوا ذكر الله. كانوا وجوه الله. كانوا وجود الله. كانوا عبادا لله. كانوا معاني الحياة.
هذا ما جاء به دين محمد. فهل تدين الناس بدين محمد؟ هل تدين الناس بدين أمة محمد؟ هل قام الناس محمدا؟ هل قام الناس أمة محمد؟ إن محمدا عين أمته. إن أمة محمد عين محمد. إن محمدا كان أمـة. إن أمة محمد كانت فردا. إن محمدا على مثال من أبيه إبراهيم الذي طلب، والذي أجيب، والذي تلقى من ربه كلمات، والذي تعرض لنعمة ربه، والذي طلب ربه مشـهودا وغيبا، والذي سـأل معرفته في نفسـه لنفسـه، وسـأل معرفته في الكون يتأمله ويشـهده، يراه في كل ما يرى، يحبه ويريد أن يرتضيه، فلا يرضيه ما يحتجب عنه، ولا يرضيه وجه لا يقاربه ويدانيه، لا يرضيه وجه لا يضطرب ولا يختلج له قلبه حبا، عشـقا ورغبة، وخشـية ورهبة. لم يكتفِ من قرب ربه بشـهود ملكوت السـموات، ومن تعليمه بإحياء الموتى.
إن إبراهيم الذي وفَّى… ما وفى… ولكن ذكـر الله المحدث فيه الذي وفى، واسـم الله فيه هو الذي وفى، ونور الله فيه هو الذي وفى، وإنسـان الله معه هو الذي وفّى.
لقد كشـف محمد لنا قانون الحياة.
كان محمد من إبراهيم ما كان إبراهيم من محمد. وكان الحسـن من محمد ما كان محمد من الحسـن. (حسـين مني وأنـا من حسين[٣] عَليّ مني وأنا من علي[٤]). من لم يتابعني على ديني فليس مني ولسـت منه. أما من آمن بالحـق معي على ما عرفته، وعلى ما شـرفتـه، فعرفه في نفسـه كما عرفته، وشـرفه في نفسـه كما شـرفته، فهو مني وأنا أيضا منه. إني في أبنائه له أشـهد. وإني في آبائـه له أتواجد. وإني في نفسـه له أوجـد. يوجدني الله في نفسـه، يوجدني الله في ولـده، يوجدني الله في آبائه. والله فـي ذلك مجدده فيه، وهو إذ أوجد فيه فهـو موجودي، إنما يوجده الله في تواجدي، فيوجده فيَّ لآبائي عين آبائي. ويوجده فيَّ لأبنائي عين أبنائي. ويوجده الله فيَّ عيني ونفسـي ومعناي وهيكلي ووعيي وقلبي.
من كان لله كان مني (المهدي ولدي)[٥]ومن كان لله كنت منه، (كلكم راع وكلكم مسـئول عن رعيته)[٦].
هذا هو هدي محمد، وهذا هو تشـريع محمد، وهذا هو فقه محمد، وهذا هو دين محمد، وهذه هي طريق محمد، وهذا هو سـلوك محمد، وهذا هو نور محمد، وهذا هو قيام محمد، وهذا هو محمود محمد، وهذا هو باقي محمد.
فهل تحمد الناس بمحمد؟ هل تناسـخ الناس مع محمد فتواجدوه؟ هل نسـخوا أنفسـهم في قيامه فوجـدوه؟ فما بتناسـخهم هلكوا ولكن بتناسـخهم معه حيوه وبقوه… هو الذي يراك حين تقوم وتقلبك في السـاجدين.
ها نحن في هذا الزمان يتم لنا عن المادة العرفان وعن ربها النسـيان، ها نحن في تمام عصر البهتان، ها نحن في عصر الطغيان، ها نحن في عصر النكران، ها نحن في عصر الجحود، ها نحن في عصر القعود، يعم ظلامه، ويكثر كلامه، ويختفي ويهتز سـلامه، ويبعث فيه أشـقاها، وتعقر فيه ناقة الله بعد حرمان من طعامها وسـقياها.
فإلى أي مدى يذهب الإنسـان؟ ظن أهلها أنهم قادرون عليها. وضعوا على أرجائها المهلكات وقد أحاطتها من الله رعايته، وشـملتها عنايته بملائكة السـموات. ولكنهم بظنهم أنهم قادرون عليها، وقد منَّ عليهم بشـيء من قدرته وفق الناموس، ظنوا أنهم قد عرفوا كل الحيـاة وكل الوجـود، فطغوا بما علمهم - وقد أفـاء عليهم بعض العلم - وما أعطاهم من قدرته إلا ليُقدِّروه فيَقـدِروه به قادرين. وما أعطاهم من شـيء من علمه إلا ليعلَموه، فأنفسـهم يعلَّمُوه، فعنهم يصدر بعلمه عليم بذات الصدور. ولكن قتل الإنسـان ما أكفـره! إن الإنسـان لـربه لكنـود. إنه بنعمة الله لجحود.
أما كان يجدر به أن يتقلب بالله في القيام والقعود! في السـكون والسـجود! في الفنـاء والوجـود! فـي التوقيت والخلود! لا… إنه الطاغـوت. ويأبى الملكوت، ويجحد الناسـوت، ولا يقـوم ولا يطلب اللاهوت. إنه قيام الظلام.
ولكن! ولكن! هل يقبل الله هذا الطغيان؟ هل يرضى الله هذا البهتان؟ هل يقعد الله عن إزالـة الجحود، وعن كشـف قناع الوجود؟ إنه يمهل، ولكنه لا يهمل.
إن محمدا جاء بالإيمان. إن محمدا جاء بالإحسـان. إن محمدا جاء بالعنوان. إن محمدا جاء بالإنسـان. جاء بإيمان الإنسـان بالإنسـان. كشـف أن الإنسـان هو ظاهر الرحمن، كشـف أن الإنسـان باطنه الديان، هو القائم بالقيوم على الأكوان، هو سـيد البيت… بيت السـموات والأرض… لا يضعف أمـام أبنائه من الجاحدين، ولا يفتـر عن إيقاظ أبنائـه من الغافلين، ولا يقعُد عن دفـع أذى أبنائـه من المفسـدين… إنهم أبناؤه. إن آمنـوا بالله فأبناؤه. وإن غفلوا عن الله فأبنـاؤه. وإن تمردوا عليه فأبنـاؤه. وإن جحدوه فأبنـاؤه. وإن عرفوه فأبناؤه… وإن كانوه فأبناؤه.
ها نحن الآن في هذا العصر وفي هذا الزمان، يجمع الله بين قديم الإنسـان ومحدث الذكـر من الإنسـان. وشـاء الله، شـاء اللانهائي في وجوده وفي جوده، اللانهائي في قيامه وشـهوده، اللانهائي في سـعته، اللانهائي في غيبه واللانهائي في قـربه… شـاء الله… رب الإنسـان، وعين الإنسـان، وباقي الإنسـان، وجديد الإنسـان كما هو قديمه، وحاضر الإنسـان كما هو مسـتديمه… شـاء الله أن يجمع الإنسـان بعوالمه من مسـتقبل الإنسـان، وبعوالمه من قديم الإنسـان على عوالمه من حاضر الإنسـان. شـاء الله أن يجمع الإنسـان ليدفع عن البشـرية، ليدفع عن حاضـر هذه الإنسـانية أذى ما انعقدت عليـه عـزيمة أهل الطغيان، واجتمع عليه عقد أهل البهتان. شـاء الله أن يسـخر لحاضر الإنسـانية قديم وقابل الإنسـانية من عوالم الإنسـان… ليدفعوا عن هذه البشـرية تدبير هذه الفئة الباغية من أهل الطاغوت وأهل البهتان، ليدفع مكرهم عن الإنسـانية، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال.
لقد أُنبئنا من الروح المرشـد لنا من عالم الغيب أن الأمر قد صدر بإفشـال كل ما يصدر عن هذه البشـرية من فئتها الباغية من أهل الطاغوت، لاسـتعمال ما يسـمونه بالقنابل والصواريخ الذريـة أو الهيدروجينية، وأن كل ما دبروه من مكرهم لمحـو هذه البشـرية لن يمس هذه البشـرية بسـوء، فقد تغلبت رحمـة الله. وإن شـيئا من ذلك لن يمكنوا منه فقد دبر عالم الروح من قبيل الحيطة بتعطيل أجهزتهم إذا غفلت هذه الطغمة الباغية ولم ترعوي بما يلهمون به، وبما يذكرون به من آيات الله فيهم وحولهم، فقد دربت الأرواح والنفوس والأشـباح مما يرون أو تـرون من خلق الله، ومما لا يَعرفون أو لا تعرفون، ومما تؤمنون أو تنكرون وينكرون. لقد جمعت هذه القوى ودربت على أن تظهر أمـر الله في اللمحة الحاسـمة يوم يركب هؤلاء الناس رءوسـهم ليبـرزوا مكرهم فيجردوا هذه الأرض من سـكانها من عباد الله، ومن خلق الله، يريدون أن يطفئوا نور الله… كأن الله قدرهم على أرض الناس من خلقه. وما هم إلا عصبة صغيرة لا قيمة لها، ولا وزن لها في قوانين الله، وفي قوانين الوجود… وإن الغالبية العظمى من أهل هـذه الأرض إنما تجـافي هذه الحروب وتنشـد السـلام… ولكنهم مغلوبون على أمرهم مع الطاغوت منهم. وقد طلب إلينا أن نطمئن الناس حتى لا تـرتج نفوسـهم عليهم بما يسـمونه الحـرب الباردة، والمعرضة لأن تكون حربا سـاخنة فعلا في أي وقت… إذا ما فقد هؤلاء الطغاة ما بقي في رؤوسـهم من بقايا اتزان.
إن الناس إذا ما اتجهت قلوبهم إلى الله وصدقوا في توجيه قلوبهم إليه، فإن الله مجيبهم لطلب السـلام وإن الله لمؤيدهم وناصرهم… وأبوتنا من الأرواح المرشـدة تطلب إلينا، أبناء لها وآباء لأبنائنا، أن نربط قلوبنا معهم، وأن نتوجه إلى الله صادقين بقلوب مفتقرة إليه مسـتعيذة به، فإن قلوبنا إن توجهت وافتقـرت جعل الله منها قوى عاملة، وسـيوفا قاطعة باترة للباطل يجتث شـجرته من فوق هذه الأرض، يجتث شـجرته فتنطفئ زهرته وتخبو جذوته عند أهله من عباده وعاشـقيه من بيت الطاغوت.
فإني أتوجه إليكم ناصحا، وأتوجه إليكم راجيا، وأتوجه إليكم بأمر الله آمرا… أن تسـتيقظوا وأن تتوجهوا إلى الله بقلوبكم صادقة فاقرة، وأن تنظروا لنفوسـكم ضعيفة مفتقرة، وأن تنظروا إلى ذواتكم موقوتة، وأن تنظـروا إلى معانيكم باقية. لا تبيعوا أخـراكم بدنياكم، ولكن اشـتروا أخـراكم بدنياكم. اجعلوها دنيا ناصبة عاملة لسـعيها راضية. اجعلوها دنيا بالله غنيـة ما اسـتغنت به عن غيـره، وله مفتقـرة ما اسـتغنت به عن غناها. لا تجعلوا غنـاءها بغيره. من اعتز بغير الله ذل ومن طلب غير الله ضل.
اذكروا الله معكم وفيكم وأقرب إليكم من حبل الوريد. اذكروه راعيا في منامكم، واذكروه عامـلا في انتشـاركم من يومكم، اذكروه في الكبير والصغير من شـأنكم. اذكـروا الله معـكم يذكـركم ويثبت أقدامكم، ويدفع عنكم عادية أهل الطغيان منكم، واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة.
ولكن وقد أبرز فيكم رحمته، ووعدكم أنه ليس بمعذب لكم ما دام فيكم، وليس بمعذب لكم وأنتم تسـتغفرون، فإن كان لكم نصيب من امتداد نـوره به مشـرقين، فأنتم رحمة الله شـافعين، ومحدث ذكـر الله قائمين، ووجـه الله ناصبين، وعباد الله سـاجدين، فإن لم يكن ذلك لكم، فكونوا معه طالبين، وكونوا لله مسـتغفرين. ما كان الله ليعذبكم وأنتم تسـتغفرون.
إننا إن قمنـا برسـول الله ولرسـول الله مؤمنين، وقمنا بالله بأنفسـنا مسـتغفرين، دفعنا عنا عادية الظالمين، ورددنا الكيد إلى نحـر الكائدين.
ها هي إنسـانية الله ترشـدنا وتأخذ بيدنا وتسـفر معنا رحمة الله للعالمين وإنسـان الله القوى الأمين.
هذه هي رسـالة الروح اليوم، ووصلتها تقوم علينا، وتقوم معنا، وتقوم لنا، وتقـوم منا، يسـعدنا أنا منها. وتعدنا أنها منا فتقطع السـبيل على كبريائنا، وتفتح أبواب الرجاء والرحمة لآمالنـا، وتظهر لأمـر رسـول الله فينا، وأمر رسـول الله منا، وأمر رسـول الله معنا. فهـلا اسـتجبنا؟ وهـلا إيماننا جددنا؟ وهلا بالله قمنا؟ وهـلا لظـلام أنفسـنا جحدنا؟ أسـأل الله لنا الخـروج من ذلك كله برحمته ومنته وفضله، هدانا الله وإياكم سـواء السـبيل.
اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السـفهاء منا. اللهم كن لنا ولا تكن علينا. اللهم ادفع برحمتك ومنتـك عنا. اللهم أنزل السـلم والسـلام على أرضنا، والسـكينة والأمن على قلوبنا. اللهم قنا شـرور أنفسـنا وشـرور الأشـرار من خلقك. اللهم ادفـع عنا مكـرهم. اللهم برحمتك فتـولَنا وتولهَم. اللهم بهدايتك فوجهنا ووجههم. اللهم بنورك فغير ما بنفوسـنا ونفوسـهم. اللهم إن كان قضاؤك فيهم وفينـا بعدلك ما قضيت، فاجعل قضاءك فينا وفيهم بعفوك بجاه رحمتك، اللهم ولِ أمورنا خيارنا برحمتك، ولا تولِ أمورنا شـرارنا بعدلك. اللهم بصرنا بحكمتك. لا إلـه غيرك ولا معبود سـواك، ونشـهد أن لا إلـه إلا أنت وحدك لا شـريك لـك، ونشـهد أن رسـولك بنا قائم ولنا دائم يقوم ويتقلب في السـاجدين، خالدا في الخالدين، وعبدا في العابدين. به ارحمنا فهو وسـيلتنا إليك… لا إلـه إلا أنت نشـهد بوحدانيتك وبأن محمدا عبدك ورسـولك.
أضواء على الطريق
الإمام يعتقد الناس وجوها لله، الله من ورائهم محيط، بما أدرك عن الله في معناه، فيصير الناس نفسـا له، ويصبح كذلك باعتقاد الناس له، فقل من بينهم من يعتقده وجها لله، الله من ورائه محيط. ولكن بقيامه بمعناهم معناه، به يقوم في وحدانية الله، ويشـهد في معرفته الحق الأكبر من حقائق الله، على ما هو الله لا على ما هم الناس ولا على ما هي نفسـه من جماع معناهم.
وكذلك المعتقد في الإمام بأنه وجه الله، الله من ورائه محيط، يجد الإمام معناه ونفسـه، به يشـهد الحق من الله، على ما هو الله، لا على ما هو الإمام ولا على ما هي نفسـه.
إن الله لا يشـهد إلا بالقيام في الوحدانية عند المشـاهد، وأول إدراكات الوحدانية قيامها بين الإمـام والمـأموم… فكـلاهما لله، الله من ورائهما بإحاطته فالإمام وجه القديم والمـأموم وجه الباقي… والقديم يشـهد في مرآة الباقي وجهه، كما يشـهد الباقي في مرآة القديم وجهه.
لا إمام بدون مأموم، ولا مأموم بدون إمام.
أما القيـام في الوحدانية فالعبارات تعجـز عن بيانه أو وصفه إلا بالمثل والإشـارة فضلا عن عجز العقول في سـجنها عن إدراكه، والنفوس في ظلامها عن قبوله. ولكنه واقع الطريق لطارقها. ومدرك الموحد بتوحيده في توحده.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الروم - ٢٧ ↩︎
من النشيد الذي استقبل به أهل المدينة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ↩︎
حديث شريف: “حُسينٌ منِّي، وأنا منه، أحبَّ اللهُ مَن أحبَّ حُسينًا، الحسَنُ والحسينُ مِن الأسباطِ”. رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان. ↩︎
حديث شريف: “إن عَليّا مني وأنا منه وهو وليّ كل مؤمن بعدي.”، أخرجه ابن حبان واللفظ له، والترمذي وأحمد باختلاف يسير. ↩︎
حديث شريف: “المهدِيُّ رجلٌ مِنْ ولَدِي، وجْهُهُ كالكوْكَبِ الدُّرِّيِّ”. أخرجه الطبراني. ↩︎
من الحديث الشريف: "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته". أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎