(٦)

دنيا الرسول
ودنيا الناس
عالمان يجتمعان ويفترقان في دنيا الله

حديث الجمعة

٣٠ ربيع الآخر ١٣٨٠ هـ - ٢١ أكتوبر ١٩٦٠ م

{مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان}[١]

عندما يجتمع عالمان… عندما تجتمع دنييان… عندما يتخالل الإنسـان مع الإنسـان… عندما يتحاب الإنسـان مع الإنسـان… عندما يتصارع الإنسـان مع الإنسـان… عندما يجتمع من دب على الأرض ومن دب على السـماء في مجال وميدَان… عندما يتخـالل الإنسـان من أرض للإنسـان مع الإنسـان من أرض للإنسـان، يتعارفان ويتآلفان، ويتخاصمان ويتعلمان، ويتحدان ويفترقان، ويتوالدان ويتوحدان ويتعددان.

عندما يجتمع أهل أرضين، عندما تجتمع أرضان في ميدان، ينبلج النور، وتشـعل النار، ويمحى الظلام، ويقوم الحق للعيان، ويقـوم العلم والبرهان.

(مالي والدنيا، أنا في الدنيا عابر سبيل، استظل بظل شجرة… ثم مضى)[٢].

غريب اسـتظل بظل شـجرة ثم مضى… سـفير إنسـانية وديَّار دار. ليسـت إنسـانيته هذه الإنسـانية، ولا داره هذه الدار. وُلد في هذه الدار، ودب على أرضها، وهو ليس من بيئتها ولا من أهلها. ولكن في مولـده كانت سـفارة من إنسـانية أهله وجواره.

وُلد في هذه الأرض وفي هذه الإنسـانية ولم يجئها منفردا، فقد جاءها بركب وبجيش من داره وأهله وولده، ومن دور طريقه إليها. ولكنه وصحبه ما عُرفوا للنـاس وما ظهروا بين صحبه ممن اشـتهروا باسـم صحبه… جاء وهم معه رجل واحد، جمعهم الحق، وجمعهم القيام به نور السـموات والأرض. مثلهم ومثلوه، ممثلين حقا واحدا، لا تعدد له، ولا تعدد فيه، ولا تعدد معه…

وأراد أن يترك في هذه الأرض بهم أثرا من نفسـه، وأثرا من فعله، وأثرا من روحه وأثرا من نـوره، وأثرا من علمه، فاختار لكل شـيء من ذلك من اختار له، وعليه خَلَّفَه ومنه به خلفه. ونما به ليكمله، وتجمع فيه ليخلفه، وتوحد به ليقومه، وهمَّ به ليُعلم معلومَه…

ثم اختفي بذاته عن الظهور بجديد مواصل، ليختبر أدعياء الإيمان به وليكشـفهم لأنفسـهم لا لنفسـه، بعد أن تهيأ لهذه المعركة، ولهذه الرسـالة، ولهذا النشـاط، بمجالات له سـبقته في التواجد على هذه الأرض، ومهدت الجو أمامه، وهيأت الأرض لقيامه، وهيأت في الناس طلبه بطلب الأبوة لها، معنىً للحق عليها، حتى إذا ما جاء بنفسـه مسـتكملة تواجدها على هذه الأرض، ملبيا نداء أهلها أبانا الذي في السـماء، بدأ رسـالته لإتمام مكارم الأخلاق، وعبَّر بلسـان بعث مجالاته {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[٣] وقال هاؤمُ اقرأوا كتابِيَه… هداني ربي وغفر لي ما تقدم وما تأخـر من ذنبي وجازاني بفضله، وها أنا اليوم الحسـاب أتلقاه مغفورا، والجزاء أتمناه موفورا، والكتاب أقرأه مدينته علم…

ها أنا مبعوث بالحق وعلى صورته لأتمم مكارم الأخلاق بينكم، لكم أول عابدين وخاتم نبيين. أماتني المميت عمن أنا، وبعثني الباعث عمن هو. وما بعثت بينكم اليوم بجديد منه ولكن بجديد مني. وقد بعثت فيكم منكم بمثال من وليد، وبمقال من جديد.

فكانت رسـالته بعثه، وتعبيره قيامه، وشـفاعته وجوده، وكسـبه عنوانه، وحقه إنسـانه. لا جديد في الله ولا جديد في الحق، ولا جديد فوق الشـمس، ولا جديد تحتها.

إنه المبعوث في كل نفس ببعثها، جدد خلقها إذ نحرها وطورها وأحياها، فكانها أمة مؤمنة به إيمانا بنفسـها وإيمانا بربها. ها أنا ذا بينكم… من كان مني كان من الحق بي. ومن كان مني كنت منه. (ما أعطيتـه فلأمتي)[٤]، لا تفاضل بيني وبينكم في الله، ولكن التفاضل بيني وبينـكم فيما أعطيت وفيما أعطيتم. الله هـو المعطي، وأنا فيما أعطي لا أعطي ولكنني قاسـم فيما أعطي، وحتى في هذا إنني من الله مُعطيه، فلا تيأسـوا من سـماحة المعطي واعلموا أن الله ما أَعطى يعطي، وهو له معطي. وما أعطاني ليس إلا مما يعطي.

اجتمع لمحمد على الأرض دنييان وعالمان، عالم حقه وعالم بعثه. ولا أقول دنييان فحسـب - إن أردت أن أكون أقـرب إلى الصدق في التعبيـر والإنصاف في الإبانـة - إنما هي دنا بمعارجها، دنا الحق بمسـتوياتها، بدنا الخلق بتقلباتها، ودنا العلم بتخلقاتها، وهي جـوهر ومعالم وجماع الدنا في أزلها وسـرمدها.

هذه الدنيا الوليدة… هذه الدنيا القديمة الجديدة… هذه الدنيا الشـقية السـعيدة… هذه الدنيـا الطيعة العنيدة… هذه الدنيـا الحمقاء الرشـيدة… هذه الدنيا العاملة الخاملة… هذه الدنيا العالمة الجاهلة… هذه الدنيا إنما هي دنيا الفتق والرتق. هذه الدنيا التي فتقت بروحها من دنيا الحق، وبغلافها من دنيا الخلق، فكانت لهما جماع. هذه الدنيا التي انصدعت بمراد الحق كما انصدعت بمراد الخلق فانقسـم أهلها بين طالب للحـق، وطالب للنفس، وما بينهما إليهما من كائن حائـر… هذه الدنيا بوصفها وعلى حالها جمـاع لدنا مفرداتها وجوه لله، الله فيها رب العالمين. الله فيها رب الرحامين، ورب الشـياطين، الله فيها في عماء عن نفسـه بوجوه له في حيرتها، الله فيها في علم بنفسـه في وجوه له بمعرفتها. الله فيها يبحث عن عبده بعباد هم وجوه له. والعباد فيها يبحثون عن ربهم تقاة وهم وجوه له عن وجه له.

هذه الدنيا التي يجتمع على أرضها الرب بعبده، فيعرف الرب وجها لله، ويجتمع فيها العبد بربه فيُعرف العبد فيها وجها لله.

هذه الدنيا على تفاهة أمرها في ظاهر الدنا، وفي قائم الوجود خطير شـأنها عند العابد، وعند المعبود، وعند الموجد وعند الموجود.

هذه الدنيا التي يتسـمى أهلها باسـم الإنسـان ولا يتصفون بوصفه.

هذه الدنيـا التي إذا ظهر عليها الإنسـان، ودب عليها الإنسـان، وتكشـف لأهلها فيهم معنى الإنسـان وابن الإنسـان بكشـف غلالـة الظلام عن إنسـان قيامه، به أسـفر لقيامهم فيها الرحمن اسـما للإنسـان، وتحجب فيها الإنسـان باسـم الشـيطان، وقام فيها الإنسـان باسـم الدين واسـم الديان، ظهر فيها الإنسـان باسـم الحق، كما اختفي فيها الإنسـان وراء مظهر من البهتان.

هذه الدنيا التي تلون فيها الإنسـان بألوانه، وتعدد فيها الإنسـان بأكفانه، من أبدانه.

هذه الدنيا التي هدأ فيها الإنسـان فبعث بنوره وسـلامه، والتي انفعل فيها الإنسـان فقام بناره وقوته، وحرارته وقسـوته.

هذه الدنيا التي خمد فيها الإنسـان فظهر بظلامه وترابه، فتنزلت عليه الملائكة والروح من كل أمر في سـكون ليله.

هذه الدنيا التي سـعدت بالإنسـان يوم نزل عليها ماء الحياة من المزن، يُحيي الأرض من الأبدان تهتز فتربو، فتتخلق، فتوجد، فتتواجد أحوى بالحياة، في مظاهر من غثاء يفنى يسـتعيده تراب الأرض، ولكن يقوم به أود الإنسـان لذات دوامه، وتحيا به قوائم الأبدان في حقيقة ذاته.

فليتأمل الإنسـان مما خلق في دنيا خلقه فيحيا بتأمله في دنيا حقه، وليطلب الإنسـان حقه بحياته، فيتحقق له معناه بإرادته، فريقا للجنة برحمة الإنسـان، وفريقا للسـعير بجبروت الإنسـان، وفريقا للحق بشـرف الإنسـان، وكل ذلك من فعله ومشـيئته، وعلمه وإرادته. هل يسـتوي أصحاب النار وأصحاب الجنة؟ هل يسـتويان وأصحاب الحق؟

هذه الدنيا يشـهد فيها الإنسـان أن لا إلـه إلا الله، ويؤمن فيها الإنسـان أن الله أكبر منه، وإن كان إلـها، وإن كان من الله، وإن كان إلى الله فالله أكبر، ويعلم فيها الإنسـان أن العبودية لله في السـموات والأرض هـي شـرف الإنسـان، وأن الإنسـان ما عرف من الأكبر من الرحمن إلا نفسـه رسـولا من عبد من عنوان، هو له رفيق وهو له صديق، يدرك بمحبته أنه له في الحب رفيقه، والرفيق الأعلى في الله رفيقه، فحال الرسـول ناطق ما أنا لكم إلا رفيق: أقربكم مني منازل يوم أسـفر بوجـه الحق بينكم لكم، يـوم قيامي وقيامكم به، أقـربكم مني منازل أحاسـنكم أخلاقا… يوم ينقطع كل نسـب وحسـب إلا حسـبي ونسـبي وسـببي وصهري… (أقربكم مني منازل، في هذه القيامة أحاسنكم أخلاقا، الموطؤون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون)[٥]، والله من ورائي ومن ورائكم محيط… (من رآني فقد رآني حقا)[٦]… من رآني فقد رآني ما يطلب من الله من الحق… من رآني فقد رآني معشـوقه ومحبوبه ومراده من الله.

إنني له وجهه، وإني قد أُمرت أن أصبر بوجهه وهو معناي منه، لا تعدو عيناي ولا حسـي عمن يطلبون وجهه. {واصبر نفسـك مع الذين يدعـون ربهم بالغداة والعشـي يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحيـاة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا}[٧] يشـهدونه فيَّ به فيهم.

فما يكون الحق يوم عَلِمَه محمد فعلَّمه، يوم تعارف إلى محمد فعرَّفه، يوم تكشـف لمحمد فكشـفه، يوم قام بمحمد ففي قومه قامه، يوم أسـفر لمحمد فأسـفر به، يوم تكلم إلى محمد ثم تكلم منه، يوم نادى محمدا ثم نودي إليه منه، يوم لبـاه محمد ولبى منه، الله من ورائهم محيط؟ الله {قائم على كل نفس بما كسـبت}[٨]، الله معهم أينما كانوا. الله معهم في السـماء، ومعهم على الأرض، ومعهم تحت الثرى. إنهم في الثرى يولجون، وإنهم في السـماء يعـرجون، وإنهم على الأرض يدبون وهو معهم، وما عرجوا ولكن عـرج الله، وما دبوا ولكن دب الله، وما ولجوا ولكن ولج الله، إن الله معهم أينما كانـوا {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}[٩]. {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم}[١٠]، {حشرناهم فلم نغادر منهم أحدا}[١١]، رفعنـاهم طبقا فوق طبق، وبعثناهم على الأرض طبقا بعد طبق.

إنا باعثوهم وإنا رافعوهم بميزان وضعناه، وفي منهاج رسـمناه، وفي طريق سـلكناه، وبقانون شـرعناه، فنحن باعثوهم بقدر ما نحن منشـئوهم، ونحن منشـئوهم بقدر ما نحـن مولجوهم، ونحن مولجوهم بقدر ما نحن رافعوهم… لا جديد في الحق. السـاعة في يقظتهم والقيامة في قيامهم من غفوتهم. والموت والسـكون في رقدتهم، والحياة والنشـور في صحوتهم، والبعث في موالدهم بالحيـاة في المادة والروح، والخلق في ردهم بموالد المادة أو بموالد الروح، والجنة في رحلتهم والنار في قعدتهم.

إن الله بفعله ثابت صمد. وفي وجوده بوجوده ووجودهم واحد أحد… يتوالدون فيه ولا يولد، ويلدون منه ولا يلد، ويتواجدون به ولا يتواجد، ويغيبون عنهم إليه ولا يغيب، هو الشـاهد والشـهيد، هو المراقب والرقيب، هـو الوالد والوليد، هـو معناهم وهو المنزه عن إياهم. ما علّـم معلم إلا فيه، وما تكشـف علم إلا به، وما اُنتفع بعلم إلا في معرفته، وما قام قائم في الناس برحمة إلا كان مُعلّمُه وقائمه، وكان معاني الرحمة معه، ومعاني الرحمة له، ومعاني الرحمة منه.

إن البحث عن الله كفر بالله، وابتعاد عن الله، وتضييع لله، وحرمان من الله… (إن الله معك)… هذه بديهية، وهذه قاعدة أولية. (إن الله معك) فلا تبحث عنه بعيدا عنك، ولكن ابحث عمن كان الله معه مسـفرا له بمعيته، يراه ويسـمعه، حتى تكون منه على مثال… وتصبح بصحبته من حاله على حال. فالله واقع وعلم فمن طلبه بالعلم فقد باعده بالواقع.

إن المنشـود للناس لينشـدوه إنما هو عبد الله ورسـوله.

{الرحمن فاسـأل به خبيرا}[١٢]، {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقـوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}[١٣]. محمد سـبيل الله بينكم دعاكم ويدعوكم على بصيرة متكاثرا لا ينقطع متواجدا لا يغيب. إنه عبد الله وإنه عباد الرحمن الذين يمشـون على الأرض هونا. إنهم معناه وهو معناهم. إن الصلة بهم صلاة، وإن القيام بهم بعث، وإن تواجد امتدادهم في الذات رحمة، وإن رؤيتهم للقلب قيامة، وإن روابطهم فـي الله سـلامة، وإن بعثهم في الذات سـاعة، وإن التوحد معهم هو توحد مع الله ودخول في الله وحدانيته بلا إلـه إلا الله؛ لأنهم توحدوا مع من هو من معناهم متوحدا مع من هو من معناه في اللانهائي بالله، الذي لا يدرك مداه ويدرك قائمه ومعناه، في العظيم والأعظم والكبير والأكبر من إنسـانه ومصطفاه.

فالذات الأقدس منشـود المسـلم، وما الذات الأقدس إلا الرفيق الأعلى لرسـول الله، وهو إنسـان الربوبية لإنسـان معناه. وما الرفيق الأعلى إلا اسـم الله، إلا اسـم الله الأعظم، سـبح اسـم ربك العظيم، سـبح اسم ربك الأعلى. وجديد الرسـول يجعل قديمه الرفيق الأعلى في دوام تواجده أمة من الشـهداء هو عليها شـهيد، كلها رسـول الله.

إن معراج التطور في النفس بطلب المثل الأعلى من النفس للنفس في عالم النفس حيثما كانت، إنما هو طلب الله - إذا قيل إن الله يُطلب - أما الله في حقيقة الأمر فهو مع الأعلى على ما هو مع الأسـفل والأدنى، وأن الفارق بين أسـفل كائن من العوالم السـفلى مع أعلى كائن من الكائنات العليا في اللانهائي سـاقط. إنهما متلاقيان فيه وجها لوجه. إنهما متلاقيان في الموجود اللانهائي بعظمته، اللانهائي بقدرته، اللانهائي برحمته، اللانهائي بإفاضته، اللانهائي بقربه، اللانهائي بقيامه، وجها لوجه.

إن اللانهائي جمع ووحد بين الشـيطان وبين الرحمن، وجعلهما فيه في صعيد واحد، فأمهل الشـيطان واسـتمهل الرحمن حتى يقضى بينهما في قضائهما هما لنفسـيهما على نفسـيهما… فيقضي الشـيطان على نفسـه بغفلته في توبته عن مواصلة عمله في بشـريته، ويقضي الرحمن لنفسـه برحمته في قضيته للحق في نصرته، لأن الله اللانهائي المؤدب في لانهائي تأديبه، ما حكم كائنـا فيه في كائن فيه، وما ظهر هو بالتحكم في كائن فيه إلا بوحدانيته.

هذا الوعي وهذه المعرفة هي ما جاءنا بها رسـول الله يوم جاء الأرض بنظام المجيء إليها من التوالد من أهلها رافعا القنـاع أو مسـفرا بحقه وأنه ليس بغائب عنها. فإذا بحثتم عنه في الناس كنتم العبـاد الذين يبحثون عن ربهم، وأنه من خلف قناعه الشـفاف ينظر إليكم فهو يحجبه عنكم ولا يحجبكم عنه، ويناديكم هل من مسـتغفر فأغفـر له؟ هل من مسـترحم فأرحمه؟ إنه رب يبحث عن عبده في الأرض. (رب أشـعث أغبر لو أقسـم على الله لأبره)[١٤]. وما الأشـعث الأغبر إلا هو. وما كان الذي يقسـم على القانون فيبره إلا هـو. بعثه الأعلى من اللانهائي وشـفَّعه، وأراده لنفسـه فوحـده، وأراده للناس فخلفه، وأراد الناس أن يكونوا على معناه فأرسـله أسـوة ورحمة للعالمين…

فيوم اجتمع محمد على بشـرية هذه السـفينة الأرضية مسـفرا، ما كان إلا اجتماع دنيا حقه على دنيـا الناس من هذه الدنيا من دنا ربه في عالم محيط. وإنه اليوم إذ يجتمع عالم الروح بأهل هذه الأرض، فيجتمع باجتماعهما دنييان من دنَا الله وعالمان من عوالم الله، مبعوثين في عالمنا برحمة الله، وبمعرفة الله، وعلم الله، وبقدرة الله، وبعظمة الله، وبقرب الله، وبرحمة الله يُعلمون أرضنـا ويغزونها… يقهرونها ويتألفونها، يسـتعمرونها ويحررونها، يطأونها وعلى أكتافهم يرفعونها. إنهم يجددون معركة صدر الإسـلام وسفين الإسـلام ورسـالة الإسـلام يوم جاء محمد سـافرا من دنياه إلى دنيانا، وقد كتب عليه وقومه القتال حتى رفع أمره، يوم تم النصر للمؤمنين بفتح مكة دون قتال.

هذا هو الحق… وهذا هو الدين… وهذه هي المعرفة… وهذا هو الفقه لمن أراد أن يتفقه في الدين، فليحمل نفسـه إلى سـاحة الحق من سـاحة الروح في رسـالتها. فليعتبر نفسـه في الدنيـا غريب. وليعد نفسـه الآن من الموتى. وليتلقى الموتى ليُبعثوا خلال أرض قيامه، وليتـلاقوا بكريم معانيهم مع قائـم معانيه… وفي هذا خلة الله وخلة الرحمة، وفي هذا محبة الله، وفي هذا مرضي الإيثار كما فيه مغفور الأثرة في الله.

إن أرض النفس من هذه الذوات هي ما أشـير إليه في كتاب الله {إذا زلزلت الأرض زلزالها}[١٥]. إن قراءة النفس لصحائف قيامها من قديمها، وهي به مبعوثة موجودة، هو ما تخرج من أثقالها وقد تجسـدت أعمالها فيُشـده الإنسـان ويُبهت، وقد يتبين له ما قدمت نفسـه وما أخـرت، ويتبين له مثقال كل ذرة مما عمل مما هو به قائم من خير أو شـر يشـهده ويراه، مبعوثا أمام ناظريه بكشـف الغطاء عنه لمعناه يقرأ نفسـه… يقرأ كتابه. فإن قرأه مأخوذا بيمينه فقد عمل وقد اسـتحق وكان له من الله خير. أما إذا أخذه بيسـاره أو بشـماله فقد وجد نفسـه من عمل غيره ولا عمل له. إنـه يمين غيره ولا يمين له، فهو العدم بعمله وهو الفناء بوجوده ما ربح شـيئا وما أوجد شـيئا وما خلق شـيئا. يا ليتها كانت القاضية. يا ليتني لم أدري ما حسـابي! يا ليتني لم أتلقَ كتابي!

إن الإنسـان في حجابه من نفسـه، وفي حجابه من أمره، إنما هو في فرصة سـانحة، وفي حياة قيمة صالحة، إن عمل وكسـب وربح. ومن هنا يعـرف الإنسـان أن حياته في حجابه من نفسـه إنما هـو في رحمة الله، وإن كشـف الحجاب عن نفسـه إنما هو من قضاء الله. فمن عرف ذلك فلا يسـتعجل الفتـح… لا يطلب الفتح… لأن الفتح هو انتهاء وتصفية الماضي إلى الحاضر من أمر الإنسـان، وخير للإنسـان أن لا يعرف حتى يواصل الحياة، وحتى يواصل الفرصة والكسـب. ويكفيه فتحا أنه لا يرهب الموت ويذهب عنه الجزع منه.

إن الحسـاب أنت مقيمه إن شـئت فعملت على فتح نفسـك لتعرف ما فيها من أمرها مما صنعت بتقدير عقلك. أما إن جاهدت نفسـك على تعرف الخير وعمله، وتعرف الشـر وتجنبه، وعملت لمسـتقبلك من حاضرك، وعلمت حاضرك بعث قديمك، فأنت في يقين من حاضـر بعثك، به تصبح على يقين من عودتك مبعوثا بعملك. {واُعبد ربـك حتى يأتيك اليقين}[١٦]، {وبالآخرة هم يوقنون}[١٧]. إن أيقنت أنك بحاضرك خلاصة قديمك فأنت على يقين من الآخـرة، فأنت تعيش فيها لأنك مبعوث بها من سـابق حياة. فأنت على يقين بأنك اليوم مبعوث، فاعمل على أن تربـح في بعث جـديد من يوم جديد، ما لم تعمل له في قديمك فلم تجده في حاضرك مما تحب أن يكون لك.

إن يوم الفصل أحقاب من قرون. إن يوم الفصل كان ميقاتا للطاغين مآبا لابثين فيه أحقابا. إن الإنسـان لا يتعارف إلى نفسـه، فيفصل في أمر نفسـه، إلا في أحقاب من السـنين سـماها الله يوم الفصل. فأهل الأزمنة السـابقة كعصر الفراعنة أو عصر عيسـى أو عصر محمد إنما يقضون في حياتهم أحقابا من السـنين وهم ينتظرون هذا اليوم وهم في هذا العصر في أمر أنفسـهم ينظرون فيحكمون هم على أنفسـهم، ويتصلون بأبنائهم وآبائهم من أهل الأرض بما أصبح من معارفهم.

وقد كان جميلا رائعا أننا تلقينا في الأسـبوع الماضي حديثا من بوذا يحكم فيه على نفسـه… يحكم فيه عليها بمعرفته لما فاته وما غفل عنه في حياته الأرضية ولم يعوضه بعد… ويقـرر كيف أنه يطلب العودة إلى الأرض مرة أخرى ليسـتكمل ما فاته من أمر نفسـه، وأنه يبحث عنها اليوم فلا يجدها لأنه لم يحيها وإن أحيا بها، ولكنه يريدها ليحياها تحت قيود الزمن وتحت قيود المكان، لأنه ظن الله فـوق المقيدات وبعيدا عنها، فهو الإطلاق، وانطلق فإذا هو لا يجـد نفسـه، وكان يقدر في وجوده المقيد أن الناس في تقيداتهم وقد سـرى فيهم كانوا نفسـه لأنه عـرف المطلق دونهم، فوجد بعد انطلاقته أن مقيدات الناس ما كانوا إلا عين المطلق الذي كان يطلبه، وأنـه كان عليه أن يتعلم منهم كما تعلموا منه. كان عليه أن يتواصى بالحـق في نفسـه كما هو في أنفسـهم، فما كان واقعهم بعيدا عن واقعه في المحيط الجامع لهما. ولكنه تواصى بالحق في نفسـه دونهم وفاته أن الحق الذي معه كان هو الحق الذي هو معهم… فلم يتواصَ به معهم وبذلـك أعطاهم نفسـه بحقها وعـاد ليبحث عنها فيهم منه فلم يجدهم فيه ولم يجدها له فيهم. لم يجدها له لأنه أعطاها لهم، فأخذوها منه ولم يعطوه أنفسـهم ليكونوه فيكونهم بتنزيهه عنهم، فلم يبعث فيهم ولم يبعثوا هم فيه. وبذلك فني في الإطـلاق دون التقييد. هذا شـق من الدين وليس الدين كله، وهو الآن يريد أن يعود إلى الأرض ليكمل دينه وليكمل نفسـه وهو الآن يطلب وينتظـر إجابة الله لطلبه. هذا حكم كريم، وعلم سـليم، وهو علم عن السـاعة ما أجمله، وعلم عن الله أكبر وأرحم ما أكرمه. يتجدد به دين الفطـرة وعصرها وتعاليمها ويقوم به بيانها.

إن ما نعيش فيه اليوم وفي هذا الزمان من رسـالة الروح، ومن وصلة الروح، ومن محبة الروح، ومن القيام بالروح، ومن السـريان مع الروح، والعروج مع الروح، أمر جميل وعظيم، وهو تجديد لرسـالة السـماء مع محمد…

فكيف يسـتقبلها قوم محمد؟ هل يقبلها قـوم محمد؟ هل يرتضيها قـوم محمد؟ أم أنهم يبقـون على حالهم وحال آبائهم من رؤيتها في مقابر الموتى دون أرواحهم، وفي تربيب أموات النفوس على نفوسـهم، وفي التلبية لكل ناعق بادعاء يدعيه، أو بوصف يسـتهويهم به يسـتهوونه.

متى يسـتيقظ النـاس إلى أن الله معهم، وأن الله بعثهم، وأن الله روحهم، وأن الرب فيهم، وأن الرسـول معهم، وأنهم من الله وإلى الله؟

نسـأل الله لنا ولهم الهداية، ونسـأل الله لنا ولهم المغفرة، ونسـأل الله لنا ولهم التـوبة، ونسـأل الله لنا ولهم الرجعة، ونسـأل الله لنا ولهم السـلام، ونسـأل الله لنا ولهم السـكينة، ونسـأل الله لنا ولهم الأمان.

اللهم اغفر لنا وتب علينا وارحمنا. اللهم خذ بنواصينا إلى الخير. اللهم ألقنا على ما تحب وترضى ممن أحببت ورضيت. اللهم كن لنا فيما أنت فيه كائن لنا، لا على ما نريد ولا على ما نحـب ولكن على ما ترضى أنت، لا على ما نرضـى نحن لأنفسـنا، وعلى ما تختار أنت على ما تختاره لنا لأنفسـنا.

لا إلـه إلا أنت ولا معبود ســـــواك.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الرحمن – ١٩، ٢٠ ↩︎

  2. إشارة إلى الحديث الشريف: “مالي وللدنيا إنما مثلي ومثلُ الدُّنيا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرةٍ ثم راحَ وتركها.” أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد. ↩︎

  3. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  4. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  5. حديث شريف: “إن أحبكم إليّ أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إليّ المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة”. أخرجه أحمد والطبراني وابن حبان. ↩︎

  6. حديث الشريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎

  7. سورة الكهف - ٢٨ ↩︎

  8. سورة الرعد - ٣٣ ↩︎

  9. سورة الرعد - ٤١ ↩︎

  10. سورة ق - ٤ ↩︎

  11. سورة الكهف - ٤٧ ↩︎

  12. سورة الفرقان - ٥٩. ↩︎

  13. سورة سبأ - ٤٦ ↩︎

  14. الحديث الشريف: “رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طِمرَينِ، مُصفَحٌ عن أبوابِ النَّاسِ، لو أقسمَ على اللهِ لأَبرَّه.”: أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) بلفظه، وأصله في صحيح البخاري ومسلم بنحوه. ↩︎

  15. سورة الزلزلة - ١ ↩︎

  16. سورة الحجر - ٩٩ ↩︎

  17. سورة البقرة - ٤ ↩︎