(٢٤)
صلاة
جمعة القيام
ويتيمة الصيام
حديث الجمعة
٣٠ رمضان ١٣٨٠ هـ - ١٧ مارس ١٩٦١ م
أسـتغفر اللـه اسـتغفارا أرجو برحمته أن يشـملني ويشـمل النـاس جميعا. وأحمده تعالـى حمدا برحمته أرجـو أن يشـملني ويشـمل الناس جميعا. وأسـتعين به اسـتعانة أرجو برحمته أن تكون عونا لي وللناس جميعا.
عبـاد اللـه: اذكـروا الله كثيـرا في أنفسـكم، وفيما حولكم، وتأملوا أمره في أمركم، وتأملوا قدرته في خلقكم، وتأملوا رحمته فيما يحيط بكم من حياتكم. لا تبتعدوا كثيرا عن حاضركم، متأملين، قارئين، متتبعين. واعلمـوا أن الحاضـر - وأنتم تبيتون فيه وتصبحون وتقيمون فيه وتغـدون - إنما هو عيـن أمسـكم، وإنما هو عين غدكم. فلا تباعدوا بينكم وبين حقائق اللـه بالمباعدة بينكم وبين حاضركم متبصرين مدركين.
لو اطلعتم الغيب من أمركم لاخترتم الواقع من قيامكم. ولو عرفتم أن غدكم إنما هو عودتكم ليومكم، وأن أمسـكم كان قديما من حاضركم وقيامكم، وأنكم بهذا الحاضر المدرك المشـهود لكم أرواح مخاطبة من أصلكم وإنسـانكم بألسـت بربكم! مجيبة ملبية بمراده فيما أراد بها من حكمة خلقها وإيجادها… لبت كلها ببلىَ عن بكرة أبيها، وأن بعثها من أمسـها ما هو إلا قيامها بيومها، وأن بعثها في غدها ليس أكثر من تواجدها مرة أخرى على صورتها من قيامها، على مثال مما جاءت به في يومها من أمسـها، لا تغيير ولا تبديــل. {صبغة اللـه ومن أحسـن من اللـه صبغة}[١] قيامتها في كشـف الغـطاء عنها، وسـاعتها في يقظة الضمير منها. والإنسـان بين خلق وحق. فهو في لبس من خلق على ما خلق في يومه بأخلاق أمسـه من حقه. وهو في حق ما تحرر من حاضر خلقه إلى حق أمسـه بالحق في غده من خلقه… فإذا قدرت له إلى الأرض عودة كانت له على ما هيأها عودا بحق أو عودا بخلق… فإذا عاد بحق - وهذا هو القليل النادر - كان صاحب دعوة وصاحب رسـالة وصاحب معنى. وإذا عاد بخلق كان صاحب مجاهدة أو صاحب معاندة. فإذا عاد بحق ظهر في مجاهدة ميسـرة، وعاد في حياة موفقة، وعاد في يقظة محققة. فإذا تحجب بخلقه عن حقه واصل حياة من المعاندة، وقياما من المكابرة، وصورا من الغفلة. وهو في غيبته حتى عودته في نعيم عمله أو جحيم غفلته.
هذا هو الإنسـان في شـقيه من الخلق والحق، وفي داريه من الغيبة والعود. يعمل في دائرة مجاهدته أو في دائرة مكابرته ومعاندته بنظامه الذي تشهدون… فردا في أسـرة ورأسـا لأسرة… فردا في أسـرة من الحياة المادية ورأسـا لأسـرة من الحياة المادية… فإذا صلح بشـقيه من أسـرة انتسـابه وأسـرة اكتسـابه صلح للحياة الحيوانية، صلح للحياة الدنيوية والحياة الأخروية… صلح للحياة… صلح لوصف البشـرية… صلح لوصف الإنسـان… في أي صورة ما شـاء ركبه، إنسـان ربوبيته.
إذا عرفنا ذلك… عرفنا أن عنوان المحبة الرتق في الحقيقة، وعنوان المسـغبة هو الفلق في الخليقة، وكانت المعرفة إنما هي في اجتماع كائنين في نجوى عنه ومحبة له… في مجال خلقهما وفي مجال حقهما، يثمر اجتماعهما ثالثا لهما من مجاليهما من حقهما ومن خلقهما… فهم في خلقهم بإثمارهم شـجرة من نواة تجمعت أجزاؤها وارتفع بناؤها وقد طابت كلمتها… وما كلمتها إلا كلمة اللـه، إلا ذكر اللـه، إلا النجوى في اللـه رابع ثلاثتها بأحدية حقه في وحدانية هذا الثالوث الخلقي من الخلق.
البيت… البيت… المؤسـس… البيت المتجمع… البيت ذي اللبنات من الناس… البيت ذي الوحدات… البيت ذي الأركان… البيت الذي هو عنوان البناء، وعنوان البنيان، وعنوان الباني… ثلاثة رابعهم كلبهم، وثلاثة رابعهم ربهم… ثلاثة ليسـوا بثلاثة ولكنهم واحد جمعته المحبة… قاموا أمرا للـه وجددوا وحدانية خلق للـه بحيوانية أنشـأوها على حقية حققوها. فمثل الكلب بأمانته وأنفه مظهر الحيوانية لهم… وقام اللـه بحق الوحدانية بهم عليهم.
إن الإسـلام تكلم وعرَّف، وأمر، ووجه، وهدى في أمر اجتماع الناس على من يؤمهم، وفي أمر اجتماع الناس في كل أسـرة على من يقدمهم، وفي أمر اجتماع الناس من ذكر وأنثى بما شـرع وعلى ما رسـم ليكونوا زوجين في اللـه… فيه يتناجيان وبرحمته وبعطائه يتناسـلان… في الدوحة الأزلية للإنسان… لا بدء لها… اللـه بدايتها ولا بدء له… ولا انتهاء لها… اللـه نهايتها ولا انتهاء له.
القيامة إنما هي في قيام الحق على مفرداتها، وعلى أسـرها، وعلى مجتمعاتها. القيامة إنما هي قيام الحق في أنديتها… في سـرها… في نجـواها… في علنـها… في جهرها… في فعلها… في قولها… فـي انقطاعها… في التئامها. عذابها في فرقتها وفي تقطع الأسـباب بين مفرداتها، في تجاهل وحدتها من قيامها - جزاء فعلها وجزاء إرادتها -.
ليس هناك من مجهول عليكم بعيدا عما هو كائن بكم. إن بدء الحياة على ما تشـهدون في إدراككم كيف بدأتموها، وانتهاء الحياة فيمـا تشـهدون كيف تنهونها. وإن البعث إنما هو في عودتكم إليها… وإذا عدتم إليها فأنتم بين مكرمين وبين مهانين على ما تشـهدون من كرم أو هوان في أنفسـكم فيها.
إن الذين خدعوكم بجهلهم وكتبوا كتابا بأيديهم وحرفوا الكلم عن مواضعه، تحدثـوا إليكم قبل أن يتحدثوا إلى أنفسـهم. تحدثـوا وقلوبهم لم تصغَ… تحدثوا وعقولهم لم تسـتنر… قاموا على الناس وهم غبار الأرض أصاب العيون بالأذى، وحجب عن أهل الأرض أضواء السـماء وصفاء السـماء… وحقائق السماء، ووجوه السماء بينكم تُرى في صفاء النفس، وفي جلوة القلب لراءٍ عكس بصره في بصيرته فرأى، وتأمل في نفسه فوعى، ولم يفرِّط في أمره فرعى، جامعا جوارحه على وجدانه من عقله وبنيانـه، جامعا غيبه على حسـه، وماضيه على حاضـره من أمره… لم يكن أمـره فرطا، لم يفرط في أمر نفسـه، وعلم على ما علَّمه المعلِّم - أن اللـه قائم على كل نفس - وعلم أنه بقيام اللـه على كل نفس كان لكل نفس قيامتها ودنياها، وآخرتها وحسابها، وعقابها وجـزاؤها وعطاؤها… جنتها فيها ونارها منها… قطوف الجنة دانية ما جناها وألم النار مبرزا ما أدركه.
إن الذين غيبوا حقائق الأديان عن عباد الديان ضل سـبيلهم وأضلوا فما كسبوا إلا ضـلالا لأنفسهم وضلالة للناس. إن الذين أمروا ولا معروف لهم، ولا معروف في أمرهم، ولا معروف في قلوبهم، ولا معروف في عقولهم، ولا معروف في نفوسـهم، إنما يدعون إلى جبلتهم من تـراب الأرض، وإلى كتاب أنفسـهم من إدراكهم، ولا مصـدر للإدراك فيهم. هم شـياطين الإنس يعوذون في أمرهم بمثالهم من شـياطين الجن. وحيهم العزة والغرور ووصف فعلهم الفجور. لا يريدون أن يحكموا على أنفسـهم ولكنهم يريدون أن يحكمـوا على الناس وهم نيـام لم يسـتيقظوا بعد.
إن اجتماع كائن بشـري اكتسـب وصف الكينونة البشـرية علـى كائن بشـري اكتسـب وصف الكينونة البشـرية وهو أمر في الإنسـان - إذا تم هذا الاجتماع بهذا الاتصاف - كان الأمر أمرا جللا… لأنه اجتماع عالمين… لأنه اجتماع أمرين للـه… لأنه اجتماع حقين فـي اللـه… لأنـه اجتماع شـقين من حقيقة… فيها اللـه بمحبته.
يوم اجتمع عبد اللـه بآمنة، ويوم اجتمع محمد اللـه بخديجة، ويوم اجتمع العليُّ في اللـه بنفسـه في فاطمة، هذا الثالوث من التجمع المتعاقب، هذا الثالوث من التجمع المحيي لأسـر بعثه، أحيا اللـه فيه بعبد اللـه وآمنة قريشـا، وأوجد به فيها أمرا، وجعل به لها رزقا، وجدد فيه لقديم الإنسـان بيتا.
ويوم اجتمع محمد بنفسـه تتكامل في خديجته تبحث عن كمالها، وتفكر في حقي شـقيها، وتواصل تجربتها وتسـعى هي لبعلها، جدد بها في الإنسـانية أمومـة… أمومـة شـاملة راحمـة… أمومة كاملة. جمـع فيها باجتماعها على بعولتها من الخلق في سـبق أزواجها، وعلى بعلها من الحق بختام ازدواجها، فكانت عنوان الرحمة الكاملة، وعنوان الأمومة الواسـعة الشـاملة… أم أبنائها… أم بناتها… أم ذريتها… أم حقائقها. كانت بدءا يظهر على الأرض ولا يلبث أن يختفي عودا إلى عالمها… إشـعارا بوجودها وتدريكا بأمرها…
فكان الرسـول بها رحمة للعالمين حقا، وكان للأمومة الكاملة بعلا وللناس أبا، فكان بذلك لحق في اللـه بدءا، ولعالمه الوليد تجديدا لقديم مما هو فيه بوصفه عبدا للـه. فكان بجديد عبوديته لقديم عبوديته إلى مجددها منه رسـولا للـه. منه تواجد الرسـل في أمته بعثا، وجوها له - وبه عمل الرسـل في أمته أيدي له، وبه سـار الأئمة في أمته أقداما له.
هذا هو رسـولكم… هذا هو نبيكم… هذا هو إمامكم… هذا هو فرطكم على الحوض. ينسـب جهلاؤكم له شـفاعة من وضعهم وينكر جهلاؤكم عليه الشـفاعة بجحودهم. وما شـفاعته إلا إدراك قيامه في جدته منكم بينكم لتكونوه. وقد جدد نفسـه بينكم قبل أن يفارق، وجددت نفسـها قبل أن تفارق، جددها بالعليِّ من صحبه… جددها بعَلىٍّ من صحبه - بعلا على مثال من بعولته - جددها بفاطمة من نفسـه على كمال من خديجة، في تجديد خديجته… تجدد برجولته وأبوته، وتجدد بأنوثته وأمومته… تجدد بإمامته، وتجدد برحمته… في زوجين تأسـس بهما بيت له، كما تأسـس به وبخديجته بيتا لأبيه، كما تأسـس بأبيه وأمه للـه بيت جديد من قديم فيه فكانت مفردات أمره ليسـت مفردات من الناس، ولكنها مفردات من البيوت ترفع وتوضع حتى يكون لكم به أسـوة، وحتى يكون لكم بالانتسـاب لأمره عزوة، وحتى تكونوا إن صدقتم فيه مفردات في بيت وأسـرا في بيوت. لقد كان في اللـه جماع كلمات، وعقد آيات، وكتاب بينات.
هذا دين القيمة… هذا دين كمل للناس به أمرهم، وقيامهم، وشـأنهم، وغايتهم، وصرحهم، وهدفهم، ورجاؤهم.
كلكم راع… خيركم خيركم لأهله… كلكم أبناء للإنسـان… كلكم اللـه قائم على كل نفس منكم… اذكروا ربكم في أنفسـكم، بعثكم، قيامتكم، جنتكم، ناركم، حسـابكم… فيكم. ربكم فيكم من بينكم، وإلهكم عليكم منه أنتم. حاسـبوا أنفسـكم، موتوا قبل أن تموتوا. إن غدكم سـوف لا تجدون فيه إلا محاسـبتكم لأنفسـكم، وقيامكم بأنفسـكم في أنفسـكم على أنفسـكم. جل اللـه عما تصفون فإنه لا يوصف، وعز على ما تتصفون فإنه لا يتصف. إنه قريب أقرب إليكم من حبل الوريد. ولكنكم تجهلون أو تتجاهلون… وهو الأكبر مما تتصفون، وهو الأكبر مما تقومون، وهو الأكبر مما تصدقون، وهو الأكبر مما تتطهرون، وهو الأكبر مما تتطورون. إنه الأكبـر دائما وأنتم بالعبودية له الأصغر دائما وبغير العبودية له لا تتواجدون. وأنتم في صوركم من عوالمكم اليوم ما تخلقتم وما خلقتم إلا بما تتخلقون وبما تصنعون… مثقال ذرة من خير ترونه ويراكم، ومثقال ذرة من شـر ترونه ويراكم. إنكم من عملكم تتواجدون على ما تتهيؤون، فإلى أي أهل بيت تنتسـبون؟ وإلى أي أهل تدعون؟ أإلى أهل الرحمن عبادا للرحمن تدعون؟ وأبناء للإنسـان تتواجدون؟ أم مع الشـيطان بعزة تعتزون؟ وعلى العزيز به في الخلق تتعالون؟ فأسـرة الشـيطان تنسـبون؟ وبيته تطوفون وتدخلون!
إلى متى عباد اللـه لأمر اللـه تتجاهلون؟ وللحق في قلوبكم تغيِّبون وعنه تغيبون وهو معكم وما تدركون؟ اذكروا ربكم في أنفسـكم أيها المسـتيقظون وعنه لا تغفلوا. فإن فعلتم فإنكم إياه معكم سـوف تجدون وبقليل من الجهد له تدركـون. يظهر لكم فيكم باعتقادكم فيه فلا تُصعقون، كما صعق في مشـهده الأولون.
هذا هو الحق… هذا هو الدين… هذا هو الإسلام… هذا هو اليقين… فإلى متى نغفل؟
نسـأل اللـه أن يوقظنا إلى أمره، وأن يهيئنا في أمره، وأن يقومنا بأمره، وأن يقيمنا في الناس على أمره. نسـأل اللـه أن يبعد عنا فتنة أنفسـنا، وجحود أنفسـنا، وضيق أنفسـنا، وجهل أنفسـنا، وقنوط أنفسـنا، ويأس أنفسـنا، واسـتعلاء أنفسـنا على ضعفها، وأن يجعل منا نفوسـا طليقة برحمته، مدركة طيعة لأمره، متقبلة لفيوضات حكمته.
لا إلـه غيره ولا معبود سـواه واللـه أكبر.
اللـهم ولِ أمورنا خيارنا ولا تولِ أمورنا شـرارنا بما كسـبنا. اللـهم وفقنا وسـدد خطانا، واهدنا سـبيلنا، وخذ بيدنا، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، أئمة ومتابعين.
أضواء على الطريق
(عندما بدأنا عملنا، احتقرنا الناس وأشـار أصبع الازدراء إلى مجهوداتنا الهزيلة، مسـتهزئين، سـاخرين، قائلين (مديرو المناضد) ولكنها كانت جزءا من عمل جبار، وببطء نما تأثيرنا وانتشـر. وكل الذين أمروا في دنياكم بتحمل الخدمة الرفيعة في جنبات الحياة جئنا بهم إلى دائرة تأثيرنا. اخترناهم لأننا عرفنا أن شـهادتهم سـوف يحتـرمها الجميع إلا الذين عميت عيونهم بالتعصب وحُجبت بصيرتهم بالخرافات).
من هدي السـيد الروح المرشـد (سـلفربرش)
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة البقرة - ١٣٨ ↩︎