(٢٥)
عيد
حديث العيد
١ شوال ١٣٨٠ هـ - ١٨ مارس ١٩٦١ م
عيد… عيد قديم في جديد. عيد… عيد جديد في قديم.
عيد… عيد ظاهر من غيبه. عيد… عيد غيب من ظهوره.
عيد… عيد الآباء في الأبناء. عيد… عيد الأجداد في الأحفاد.
عيد… عيد الإنسـان إلى ربه. عيد… عيد الرب إلى عبده.
عيد… عيد قديم الزمان في حاضر الزمان من حياة الإنسـان.
إن العيد لمن لبس الجديد، لمن لبس الجديد من أمره، لمن لبس الجديد من وصفه.
إن العيد لمن جاهد نفسـه فغيرها، أماتها فأقبرها، ثم طلبها فأظهرها، ثم تعهدها فأحياها، أنارها فزكاها ثم نشـرها فأرضاها.
إن الإنسـان يدور حول نفسـه، ولا يدور بنفسـه في دائرة أمره. إن الإنسـان يجهل معناه كإنسـان فيغيب عن وجوده مولاه، وهـو معه حيثما كان، وأينما كان، ومتـى كان. قائم على كل نفس، أقـرب إلى كل نفس من حبل الوريد، من وراء كل نفس محيط، كل نفس له وجه نضرت أو قترت، أشـرقت أو غبرت… إنها وجهه.
إن الإنسـان يسـعى ويكدح ليعرف، ليعرف له بيتا، إذا اسـتيقظ منه العقل، واسـتيقظت منه النفس. فهل فكر - وهو النائم الشـارد - في بيت يأويه؟! هل أحسـن الظن في بيت بوصف بيت الحق له، بيت المأوى له، فطافه حتى يسـتجليه؟! لو فعل لهدي لبيت الحق فعرفه، فطافه، فتحققه فوقف عند بابه باكيا مسـتنجدا لأهله، مسـتعطفا أهله، طالبا اللحاق بأهله، ففتح له الباب فدخله فأصبح من أهلـه، فصلى منه على الناس كما صلى إليه على أهله مع الناس.
هل عـرف النـاس معارج الدين، ومعارج الإدراك، ومعارج الفهم، ففكـروا أن الدين يقـوم على بيت ليتيم، وعلى طعام يقدم من مسـكين؟ وأن الناس إن فعلوا جددوا في البشـرية نسـبهم، وجددوا في الطبيعة انتسـابهم، وجددوا باللـه علاقتهم وإدراكهم؟ الناس نيام لا يقظة لهم إلا بموتهم عن أنانيتهم إلى أنانية مرتضاة منهم ومرتضاة من اللـه من قبل ارتضائهم.
المسـيح… الكلمة… العبد… الرسـول… لمن يمسـح؟ وفيمن يمسـح من هو مسـيح؟ وكلمة من؟ ويعنون من؟ من كان أو من يكون كلمة؟ إن الكلمة ضربت مثلا للمسـلم، بابن مريم في الإسـلام، الذي جعل من كل مسـلم ابنـا لمـريم إذا كان ابنا لفاطمة… أم الأمة وسـيدة نسـاء الأمة، وأم الأمهات من أزواج الرسـول في عصر الرسـول، وفي حياة الرسـول، وفي فعل الرسـول بالنسـبة لأصحابـه، فإذا ما غاب الرسـول قامت الأم أم نفس الرسـول على رسـالة الرسول قامت أم أبيها… أم الناس… زهـراء الجنس… النـاس ثمارها ما صدقوا في اللـه، والكلمات أبناؤها ما وفـوا… روح رسـول اللـه… أم محمد اللـه… بعث آمنة من خلال خديجة… مظهر البعث القريب والبعيد… إنها الثوب الجديد لحواء قد ظهر، وقد عيد، من آدمها مع آدمها، ومن حقيقتها بآمنتها عاد آدمها ووليدها… أم أمها وأم خديج نفسـها.
إن الإيمان بمحمد… إن الإيمان بدينه… إن الإيمان بملته، بشـريعته، بهديه، إنما يقوم على البعث، ويقوم على الإكبار للـه في شـقي الإكبار والتنزيه له، من شـدة قربه حتى لا شـريك له بلا إلـه إلا اللـه، وبعظمة العبودية فيه ذكرا للـه محدثا للناس من ذكر للـه تقادم عن الناس… من اللـه أكبر، لا يدرك ولا يحاط ولا يوصف ولا يتسـمى ولا يتسـم ولا يشـابه… لم يكن له كفوا أحد.
فالناس في دين محمد باحث، فطائف، فطارق، فداخل، في بيت اللـه موضوعا ذكرا محدثا ببيت محمد من بيت مرفوع لذكر قديم بآدم. {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها}[١]. فما أمر محمد أن يعلم طالب علـم، إلا إذا دخل بيته، فيعلمه كيف تكون الصلة باللـه. أما ما بين الناس، أو ما بين أيدي الناس، مما حمل إليهم عن عصره وبلاغه، جيلا بعد جيل، فإنما يقوم على التذكير بهذا الأمر… {أرأيت الذي يكذب بالدين}[٢] فذلك الذي يدعك أيها اليتيم، اليتيم عما انتسـب إليه الناس من خيرات الدنيا، أو من خيرات الآخرة، فكانوا عبادا للدنيا أو عبادا للآخرة. اليتيم الذي اقتصر انتسـابه وطلبه على معرفة نفسـه من ربه، والذي طلب المزيد من المعرفة في إدراكه للعجز عن معرفة نفسـه، فأدرك العجز عن معرفة ربه وعرف أنه لا يحيط بشـيء من علمه إلا بما شـاء، وأن ما أحاط به من العلم عن نفسـه إنما هو إحاطة بالعلم عمن علمه، فعلم أن العلم في نفسـه لا يتوقف أبدا، ولا يجز سـرمدا، وعلم أن النفس علم عن معلومها. وعرف أن العبودية في اللـه معنى لا يفارق موصوفه في الإنسـان مهما ارتقى فلو أصبح ربا فهو عبد، ولو أصبـح إلها فهـو عبد، ولو أصبـح غيبا لشـهادة فهو عبد، وأن شـرف الإنسـان في أن يكون عبدا، وأن شـرف الجان في أن يكون عبدا، وأن عطاء الإنسـان والجان في أن يتجدد عبدا لعبوديته، وأن يبعث عبدا من عبوديته، وأن يرتقي ربا بعبوديته على عبوديته، وأن يصيـر عبدا لعبودية ربوبيته من نفسـه… أن يصبح ولدا وأبا وجدا بوصفه بعيدا عن معناه في آن واحد… أن يتصف بثالوث الوصف ويبتعد عنه في وقت واحد… أن يكون ابنا لأب يعلمه بوصفه أبـا له، وأن يكون أبا لابـن يعلمه بوصفه ابنا له، كما يعلمه بوصفه أبـا له بعثا لأبيه من خلاله، فيعلمه روحا لهما من وصف أبيه إلى وصف ابنه.
إن العبودية في الإنسـان والربوبية للإنسـان إنما هي دورات حياته في اللـه يدور ويدور ويدور… يظهر آدما ويذهب آدما، ويأتي ولدا لآدم أو كلمة لآدم أو مسـيحا لآدم.
هذا ما علمناه رسـول اللـه. هذا ما جاءنا به عبد اللـه ورسـوله فكان لنا آدم، وكان لربه كلمة لآدم، وكانت دوحته الزهراء منه ولـدا له وكلمة منه، وكنا ما كنا في هذه الدوحة له أبنـاء. {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسـهم وأزواجه أمهاتهم}[٣]، (المهدي ولدي)[٤]. (أنا جد كل تقي)[٥]، (فاطمة ابنتي روحي، من أغضبها أغضبني، ومن أغضبني أغضب الله[٦]) ، {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين}[٧]. {وقل جـاء الحـق وزهق الـباطل}[٨]. هو لنا أول العابدين، وهو لنا أول الخلق، وهو لنا أول الحق، وهو لنا أول الحيـاة، وهو لنا كل ما تخيلناه، أو نتخيله من أولية في اللـه. إننا إليه ننتسـب، ومنه وجدنا، وفيه نتواجد، وإليه نعود. هو قبضة نور اللـه اللانهائي في وصفه والغير متصف عنده. هو نور السـموات والأرض الذي يجب أن نتخذه وكيلا. إنه نور السـموات والأرض وأكبر من ذلك لو أدركنا وتأملنا وعرفنا. إنه آدم بوصف ذاته، وإنه ما وراء آدم بوصف صفاته، وإنه ما نحن بانتشار رحمة اللـه فيه ورحمة اللـه بوجوده… إنه القديم والجديد من الإنسـان… إنه البدء والإعادة من آدمه… إنه البدء بربه وبادئ البدء بوصفه. بالحـق أنزله وأيضا بالحق نزل، أنزل من ربـه ونـزل بنفسـه بـربه. {وقل جـاء الحـق وزهق الـباطل}[٩] {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم . والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم}[١٠]. (من رآني فقد رآني حقا)[١١].
إن الشـيطان منكم من لا يتمثل بي ليكونني. إن الشـيطان منكم من لا يرضيه أن يتخذ مني أسـوة له ومثالا له لأكون جديده ليذهب قديمه من الشـيطان ويأتي بي جديده من الرحمن، فكان بذلك معناي عبدا لربي وربا لنفسـه إذا لبس جديده من أمر اللـه، فحقق اللـه له الأسـوة بي فصارني فكنت جديده.
نعم… إن العيد لمن بعث بجديد فلبس الثوب المحمد فكان محمدا في أمة كلها محمد. هذا هو دين محمد. وها نحن في كل عام نحتفل في مثل هذا اليوم بالعيد ولا ندري من فينا من صـح له العيد، ومن منا من مرت عليه الأعياد وقد عيد بقديم من فعل له صدق فيه أو من فعل له وفى به. والرسـول يقول (إنما هي أعمالكم ترد إليكم)[١٢]، والرسـول يهدي (موتوا قبل أن تموتوا)[١٣]، (حاسـبوا أنفسـكم قبل أن تحاسـبوا)[١٤]، والقرآن يعطي ويقرر قانونه {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسـكم أو اخرجوا من دياركم ما فعله إلا قليل ولو فعلوه لكان خيرا لهم}[١٥]، {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره}[١٦].
إن الخير لمن عيد… لمن لبس الجديد… لمن صام عن دنيا أمـره، ليسـت مأوى له مرتضىً عنده، ومن صام عن جنة جدته من آخـرته تتكشـف ليسـت مأوى له أو هدفـا له في مأمول أخراه، من لم يأبه للنار - دار قيامه - مرتضى منه أو مخشـيا منه جزاء غفلته أو عصيانه… ولكن من طلب في اللـه ربه غفورا، بوصفه المرضي عنده. عرفه مسـتغنيا عن عبادته من عابده. وعرف أن العبد لا يسـتغني عن العبادة له، فهي طعامه، فهي مائدته، فهي قيامه، فهي كيانه هو. ولكنه يطلب ربه ويطلب رسـول ربـه ويطلب الحق في اللـه ويطلب نفسـه بالحق حية كريمة غير موات ولا مهانة، فيعاد إلى نفسـه وتعاد نفسـه إليه، مرتضاة من ربها راضية عن ربها. وكان هو ربها وكانت هي عبده وكان هو في موجـوده في اللـه العبد والرب… العبد بها والـرب عليها.
هذا هو الدين إذا عاد إليه عائد من ضلالة، فاسـتقبل البيت مصليا، ثم ذهب إلى البيت حاجا، ثم طاف بالبيت متأملا، ثم وقف عند باب البيت مسـلما، ثم بكى عند أسـواره محبا، فتفتح له باب البيت عطاء من رب البيت وأهل البيت لا آخذا بيده، ولكن جزاء وفاقا لأنه تعرض لنفحة اللـه في يومه دنيا، وتعرض لنعمة اللـه لغده أخرى، فلبس جديده وقام عيده.
إن العيد قيام في الإنسـان يقوم فيه. يحسـه ويدركه ويرتضيه. ويكرره عيدا بعد عيد وجديدا بعد جديد… فارقا بين الحق والباطل في فعله… صديقا لرسـول اللـه، ثم صادقا مع رسـول اللـه، ثم صدقا من اللـه ورسـوله.
هذا هو المسـلم في معارجه، وهذا هو العيد في حقيقته.
فنسـأل اللـه أن يجعلنا برحمته في عيد. وأن يعيدنا على ما أنشـأنا من أحسـن تقويم. وأن يسـتخلصنا من أسـفل سـافلين. وأن يجعلنا في قابلنا على ما كنا في قديمنا من أزله في أحسـن تقويم، فنلبس ثياب الجدة وثياب العودة وثياب العيد من ثياب محمد أسـوة لنا ونبيا لنا وعبدا للـه وربا لنا ورسـولا منه إلينا يرعانا ويقودنا ويجددنا به في رحمة اللـه. هدانا اللـه وإياكم سـواء السـبيل وأعاد علينا مثل هذا اليوم وهذا العيد في جديد من أمرنا… لابسـين ثياب الجدة من حقائقنا من أمره بتجدده مع أنفاسـنا بصلاتنا عليه، عليه السـلام والصلاة بصلتنا به معنا صلى اللـه عليه وسـلم… وكل عام وأنتم بخير.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة طه - ١٣٢ ↩︎
سورة الماعون- ١ ↩︎
سورة الأحزاب - ٦ ↩︎
حديث شريف: “المهدِيُّ رجلٌ مِنْ ولَدِي، وجْهُهُ كالكوْكَبِ الدُّرِّيِّ”. أخرجه الطبراني. ↩︎
في معنى الحديث الشريف: "سُئِل رسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم مَن آلُ محمَّدٍ فقال كلُّ تقيٍّ وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ}. أخرجه الطحاوي في ((أحكام القرآن)) مختصراً، والعقيلي في ((الضعفاء الكبير))، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) باختلاف يسير. ↩︎
إشارة للحديث الشريف: " فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فمَن أغْضَبَها أغْضَبَنِي." أخرجه البخاري ومسلم، والحديث الشريف: “فاطمة بضعة مني وأنا منها، فمن آذاها فقد آذاني، من آذاني فقد آذى الله.” المكتبة الشيعية. بحار الأنوار. ↩︎
سورة الزخرف - ٨١ ↩︎
سورة الإسراء - ٨١ ↩︎
سورة الإسراء - ٨١ ↩︎
سورة محمد - ٢:١ ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
من حديث قدسي: “… يا عبادي! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه.” الراوي: أبو ذر الغفاري. المحدث: ابن تيمية المصدر: مجموع الفتاوى، وحلية الأولياء حكم المحدث: صحيح. ↩︎
حديث شريف. المحدث: الزرقاني، ولكن لم يثبت سنده، ويوافق الحديث الشريف: “كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ وعُدَّ نفسَك في الموتَى”. أخرجه البخاري. ↩︎
مقولة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نصها: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أخف عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم وتزينوا للعرض الأكبر، كذا الأكبر {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية}. ↩︎
سورة النساء - ٦٦ ↩︎
سورة الزلزلة - ٧ ↩︎