(٢٣)
دورة العبودية
في أولية العابدين
في الإنسان بآحاد الله
حديث الجمعة
٩ رمضان ١٣٨٠ هـ - ٢٤ فبراير ١٩٦١ م
أعوذ باللـه معي من الشـيطان الرجيم – مني -. وأسـتغفره من عزلة وجودي. وأشـهده فيما أشـهد لا موجود بحق غيره. وأومن به في إحسـاسـي ووعيي، وأسـترضيه برحمته وافتقاري، وأخشـاه بعدله وقدرته، وأوحده بعلمه وحكمته… لا إليه من هو غيره… ولا موجود إلا من هو منه… من وراء الكل محيط، وعلـى نفـوس الكل قائـم… عمت رحمتـه عمـوم قدرتـه… لا إلـه غيره ولا معبود سـواه - لا إلـه إلا اللـه.
وأشـهد أن العبودية فيه، في العبودية له بعين العبودية لعباده بوحدانيته، بالإنسـان يظهر، وبالإنسـان يفعل، وبالإنسـان للتدريك يتصف، وعن الإنسـان بالعظمة يتنزه. في العبودية له شـرف الظهور منه، وفي العبودية به شـرف العمل بقدرته، عبده إنسـانه، وإنسـانه عبده. لا حقيقة إلا بالإنسـان ولا إنسـان إلا بالحقيقة. إذا ذكـرت الحقيقة غيبا وإحاطة، كان اللـه غيبا، وتعالى اللـه عما يصفون وصفا، وإذا ذكرت الحقيقة شـهادة، وأدرك المشـاهد مشـهودا، كان اللـه ظاهرا ظهورا ووجودا… أينما تولوا فثم وجهه… وكيفما تتأملوا فقد ظهر سـلطانه وحكمه… وكلما تعلمتم لتعلموا ظهـرت حكمته… وكلما مُكِّنتم أو عجزتم فقد بدت قدرته. بدت قدرته في المؤمن بتقديره بقدرة ربه، وقد تخلى عن قدرة نفسـه. إن قدرة اللـه تظهر بكونه وعبده، فهما مظهر قدرته على مراده، تقوم فيمن لم يرَ لنفسـه قدرة مسـتقلة عن قدرة ربه… أما من رأى القدرة للـه والضعف له، فتخلى عن تدبيـره، ووكل إلى اللـه أمره، فعل اللـه به ما شـاء اللـه، فعل اللـه به بما هو له أهل بحكمته وقدرته فأدرك العبد في فعل الرب به أعماق ضعفه، ومعارج مسـكنته، فكانت العزة في الذل له، والقدرة في الضعف معه، والتدبير في ترك الأمر له.
خلق اللـه الإنسـان في مراحل وأطوار وهو يعلم ما توسـوس به نفسـه، فهو الذي خلق فيه وسـوسـة نفسـه، وجعل من وسـوسـة نفسـه سـورا وحجابا عما وراء نفسـه من معية ربه له… فكانت وسـوسـة نفسـه سورا مضـروبا بينـه وبين حقه من معيته… ظاهره من قبله العذاب وباطنه من قبله الرحمة… حتى إذا نفخ في هذا السـور باسـم اللـه فتبدد واجتمع ما وراءه على ما أمامه، اجتمعت النفـس بما بين يديها من عملها على معيتها من الحق بربها من ورائها محيطا بها، فزالت وسـوسـتها، وقتلت وسـاوسـها، فقلبت أوضاعها وانقلب في الوجود أمرها فصحت أنانيتها من أنانية للشـيطان إلى أنانية للرحمن… وصح لها أن توصف بالإنسـان، وأن تتصف بالعبودية للرحمن، وأن تكون وجها للجلال والإكرام، وقربا للبعيد المتعال، القائم على كل نفس قريبا، بعيدا في المنال.
إن الناس يضعون بوسـاوسـهم وبأوهامهم وبخيالاتهم وبجرأتهم على الحق، وعلى كلام الحق، وهدي الحق، ورسـول الحق، وعبد الحق، وعين الحق… يضعون بينهم وبين الحق من اللـه - وهو معهم - الأسـوار والحجب. يظاهرونه وهم يسـتقبلون قبلة أنفسـهم من أوهامهم وخيالاتهم. يتجاهلون السـاعة وهم فيها يكاد يخفيها، وما أخفاها على من خشـيه، وما أخفاها على من رضيه، ولكن الناس لا يسـألون عمن خشـيه، ولا يبحثون عمن رضيه، ولا ينقبون عمن عبده، لأنهم يرون في أنفسـهم عبادا له. وحاشـا للـه أن يكون العباد فيه والعباد له على مثال مما يقومون فيه من غفلة عن معبود، وإحجام عن مشـهود، وتجاهل للذكر الموجود.
هم خلق خلق اللـه، فما خلقتهم يد اللـه بعد، ولكن خلقهم عباد للـه أحبوا أن يعرفوا أنفسـهم، وهم لا يعرفون أنفسـهم إلا بقيام معانيهم فيما خلقوا وفيما صنعوا… اللـه صانعهم وما صنعوا، واللـه خالقهم وما خلقوا… من غيب السـموات والأرض… إنه ما وراء الأرض وظهيرها… به يقوم، وبه تفعل، وبه تنفعل، وبه تتواجد، وبه تتخلق، وبه تتحقق. به تتعالى وبه تتدانى… وبه تفنى وبفنائها فيه تبقى، وهو ما وراء السـماء كذلك.
يبدل الأرض من الناس، غير الأرض من الناس، ويقلب القلب من الناس، غير القلب من الناس، فيحيي القلب من الناس في الأصل الميت من ذوات الناس، بما أودع في هذه الكينونة، وفي هذا العالم الصغير، من عقل قدسـي، خالق مدبر. القلب بيته، والذات كرسـيه، والروح عرشـه، والنفس قوائمه، والرحمن حقه، واللـه طلبه وغايته ومعناه في حقيقة وجـوده… لا غيبا يطلب ولكن قياما يرتجى… تعالى في حقيقته وصفه، وتدانى بحقه ربه.
هذا هو الإنسـان الجدير بأن يوصف بمعنى الإنسـان، وأن يتصف بوصف الإنسـان، وأن يذكر باسـم الإنسـان. علمه الغيب البيان فبان وأبان. بان به من علمه وأبان به من أحكمه… وجها ذا جلال… وقياما ذا إكرام… ابنا للإنسـان، وحفيدا للإنسـان، وجديدا من الإنسـان باسـم الإنسـان وشـرف الإنسـان، فكان بمعناه أبا للإنسـان، وجدا للإنسـان، وبقاء للإنسـان.
ها أنتم في هذه الأيام وفي هذا الشـهر من الزمان تدخلون في سـوق للإحسـان، وتتشـبهون في فتـرة من الزمـان بصفات الرحمن، فتمسـكون عن الطعام وتتخلقون بأخلاق الديان، بأخلاق ربكم وحقكم من اللـه، بأخلاق إنسـان قيومكم، وإنسـان قيامكم، بإنسـان ربوبيتكم، بالقـائم على كل نفـس من بنيه، بإنسـان أديمكم اسـتوفى كلماته، وأبرز اللـه به آياته، وأمسـكته يد قدرته، فكان غيبا في شـهود اللـه من عالمكم، وكان ظهـورا في غيب اللـه من عـوالم له.
اذكروا ربكم في أنفسـكم. اذكروا إنسـان بدئكم… اذكروا إنسـان وجودكم… اذكروا إنسـان حياتكم… اذكروا إنسـان أبوتكم… اذكروا آدمكم… اذكروا به رسـول الغيب إليكم… اذكروا بعثه رسـول اللـه لكم… اشـهدوا أن محمدا رسول اللـه وانبعثوا به في أنفسـكم. ما بعث آدم في ذات محمد إلا ليشـهد الناس فيه أباهم، في معنى ولدهم وأخيهم، ويشـهده الناس في أبنائهم في معنى دوام حياتهم، ودوام وجودهم، على مثاله من أبيه، وعلى بنوته من آدمه، سيدا لولده، وجديدا لذاته، وعبدا لحقيقته.
لقد جاءنا رسـول اللـه بالإنسـان في معناه، في أي صورة منا ركبه. من تولاه تتواجد له بيننا مركباته منا موحدة في ذاته، وذاتا مشـتتة في أصحابه، وقياما قديما مجددا في أصله وفرعه في دوام جنسـه. فيه كانت قضيته هي قضية الناس في اللـه… وكانت قضيته هي قضية اللـه في الناس… لقد كان إنسـانا في قيامه وبعثا لإنسـان من قديمه، وأصلا لإنسـان في مسـتديمه يقوم ويتقلب في السـاجدين، بدءا من ذات وجوده كما قام وتقلب في السـاجدين من النبيين والشـهداء والصديقين قياما وذاتا من قديم ذاته في مواصلة وجوده، وجوده.
إن محمدا على ما ظهر بين الناس هو محمد على ما يظهر للناس، هو محمد على ما كان في الناس من الناس. والناس هم الناس، ومحمد هو محمد. محمد ثمرة الناس واصطفاء اللـه من الناس، وصفوة الكمال إلى الناس من الناس… ومحمد هو أصل الناس، وآدم الناس، وآدم كل الأجناس، فهو صفوة الناس، وفرع الناس، وأصل الناس، وكل الناس. من عرف محمدا فقد عرف نفسـه. ومن عرف نفسـه في محمد فقد عرف ربه. ومن عرف محمدا في معناه فقد عرف اللـه. هل آن لنا أن نعرف محمدا؟ هل آن لنا أن نعرف أنه الحق من اللـه؟! هل آن لنا أن نعرف أنه الـرب من الإنسـان؟! هل آن لنا أن نعرف أنه الحسـاب والعقاب من الديان؟ ما حيا من فقده، ولا موت لمن كسبه، وقد هلك من حاسبه. هل آن لنا أن نعرف أنه نور الحياة، ونور الكتاب، ونور البعث، ونور القيام، ونور العلم، ونور الحرية، ونور الانتشـار، ونور العتق، ونور التحرر، ونور السـعادة، ونور السـكينة، ونور الرضا، ونور الوحدانية؟!
هل عرفه الناس؟ هل عرفه أصحابه؟ هل عرفه أتباعهم؟! هل عرفنـاه متابعين؟ هل عرفناه بالرسـالة له شـاهدين؟ أبيقين… أبإيمان… أبتسـليم… أبتصديق… نشـهده رسـول اللـه؟! ونحن نغيبه معنىً، وطريقا، وكتابا، وذاتا، وبيتا، ومثالا، ووجودا، وحقا.
جعل للناس أسـوة فما تأسـى به الناس، ولكنهم عن أنفسـهم أبعدوه باسـم الإكبار له فضيقوه وهو الواسـع فكانوا له الصديق الجاهل. وجعل للناس في دوام بتكاثر معناه، حفظ فيه الذكر، وقام في دوام به الأمر، ويسـر وانبلج به الفجر، وانقشـع به الظلام، ووهب بـه الدفء، وبعثت به الحياة، ولكنه أصبح أسـطورة من أسـاطير الحياة، لا تختلف أسـطورته عن خوفو وخفرع ومنقرع عند قومه… يذهبون إلى بلاده التي أبرزته ومن أرضها أظهرته سـواحا متفرجين… كما يأتي الأمريكان أو الفرنسـيس أو الإنجليز أو غيرهم إلى أرض الفراعنة ليشـهدوا أهرامات الفراعنة سـواحا متفرجين… بل قد يكون هؤلاء السـائحون أصدق في حجيجهم، وأحرص على الكسـب في رحلتهم لأنهم يقرأون عن الفراعنة مكبرين، ويتتبعون حضارتهم خاشـعين، ويتذاكرون عظمة الإنسـان متأملين، ولكن سـواح الرسـول يذهبون بعقول مغلفة، وبآذان مغلقة، وبأبصار مقفلة، فيعودون كما ذهبـوا، لا متأملين ولا متدبـرين، ولا باحثين، ولا مقدرين، ولا واعين… يعـودون من حجهم بوهمهم غارقين… ولو حجوا لعادوا باللـه ورسـوله في أنفسـهم مدركين. ولكنهم ما ذهبوا عاشـقين، ولا متذكـرين، ولا متأملين، ولا خاشـعين، فهم على مكانتهم يمسـخون وعلى حقهم معهم لا يمسـحون.
هذا ما آل إليه أمر الدين… ها نحن في رمضان نحتفل بهذا الشـهر من أشـهر العام، ونحرص على الإمسـاك عن الطعام ونرى في ذلك كفاية عن معاني القيـام في الصيام. نمسـك عن الطعام جـزءا من اليوم نتهيأ في ختامه ونتحضر لابتدائه بشـهوات الطعام في السـحور والإفطار، ونقلب وضعه من شـهر صيام لشـهر طعام، فنذهب بفضله ونضيع حكمته. ولو أنا انتفعنا بهذا الشـهر على ما رسـم لنا لخـرجنا منه بحصيلة لا يسـتهان بها، وتخلصنا من صفات لا بأس بقسـطنا من التخلص منها… ولكننا نسـمع فقهاءنا يعدوننا وما يعدوننا إلا ضلالا، ويبصروننا، وما يبصرونا إلا بهتانا وخيـالا، لأنه لم يلمسـهم من اللـه كـلام، ولم يقمهم في اللـه صيـام. وما الصيام وما القيام وما الدين إلا ما رسـم لنا اللـه في أن نكون مع محمد ولمحمد، وأهلا لمحمد، وفي بيت لمحمد، وفي وصلة بمحمد، وفي تسـليم لمحمد، نسـتقبل سـكينة من محمد هي سـكينة من اللـه.
إن الدين كله يدور حول محمد. إن محمدا هو مؤسـس دين الإسـلام ومؤسـس دين الفطرة الذي كشـف اللـه به لنا عن وجهه الكريم من وراء الكل، ومن وراء كل شـيء محيط، وعن يده الممتدة بكرمه في عباده، وعن نفسـه المتجددة الدائمة في دوام خلقه، وعن نفسـه المنتشـرة باسـتحالة غيره، وعن وجهه المقصود لمرايا القلوب، وعن صفاته لا تتعطل، ولا تنتهي، ولا تبدأ، ولا تخفى، ولا تنقص.
إن الدين يدور حول الإنسـان، وفهم الإنسـان، ومعنى الإنسـان، وقيام الإنسان، وقيوم الإنسـان على قائم الإنسان بإحسان في قديمه لا بدء له، وفي جديده لا انتهاء له، وفي حاضره لا غيب ولا انقطاع له.
في هذه الكلمات القصار كان الدين في معرفة الإنسـان، وكان الإنسـان في معرفة الدين… في هذا تقوم حقائق الأديان، كما تقوم حقائق الديان، فيعرف الإنسـان حقائق الإنسـان. وبعيدا عن هذا لا يكون إلا الضلال والزور والبهتان. فهل جعلنا من هذا الموسـم… من هذه السـوق للرحمة والإحسـان بشـهر الصيام فرصة لأن نتحدث، ونتواصى بالحق، ونتواصى بالصبر في اللـه قائما علينا… قائما بنا… ظاهرا في بقائنا به، لا إلـه غيره ولا معبود سـواه، محمد عبده ورسـوله، ومحمد وجهه وحـقه؟ نسـأل اللـه لنا ولكم التوبة والمغفرة.
أسـأل اللـه لي ولكم أن يمحونا عنا إلى محمد فيه، وأن يعبدنا لعبده فيه، وأن يقيمنا بعبده منه، وأن يحيي قلوبنا به وعقولنا بنوره، وأن يقوّم جوارحنا باقتدائه، وأن يجعل نعمته في نزول سـكينته على قلوبنا، وأن يجعل قيامتنا في قيام رحمته بنا ربا غفورا راحما لا يدين أبدا.
ونسـأل اللـه ببركته أن يجنبنا الفرقة والخصام، وأن يرزقنا الألفة والوئام، وأن ينزل على أرضنا وأنانينا وبشـريتنا الأمن والسـلام، وأن يعلي كلمة الحق فينا، وأن يعلي كلمة الحق علينا، وأن يعلي كلمة الحق بنا، وأن يولي أمورنا خيارنا، ولا يولي أمورنا شـرارنا بسـوء عملنا وبعدله فينا، وأن ينصرنا على أنفسـنا… حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، يقظين وغافلين، وأن يختم لنا بخاتمة السـعادة أجمعين، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائه في أنفسـنا لا إلـه غيره ولا معبود سـواه.