(٢١)

الدورة الخالدة
في إنسانية الأحد الصمد

حديث الجمعة

١٠ شعبان ١٣٨٠ هـ - ٢٧ يناير ١٩٦١ م

بسـم اللـه ورسـوله… بسـم الرحمة ومظهرها… باسـم الموجود ووجوده… باسـم الوجود وكلماته… باسـم الحق وآياته… باسـم العليم وكتبه… باسـم اللـه الرحمن الرحيم… به نسـتعين، وبه نحيـا، وبه نهتدي ونقوم، وبه نخرج ونعود، وبه نبعث ونفنى، وبه نتجدد ونتكاثر، وبه نتفانى ونبقى.

إنها دورة الحياة الخالدة، إنها الدورة الخالدة للإنسـان في الإنسـان، في أحد اللـه، في صمد اللـه، في معروف اللـه، في موجـود اللـه، لا إليه إلا من كان منـه، وليس هناك مـا ليس منه. لا إلـه إلا اللـه.

إن للإنسـان في اللـه دورة، ينتهي إلى حيث بدأ، ويبدأ من حيث انتهى، دواليك بلا انتهاء، وفى حقيقة الأمر بلا ابتداء. الإنسـان لا يعـرف من أمـره إلا ما قـام فيه بوصف أناه، وإذا كان لا يدرى إلا أناه، فهذا يكفيه لأن أناه جماع معناه، حيثما وجد وأيـنما كان.

إنه في هذه الأرض ومن هذه الأرض يبدأ قياما مدركا له. نشـأ من ترابها و احترق تحت حرارة شمسـها صلصالا كالفخار، مزجت به حرارة تكيفه، ونار إنضاجه، حرارة ثابتة، عليها تقوم حركته، ومن احتراقه بها تنشـأ طاقته، وقدرته ومكنته، فكلما احترق منه جزء، جدده بجديد من الأرض التي هي أصل ذاته، وواصل الحياة، كلما نضج جزء من جلده، من ذاته، من مادته، من صلصاله، من تـرابه، بُدل جديدا من جزء يحل محله، في جهاز قيـامه، تتجدد أنسـجته، وتتهالك في تدبير منتظم، بظاهرها بالحياة، دورة دموية منتظمة، ، قوية سـريعة، ملبية مجيبة، تمد الأنسـجة المفتقرة بالطاقة، وبالقوة، وبالحياة، وتجتذب الأنسـجة المتهالكة في تيارها، وتأخذها إلى الحطمة من كبده، تدفعها إلى مجاري القلب بجهازه ومضخاته القوية الجبارة، فتدفعها في طريق النهر الحي النـامي الفياض في جسـده ونهيراته وفروعه، وهكذا من مصارف الجسـم، ومن أنهار الجسـد، وبينهما تدور الحيـاة، في هذا الكتاب الخالد، في هذا القيام الدائم، في هذا القيام الدائم الباقي المتجدد، إنها كما تتجدد الأنسـجة في داخل الجسـم، وكما تتجدد كرات الدم البيضاء والحمراء في داخله، وكما تمر في غرف القلب الأربع، ومضخاته الماصة الكابسـة للدماء الفاسـدة والدماء النقية، كلاهما يمر بالقلب، وكلاهما يمر بالكبد، يدخل ضعيفا متهالكا، ويخرج قويا نشـطا.

إن هذا الذي يقوم في الفرد في داخله، هو بعينه النظام الذي يقوم عليه الجنس في جماعه، بمفرداته، وفي أراضيه، وفي مسـالكه إلى هذه الأراضي، وفي مرجعه منها، وفي قيامه على أرضه هذه، وفي قيامه على كل أرض يطأها بقدميه، وفي كل سـماء يسـبح فيها بلطيـفه، كما يتحـرك في بقـاع الأرض بكثيفه.

إن الذي يقرأ كتاب نفسـه، إن الذي يقرأ ما في نفسـه، إن الذي يتأمل في نفسـه، إن الذي يبصر نفسـه، إن الذي يرد الطرف إلى نفسـه، إن الـذي ينعكس إلى نفسـه يقرأ كتاب اللـه. وإذا قرأ كتاب اللـه في نفسـه فقد قرأ كتاب الكون هو فيه، وهو منه، وهو إليه، منه يبدأ جزءا، وفيه ينمو أجزاءً، وعلى مثاله يتواجد كلا، ومن كله يرتد إلى نفسـه فيرعى أجزاء نفسـه، وأبعاض نفسـه، كما روعي من قبل، وكما تولي من قبل، وكما كان من قبل.

إنها دورة الحياة الظاهرة في بيوتكم في أسـركم، تبدأون أطفالا لا حول لكم ولا قوة، ترعاكم الأمومة والأبوة، وتسـهر عليكم، وتتواد بينها بالتواد إليكم، وبالمودة تنشـئونها بين أبويكم. إن اتحـادهما في الهدف من رعايتكم يجعل لهما هدفا مشـتركا به تتوثق المودة بينهما، ويزول من بينهما ما قد يكون من فوارق في المعدن تنتج خصاما، أو تثير بينهما غبارا وكلاما، وقد أصبحتم حديثهما وغايتهما، فتتوثق الروابط بينهما بقيام الروابط معكم، فتتوحد وتجبر أجـزاء الأسـرة في أصولها بتواجد أبنائها، فتتكون في الأسـرة معاني الوحدة القائمة من المحبة، ويمضي الأب والأم، وينمو الابـن فإذا هو أب، وإذا به له زوج، وإذا بهما لهما ولد يرعيانه ويطمعان أن يقومانه…

وهكذا تذهب الحياة في قابلها على ما هي في حاضرها، وهكذا تأتي الحيـاة لحاضرها على ما كان في ماضيها في دورة سـرمدية لا تتوقـف، ولا تنتهي، ولا تنقطـع، ولا تدوم… لا تدوم لأبعاضها، ولكن تدوم في كلها، تدوم بكلياتها. إن مصر التي وطأتها أقدام الفراعنة، ما زالت تطأها أقدام أبنائها من حكامها، ومن شـعبها، من الآباء والأمهات ومن الأبناء.

هذه هي الدورة الخالدة، تدورها البشـرية بلا انقطاع. إذا عرفتم أن هذه الدورة لها الخلود والدوام، وأنها بلا بداية تعرف، وأنها بلا نهاية تدرك، وعرفتم أن كل ما جاءكم به الدين إنما هو وصف لهذه الدورة الخالدة، إنه إذا تحدث إليكم عن آدم يأتي من سـماء أو من أرض أخرى أو من جنة، وإذا تحدث إليكم عن آدم أنْبَتَه من هذه الأرض وأخرجه منها ثم أولجه فيها ويُخرجه منها تارة أخرى ويعرج به في السـماء، ويوفيه العطاء، ويعيده على ما بدأه، يُنشـئه نشـأة أخرى، يحييه ويميته، يخلقه ويحققه، يبدأه ويعيده، إنها دورة لا تنقطع ولا تنتهي، يبدأ ابنـا وينتهي أبا، ثم يعود الأب ولدا وينتهي أبا ويعود ولدا وينتهي أبا… وهكذا في دورة خالدة تُسميها دورة آدم، يدورها كل ألف عام أو تزيد.

وهذه الدورة إنما هي معنى لكل وليد، أنبتته الأرض أو توالـده الناس، وما إنبات الأرض له إلا توالد الناس له، توالد النـاس به، فكلما عـاد عائد من سـماء إلـى الأرض، ما عاد إلا إلى أعماق الأرض، وما وجد على الأرض إلا نباتا من نبات الأرض، وما أنبتته الأرض إلا بتوالد النـاس. إن الناس لن يخرجوا من الأرض كما تخرج أشـجارها، إن الحيوان لا يخرج من الأرض كما تخرج زروعها، إن البشـر لا يخـرج من الأرض كما يخرج نباتها. ولكن البشـر الذي يحيـا على هذه الأرض بروح من روح اللـه ومن روح الوجـود وينمو في ذاته من ثمرات الأرض، من أطوار الأرض، في تطور ترابها إلى أشـجار، فحيوان، فإنسـان… إن هذا الذي تشـهدون له الدوام، إن الذي تشـهدون في قيامكم له الدوام في قيامه بقوانين اللـه، فإذا أردتم أن تعرفوه فقد بعثت الأرض حية من مماتها بقيام الناس عليها، تطورت إلى الناس، قامت قيامتها، من ترابيتها بقيام الناس أحياء من ترابها، يدبون بأقدامهم عليها، ويمشـون في أرجائها يعمرونها ويُعمرونها ويزينونها إذا ما تزينت، ويجددونها إذا ما تجددت… إن هذا هو بعثها وقيامها…

وإن الناس وهم يتواجدون عليها في دورة منتظمة، منها يخرجون، وإليها يعودون، السـماء ذات الرجـع، تُرجعهم إليها، فهم عليها من أهل السـماء، أنبتتهم الأرض فقد ردتهم السـماء، مع ضوء الشـمس وحـرارتها إلى أعماق الأرض، وانعكسـت الأرض بهم، بردها لما تكتسـب من حرارة الشـمس وضوئها، والأرض بذلك تنبتهم مرة أخرى، رجع السـماء إليها، فالناس على هذه الأرض، إنما هم رجع السـماء، ونبات الأرض. إنهم أبناء السـماء رجعا، وأبنـاء الأرض نباتا، في دورة منتظمة لا تنقطـع أبدا. فمن خـرج من الأرض بجديد كسـب دخل السـماء بيته من سـابق بأثواب جديدة، ومن أفاد من السـماء، وأرجعته إلى الأرض فأنبتته الأرض، ظهر عليها بكسـب السـماء، وبأثوابه الجديدة بكسـبه من السـماء، في بيئته من الأرض، التي عرفها، والتي عرفته على مسـتوى له معروفا عنده، ومعروفا عند قومه، وهكذا يُرفع الناس طبقا فوق طبق، وهكذا يرجع الناس إلى الأرض طبقا بعد طبـق.

هذه هي الحياة، أرادت الأديان أن تُعرفنا الحياة، وأراد الأنبياء أن يحملوا خبر الحياة، وأراد الرسـل أن يأموا الناس إلى أحواض الحياة، حتى تمت النبوة، وتواجد العبد، فأراد عباد اللـه أن يكشـفوا للناس معاني الحياة، في أنفس الناس، بما يتواجدون به من الحياة بينهم في أنفسـهم. وبذلك كانت العبودية للـه نهاية النبوة والأنبياء عن اللـه، ونهاية الرسـالة والقيادة إلى اللـه، فما أخذ الأنبياء ما أخذوا إلا من عباد اللـه، ومن يد عباد اللـه، وما عرفوا فيما عرفـوا إلا بعضا مما يصح أن يعرف العبد عن ربه، في معرفته عن نفسـه، على تفاوت بينهم في المعارف والأقدار، وعلى تقـارب بينهم لكسـب معاني العبودية لأنفسـهم والصلة بعباد للـه…

فإذا كان محمد عليه السـلام والصلوات خاتم النبيين، فهذا بعثه بحاضره، من قيامه يوم حمل البلاغ، فلما اسـتوفى وتوفى فقام العبد من اللـه، كان أول العابدين. إن اللـه إذ يجعل منه عبدا أول عباد، ارتفع به، من نبي خاتم نبيين إلى عبد أول عابدين، وهكذا فعل لآدم في قديم. إن اللـه لم ينحط بخـاتم النبيين ولم يَحُط خاتم النبيين إلى وصف العبد بجعله أول عابدين، ولكن ارتفع بخاتم النبيين، ليكون عبدا، فيكون أول عابدين.

وإذا كان محمد يدب على الأرض أول عابدين، فقد دب عليها الحـق في عبده، في جلباب خلقه، {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم}[١] {لعلهم بلقاء ربهم يؤمنـون}[٢] يا أيها الحـق منـي، يا عبدي، يا قدمي، يا يدي ووجهي، قل جاء الحق وزهق الباطل.

فيمَ يتسـاءلون؟ أعن السـاعة التي علَّمت؟ أم عن القيامة التي أقمت وبشـرت؟ إلى ربك منتهاها وأنت بينهم معناها، أنت لهم في أنفسـهم ذكراها إذا تابعوك، إذا أحبوك، إذا طلبوك، إذا عشـقوك، إذا نصروك، إذا على أنفسـهم أقاموك، إذا هم في السـويداء من قلوبهم أحلوك، إذا هم أماتوا أنفسـهم وأبقوك، فكانوك، وإذا كانوك، كانوني. أنت مبتداها…

إذا طلبوك طلبوني، إذا عرفوك عرفوني، إذا وحدوك وحدوني، إذا كانوك كانوني، ألم تكن رسـولي إليك فكنته فكنتني؟ هكذا يكون من يكونني. هكذا يكـون التوحيد لمن يوحدني. هكذا تكون المعـرفة لمن يعرفني. هكذا يكون الطلب لمن يطلبني، وإلا فلا طلب لي، ولا توحد معي.

أنت عبدي… أنت حقي… أنت عيني… أنت روحي… أنت حياتي… أنت وجودي… من رضيك رضيني، ومن قلاك قلاني، ومن ظاهرك ظاهرني، ومن جافاك جافاني، حافظوا على الصـلاة الوسـطى، إن اللـه وملائكته يصلون على النفس الوسـطى. إن اللـه وملائكته يصلون علـى هذا النبي الوسـيط. إن اللـه وملائكته يصلون على هذا العبد صلاة دائمة بدوام اللـه وملائكته. إن اللـه وملائكته صلى عليه قديمـا في قديمه ذكـرا قديما له، ويصلي عليه في جديده ما قام جديده، ما بُعث جديده، ما تواجد بينكم جديده، ولن ينقطع فيكم جديده، لأنه لن يقطع فيكم وليده، أعطيناه الكوثـر، أعطيناه التكاثـر، شـانئه أبتر، وواصله أزهـر. إنه الكلمة الطيبة، إنه الشـجرة الطيبة، إنـه الأصل الثابت، إنه الفـرع المرتفع في السـماء والجذر الممتد في الأرض، يلجه اللـه في الأرض على دوام، ويرفعه في السـماء على دوام، ويمده بالحيـاة على قيام، في عالم القيام آدم قيام، لا ينقطع قيامه، إنه عبد اللـه… إنه إنسـان اللـه… إنه حق اللـه… إنه وجه اللـه… إنه يد اللـه… إنه كتاب اللـه… إنه سـرمد اللـه…

فكيف بعد هذا تطلبون أنبياء من بعده وهو بينكم مقيم؟ وهو فيكم يبعث؟ وهو فيكم يمتد؟ وهو فيكم ينتشـر بنوره؟ وهو فيكم يبعث من قبوره من قبور أنفسـكم؟ جعل اللـه له نورا يمشـي به في الناس، فكيف ينقطع من كان من النور، ومن قام بالنور، ومن انتشـر بالنور؟ كيف يتغلب الظلام على النور؟ إنه نور السـموات والأرض، أرسـله اللـه رحمة للعالمين. إنه قبضة نور اللـه، بها أشـرقت السـموات والأرض، فكانت نـور السـموات والأرض من اللـه، اللـه الذي لا تحده السـموات والأرض، ولا تتسـع له السـموات ولا الأرض، فكيف يكون اللـه نور السـموات والأرض؟! وما قال لكم اللـه نـور السـموات والأرض إلا ليعرفكم عن عبد له هو نـور السموات والأرض، أنتم فيه، وهو فيكم، مثله بينكم في معناكم كمشكاة فيها مصباح من تجويف صدر حوى قلبًا. به قام الحق وامتد الحق وزهق الباطل وانتهي طور الخبر والإخبار وقام العيان والإكبار.

هذا هو رسـول اللـه… هذا هو جانب من جوانب رسـول اللـه… هذه هي زاوية من زوايا رسـول اللـه… هذا هو فهم من فهوم في رسـول اللـه… فهل آمن النـاس برسـول اللـه؟ لـو آمن الناس باللـه لآمنوا برسـول اللـه، ولو دخل الناس بيت رسـول اللـه لتكشـفت لهم صلتهم باللـه، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللـه وآمنوا برسـوله}[٣] إن اللـه يطلب من المؤمن بـه أن يؤمـن برسـوله. إن من آمن باللـه - والإيمان باللـه لا يحتاج إلى كتاب- فكتابه أنت، ولا يحتاج إلى رسـول فرسـوله ضميرك، ولا يحتاج إلى إمـام فإمامه عقلك، ولا يحتاج إلى تحذير من شـيطان فشـيطانه نفســك، ولا يحتاج إلى بشـرى بجنان فجنانه رضاؤك، ولا يحتاج إلى ترهيب من نار فناره قلقك وحيرتك. إن اللـه إذا عرفت، إن اللـه إذا طلبت، إن اللـه إذا وجدت يأمرك ويناديك أن آمن برسـولي… ابحث بين الناس عمن تريد أن تكون على دينه، ابحث بين الناس عمن يكون مرآة لك ترى فيها - بصفائها - وجهك أنت، فتعرف ما فيك مما تريد أن تحتفظ به وتبقيه، ومما تريد أن لا تحتفظ به فتزيله وتغيره. إنك منفردا لا ترى وجهك، إنك لا ترى معناك، إنك لا ترى عملك، إنك لا ترى شـيئا مما يصح أن ترى لتعرف، وإذا عـرفت لتكـون، وإذا كنت لتـزداد، وإذا ازددت لتبعث، وإذا بعثت لتنشـر، وإذا انتشـرت لترفع وترتقي، وتدخل في الدورة الخالدة، تدخل في دورة الحياة، تدخل في دورة آدم، تدخل في دورة الإنسـان، تدخـل في دورة الوجـود، تدخل في دورة التواجد بوجود نفسـك، من عمل نفسـك، بإرادة نفسـك، على ما يرضيك أنت، وعلى ما تشـتهي أنت، وعلى ما تطلب أنت، وعلى ما ترى وتعرف أنت.

إن اللـه غني عن العالمين. إن اللـه لا تنفعه طاعة ولكنها تنفعك. إن اللـه لا تضره معصية ولكنها تضرك. إن اللـه ليس له دار ولكن الدار دارك، وما خلقت إلا لك. إن اللـه ليس له سـماء فلا تحده سـماء، ولا تحتفظ به سـماء، ولكن خلقت السـماء لك مرتقاك ومعراجك، وسـلمـك، خلقت من أجلك، وخلقت لـك. أنت لك سـماء، أنت صاحب السـماء، أنت عين السـماء، أما هو فلا. أنت صاحب الأرض، أنت الأرض، أنت الدار، أما هو فلا. إنها لا تتسـع له، أما أنت معه، أما أنت له، أما إذا عبدت نفسـك لمعناك فيك ومعناك منه، فإنما تعبد نفسـك بجديدك، لمعناك وعينك في كمال قديمك، فتعبد نفسـك للـه إنسـان أحسـن تقويم منه نشـأت.

إنك إذا كنت عبدا لعبد للـه،كنت عبدا للـه، وإذا كنت رسـولا لرسـول اللـه، كنت رسـولا للـه، وإذا كنت عضوا أو جارحة في إنسـان، أو عبد للـه، فأنت عضو وجارحة للـه. هكذا يكون مآلك، وهكذا هي اليوم حالك، فإذا لم تعرف اليوم حالك فكيف يكون في اللـه لك مآل؟ وكيف يكون لك في اللـه مجال؟ وكيف تنطق بلا إلـه إلا اللـه؟ قولا يقـال، ولا تمتد يدك إلى لا إلـه إلا اللـه شـيئا ينـال؟ لِمَ لا تمشـي بقدميـك في لا إلـه إلا اللـه! ولِمَ لا يقـوم ضميرك بلا إلـه إلا اللـه! لِمَ لا يشـرق عقلك بلا إلـه إلا اللـه! فإنه لا يسـتقيم فعلك إلا بلا إلـه إلا اللـه، لا شـيء من هذا ثم تقول إنك من أهل لا إلـه إلا اللـه! أفلا تعقل؟

أما آن لك أن تسـتيقظ من منامك، والناس نيام! أما آن لك أن تقطع ما بين حاضرك وبعث ماضيك، فتموت من شـجرة الغفلة لتزرع في شـجرة اليقظة! وأنت قد ولدت على الفطرة، فلِمَ الحنين لقديمك من الغفلة والجهل! لِمَ لا تكون ابن يومك وابن حاضرك، وابن وقتك وابن سـاعتك، وابن عملك وابن فهمك!

هكذا الدين، هكذا تدور الدورة الخالدة، من ركب السـفينة فسـارت به في الدورة الخـالدة، فقد سـار دورة في الدورة الخالدة، ومن كان للناس سـفينة في الـدورة الخالدة دار دورة أخـرى في الدورة الخـالدة، فكـن سـفينة أو كـن راكبا لسـفينة، كونوا سـفنا أو كونوا ركابا لسـفن، ادخلوا الحياة فقد ولدتم بالفطرة وفي الفطرة في قيامكم اليوم في الحياة. وفي الحيـاة لا تمتنع عليكم الحياة ولكنكم - للأسـف - تمنعونها، ولا تغيب عنكم أحواض الحياة ولكنكم - يا للحسـرة - لا تردونها، وتمر أمام أعينكم دون انقطاع سـفن الحياة ولكنكم - للخيبة - لا تركبونها.

إنْ اللـه طلبتم هو الحياة، فإذا فقدتم الحياة فقدتموه، وإن ربحتم الحياة ربحتموه، وإن تواجدت فيكم الحياة، تواجد فيكم اللـه، فأحياكم وأحيـا بالحياة ظاهرا بكم. إنه الحي القيوم، إنه لا يحيا لأنه الحي ولكنه لا يظهر لأنه الغني، إنه الغني الذي يظهر في المفتقرين، إنه القوي الذي يظهر في المستضعفين، إنه القادر الذي يظهر في المتوكلين، إنه الكبير الذي يظهر في المتفانين، إنه الحياة تظهر في الميتين، إنه بعث الأموات بالحياة في قلوب المستيقظين، إنه قيام الحياة في الأرض الميتة تهتز بالحياة، وتترنم بالحياة، وتغني أناشـيد الحياة، إنه الأحياء إذا قاموا من موت، إنه المبعوثين إذا عادوا من غفلة، إنه المسـتيقظين إذا صحوا من نوم، إنه أقرب إليكم من حبل الوريد، إنه معكم أينما كنتم، إنه القائم على كل نفس بما كسبت، لا إلـه غيره، ولا موجود غيره، ولا حق غيره، ولا دوام لغيره، ولا حياة بغيره.

فهلا آمنتم به لا إلـه إلا اللـه فشـاهدتموه لا إلـه إلا اللـه، فقمـــتموه لا إلـه إلا اللـه، فتعاليتم لا إلـه إلا اللـه، وتدانيتم لا إلـه إلا اللـه، وانتشـرتم لا إلـه إلا اللـه، فكنتـم أمـة لا إلـه إلا اللـه، وكنتم قيام محمد رسـول اللـه. إن محمدا كان أمة، ملة إبراهيم حنيفا، كان أمة قانتـــــا للـه. لا إلـه إلا اللـه، محمد رسـول اللـه.

اللـهم أنطقنا لا إلـه إلا اللـه، وأعلمنا لا إلـه إلا اللـه، وأشـهدنا لا إلـه إلا اللـه، وقمنا لا إلـه إلا اللـه، وأرجعنا إليك لا إلـه إلا اللـه.

اللـهم أنزل سـكينتك على قلوبنا والسـلم والسـلام على أرضنا. اللـهم جنبنا الفرقة والخصام وارزقنا الألفة والوئام. اللـهم أدخلنا في سـلامك وفي سـلمك، وكن لنا السـلام، واجعلنا لك السـلام يا سـلام، لا إلـه إلا أنت سـبحانك إنا كنا من الظالمين. اللـهم ارفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم إنك أنت الأعز الأكـرم. اللـهم ارعنا حكاما ومحكومين. اللـهم ولِ أمورنا خيارنا ولا تولِ أمورنا شـرارنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السـفهاء منا، وعاملنا بعفوك ومغفرتـك ورحمتك، وأقلنا من إقامة عدلك، وعاملنا بما أنت له أهل، وعافنا مما نحـن له أهل. لا إلـه إلا أنت سـبحانك إني كنت من الظالمين.

أضواء على الطريق

(لقد جاءكم العلم منذ سـنين كثيرة عن طريق إنسـان عرف القانون. بيَّن لكم أنه إذا ما جربه أحدكم جاءت النتائج دائما على ما عرَّفه. فإذا ما سـمحتم للقانـون أن يعمل كان حتما على النتائج أن تأتي).

(كما علمكم قانونا آخر أذكركم به… لا يمكنكم الحصول على شـيء في عالم المادة دون أن تدفعوا الثمن… فكذلك أمر المعرفة وقيام الوسـاطة. إذا شـغلكم تجميع المـادة فإنكم قد تتخمون بطيبات عالمكم ولكنكم سـتكونون فقراء جدا في عالمي).

(إذا سـألتم أيا من الذين يعودون إليكم من لدينا سـتجدونهم جميعا يقولون إن القانون صحيح، وإنهم لا يرغبون أبدا في العودة إلى عالم المادة. أنتم تبحثون عن السـلام في خارج أنفسـكم، وأنا أحاول أن أريكم السـلام الأبدي في داخلها. إن الثروة إنما هي ثروة الروح).

عن هدي السـيد الروح المرشـد سـلفر برش

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة محمد - ٢ ↩︎

  2. سورة الأنعام - ١٥٤ ↩︎

  3. سورة الحديد - ٢٨ ↩︎