(٢٠)
مراد ومريدون
ورواد ومرودون
حديث الجمعة
١٩ رجب ١٣٨٠ هـ - ٦ يناير ١٩٦١ م
أريد… ماذا أريد؟ يُراد… ماذا يراد؟ أشـر أُريد بمن في الأرض، أم أراد بهم ربهم رشدا؟ كلنا يريد، وكلنا يجهل ما يريد، وكلنا يراد، ولكنه يجهل أنه مراد…
كلنا يذكر اسـما للـه، وكلنا يذكر اسـما لرسـول اللـه… وكلنا يجهل ماذا يريد من اللـه. وكلنا يجهل لماذا يردد اسـما لرسـول اللـه. فلنتذاكـر كيف وماذا نـريد! ولنتواصى ما هو بنا يـراد! ولنتبادل وعينا عما أردنا وعما أُريد بنا… ففي هذا تحقيق مرادنا، وتحقيق لما يراد بنا…
فلنتواصى بالحق ولنتعاون على الصبر، ولنذكر اللـه في أنفسـنا، ولنتبادل معانينا في تجمع أوانينا لندرك ما غاب علينا فينا، بم تواجد منه بيننا. فما غاب الحق من بيننا وما انقطع الافتقار إليه عنا… وما خيب القائم علينا فيه رجاءنا ما رجونا. فمن هو الرائد؟ وما هي الريادة؟ ومن هو المريد؟ وما هو المراد؟ لقد أظهر اللـه لنا من بيننا ومن أنفسـنا روادا، رادوا مجتمعنا في مريدين لهم، أرادوا ما أراد روادهم. هذا في عالمنا… وهناك من يطلبنا… هناك عالم يطلبنا… هناك وجود يطلبنا، فيرسـل من مجتمعه رسـله، يظاهرهم من مجتمعهم، جنودا له يأتون من أمره إلى مجتمعنا، في جمعهم وريادتهم… يصطفون من بيننا لروادهم، وجمعهم، أواني منا، ليحملوا بها من مجتمعنا إلـى مجتمعهم، {اللـه يصطفي من الملائكة رسـلا ومن الناس}[١]
إن عالمنا ومجتمعنا من خلقه، ووجودا موجودا فيما أوجد من موجوداته، يتواصى بالحق كما تتواصون، ويقوم في الصبر كما تقومون، فيه الرواد وفيه المرودون، ومنه المريدون. يطلبون المعـرفة والمزيد من المعـرفة كما تطلبون، فيسـتمهلون ويوعـدون.
إني خالق بشـرا من طين فإذا سـويته ونفخت فيه من روحي قعوا له سـاجدين فعنده من العلم ما تطلبون… وهو معناي لتشـهدون إني جاعل في الأرض خليفة أيها المفتقرون، وغيب السـموات تطلبون.
يا أيها الناس: إن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبون، ويذكرونه كما تذكرون، ويعلمونه كما تعلمون، ويجهلونه كما تجهلون. وإنهم في أنفسـهم له يطلبون كما أنكم في أنفسـكم له تطلبون… فكيف تقدرون وقد خلقكم وما تعلمون وما تعملون؟
يا أيها الناس: كلكم لآدم وآدم من تراب.
يأيها الناس: إن اللـه خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا ونسـاء، وجعل منها بها بيتا وأرضا وكونا.
يا أيها الناس: من قتل نفسـا مؤمنة فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحيا نفسـا مؤمنة فكأنما أحيا الناس جميعا.
يا أيها الناس: إن كل نفس إنما هي الناس جميعا.
يا أيها الناس: كلكم راع وكلكم مسـئول عن رعيته. {عليكم أنفسـكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}[٢].
يا أيها الناس: حاسـبوا أنفسـكم، واقتلوا أنفسـكم، واحيوا أنفسـكم، وجددوا أنفسـكم، واحفظوا الحياة لأنفسـكم، وتكاثروا بأنفسـكم في أنفسـكم.
يا أيها الناس: إنكم لا تحيطون بشـيء من علمه عنه إلا بعلمكم عن أنفسكم، بما شـاء أن يوجد في أنفسكم، وبما شـاء أن تحيطوا به من العلم عن أنفسكم، في مشيئتكم مظهرا لمشيئته بكم.
يا أيها الناس: إن اللـه لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسـهم يظلمون.
يا أيها الناس: ما تعملون من مثقال ذرة، تشـهدون وتشـهدون.
يا أيها الناس: إنكم عملكم بأمانة اللـه فيكم من الحياة. فأحيوا أنفسـكم، أو أميتوها على ما شـئتم، فإنكم سـوف تجدون ما عملتـم وليس لكم إلا ما عملتم، وليس أنتم إلا ما عملتم. وإن ربكم عليكم إنما هو ما أنتم، فما كان ربكم إلا عمله، وما عمله إلا أنتم. فلا تطلبوا معرفة به وتعارفا إليه أكثر من معرفتكم عن أنفسـكم، ومما تعملون بأيديكم فيه يدا له تتواجدون، عملكم عمله على ما تشــاءون وبما توجـدون فيه، وها أنتم فيه به تشـهدون عملكم.
إذن من هو الرائد؟ وما هي الريادة؟ ومن هو المريد، وماذا يريد؟ إذا نظرنا للأمر بعين الحقيقة، بعين الواقع، بعين القائم، بعين المعقول، بنظر عملي، فالرائد إنما هو أنت… والمريد إنما هو أنت، وما يراد ما هو غيرك إنما هو أنت…
الرائد إنما هو العقل… والمريد إنما هو النفس… والمراد إنما هي الحياة.
الرائد إنما هو اللـه… والمريد إنما هو الوجود… والمراد إنما هو الدوام… هذا على نطاق كبير ولكنه فيك أنت أيضا يا من تدعو نفسـك بالصغير… فإن آمنت بالكبير كَبُـر فيك الصغير فصـار كبيرا… وإذا تواجد فيك الكبير صار بالحياة أكبر فأكبر فبعث منه ما صغر بجانبه الكبير وقد صار أصغر فأصغر…
تأمل اللانهائي وهو يقول للصغير مبشـرا واعدا مشـجعا مكبرا… إذا كنت تطلبني وما خلقتك إلا لتطلبني. وما قمت عليك إلا لتعرفني. وما دانوتك إلا لتظهرني، وفي كونك تتواجدني. ما وسـعتني أرضي ولا سـمائي ووسـعتني بقلبك أيها الصغير… نعم وسـعني قلب عبدي المؤمن.
كلنا أبناء الأرض، وكلنا أبناء السماء، وكلنا ملوك أنفسـنا، وحكماء قيامنا، ومدبرو بيوتنا. كلنا به الرائد، وكلنا إليه المريد. كلنا فيه أنفس طامحة، وعقول مفتقرة، كما أنَّا حياة تترنح، إما إلى مزيد وجديد، وإما إلى اسـتهلاك لما بنا من الحياة، فتناقص فزوال، لا عما تريد بل عن الكيان الذي به تريد.
وإن اللانهائي لمحقق لكل نفس ما تريد. إن أرادت العدم فذاك، وهذه أحواض العدم فلتردها. وإن أرادت الحياة فذاك وهذه أحواض الحياة فلتردها.
(كلكم لآدم وآدم من تراب)[٣]، {من صلصال كالفخار}[٤] أورده النـار، وجمعه على ما خلق من مارج من نار فتصلصلت طينته وشـفت ورقت زجاجته وأنتم أبنـاؤه… إن منكم إلا واردها كان في قانـون إيجـاده وخلقه حتما مقضيا… وإنكم في دارهـا وفي أول دورها بُرزت للإيقاظ للغاوين وحجبت برحمته عن المتقين وكان فعلها غراما للغافلين.
أما جنة الحياة ونعمتها فقطوفها دانية على ما تُدرك النار في وجودها تشـجيعا للطالبين، والناس في أول دورها حجبت عنهم من رحمته للاسـتزادة من كسـب الحياة، وعدم الاسـتغراق في اسـتهلاكها قبل تمامها.
ليس عبدا للـه من كانت الجنة مأواه، ومن كانت النار ما يخشـاه. إن اللـه هو المأوى وإن اللـه هو الذي يُخشـى. إن للـه جنة ليس فيها غير وجه اللـه يضحك… وإن للـه نارا هي برد وسـلام على عباده، وهي دار من دوره، كما أن الجنة دار من دوره. إن الجنة دار اسـتجمام حتى يفيق الإنسـان مما لقيه في دار البـلاء والابتـلاء والاختبـار والتكوين، فإذا ما أفاق رجع إلى النار… رجع إلى النار سـيدا لا مسـودا، ورجع إلى النار عاملا لا عملا… رجع إلى النار ليعاون من في النار على الانتفاع بهذه الدار، والسـعي فيها لكسـب معانيها، وإدراك غنائها ومغانيها، والبعد عن بلائها وابتلائها… إنها الحطمة… إنها نار اللـه الموقدة… إنها مفعل ذري في الوجود الكوني… إنها فرن صهر لتطوير الأبعاض إلى كل… إنها عالم أو صفة تكوين فلا تظنوا باللـه الظنون.
قد أبلغكم إن منكم إلا واردها كان على ربكم حتما… نعم كان على ربكم حتما مقضيا… فما كان ربكم إلا آدم سـبقكم في آدمكم، وما كان قيامه إلا قديم جديدكم عليكم، وهكذا يكون أمركم على جديد لآدم منكم في فطرة الحق، وقوانين الصفات للوجود.
إن آدم هو الرائد، وإن آدم هو المريد، وإن آدم هو المراد. {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم}[٥]، وأشـهدنا الذرية على أصولها، وأشـهدنا الأصـول على فروعها، فشـهد الفرع الحـق بشـهودهم لأصولهم من الحـق، وأنهم عباده، وأن الحق فيهم… وشـهد الأصول الحق في شـهودهم لأبنائهم من الحق وأنهم عبـاده، وأن ما كانوا يريدون مما كان مرادا أصبح وجودا… لقد أصبح المريد بأمسـه هو المراد في غده والرائد في يومه.
إنكم اليوم رواد أنفسـكم، قديمكم من الآباء يدانيكم ليبحث فيكم عن رواد لأنفسـهم من بينكم ليتجدد من خلالكم في أبناء بيوت حية، فيعرف بقديم معناه في جديده منكم بما يتجدد خلالكم له ولكم من جديد تواجد.
هذه هي قوانين الفطرة… فإنكم أبناء لآباء يسـهر عليكم هؤلاء الآبـاء حتى إذا ما رأوا فيكم صلاح أنفسـكم من صلاح فطرتكم، قاموا بالحق عليكم، فأدركتم الحق فيهم بالحق في أنفسـكم، وطلبتم المزيد من الحق من خلالكم فيمن يتجددون بكم فيجعلون منكم روادا لهم من أبنائكم بإرادتهم بعد أن جعلتم من آبائكم روادا لكم بإرادتكم.
إن أحسـن تقويم من قيامكم منه نشـأتم، يطلب المزيد في أحسـن تقويم خـلال قيامكم بعثا له منكم في أبنائكم، {ما ننسـخ من آية أو ننسـها نأت بخير منها أو مثلها}[٦]. إنكم ترفعون طبقا فوق طبق… وإنكم تبعثون طبقا بعد طبق… وإنكم في اللانهائي لا تنتهون لا في رفعكم طبقا فـوق طبق، ولا في بعثكم طبقا من بعد طبق…
إن هذا الإدراك هو ما جاءكم به عبده… الوعي والإدراك. من رأى في الفطرة له دين، وفي العلم عنه له يقين، وفي اليقين ربه، فرأى الذات منه كونه، والفعل به رسـوله، والروح له قيامه وعالمه، والنفس خصمه وعبده، والوجود معناه وداره، فعرف أن الإنسان هو وجه الرحمن، وأن الإنسـان هو ذات العلمية على الإلـه، وأنه له علم حاضره في عالم الحاضر من وجوده، وعرف أن اللـه ما ظهر في شـيء مثل ظهوره في الإنسـان، وعرف أن الإنسـان إنما يحيا بتجدد أثواب الحياة، فيواصل الحياة بخلع ثياب الفناء ولبس ثياب البقاء، فهو إذا ما رثت ثياب التواجد الوقتي وقد أوفت بوظيفتها لسـرمدي الحياة فيه، خلع الرث البالي من الثياب واختار بالمحبة والمؤاخاة جديده قبل خلع قديمه… خلع ما بلي من الثياب - بقانون الموت -خلع الذي وفى مهمته من الثياب - بقانون الرحمة - خلع الذي نضج من الثياب - بقانون العدل - ولبس جديدا من الثياب - بقانون العطاء -. عرف الموت كما عرف الحياة، عرف الموت طريقا إلى الحياة، وعرف الحياة طريقا إلى الموت. عرف ضرورة الموت كما عرف ضرورة الحياة، فقال حياتي - وهو الحي - خير لي ولكم. وقال مماتي - وهو الميت في لانهائي مراده - خير لي ولكم. هكذا كان الرسـول حقا خيرا لنا وخيرا لأمته وخيرا للناس في حياته، وقد ظهر بالحياة، كما كان خيرا لنا وخيرا لأمته وخيرا للناس في مماته وقد تظاهر بالممات.
أمرنـا أن لا نحرص على دار وأن لا يسـتقر بنا في أرض قرار. فلنعبر الدار عبور الغرباء لا نقيم، ولا نتأبد، ولا نتأزل، ولا نركن، حتى لا تحكمنا ذات من دار، (عش في الدنيا كأنك غريب)[٧] مهما كنت من أهلها، ومهما قلنا إنك من أبنائها، ومهما قلنا إن الأرض هي التي أنبتتك ومن أحشـائها غذتك، وأن السـماء بك فيها أولجتك وعلى صورتها أوجدتك. يا ابن السـماء والأرض عش في الدنيا كأنك غريب. عش في داني الحياة، عش في حاضر الحياة، كأنك غريب أو عابر سـبيل وعد نفسـك ممن عرفت من الموتى… عد نفسـك ممن تحـب من الموتى… عد نفسـك مع الآباء والأجداد من الموت… عد نفسـك من الموتى، ممن تعرف أو لا تعرف، إن فعلت… إن مارسـت إن تهيأت… إن لهذا الوضع نفسـك هيأت… إن في مقبرة دخلت، وفي ظلام أقمت. كلمك الموتى، وصلك الموتى، عرفك الموتى، طلبك الموتى، فآمنت أن الحياة متصلة لا تنقطع، وأن الكون مهتز مترنم باسـم اللـه لا يهجع… مسـبح لذكره ولغيره لا يخضع. هكذا هي الحياة… الموتى خلالك يبعثون، وكما أوجدهم أول مرة يوجدون ويتواجدون… وهذا ما به يرجعون.
إن أنسـجتك تتجدد، إن جنسـك يتجدد، إن آدمك يتجدد، إن وعيك يتجدد، إن علمك يتجدد، إن جهلك يتجدد، إن نورك يتجدد، إن ظلامك يتجدد.
ها أنت تجدد قديم القديم. إن مسـتقبل المسـتقبل ليس غيرك… وليس غير قديمك. إن الماضي ينتظر التحاقك به لتأخذ مكانه حتى يأخذ مكانك من الحاضر. وفي هذا تجدده، وفي هذا بعثه، وفي هذا قيامه {كما بدأنا أول خلق نعيده}[٨]، {فلينظر الإنسـان مم خلق}[٩]، {وضرب لنا مثلا ونسـي خلقه}[١٠] يحييها الذي أنشـأها… كما بدأ أول خـلق يعيده… قـادر على أن يسـوى بنان جديده لبنان قديمـه.
أي بعث ينتظر الناس؟ وأي قيامة ينتظر الناس؟ وقد بعث محمد بينهم عبدا لرب ظاهرا لباطن. أعلمهم بهديه وقيامه، كما أعلمهم بلسـان ربه في بلاغه. هكذا هكذا… بخ بخ {وإنك لعلى خلق عظيم}[١١] حمدًا لربي (فقد بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)[١٢]، نعم نعم يا عبدي إلى ربك منتهاها… وما تم لك يتم لأمتك.
هكذا يكون البعث، وهكذا تكون القيامة، وهكذا يكون القيام بالحق، وهكذا يكون العلم عند مدينته، عند كتـابه، عند عبد لرب… أحبه ربه فكانه، وأحب ربه فكانه… فلا عبد ولا رب، ولا رب ولا عبد، ولكن ظاهر لباطن للحق في فطرة الوجود.
{وقل جاء الحق وزهق الباطل}[١٣]. الذين آمنوا بما أنزل من الحق كفر عنهم سـيئاتهم وأصلح بالهم. هذا دين القيمة… هذا دين السـادة… هذا دين الأحرار.
فماذا يريد الناس وقد أدركوا أول الحشـر، وأول البعث، وأول القيامة، وأول السـاعة؟ وجعل يوم الفصل فيما اختلفوا فيه من ذلك ميقاتا يبعثون فيه أحقابا. (يبعث الله في هذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها أمور دينها)[١٤] فيتجدد قيامها بالحق، وتتجدد قيامتها بالحق، وتتجدد سـاعتها بالحق، ويتجدد وعيها بالحق، ويمحى ظلامها في قديمه، ويولد ظلامها في جديده، ويسـتوفي نورها في قديمه وحاضره، ويولد نورها في حاضره وقابله… دواليك… قانونا للصمد الذي لا يتغير فيه أمر، ولا يتغير فيه حكم، ولا يتغير فيه قيام، فاطر السـموات والأرض… الأحد اللانهائي الذي يدرك معروفا بالوعي لآحاده من الإنسـان، ولا يغيب عنهم حياة ولا قياما ولا حسـا، الذي هو أقرب للناس من حبل الوريد، الذي هو معهم أينما كانـوا، الذي هو عليهم حافظ بما يضع عليهم من حفظته ومن ربوبيته لعوالمهم، ومن سـيادة وخدمة لقيامهم. إنهم فيه في ظل قانون دائب يبعثون بحصيلة قديمهم، ويعملون بحاضرهم فيه أقلاما بما في قلوبهم، ألواحا تقرأ بصحائف أعمالهم في ذوات حيواتهم. {ن والقلم وما يسـطرون}[١٥].
هل أدرك الناس أنهم أبناء لآدم، وأنهم بأوادمهم أبناء الإنسـان، وأنهم كأوادم لأوادم أبناء السـماء والأرض، وأنهم بذلك عبـاد الموجود الحق، وأنهم بذلك أبناء الحق، وأنهم بذلك أبناء اللـه، وأنهم بحاضـرهم أبناء الطبيعة بظواهرهم، وأبناء الفطرة بجواهـرهم؟ هل أدركـوا قيمهم، في قيمتهم فيمن أوجـدهم بإدراكهم لِمَ أوجـدهم؟ وعلمهم ما هو فاعل بهم؟ إنهم ظنـوا باللـه الظنون. إنهم فتنوا بأنفسـهم من حاضر دناهم، أو فتنوا عن أنفسـهم بدنياهم. إنهم سـودوا على دنيا أنفسـهم دنيا طعامهم فأفنوا الفاني في معانيهم في الفاني في قيامهم، وما ردوا الباقي في قيامهم إلى الباقي الذي أرادهم ليقومهم.
هذا هو دين محمد فهل الناس في دين محمد؟ إن محمدا آدم من عرفه آدم نفسـه، آدم عقله، آدم قلبه، آدم روحه، آدم نوره فاسـتزاده روح روحه، ونـور نـوره. إن اللـه ضرب بمحمد في الناس مثلا جعله أسـوة للناس كافة في نفسـه وفي بيته فجعل منه بيتا، وجعل ممن فيه أزواجا وأمهات، وجعل من محمد في البيت أبا، وجعل من عَليٍّ في البيت ولدا، وجعل من فاطمة التي فطمت نفسـها عن الدنيا وعن الآخرة، جعل منها في البيت روحا للحيـاة، وسـراجا يُشـرق بنور الحياة. جعل منها روحا بعثت بروح سـبقت في قديم الحيـاة. جعل منها روحـا تقوم بها الأرواح، وتحيـا بها الأشـباح. وجعل من الولد للأبناء أسـوة، وجعل من الأب للأبناء غاية.
هذا ما ضرب من مثل بمحمد وببيت لمحمد، فضيع الناس المثل والأسـوة لأنفسـهم إلا من رحم، وقليل ما هم - وما أسـاءوا لمحمد، ولا لبيت محمد، ولكن لأنفسـهم أسـاءوا.
إن الكلمات والآيات وسـفن النجاة قدمت لهم سـمحة، طيعة، دانية، مصاحبة، كلما تجددت أممهم وأجيالهم، السـفن ما ركبوها، والحياة ما نشـدوها، والبنوة للحق ما قبلوها.
ضُرب لهم ابن مريم مثلا عن أهل بيت محمد، وعن آل محمد، وعن معنى محمد، وعن قيام محمد، وعن موت محمد، وعن بعث محمد، فإذا هم عن المثل المضروب يصدون. لا يقبلونه لا في محمد، ولا في ابن لمحمد، ولا في أبناء ابن لمحمد يبعث به حق محمد ويتجدد بهم بينهم تكاثر محمد، وتقوم بهم شـفاعة محمد. وها هي روح محمد تظهر بأمر محمد، وبشـأن محمد، وبهدي محمد، روحا هي جديده من روح قديمه هي بجديده عين قديمه.
إن الزهراء التي لم يؤبه لها، ولم يدرك لها معنى، ولم يقدر لها عند المسـلمين وزن، هي الإسـلام كله، وهي الدين كله، وهي بكلها من روح الرسـول، وهي الحق في كلها، وهي القيام كله. سـربلها الإسـلام بالحجاب إكبارا، وجعل مقامها البيت إشـارة لعظمة معناها تطلب لا تطلب، وقدس مبناها، وجعلها باطن قبلة مصلاها، وسـر الوجود لبيتها، وحياة الحياة لأبنائها وشـهودها، ولمن توالد منها، ولمن يطلب التوالد منها، ولما يتوالد منها، ولما يوجد بها، أو يتواجد فيها. وما توالد منها إلا كائن الكون، وما يولد منها إلا كائن الكون، وما ولدت إلا الكون، وما كانت إلا ما قبل الكون كلمة للـه وروحا منه، وسـر رسـول اللـه، وحقيقة رسـول اللـه، وغيب رسـول اللـه، وعظمة رسـول اللـه، ورفيع رسـول اللـه. فما ظهر رسـول اللـه بين الناس وللنـاس إلا كلمة للـه، منها من كلمات للـه، بها حضرة روح قدس اللـه له. وما كان في معناه بها إلا الغيب يعرفه ربه. وما أدركها الناس وما أدركوه، وما قدرها الناس وما قدروه. رآها عليّ له -على ما رآها محمد له- أما لا زوج، ورآها رسـول اللـه له أما وجدة، لا بضعا ولا ابنة.
إنها مكنون الإسـلام عند من عرفوا الإسـلام. إنها ليلى غناء المحبين، ومجلى الجمال الحـقي للعاشقين، وجلال اللـه للعـارفين، حكمته في أفئدتهم ووحدانيته لهم. إنها غيب الغيب ومجلى الغيب، وجمال الجمال من الغيب. إنها أمومة البشرية من آدمها بمحمد. إنها أمومة الإنسـان… إنها بنوة الإنسان… إنها جمال الإنسـان… إنها مع إنسانها عين إنسانه… إنها في معانيها عين معانيه.
ماذا عرفنا عن آل بيت رسـول اللـه؟ ماذا عرفنا عن رسـول اللـه؟ ماذا عرفنا عن ظاهر رسـول اللـه؟ ماذا عرفنا عن باطن رسـول اللـه؟ ما عرفنا شيئا، ولا حول ولا قوة إلا باللـه.
ها نحن في هذا العصر يتجدد لنا الإسـلام تُجدده الفطرة، وهو الغريب علينا، الغريب بيننا، الغريب عنا على سـنن من سـبق تجدده، وقد كان غريبا على آبائنا يوما كما كان غريبا على آبائهم يوما، وقد كان غريبا بين آبائنا بعد محمد، وما زال غريبا اليـوم على قومه حتى تتجدد به عقائدهم، ونرجو أن لا يكون غريبا على أبنائنا على غرابته بيننا على سـنته قبل أجيال مديدة.
إنه النور الذي أنزل على محمد وما رفع من الأرض ولن يرفع منها. إنه الروح الذي أنزل على محمد وما رفع من الأرض ولن يرفع منها، ولكنه يتجاهل ويُجهل أو يتعارف فيُعرف، ويطلب فيوجد. إنـه قدسـية هذه الأرض، قدسـية هذه البشـرية، حقية هذا الجنس لا تفارقه بعد محمد، بالحق أنزل وبالحق ينزل.
إذا طلبه الناس وجدوه، وإذا وجدوه عرفوه، وإذا عرفوه عشـقوه، وإذا عشـقوه قتلهم جماله، وإذا قتلهم جماله قامهم مجاله وأكملهم حاله.
هذا هو دين الإسـلام نسـأله اللـه لنا، ولأبنائنا، ونسـأله لهم مزيدا فاتنا، وفات آباءنا، إنه سـميع مجيب للدعاء… ملبي للنداء… محقق لكل رجاء.
اللـهم قوم فيك سـبيلنا، وجدد بحقك قلوبنا، وأشـرق بنورك في عقولنا، وأطلق اللـهم برحمتك أرواحنا، وزكي وطهر بفضلك نفوسـنا، وأحيِ وقوم فيك جوارحنا. اللـهم ضعنا في الطريق، ولا تضعنا في أنفسـنا بأنفسـنا. اللـهم خذ بيدنا وبنواصينا إلى الخيـر. اللـهم أنزل سـكينتك على قلوبنا، وعلى أرضنا، وفي إنسـانيتنا، وارزقنا الإسـلام، وفطرة الإسـلام…
لا إلـه غيرك ولا معبـــود سـواك.
أضواء على الطريق
(لقد جاءكم العلم منذ سـنين كثيرة عن طريق إنسـان عرف القانون وعلمه، ألا تتعلمون لتسـتجيبوا لذبذبات المسـتويات الروحية العليا؟ ألا تتأكدون أنكم لسـتم أبدا وحدكم، وإنما أنتم محاطون بضيوف دائما، ممن يحبونكم ويجتهدون في حراسـتكم ومسـاعدتكم وإلهامكم وإرشـادكم؟ ألا تتحققون عندما تنهضون بأرواحكم من أنكم كائنات تجذب نحو أعظم الأرواح قاطبة، مصبحين أكثر ترنما مع قانونه؟).
(إذا سـألتم كل الذين يعودون إليكم من لدينا سـتجدونهم جميعا يقولون إن القانون صحيح. لن يرغبوا أبدا في العودة إلى عالم المادة. أنتم تبحثون عن السـلام في خارج أنفسـكم. وأنا أحاول أن أريكم أن السـلام الأبـدي في داخلكم، وأن أعظم الثروات هي ثروات الروح).
(عن هدي السـيد الروح المرشـد سـلفر برش)
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الحج - ٧٥ ↩︎
سورة المائدة - ١٠٥ ↩︎
حديث شريف: “كلكم بنو آدم وآدم خُلق من تراب.” أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد ↩︎
سورة الرحمن - ١٤ ↩︎
سورة الأعراف - ١٧٢ ↩︎
سورة البقرة - ١٠٦ ↩︎
حديث شريف رواه عبد الله بن عمر: “أخذ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ببعضِ جسدي وقال: كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ وعُدَّ نفسَك في الموتَى”. أخرجه البخاري. ↩︎
سورة الأنبياء - ١٠٤ ↩︎
سورة الطارق - ٥ ↩︎
سورة يس - ٧٨ ↩︎
سورة القلم - ٤ ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: "(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) أخرجه أحمد والبخاري، والبزار باختلاف يسير. ↩︎
سورة الإسراء - ٨١ ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داود والحاكم. ↩︎
سورة القلم - ١ ↩︎