(١٩)
لا أنا ولا أنت ولا هو
ولكنها الحياة وذكر الله
حديث الجمعة
٥ رجب ١٣٨٠ هـ - ٢٣ ديسمبر ١٩٦٠ م
أنا… أنتَ… هــو… أنا… أبي… جــدي
أنا… أنتِ… هــي… أنا… أمي… أبـــي
ثـلاث ضمائر في ثـلاث ضمائر… ثلاث خلائق لثـلاث حقائق.
هذا الثالوث من الضمائر ومن الخلائق ومن الحقائق يجتمع في كائن واحد هو الإنسـان، هو عبد ورب وغيب. عبد في المتحدث بأنا، رب في مخاطب بأنت، غيب لمعروف بهو.
أنا… أنت هو… هـو… أنت أنا… أنت… هو أنا… {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك}[١]، إن فنى مما عليها كل ما غيره وبقي عليها كل ما وجهه. تخاطب من عليها أنا هو أنت. وأنت هو أنا. وأنا وأنت هو. وهو أنا وأنت. تعارفت القلوب إلى القلوب وتعارفت الضمائر إلى الضمائر، وعنون الناس رب الناس، وقام الناس برب الناس، وكان الناس إلـه الناس. إلى ربك منتهاها. توحد الناس فتوحد اللـه، إن توحدوه فوحدوه، فقام ما جاء من الحق {قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إلـه الناس}[٢]…
ما عرف الناس من ربهم مجهولا، وما عرف الناس من ملكهم مجهولا، وما عرف النـاس عن قدسـهم مجهولا، فرب النـاس بين الناس وفي الناس، وملك الناس على الناس ومن الناس، وإلـه الناس في الناس وفوق الناس وبين الناس.
يا من نسـوا أنهم الناس، وعرفوا أنهم في رب الناس ومن رب الناس… يا من عرفـوا أنه الناس وأن فيهم رب الناس… احمدوا اللـه رب العالمين مالك يوم الدين، واعلموا أنه يأتي الأرض ينقصها من أطرافها، وأنه يرفع إلى معانيه بيوتا منها. خاطبوه في أنفسـكم حاضرا لا غائبا. قولوا له إياك نعبد وإياك نسـتعين. اهدنـا الصراط المسـتقيم. فهو قائم على كل نفس بما كسـبت، ومن وراء كل نفس محيط، وأقرب إليكم من حبل الوريد. إنه يلحقكم ويتخللكم بلطيفه ويسـتخلفكم بتنزيهه وتشـريفه.
ليس في داركم ظاهر معنى للنعيم. فما أنعم في داركم بنعمة إلا في القلب… لا تدرك، وعلى القالب لا تظهر، وبه لا تقوم، فكيف نشـهد منحة اللـه في المنعم عليهم من اللـه إلا في تحسـس وتلمس ما في الناس من تخلق بأخلاق اللـه. أخفاهم في الناس؟
إن رسـول اللـه ما كان أسـوة للناس يتأسـون بها وقدوة للناس يقتدونها لأنه في ظاهره من الجسـد، أو فيما يظهر على جسـده مما في قلبه، ظاهرا بما يغاير الناس، وبما يميزه عن الناس بين الناس. ولكن الذي ظهر به إنما هو حسـن الخلق.
فأنت في حاضرك إنما تقوم في هذا الحاضر بأنانيتك. فأنا منك هو حاضرك وأنت منـك هو ماضيك، وهو منك هو مسـتقبلك… إن الرحلة من ماضيك إلى مسـتقبلك عبر حاضرك. فإذا لـم يسـجد ماضيك لحاضـرك ما سـجد حاضـرك لمسـتقبلك.
لقد تحدثت إليكم كثيرا أن الإنسـان عبد ورب في نفسـه، وشـرف عبده في نفسـه لا يقل أبدا عن شـرف ربه في نفسـه - إن لم يزد -. إن العبد والرب فيك يجمعهما أنـا واحد هو معاني الإنسـان إذا كانت لـك في أنانيتك. إذا كان ماضيك حقيقة، هو الرب في الحقيقة كان حاضـرك هو العبد. وإذا كان ماضيك حقيقة هو العبد في الحقيقة كان حاضرك هو الرب. فإذا كنت بحاضرك وماضيك عبد ورب، أو رب وعبد كان مسـتقبلك هـو الإنسـان الذي يجمع معاني العبد والرب.
أما إذا كان ماضيك لم يقم فيه معاني الرب أو العبد وطلبت معنى الإنسـان المسـتقيم لمسـتقبلك، فيجب أن تُسـجد هذا الماضي لأنانية الحاضر المقيم المقوم حتى تهيئ السـبيل لبعثه في المسـتقبل بمعان في الإنسـان الجامع الذي ترجو بمعاني العبد، وتهيئ للحاضر ارتقاء السـلم بمعاني الرب.
هذا الذي أقول ما يُدَرِّكه لنا القرآن في عبارات صريحة وهو يقــول {أعطى كل شـيء خلقه ثم هدى}[٣]. ويضرب مثلا لفعله وهديه فيقول لرسـوله: {واتلُ عليهم نبأ ابني آدم بالحق}[٤]. إن آدم بالحق أحاط بآدمين نشـآ منه، وقام بآدمين أنشـأهما له. وأنشـأهما فيه ليعلم وليتعلم وليُعلم بما عَلم. اضرب لهم مثل ابني آدم بالحق… إن آدم تُوفى بالحق، وقام في الحق، إنه تلقى من ربه كلمات فتاب عليه ثم اجتباه إليه ربه وهدى، فأصبح آدم بالحق… وقام فيه كلمتان… قام فيه شـجرتان… كانا فيه ولدان… كانا فيه آدمان قدما لربهما قربانا… قدما لأبيهما من العمل ما يرونه صالحا، فرآه من أحدهما صالحا مقبولا بما هو متكشـف له من طويته محيطا به، ولم يره من الآخر صالحا وقد كان عين العمل وصورته. فكتم حكمه وأضاف الحكم إلى غيبه فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر لأنه وإن أظهر ما أظهر أخوه إلا أنه أبطن غير ما أبطن أخوه.
كلنا يريد أن يكون آدم الحق… ألسـنا أولادا لآدم؟! وقد كرم اللـه أبناء آدم وبشـرهم أنه آخذ من ظهورهم ذريتهم ومشـهدهم على أنفسـهم وجاعل منهم العبد والرب، ولكن الآن من أي الولدين نبتنا؟ وفي أي الولدين تجددنا؟ كلنا أحفاد لآدم ولكننا أبناء لمن لم يتقبل منه… ألم يتصارع الولدان! ألم يتشـاجر الآدمان! ألم يقل أحدهما لأخيه: إن مددت يدك إليَّ لتقتلني ما أنا بباسـط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف اللـه رب العالمين؟ وامتدت يد أبينا إلى أخيه فقتله. أمر قامت به فطرة القتل بين أحفاد آدم حتى يبعث لهم أبوهم بالسـلام بينهم. بقي القاتل يتزوج ويلد، وذهب المقتول إلى عالم جديد… في لباس من خلق جديد. ذهب المقتول وهو المرضي عنه إلى الراضي عنه… إلى أبيه، فجدده فيه. فتجدد آدما فيه، آدم بالحق، فكان بذلك قانون الحياة من الموت. كل من ثكل نفسـه، كل من قتل نفسـه فقد أحيـا الناس جميعا. كل من قتله أخوه في صراع على الحـق، ذهب فيه شـهيد الحق. رجع لآدم بالحق، فتواجدت الأرواح في آدم الحق أوادم حق، وتكاثرت الأشـباح على الأرض في عالم الظلام أهل ظلام… لا يغير اللـه ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسـهم. وبذلك كانت الأرض دار عمل واختبار وتغيير لقتل النفس وإحياء القلب، وتطوير الذات، لمن لا دار له، ولمن لا مال له، ولمن لا رب لـه.
وبذلك قال رسـول اللـه، (إن الشـيطان يجري من الإنسان مجرى الدم)[٥]مشـيرا إلى أنكم بذواتكم التي تدبون بها على الأرض ما أنتم إلا تكاثـر هذا الابن العاق الذي لم يقبل عمله وولده، ولـم يحسـن في اللـه أصلـه وأنتم عمله وأصله. اقتلوا أنفسـكم ليتـوب عليكم وعليه بكم، موتـوا قبل أن تمـوتوا، موتوا عن أنانيتكم لتتحرر أرواحكم وتترمل نفوسـكم، فتعودوا إلى أبيكم بالحـق متحررين طلقاء من أوزار ذواتكم. إن سـوءتكم إنما هي أنانية نفوسـكم فداروا سـوءتكم بقتلها في مقبرة ذواتكم.
إن الذين لا يقتلون أنفسـهم ولو كانوا الأنبياء لا يعرفون طريقهم إلى الحقيقة، ولا يعرفون طريقهم إلى الإنسـان، ولا يعرفون طريقهم إلى آدم بالحق. وما هي أنفسـهم التي يقتلون؟ أذواتهم التي بها يكسـبون؟ ونارهم التي بها يتحـركون؟ وعقولهم التي بها يدبرون؟ لا يا سـيدي… إن نفوسـهم التي يطلب منهم أن يقتلوا إنما هي ماضيهم، إنما هي نسـبة أنفسـهم في حاضرهم إلى أنفسـهم من ماضيهم وهم مواليد الفطرة اليوم. فما كان ماضيهم إلا الشـيطان، وما كان ماضيهم إلا الغفلـة والنسـيان، وما كان ماضيهم إلا الزور والبهتان. ما كان ماضيهم من العرفان، ما كان ماضيهم إلا النكران. لم يكن ماضيهم كمال الإحسـان أو شـيئا من الإحسـان. أليسـوا هم عمل ذلك الابن الذي لم يقبل منه عمله؟ أليسـوا هم أبناء ذلك الابن أصل الأسـرة في بني الإنسـان والقاتل لأصل الفدية في أبنائه؟! أليس أبوهم مصدر الأثرة القاتل لمصدر الغيرية؟
أليس هذا مدركا لهم في غرائزهم، وفي صفاتهم، وفي أحوالهم، وفي بصيرتهم، وكل نفس على نفسـها بصيرة وإن أبدت عن سـوءاتها معاذير؟ إن الماضي يشـعر بملكيته للحاضر ويراه عمله، وهذا ما عناه عيسـى من عبارته: هذه الدار مملكة الفتان أو مملكة الشـيطان، وقد تمثل الماضي في العاق من الولدين، ولكن هذا الماضي له ماض كان هو عمله أيضا. إن الحق لا يتصف بصفات الماضي ولا بصفات الحاضر أو المسـتقبل. وبذلك كانت دعـوى الماضي بملكيته الحاضـر نقصا في الوعي، كماله إدراك اسـتمرار الماضي في عالم الحاضر لمواصلة العمل أو تجديده لإعطاء الفرصة للجديد لتحقيق ما فات القديم.
إن قتل النفس إنما هو قطع حاضر النفس من شـجرة ماضيها بمولد الفطرة اقتلوا أنفسـكم، {فصلِ لربك وانحر}[٦]، لا تواصلوا التواجـد مرتبطين بالشـجرة الخبيثة التي سـتجتث من فوق الأرض يوما فما لها من قرار. ازرعوا أنفسـكم في الشـجرة الطيبة المباركة التي لها البقاء على الأرض والتي فرعها في السـماء. تابعوا رسـل اللـه، لبوا نداء اللـه من أنفسـكم، اقرأوهم كتب اللـه بينكم، اقرأوها كلما جاءتكم في ذكر محدث من ربكم، رسـولا من أنفسـكم قتل نفسـه وزرع نفسـه… قتلها وقطعها من ماضيها من سـوءة أصله المـادي وإن صلح، وزرعها في الشـجرة الطيبة رآها في الروح المستشـهد فأمسـك بها، وتعلق بها، وزرع نفسـه فيها، فكان غصنا منها امتد إلى السـماء، قطوفها له دانية وارتد إلى الأرض قطوفها به دانية…
رأى الحيـاة جنتان، رأى الحيـاة جنـانا في جنـان من جنـان… ورأى العذاب والفناء والعدم في الحرمان. اسـتيقظ فأذَّن لليقظة وصَلَّى بالصلة فأذَّن للصلاة. لبى النداء فعرف المنادي، فنادى. نادى للصلاح. نادى للفلاح. نادى للحجيج.
أذن في الناس بالحج… فلبته السـموات، واسـتجابت لندائه الأرواح قبل الأشـباح. إنه ابن الروح، وابن روح الروح قبل أن يكون ابنا للأرض. إنه ابن الحياة، وابن حياة الحياة. إنه الحياة. إنه الإنسـان وابن الإنسـان. إنه آدم وابن آدم. إنه إنسـان آدم وآدم الإنسـان. إنه الآدمية. إنه الإنسـانية. إنه الروحية. إنه الروح. إنه السـبوح. إنه الإنسـان. إنه ابن الإنسـان. إنـه عبد الـرحمن. إنـه وجـه الـرحمن. إنه عبد اللـه. إنه ذكر اللـه. إنه خلق اللـه. إنه وجه اللـه. إنه الحق من اللـه. إنه روح الوجود. إنه سـر الوجود. إنه رسـول المعروف الموجود…
هل أدركت طلعته؟ هل دخلت مدينته؟ هل عرفت رسـالته؟ هل اسـتقبلت قبلته؟ هل طرقت منه فيك بابك؟ هل كشـفت عنك منك عنه حجابك؟
إنـه أنت… إنك هـو… إنـه أناك… إنك أناه… إنه عبد اللـه… أنـا… هو… أنت. أنت… هو… أنا… هو… أنا… أنت. هو وأنا فيك أنت. أنا وأنت فيه هو. هو وأنت في أنا. أنا وهـو فيك أنت. لا أنا ولا أنت ولا هـو، ولكنه ذكر اللـه فينا، وذكر اللـه لنا، وذكر اللـه بنا. ولن يُعرف ذكر اللـه لنا ما دام فينا أنا وهو وأنت…
فلا حاضري، ولا ماضي، ولا مسـتقبلي… ولكنها الحياة… تناسى ماضيك بأنت، وتناسى حاضرك بأنا، وتناس قابلك بهو، واذكر الحيـاة. إن الحياة تجمعك بماضيك وحاضرك وقابلك. اعرف الحياة تعرف ماضيك وحاضرك ومسـتقبلك. اعرف الحياة تعرفك الحياة. وإن عرفتك الحياة عرفت الحياة. فلا حاضر ولا ماضي ولا مسـتقبل لك.
إنك يا أخي. إنك يا أنا. إنك يا هو. إنك في هذه الدار وفي هذه الحياة، تحيا وأنا معك وهو معنا فيما قبل الحياة… ولا أقول نحيا أو أحيا أو يحيا، بل أقول نتواجد فيما قبل الحياة… لا ولا أقول نتواجد بل أقول نحيا فيما قبل التواجد. لا أدري ماذا أقول إلا أن الحياة في التواجد وأن التواجد في الحياة. فما حيا من لم يتواجد وما تواجد من لم يحيا.
إننا في هذه الدار نرسـم لأنفسـنا الحياة والتواجد يوم تسـدد خطانا، ونوفق إلى سـبيل الحياة والتواجد، ونطرق طريق الحياة والتواجد. وما الحياة والتواجد على ما علَّمنا رسـول اللـه إلا أن نقف أمام معناه بابا نطـرقه لطـريق اللـه… بابا لمدينة العلم عن اللـه. لا نعلم عن اللـه ما لـم ندخلها. إذا لم ندخلها فلن نعلـم عن اللـه. وإن دخلنـاها فلن نجهل عن اللـه.
هذه هي الحياة، وهذا هو التواجد، وهذه هي طريق الحياة والتواجد. فأين رسـول اللـه؟ وكيف رسـول اللـه؟ ومتى رسـول اللـه؟ ومن رسـول اللـه؟ هذا هو فقه دين اللـه. إذا لم نفقه في رسـول اللـه، فإنا لا نعرف الطريق إلى طريق اللـه. وإذا لم نعرف الطريق إلى سـبيل اللـه فقد ضللنا السـبيل وما دخلنا في دين اللـه، ما دخلنا في دين كتاب اللـه، وما كنا في دين رسـول اللـه.
يقولون إن محمدا خاتم النبيين. نعم هو خاتم النبيين وجماع الدين. ولكن هل عرفتم لماذا وصف محمد بخاتم النبيين؟ نعم عرفنا لأنه لا نبـي بعده. وهل عرفتم لماذا لا يكون هناك نبيون بعده؟ إنه لا نبيون بعده حقا لأن اللـه قال له {إنا أعطيناك الكوثر}[٧] {إن شـانئك هو الأبتر}[٨]كيف يكون هناك نبيون بعده وهو نبي متكاثر لا يغيب؟ وهو متكاثر لا ينقطع تكاثره في السـاجدين، ولا يختفي عن الطالبين؟ إن شـانئه هو الأبتر! إنه يتكاثر بذاته، إنه يتكاثر بمعناه، إنه يتكاثر بروحه، إنه يتكاثر بعلمه، إنه يتكاثر بأسـمائه، إنه يتكاثر بصفاته، إنه يتكاثر بآلاء اللـه، إنه يتكاثر بنعمة اللـه، إنه يتكاثـر بحق اللـه، إنه يتكاثر بانتشـار نور اللـه، إنه يتكاثر بقدرة اللـه، إنه يتكاثر بعزة اللـه، إنه يتكاثر بعباد اللـه، فكيف يكون هناك نبي من بعده، وهو هذا كله؟ وهو بهذا كله قائم عامل لا يغيب ولا يهدأ. فإن كنتم قد جهلتم فيه هذا كله ثم تقولون لا نبي بعده وأنتم المسـلمون! فسـبحان اللـه! ألكم عقول أنتم؟! ألكم وأنتم المسـلمون قلوب؟! ألكم نفوس؟! ألكم وجود؟! ألا ينبض فيكم عرق بالحياة فقدتموها؟! ألا تتأسـفون على فقدان الحياة وأنتم تسـمعون أخبارها وتتناقلونها جيلا بعد جيل؟! ألا تدركون ما لحقكم من الموت، وقد كنتم أمواتا فأحياكم؟!
كيف لا يكون نبي بعده وهو كل الأنبياء؟ كيف يكون لا نبي بعده والأنبياء يبعثون في أمته من بعده علماء؟ وقد آمنوا به أرواحا لذاته أتباعا، وكل طالب للـه من عهد آدمه يبعث في قومه من إنسـانيته على طلبه من اللـه، وما قومه وإنسـانيته إلا الناس جميعا من بعد ظهوره بينهم بالحق في شـبحيته ذاتا من الخلق. كيف لا يكون نبي من بعده والأنبياء من بعده لا عد لهم، ولا حصر لهم؟
أين هم الأنبياء من قبله أمام قيم الأنبياء من بعده؟ ماذا حَصل الأنبياء من قبله، أمام حصيلة الأنبياء من بعده؟ ألم يقل لكم (علماء أمتي كأنبياء بني إسـرائيل)[٩] ؟ إذا كان الأنبياء في بني إسـرائيل لم ينقطع خبرهم وتواجدهم، فكذلك العلماء في أمته من بعده لا ينقطع خبرهم وتواجدهم. ولكن الأنبياء في بني إسـرائيل دونهم، لقد خاض العلماء من بعده بحرا وقفت الأنبياء بسـاحله. ما قال اللـه “شـهد اللـه أنه لا إلـه إلا هو، والملائكة، والأنبياء أو الرسـل، أو الأولياء”، ولكن قال {شَـهد اللـه أنه لا إلـه إلا هو وأُلو العلم…}[١٠]…
إن أولي العلم عند اللـه فوق مقامات النبوة أيها الناس. إن مقام العبودية للـه وهو العلم والقـرب فـوق مقام الرسـالة أيها الناس.
(يجادلون في اللـه بغيـر علم)[١١]. لقد جعل الجدل في اللـه بالعلم أرقي مراتب البلاغ والإنباء والوعي، ودونها الهدي والاسـتقامة ودون الهدي الكتاب المنير. والرسـول يقول علماء أمتي كأنبياء بني إسـرائيل لأن الناس أكبروا معاني الأنبياء، وجاراهم الرسـول على الخطأ المشـهور رغبة في اليقظة لهم حتى تسـتيقظ نفوسـهم وتتنبه عقولهم. فإذا اسـتيقظت ولحقها من اللـه لاحق فقد عرفت وشـرفت. ألم يقل لهم النبي ما أعطيته فلأمتي!
إن محمدا بلغ علما، واختار أناسـا لعلم، واحتفظ لنفسـه بعلم في ظاهر فعل الرسـول، وفي ظاهر قيام الرسـول. ولكن اللـه ورسـوله ما رفضا طلب طالب لهما، ولا أيأسـا راجـي فيهما منهما. ولكن الرسـول أمر أن يخاطب الناس على قدر عقولهم، فخاطب الناس على قدر عقولهم، وأمر بدوره مدركيه لأنفسـهم بمخاطبة الناس على قدر عقولهم عبادا للرحمن يمشـون على الأرض هونا.
إن الرسـول كان خاتم النبيين وأول العابدين، فأين النبيء مـن العبد عم ينبئ النبي؟ ولمن يقوم العبد؟ وهل انحدر النبي من النبوة إلى العبودية أم ارتفع من النبوة إلى العبودية؟ هل مسـخ على مكانة من النبـوة وهو خاتمها إلـى العبودية وهو أولها فكان أول الانحدار بأول العابدين؟ أم محيت النبوة بوجوده وهو خاتمها إلى مرتقاها من العبودية وهو أولها؟
أين النبوة من العبودية؟! إن الأنبياء ما حملوا إلا عن العباد وما عرفوا إلا العباد. إن العباد كانوا لربهم في قربهم وبعدهم. إن العباد في حال تواجدهم مع الخلائق وهم لهم الحقائق احتفظوا بعلمهم لأنفسـهم. إن الأنبياء تكلموا عن العباد بقسـطهم من معروفهم عن الحق بهم في إدراك العبودية لهم وهم حقائق لهم من اللـه. إن العباد لهم علـوم القرب والبعد، والوحدانية والتنزيه، وقيام العلم وعلم القيام.
إن العبودية حقيقة أما النبوة فخليقة في عالم كسـب. فمحمد حق بعبوديته وخلق بنبوته. إنه بحقيته يجدد خلقيته، ويكثرها علماء عن حقيته، أنبياء بالعلمية عليه معلوما لهم بحقيته من عبوديته.
إن آدم عند اللـه عبودية بظاهره وبباطنه وقد تلقى ظاهره من باطنه كلمات هي الكتب والرسـالات والأنبياء، وهذا أمر فيه ينفعل به هو من صفاته ومميزاته. فظاهره عبودية باطنه، وباطنه عبودية اللـه وربوبية ظاهره. فإذا تكاثر ظاهره إلى قديم معناه تكنز بجديد معناه، والتحق المتكنز بقديم معناه من العبودية للـه متوحدا مع قديمه، فهو عبودية اللـه الصمدية بلا تعدد وبلا توقف. وإلى هذا سـار محمد فصار خاتم النبيين ليكون أول العابدين في عالم الظاهر من الخلق، ظاهرا لباطن من العبد من الحق، فهو بذلك الحق جاء الخلق، ليصبغوا به يوم يدعون باسـمه ظاهرا له من باطنه باطنا لهم، ووجودا له.
ولكن الناس التووا حتى في خطاب الرسـول لهم على قدر عقولهم، كما التووا في خطاب اللـه موجَّها إلى قلوبهم وعقولهم ونفوسـهم، ففيه ما وجه إلى قلوبهم وفيه ما وجه إلى عقولهم وفيه ما وجه إلى نفوسـهم. فأخذوا ما وجه إلى قلوبهم بعقولهم، وأخذوا ما وجه لعقولهم بنفوسـهم، وأخذوا ما وجه لنفوسـهم بمعانيهم، وأخذوا ما وجه لمعانيهم بذواتهم، وتركوا ما وجه لقلوبهم بقلوبهم. أسـاءوا السـبيل وما سـألوا الدليل - وما قطعه عنهم - ما طلبوا العلم به. فما حرمهم العالم به أبدا دلهم عليه مـا طلبـوا الباب. وما جهله أبدا ولكنهم ما طـرقوه. وما أغلقه أبدا ولكنهم ما ولجوه. ما فرقه دونهم أبدا ولكنهم في أنفسـهم ما أحسـوه.
إن اللـه هو اللـه. وصفات اللـه هي صفات اللـه. ولكن الناس أيضا هم الناس. خلقهم على ما خلقهم من النسـيان بحكمته، وأرادهم لما أرادهم عبادا بمنته. وخيرهم على ما خيرهم رضوانا بقدرته… وهداهم على ما هداهم كتابا بفضله ورحمته.
الناس يتواصون، ويتعادون، ويتخاصمون، ويتجادلون، ويتواءمون، ويتوادون، ويتآلفون، ويتوحدون، ويتفرقون، بحكمة اللـه وبمراد اللـه. ويتأدبون ويكفرون بحكمة اللـه على مراد اللـه. خلقهم منهم، وهديهم بهم. يصطفي منهم من يشـاء لما يشـاء.
فهل تواصينا على هذا فأدركنا ما يقع اليوم في الأرض، ورأينا الناس وهم يتصارعون عليها ويتقاتلون على تراثها فيقتل الأخ أخاه، فاخترنا لنا سـبيلا مع القاتلين أو المقتولين؟ إن أدركنا اخترنا أن نكون مع القتلى لا مع القاتلين الظالمين لأنفسـهم… اخترنا أن نكون مع الثكلى نواسـي الثاكلين بقلوبنا، وبجوارحنا، وبعقولنا، وبأرواحنا، وبدعائنا، وبإمكانياتنا… اخترنا أن نكون في قضية القتلى، وللقتلى مسـتنصرين، وللظالمين والقاتلين مخاصمين مقاومين بقلوبنا، وبعقولنا، وبنفوسـنا، وبأيدينا… لا حاقدين ولا متعالين ولكن اللـه لهم راجيـن أن يهديهم إلى ما هدانا وأن يجمعهم وإيانا في معناه ظاهـرا في معنانا برحمته، حتى يثوبوا إلى رشـدهم ويعودوا إلى قلوبهم، فترتد عن القتل أيديهم وتغمد عن العمل أسـلحتهم.
نحن جنود السـلام في الدخول في سـلام مع اللـه راجين منه أن يرزق هؤلاء الذين شـردوا من السـلام معه في أنفسـهم إلى سـاحة السـلام فيه في قلوبهم. فلنكن قلوبا راجية لا واجفة. ولنكن قلوبا خاشـعة لا خائفة. ولنكن قلوبا صافية لا زائفة. فلنكن قلوبا عاملة ضارعة لا آلات جارفة. ولنكن عقولا مسـتيقظة ونفوسـا متفتحة حتى نكون قوالب لملكوت اللـه مسـتجيبة، وفي ملكوت اللـه عاملة حية مجيبة.
هذا ما نحن على ما نرجو، وهذا ما يطلب إلينا اليوم بنداء الروح، بنداء اللـه، بنداء الإنسـان. ينادينا من أعماقنا، ينادينا من أنفسـنا، ينادينا من قلوبنا، ينادينا من عقولنا، ينادينا من ذواتنـا، ينادينا من معانينا، يحدثنا من ألسـنتنا، يسـمعنا من آذاننـا.
هلا لبيك؟ هلا لبيك اللـهم لبيك فينا؟ هلا لبيك في معانينا؟ هلا لبيك في أوانينا؟ هلا لبيك في حاضرنا؟ هلا لبيك في آمالنا، ونفوسـنا، وحياتنا، وبيوتنا، وأزواجنا، وأولادنا، وآبائنا، وذرارينا؟ هلا لبيك؟ هل تحققت هذه الإنسـانية قبل هذا النداء بهذا النداء؟ هل لبت الإنسـانية يوم طلب منا ملبٍ، تلبية غير هذه التلبية؟ إن هذا النداء هو الذي اسـتجاب له في قديم الأنبياء فلبوا. ونادوا به في أممهم فلبوا. أذَّن لهم الإنسـان من أنفسـهم فصلوا. وأذنوا للناس من أنفسـهم مبعوثين في أنفسـهم بالصـلاة فصلوا… فكان الصلاح، وكان الفلاح، وكانت الصلاة صلة، وكان الفلاح نجاحا. الجنة عرَّفها لهم فحجوها وحضرة اللـه في قلوبهم لبوها. ولكنهم وقد أمـروا أن لا يخاطبوا الناس إلا على قدر عقولهم كتموها، وما أشـهروها. وقالوا إنها سـر به لا يباح، وإن الذين يبوحون بالسـر دماؤهم تباح. فأباح الناس دماءهم كلما نادوهم أو عن الحق في باطن الخلق دركوهم.
ولكن السـماء اليوم تجدد هذا النداء عاما، وتطلب هذه التلبية عامة تعـرف ملكوت اللـه بين جوانحكم يقوم، وتكشـف لكم الغطاء عن أنفسـكم، وتغير ما بكم إن غيرتم ما بأنفسـكم.
أبناء اللـه… عيال اللـه… لبوا نداء اللـه… فاللـه في أصولكم واللـه في فروعكم، واللـه فيكم فلا تسـوفوه لكم، ولا تؤجلوا ملكوته لكم، ولا تتوهموه في ماضي لكم أو تتوهموه في مسـتقبل لكم فتفقدوه في حاضركم.
إن اللـه الذي هو أقرب إليكم من حبل الوريد ومن ورائكم محيط ومعكم أينما كنتم، إنما هو الذي يناديكم اليوم من أعماقكم لتلبوا النداء فتشـرفوا بنعمة العطاء، وتعرفون الباب فتطرقون به أبواب قلوبكم فتدخلون المدينة وتركبـون فيها القـوارب والسـفينة.
هذه هي معاني القرآن ومغانيه، ومعارج الدين ومراقيه، فنسـأل اللـه أن يجعل لنا منها نصيبا، وأن يجعل تحقيقها لنا قريبا، إنه نعم المولي ونعم المجيب، لا إلـه غيره ولا معبود سـواه.
اللـهم جنبنا الفرقة والخصام وارزقنا الألفة والوئام، وأنزل على أرضنا السـلام وعلى قلوبنا السـكينة والوئام. اللـهم اجعل لصلاتنا بك صلة لا تنقطع. اللـهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، ولا تعاملنا بما فعل السـفهاء منا. اللـهم خذ بنواصينا إلى الخير، وأقمنا في فعل الخير، والقنا فيك عباد خير علي ما أردت.
اللـهم اجعل رجعنا إليك. اللـهم وفقنا إلى ما تحب وترضى. وأقمنا فيما تحب وترضي. ويسـر لنا سـبيل ما تحـب وترضى، والقنا على ما تحب وترضى ممن أحببت ورضيت، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخيـر أيامنا يوم لقائك يا سـميع يا قريب يا مجيب.
اللـهم قوم سـبيلنا واجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقائك.
أضواء على الطريق
(لا يمكنني أن أحل مشـاكلكم. لو أخبركم بما تعملونه لتداخل ذلك مع إرادتكم المطلقة. إذا بدأت مرة في إخبار وسـيطي عما يجب عمله، وعما لا يجب، فهذا هو نهاية إرادته المطلقة… وعندئذ يبدأ تقدمه في التخلخل.
لقد سـكبت الدموع في بعض الأحيان لأني رأيت المقاسـاة، وعرفت أنه يجب علي عدم المسـاعدة. ذلك هو القانون. لقد آلمني أكثر مما آلم المقاسـي…
من هدى السـيد الروح المرشـد سـلفر برش
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الرحمن – ٢٦، ٢٧ ↩︎
سورة الناس – ١، ٣ ↩︎
سورة طه - ٥٠ ↩︎
سورة المائدة - ٢٧ ↩︎
حديث شريف: “إن الشـيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.” أخرجه مسلم والبخاري. وكذلك: “فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم، قلنا ومنك يا رسول الله؟ قال ومني، ولكن الله أعانني عليه فأسلم.” أخرجه أحمد بلفظه، والترمذي والدارمي. باختلاف يسير. ↩︎
سورة الكوثر- ٢ ↩︎
سورة الكوثر - ١ ↩︎
سورة الكوثر - ٣ ↩︎
حديث شريف يعتبره المحدثون أنه لا أصل له. لكن معناه صحيح ويوافق الحديث الشريف “إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.” أخرجه أبو داوود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. والحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داوود والحاكم. ↩︎
سورة آل عمران - ١٨ ↩︎
استلهاما من {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} سورة الحج - ٨ ↩︎