(١٨)
الأحد الصمد
عبده وإنسانه
حديث الجمعة
٢٧ جمادى الآخرة ١٣٨٠ هـ - ١٦ ديسمبر ١٩٦٠ م
إلى الأحد… إلى الفرد الصمد… إلى الواحد المنفرد… إلى اللانهائي الأبد… إلى المعـروف الســرمد… إلى الموجـود الأزل… نتوجـه… وباسمكم فيه نهتدي… وباسمكم منه نسـتعين… وبمعنـاكم له نرتضي… وبقديمه للإنسـان نرتجي. منه نتواجد، وفيه نسـير، وبه نرتقي، وله معنا نعتقد، وبنا له نرتقب، وعلينا منه نحيا، وكتابه فينا نهتدي، وعبده به نقوم.
باسمــــــــه هــــــــو…
باسمــــــــه اللـه…
باسمــــــــه الرحمـــــن…
باسمــــــــه الرحيـــــم…
باسمــــــــه اللـهم…
نتواصى بالحق راجين أن نقوم بالحق راضين.
سـأل سـائل رسـول اللـه يوما: (صف لنا ربك)[١]. فتوقف الرسـول عن الجـواب واسـتمهل حتى ينزل عليه الوحي بالإجابة. هذه واقعة يسـجلها الأثر، ويسـجل ملحقاتها التاريخ… ولكن هذاالأثر لم يكن عند فقهاء المسـلمين وفرقهم موضع دراسـة، ولا موضـع تعمق، ولا موضـع تسـاؤل، ولا موضـع تأمل… لم يعطه فقهاء المسـلمين وأئمة الفرق ما أعطوا لماء الوضوء الطهور والطاهر من فلسـفة ومن عمق في البـحث… أو ما أعطوا مقعد الحكم من قدسـية في النظر… لم يعطه فقهاء المسـلمين ما أعطوا مسـح الرأس، أو غسـل القدمين، أو تحديد الوجه، أو وضع الشـعر في الطهارة من جسـد المتطهر، من تتبع ونظر واختلاف أو إجماع.
كيف لا يجيب وهو عبده ورسـوله؟! وباسم من كان يتحدث إذن إذا كان لا يعرفه، ولا وصف له عنده، ولا علم له به؟!
لقد أفاض المسـلمون على الفقه في الإسـلام بالجدل حول توافه الأمور وقصر النظر عليها، حتى إذا ما اتجهوا بالتأمل بعيدا عن توافه الأمور لجوا فيما هو ليس من شـأنهم، وما لم يدخل في دائرة وعيهم وأفتوا فيه كأنهم محيطين به. دخلوا مثلا في عذاب القبر، وفي جنة القبر، وفي نار القبر، وليس هذا من اختصاصهم لأنه لم يدخل في وعيهم ولم يدخلوا في قيامه حتى يدخل في قيامهم، منكرين على أهله إدراكهم ووعيهم وهم مصابيحهم. هم ومن يتبعهم لم يحيوا مع الموتى كما أمروا، فهم ما بين تافه عند اللـه وعند الناس، ومجهول من الأمر عليهم معلوم عند أهله.
أما ما يعني العقيدة، أما ما يعني اسـتقامة الإنسـان في العقيدة، وما يعني اسـتقامة المجتمع في العقيدة، فقد كان بعيدا عن تلقيهم واجتهادهم وعلمهم وفقههم لأنه بعيد عن مشـغوليتهم واهتمامهم، بعيد عن عقولهم وعلومهم وهم بعيدون عن أهله بينهم.
ومع ذلك فهم أئمة الناس وهم نبراس الناس. نُسـي بهم رسـول اللـه وعترته وهديه. ونُسـي بهم بيت رسـول اللـه وكتابه ودوامه. أكبروا أصحاب رسـول اللـه أسماء وأوصافا إكبارا بعيدا عن منازلهم مما جعل أصحاب رسـول اللـه أسـوة للناس في قيامهم مقام الرسـول وما جعلوا إلا قدوة للناس في متابعتهم للرسـول. وما جُعلت الأسـوة إلا للرسـول ومن واصله بمعناه ممن جدده وخلَّفه وأظهره وظهره… وأحياه وحييه.
لم يجعل اللـه ولا كتاب اللـه ولا رسـول اللـه ولا سـنة رسـول اللـه من أصحابه قياما يتأسـى بذاته أو حقا يُرتضى بصفاته، أو وجوها تبارك بدوامها في تكاثر، أو أمورا تطاع بصلتها في تواصل، ولكن جُعل فيهم مثاليـة للمقتدي فيما اقتدوا فيه رسـول اللـه فكانوا معنى فيما يفاض من رسـول اللـه. كما جُعل بهم مثالية للملتوي منهم معه في التوائهم عما شـهدوا من رسـول اللـه، أو عما عرفوا عن رسـول اللـه بالملتوين منهم معه أو من بعده عن ذلك كله أو بعضه بما أحدثوا بعيدين عن عترته بينهم في تواصل.
لقد كانوا مثالية مبرزة من قانون قدرة اللـه، وفعل اللـه، وحكمــة اللـه، ليمثلـوا النفس البشـرية كيف تهتدي في اقتدائها إذا ما وجدت مهدي اللـه… إذا ما تابعت عبد اللـه… إذا ما أحبت وأكبرت وجه اللـه… إذا ما اسـتمعت وتفتحت آذانها لصوت اللـه من كلمة اللـه في عباد اللـه وكتب اللـه في أئمة اللـه لخلق اللـه… إذا ما مدت يدها إلى يد اللـه الممتدة من قلوب عباد اللـه في دوام وجود عباد اللـه بدوام اللـه… مثالية للعطشـى إذا ما تقدموا لأحواض ماء الحياة، في محبة حكمة اللـه من حكماء اللـه إذا ما أبرزهم اللـه في وجودهم الدائم في وجوده القائم.
هذه كانت مثالية أصحاب رسـول اللـه، على قدر ما عرفوا وعلى قدر ما اجتهدوا لأنفسـهم مكتفين بحصيلتهم، متخليين عن مصاحبتهم ومتابعتهم، مختبرين فيما حصلوا. فتقديرهم بقدر ما أصابوا من الخير مقبولا لعقولهم، قائما بقلوبهم على تفاوت بينهم، وعلى قدر ما التوت به نفوسـهم بعد غيبة رسـول اللـه منظورا لعيونهم، موجـودا لعقائدهم بعيدا عن بصائرهم، مختبرين فيه بعد أن كانوا به المؤمنين وفيه القائمين… هذه هي مثالية أصحاب رسـول اللـه للمتأخرين.
أما أسـوة رسـول اللـه في قيامها وفي دوامها فأمر آخر، وشـأن آخر، ووضع آخر. لقد مَثَّل محمد ببشـريته للناس رسـول اللـه. وما كان في الواقع رسـولا للـه مباشـرة ببشـريته ولكنه كان رسـولا من رسـول اللـه ظاهرا لباطن. وما كان في الحقيقة عبدا للـه مباشـرة ولكن كان في الحقيقة عبدا لعبد اللـه ظاهرا لباطن. كان مثاليـة كريمة دقيقة عميقة للإنسـان وربه عبدا وحقا في أحـدية اللـه.
إن العبودية في وعيها لمعبودها… إن الرسـول في حمله لأمانة مرسـله… إن العارف في تعريفه عن معروفه… إن الظاهر في ظهوره من غيبه، لا يتكامل أمره، ولا يسـتقيم فعله، ولا يُبين وصفه، ولا ينفع علمه، ما لم يتوحد مع مصدره. فالعارف مع المعروف، والرسـول مع المرسـل، والعبد مع المعبود، والظاهر مع الباطن… تواحدا تواجدا، بما لا يجعل هناك فرقا بينهما، ولا يجعل هناك وجودا متعددا لهما. فإذا قلنا عن عبد عبد اللـه: هو عبد اللـه فما أخطأنا… وإذا قلنا عن رسـول رسـول اللـه: هو رسـول اللـه فما كذبنا… وإذا قلنا عن الظاهر من الباطن في اللـه: أنت وجه اللـه فما انحرفنا… وإذا قلنا للعالم عن العالم باللـه: أنت العالم والمعلوم والعلم فما كفرنا. إن الإنسـان في خلقه هو عبد للإنسـان في حقه.
إن محمدا كان عبدا لعبد اللـه الذي هو بدوره عبد لعبد للـه. وكان رسـولا لرسـول للـه الـذي كان بـدوره رسـولا لرسـول للـه. إن محمدا كان ظاهرا لباطن في اللـه الذي كان هو بدوره، ظاهرا لباطن في اللـه.
هكذا عرف محمد عبوديته ورسـالته في اللـه. وما عرفها على ما عرفـها إلا وقد تواجد له منه ومن قومه ما كان له فيه، على ما كان هو بصلته ووصلته في معلمه، ومربيه، وربه، وإلهه، فقرأ نفسـه أسـوة للناس. فعرَّفها على ما عرف، وبشـرهم بما به شَـرُف.
فهل وعى الصحابة من المصاحبين؟ وهل فقه ذلك الفقهاء من المسـلمين؟ هل تأدب بذلك المجاهدون من المتابعين؟ هل جعلـوه نبراسـا لهم ولدعوتهم، بقيامهم الأئمة الداعين؟ هل جدده العلماء من العارفين؟ هل قام به أسوة لدعوة المجاهدين من المصلحين؟ أم أن الناس هم الناس على ما كانوا في عهده عليه الصلوات، التووا من بعده بنمو التوائهم في حضرته احتفاظا بالتوائهم في نشـأتهم على مخاصمته، بمجالهم من أن الإنسـان لربه لكنود، ومجالهم أن الإنسـان لربه خصيم مبين.
ما بدلوا أنفسـهم تبديـلا على ما أرادهم وأراد لهم، وإن قالوا بألسـنتهم ما ليس في قلوبهم (أيها المبعوث فينا)[٢] - وما بعثوه -! (جئت بالأمر المطاع)[٣] - وما أطاعوه - ! فما خرجوا من دار ذواتهم بنفوسـهم، وما قتلوا أنفسـهم بعقولهم، وما حرروا عقولهم بأرواحـهم. طغت عليهم دنياهم فأضافوا معانيهم تبعث وتحشـر مع أهل الدنيـا لا مع رسـوله أو الأنبياء، وهم الموتـى في عرفهم وعليهم أن يسـتجيبوا لنـداء الرسـول لهم أن يعدوا أنفسـهم من الموتى ليكونوا من المؤمنين. ولكنهم نصبوا أنفسـهم هـداة داعين دون أن يواصلوا جهاد أنفسـهم مع ذات تكاثر الرسـول بينهم سـفين نجاة وطريق حياة.
لقد بدأوا له مخاصمين، ثم حدة المخاصمة خففوا مخذولين، فدخلوا الدين طامعين أو مخذولين، وقَلَّ من بينهم الراجون، ثم جاءوا على الدنيا مبايعين، وعلى الآخرة معاملين، فبادلوا على دنيـاهم بدين، وما لبثوا أن بادلوا على دينهم بدنيا الآخرين. فهم في جهادهم إحدى الحسـنيين يطلبون. هذه هي معاملتهم مع رب العالمين في رسـول رب العالمين، فوجه اللـه فيه لا ينظرون فيكشـفون جمال الغني عن العالمين، ولا ينتظرون وإليه يهدفـون فيرجون، فيصلحون ويعرفون فيرقون، ويحبون فيصفون ويشـفون. فدعاة للـه بحق يقومون، ووجوها له يَشـهدون ويُشـهدون.
هذا كان عندهم الدين… هل كان محمد عاجزا عن أن يجيب السـائلين يوم سـألوه صف لنا ربك رب العالمين؟! وما وجه ربهم إلا ما يشـهدون… وما ربهم إلا من يسـألون… وما ربهم إلا من يخاصمون ويتجاهلون… فكيف يصف لهم ربه؟! وقد عرفه يوم وحَده… ما جهله وما عدده… ولكنه على الناس في نفسـه ما أشـهده وفي الناس ما جحده. فإذا هو نشـر أمره وكشـف خبره على ما عرفه من ورائه وورائهم محيط لكان هو السـائل الذي سـأله، وهو ما عرف أنه السـائل الذي سـأله إلا لأنه المجيب المطلـوب أن يجيب على ما سُـئِلَه، والسـائلون عليه وعلى أنفسـهم ينكرونه وكتابهم لا يدركونه.
سـئل عليّ ابـن أبي طالـب عين السـؤال… أوَ رأيت ربك؟ فقال كيف أعبد ما لا أرى! قالوا كيف رأيته؟ سـأله سـائلون من المؤمنـين للمعـرفة طالبين وبرسـول اللـه مؤمنين وله مُسـلمين، فقال لهم كان رسـول اللـه فانيا فيه باقيا بيننا به فأفنيت نفسـي بعقيدة فنائي في فناء رسـول اللـه، فكنت فناء في فناء، فعرفت الموجود الذي لا يلحقه الفناء، عرفته آدم الناس رب الناس من هـو من ورائهم محيط، عرفته أنت وجهه من ورائك محيط، لأني أيقنته وأدركته من ورائي محيطا، ولا وجود لغيره، فردد عبارته المأثـورة عنه (وفي فنائي فنى فنائي… وفي فنائي وجدت أنت)[٤]، نعم أليس اللـه من ورائهم محيط؟ إني مؤمن بكم وجها للـه يا إخواني، فهل آمن الإخوان بجماعتهم وبالناس وجوها له عندهم حتى يكونوا وجها لوجه فيه، واللـه من ورائهم محيط، فتسـتقيم طريقهم ونجواهم، وتغدق عليهم من مائها فتفيض عيونهم وقلوبهم بماء الحياة من روح الحياة فيهم؟!
سُـئل رسـول اللـه… كيف عـرف ربه؟ فقال لهم ما جاء في الأثـــر (انعكس بصري في بصيرتي فرأيت من ليس كمثله شـيء)[٥]، كما قال (ما عرفني غير ربي)[٦]. إذن ما رأى رسـول اللـه في معاني ربه إلا فناءه في شـديد القوى… إلا في عبد للـه أو حق للـه رآه نزلة أخرى في مجال من رفيق أعلى أو في مجال له أعلى، رأى بفنائه فيه معناه مرة أخرى فشـهد بذلك ربه. ولم يحط وهو الفاني بهذا العبد أو هذا الحق المحيط به، إذ رأى من ليس كمثله شـيء. وما ضرب بذلك إلا مثلا لما يكون لمتابعيه معه بمعناه عبدا للـه حال فنائهم فيه بدوره وبدورهم.
إن الذي أريد أن أخلص إليه من ذلك كله هو أن أدب اللـه مع الإنسـان، وأدب الإنسـان مع اللـه قديم بقدم اللـه، وما قدم اللـه إلا قدم الإنســان فيه. فالإنسـان في اللـه هو من يعرف اللـه. والإنسـان في اللـه هو ظهور اللـه. والإنسـان في اللـه هو ظاهر اللـه. والإنسـان في اللـه هو من يعرف غيب نفسـه، وما غيب نفسـه إلا إنسـان في اللـه. الإنسـان في اللـه هو قدم اللـه. والإنسـان في اللـه هو أبد اللـه. والإنسـان في اللـه هو سـرمدية اللـه. واللـه في الإنسـان هو قـرب اللـه. والإنسـان في اللـه هو بعد اللـه. وإنسـان اللـه هو عظمة اللـه. فما عبد اللـه إلا عبد لعبد للـه… في قانون وجود اللـه… في أحد اللـه… في صمد اللـه… في أزل اللـه… في أبد اللـه… في سـرمد اللـه.
إن هذا القانون قديم باق قائم لا ينقطع فعله ولا يختفي أثره أبدا. {ما ننسـخ من آية أو ننسـها نأت بخير منها أو مثلها}[٧]، (ما ظهرت في شـيء مثل ظهوري في الإنسـان)[٨]، وظهوره قديم سـرمدي.
يا أيها الناس… ما أصابكم من حسـنة وما أصابكم من سـيئة… ما أصابكم من رحمته وما أصابكم من أنفسـكم إنما هـو من تدبيـر اللـه، ومن قـدرة اللـه، ومن إرادة اللـه، ومن حكمـة اللـه. يا أيها الناس قـدروا اللـه حـق قـدره، {وما قدروا الله حق قدره}[٩]. يا أيها النـاس: اعلمـوا أن اللـه بأحـديته له شـأن، وأن اللـه بإنسـانيته لـه شـأن، وأن اللـه بملائكته له شـأن، وأن اللـه بشـياطينه لـه شـأن، وأن اللـه بجنته له شـأن، وأن اللـه بنـاره له شـأن، وأن اللـه بدنـاه وبأخـرياته له شـأن، وأن اللـه بحاضركم من حاضره له شـأن، وأن اللـه بماضيكم من ماضيه له شـأن، وأن اللـه في قابلكم من قابله له شـأن.
قل: هو أحد… قل: هو غيب السـموات والأرض… قل: هو باطن السـموات والأرض… قل: اللـه ظاهر إنما هو السـموات والأرض… قل: تعرفـه السـماء في أرضه مخلفا، وتعرفه الأرض في سـمائه مشـرفا… قل: هو المعروف بال لا هو، والمطلوب بال هـو… قل: ال لا هـو الموصوف… قل: الهو المنزه عن الوصف… قل: اللـه الوجود… قل: هو قانون الوجود، وما قبل الوجـود، وما بعد الوجود، وما الوجود، وما نشـأ من إرادته ووجوده الوجود، وما ينشـأ في الوجود من موجود… قل: اللـه أحـد… قل: إنه اللانهائي في كل أمـره، وفي كل شـأنه، وفي كل وضع، وفي كل معروفه، وفي كل موجوده، وفي كل مجهوله… قل: هو اللانهائي عند المفكر فيه والمدبر به… قل: إن لا نهائيته تجعلكم معناه كما تجعل رمال الصحراء من وجوده ومعناه… قل: {اللـه الصمد}[١٠].
قل على ما عـرفت، وقل بما شـرُفت… قل بكلك وقل بجزئك… قل بكلك جزءا. وقل بجزئك كلا. قل بما علمت. قل بما اتصفت. قل بما اتسـعت. قل بما توحدت. قل لا وجود إلا للأحد. قل إنك فيه فان والكل فيه فان. قل إنك به باقٍ والكل به باقٍ. قل إنك فيه ميت والكل فيه ميت. قل إنك به حي والكل به حي. قل الكل للأحد والأحد للكل. {قل هو اللـه أحد}[١١]
قل بما أدركت من أن حاضرك عين قديمك وعين مثاله، وأن قابلك عين حاضرك وعين مثاله. قل هـو {اللـه الصمد}[١٢]. قل إن الأحـدية للصمد وأن الصمدية للأحد، قل إن اللـه عند عارفه هو عين معروفه، وأن عارفه من معروفه هو عين معرفته. قل اللـه أحد. قل هو عندك فيك بفنائك عنك. قل اللـه الصمد. قل إن اللـه الذي هو أحد هو وحده اللـه الذي هو صمد. قل إن اللـه الذي لا يقبل التعدد والعدد قبل الإنسـان قبلة عبده فيه، وقبلة ذاته منه، وقبلة نفسـه، وقبلة حكمته لأمره ولوعيه. قبل الإنسـان علما على علمه، وجعل معرفته بنفسـه كتاب ربه. قبل الإنسـان عنوان فعله وقدرته. قبل الإنسـان عنوان جوده ووجوده. قبل الإنسـان له روح عوالمه. قبل الإنسـان لنفسـه عند نفسـه. وقبل الإنسـان لمعناه عند معناه لا يتعدد به ولا يتعدد معه. قل هو اللـه أحد اللـه للإنسـان القيام الصمد اللـه للإنسـان الفرد الأحد.
إن أحدية اللـه لا تعرف إلا للإنسـان الذي عَلَّمه الأسماء كلها، واصطفاه واجتباه لنفسـه عند نفسـه، وخلَّفه قديما على أرض نشـأته. علمه في خلافته وأفناه في وحدته، واصطفاه بمحبته، وقربه بأحديته ووحدته بإرادته، وأعلمه بوجوده، وفاض منه برحمته وجوده، فكان الإنسـان في الأحد وجه أحديته، وفي الصمد عين وجوده ووحدته. توالد وما وَلد، به الوالد عين الولد، وفيه الوالد وما ولد. وتواجد بما أوجد، به الموجد عين الوجود، وفيه الموجد وما أوجد.
تعارف بعارفه إلى معروفه وما عُرف. وتقادم بموجوده عند وجوده وما قدم. وأحدث بوجوده موجوده وما حدث. خلق فيه الإنسـان والإنسـان على صورته أمشـاجا يبتليه، ثم صبغه بصبغته عبدا يصطفيه، ثم أرسـله بوحدته رسـولا يرتضيه، ثم رفعه بمنته سـريرا يعتليه، فصار قديما يتقادم فيه، وعرشـا وملكا كبيرا وما يحتويه، وحقا ونعيما لمن يرتضيه.
الإنسـان وهو الإنسـان… هو الإنسـان… هو الإنسـان… والإنسـان هو ال لا هو. لا ظهور للحق إلا فيما خلف من إنسـان، وفيما أوجـد من إنسـان، وفيما علَّم من إنسـان، وفيما خلـق من إنسـان، وفيما اختبر من إنسـان، وفيما أحكم من أمر الإنسـان، وفيما حقق من إنسـان. فما عرف الإنسـان فيه إلا الإنسـان فيه.
إن الإنسـانية هي الإنسـان. والإنسـان هو الإنسـانية. والإنسـان والإنسـانية أسماء وصفات اللـه، وذكر اللـه من اللـه رفيع الدرجات إلى اللـه ذي المعارج. إن الأحد للإنسـان وإلى الإنسـان. إن الإنسـان بمعنى قدمه قديم اللـه، وبمعنى وجوده ظهور اللـه لموجود اللـه.
فالإنسـان في الأحـدية لم يولـد ولم يلـد ولم يكن له كفوا أحد. إن الذي ولد إنما هو آدم ابن السـماء والأرض، ابن الطبيعة وثمرتها، ابن المادة وصفوتها، ابن الوجود وعترته. وما تواجد آدم في تواجده، إلا من تواجدكم أنتم. فأنتم أصل لآدم كما أنكم فرع لآدم. إن في تجمعكم وتوادكم وتآلفكم وتحاببكم يتواجد آدم. إنكم ذرات صحرائه، والصحراء هي أصل آدم. إنكم لبنات البناء، والبنـاء هو آدم. إنكم طينة آدم، وآدم بدأ في تعثر هذه الطينة بين يدي ربه، بين يدي اللـه، بين يدي إنسـان إنشـائه، بين يدي آدم وجوده… على ما أنتم.
إن آدم الذي عنه صدرتم ومنه تواجدتم يضمكم الآن بين يديه وإلى صـدره ليوجد من نفسـه، ليوجد فيكم مرة أخرى من هو على مثاله ومن هو عين حاله، ليخرج منكم مرة أخرى كلمة للـه وروحا منه، ليخرج منكم محمدا آخر… ليخرج منكم عبدا له يكون عبدا لربه على مثال من عبوديته هو لعبد للـه، كان به عبدا للـه. إنه يحـب أن يُعرف فيُعرف به ربـه. لا تُغيبوا آدم عن وجوده في وجودكم، ولا عن شـهوده في شـهودكم. وتعاونوا لتتواجــدوه. وعاونوه أن يتواجدكم.
إن هكذا قبلتم، وإن هكذا فعلتم، فالأحد عرفتم، فكان اللـه أحد، وعـرَّفتم على ما عرفتم، فمن عرف اللـه أحدا في عبوديته بعبد الأحد، بعبد الصمد، بعبد الواحد الفرد، بعبد الواحد القديم الجد، بعبد اللـه، كان الرسـول مولاه… كان عبـدًا لعبد اللـه وابنا لعبد اللـه وعبدا للـه… فكان محمدا اسمه، ومحمدا رسـمه، وكان في طبيعته وحقيقته عبدا هو عين مولاه.
{قل هو اللـه أحد. اللـه الصمد}[١٣]. {لم يلد}[١٤] لأن الموجد ما رآه إلا عين ما أوجد. {ولم يولد}[١٥] لأن ما أوجد لم يرَ إلا أنه عين وجود من أوجد.
إن الوجود هو تعبير الموجد عند الموجود عن وجوده بإدراكه لوجوده.
إن كل موجود للـه هو رسـول معانيه بالعبودية له. إن كل قائم باللـه هو وجه قيومه وقبلة عارفه وأمل طالبه. فإن نادى لبى، وإن ظهـر عشـق، وإن تحجب طلـب، وإن تحـدث علَّم، وإن أحب أعلم، وإن خوصم فلنفسـه مخاصمه أهلك.
إن الإنسـان إذا أصبح إنسـانا وعرف معنى الإنسـان، فعـرف أزلية الإنسـان وأبدية الإنسـان وسـرمدية الإنسـان، كان في نفسـه لم يلد ولم يولد. وإنه في هذا يدرك عظمة الأحد بفنائه في الأحد بإدراكه عن الأحد، وفي بقائه بالأحد كتابا منه وعبدا له يدرك أن لا شـريك ولا كفء للأحد… وكيف يتواجد كفء للأحد ولم يوجد معه أحد؟!
ما هي أنانية الإنسـان؟ أو أين الإنسـان فانيا في الأحد قائما به عند نفسـه؟ وما هي أنانيته عند مشـاهده أو سـامعه أو مخاطبه؟ شـتان بين الأنانيتين! وإن كانتا وجهين لحق واحد.
{قل هو اللـه أحد}[١٦]، هذه مرحلة النهاية في القيام باللـه. {قل هو اللـه الصمد} هذه المرحلة النهائية في الوعي عن اللـه، لا تعبرهما الألفاظ إلى إحـاطة، ولا تعبِّر عنهما الموسـوعات عن سـعة، ولا تدركهما المواجيد في ثياب القيود من العوالم والأكوان. ولا تحيطهما الحياة الفرعية أو الجزئية في كليات الحياة. ولا تلحق بسـمائهما الحقائق المتابعة لمشـهود من الحق. ولا يتسـع لهما العلم بوصفه محيطا بالمعلوم. ولا ينتهي فيهما المرتقى لذكر لا يقنع بمعانيه من الذكر عن المذكور. ولا يتسـع لهما الفهم حتى عند طالبي المذكـور بقيام الذكر. وهما مع كل ذلك أسـاس العبودية عند محمد، وأسـاس رسـالته عند الناس، وأسـاس كتاب الفطرة معه، وخصوصية دين الفطرة به، وأسـاس قيام الإسـلام كلما قامت له قيامة.
إذا قلنا {هو اللـه أحد} داعين، أو موجهين، أو عاملين، أو قائمين، أو مخاصمين، أمسـكنا عن التفصيل والتطبيق. هو الأحد وكفى. ولكن إذا قلنا {هو اللـه أحد} معلمين كان للأحدية شـأن آخر، وللألوهية شـأن آخر، وللـهو شـأن آخر ولـــ ال لا هو شـأن آخر. وهنا ينصح الرسـول عوام المسـلمين بالإمسـاك عن الحديث في ذات اللـه ويوجههم إلى التفكير في آلاء اللـه. ويعطي مفتاحا للإدراك المسـتنير في قوله (الظاهر مرآة الباطن)[١٧] بإسـباغ القدسـية على الظاهر من وجـه أحدية اللـه ورؤيته مرآة للأقدس من ذات اللـه في باطن اللـه، أو غيب اللـه، أو لانهائي اللـه بظاهر اللـه.
إن النظر في آلاء اللـه من ذات اللـه يقي من الكبرياء بذات اللـه في ذات الكينونة للكائنات. وهي عـزة الاختبار التي إذا ما قامت في المغرور لفتنته انتهت بصاحبها إلى الندامة، وإلى فقدان معناها، أو إلـى اليأس منه. بينما رؤية الآلاء في معاني العبد على الكينونة، وطلب الأكبر والأقدس من الذات بوصف الرب أمر ينتهي إلى المعـارج، والاحتفاظ بمعاني القدس للذات العارجة للأقدس بشـرف الروح من الروح الأعظم، أمران في ظاهر الإنسـان لتعريفهما في باطن الإنسـان.
قل هو… اللـه… أحد… هذا ثالوث من الأسماء، يحملنا التأمل والإدراك في آلائه إلى القول بأنها أسماء لمسـمى في حقيقة أمره ولانتفاء غيره. لم يتسـمَ ولا يسـمى ولا اسم له. لأنه هو. ولأنه ال لا هو… ولأنه الأحد الذي لا موجود معه، فلمن يتسـمى؟ هذا وعي نقف عنده لا يتسـع له العلم، ولا يترجمه اللفظ. هو اللـه أحد وكفى. اللانهائي وكفي!
أما عن علمية الإنسـان عليه فمن دائرة آلائه، سـواء كذكر قديم أو كذكر محدث، وعلمية الإنسـان عنه حقا مرسـلا، وعلمية الإنسـان فيه خلقا متواجدا، وعلم الإنسـان به عن نفسـه عَلما عليه بوجوده لوجوده عبدا وكتابا له عليه بحقه جمعه وقرآنه… فهذا أمر آخر وشـأن آخر، وهذا ما يدور فيه الدين قياما، وتأسيسـا، واتباعا، وبيانـا.
(اللـه الصمد - لم يلد ولم يولد - ولم يكن له كفوا أحد).
إن صدر هذه الكلمات {الصمد} هو تعريف لوصف في المعروف الأحـد بالثبات وعدم القابلية للتغير، وعجزها إنما هو نفي علم عن المعلوم الموصوف عند الإنسـان المخلوق بأوصافه فيه، بسـبب الروح المداني، المقارب، المترفع المتعالي، روح الحياة فيه من الأحد. تعالى روح اللـه عما يصفون، وإن تدانى به للـه لطيفا إلى ما ينكرون ويجحدون من أمر أنفسـهم في ذواتهم، اللـه معهم أينما كانوا وأقرب إليهم من حبل الوريد ما وجدوا، ومن ورائهم محيط ما تواجـدوا في دوام قيـام لا يتوقف ولا يتعطل، ولا يحدث ولا ينقضي. صورته الثبات والصمدية بروحه بلطيفه.
هذا ال اللـه الذي أتى الأرض فقدر فيها أقواتها في يومين، والذي اسـتوى إلى السـموات فسـواهن في أربعة أيام ثم اسـتوى إلى العرش إنما هو الإنسـان في علميته عليه في أحديته. {أوَلم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}[١٨].
إن اللـه يصطفي لذكره وفعله من عباده من يشـاء، في بيوت أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه هي قلوب رجال… يتكونون من لبنات البشـرية ليكونوا أوادم اسـتوائه، وعروش ممالكه، لبنة لبنة في دورة لآدم صعودا وهبوطا، وإن اللـه يهدي بالإنسـان من يشـاء إلـى الإنسـان، بيوتا أذن أن توضع، بها يهدي، ومنها ترفع لبنات البيوت التي أذن أن ترفع، وإليها يهدي شـجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السـماء.
اللـه الصمد في فعله. اللـه الصمد في قيامه. اللـه الأزل في وصفه. اللـه الأبد في اعتقاده. اللـه السـرمد في قدسـه. اللـه الصمد. (ما ظهر في شـيء مثل ظهوره في الإنسـان)[١٩]، وهو الظاهـر في وصفه عنده على ما اتصفه. فالإنسـان فيه بمعنى الإنسـانية لـم يولد لأنه قديـم بقدمه، ولم يلد لأنه باق ببقائه، ولم يكن له كفوا أحد لأنه وجود ملتئم متحد مع وجوده. الإنسـان فيه عينـه… الإنسـان فيه وجهـه… الإنسـان فيه قيامه… الإنسـان فيه وصفه… الإنسـان فيه يده… الإنسـان فيه بصـره… الإنسـان فيه سمعه… الإنسـان فيه قديمـه وجـده… الإنسـان فيه أنفه وإدراكـه وحساسـيته… الإنسـان فيه ظهوره له… الإنسـان فيه بطونه عنه… الإنسـان فيه كل شـيء… الإنسـان فيه حضراته وجمـاع حضراته… الإنسـان فيه الصمد الذي اتصف بوصفه أنه لـم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. الإنسـان فيه أوجد نفسـه بنفسـه - إذ هو عمل نفسـه - فلم يولد… وأفنى من أحب في نفســـه، أو فنى فيمن أحب نفسـه فتواجد ولم يلد وتواجد ولم يولد. الإنسـان فيه أخرج نفسـه من العدم إلى الحيـاة، ومن الفناء إلى البقاء، ومن التقييد إلى الإطلاق، ومن العجز إلى القدرة بصلته وتكاثره بصلاته لا يتوالد وإن ولد… الإنسـان بوحدته فيه ليس له كفوا أحد.
عرَّف الإنسـان أخاه الإنسـان عن ربه الإنسـان، وتأدب الإنسـان الرسـول مع ربه الإنسـان المرسـل إذ أنكر على نفسـه وصف ربه عند أخيه المرسـل إليه، وذلك أبدا وأزلا. فتأدب معه ربه وزاحمه على أدبه فزحمه متزاحما عند المرسـل إليه من الإنسـان على إبرازه لنفسـه. لقد عرف الإنسـان الرسـول نفسـه عبدا للإنسـان المرسـل، كما عـرف عبودية ربه في الأحد للإنسـان الأكبر، فعرف أن العبودية فيه إنما هي ربوبية الرحمة للمرسـل إليه، وأن الربوبية عليه هي عبودية لعلام الغيوب فيه، فرغب عن الربوبية فيه إلى معاني العبودية له يرجوها لعلام الغيوب.
إن الإنسـان هو اللـه، ولكن اللـه ليس هو الإنسـان. الإنسـان يفنى في اللـه موجودا ليكونه، واللـه يفنيه عنه ليظهره. ولكن اللـه لا يفنى في الإنسـان ولا يتواجد به. ولذلك أنكر الرسـول وهو الإنسـان على نفسـه وصف ربه فقال {إني عبد اللـه آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا}[٢٠]… أخرجني من الخصام إلى السـلام معه وعنون بي معاني السـلام منه في السـلم معه، فالسـلام عليَّ منه، والسـلام مني على من دخل فيَّ. وعنون السـلام وأوصاني بالصـلاة صلة بيني وبينه، وبيني وبين من دخـل مسـجده في قلبي. وهكذا كانت كلمة اللـه بادئة بعيسـى حتى تمت بمحمد اللـه… كلمة تمت بين الناس ببيت موضوع على مثال من قديم في أزل اللـه بالبيت المرفوع لآدم.
فكان العبـد عبـدا لعبد، والعبـد عبـدا لعبد في إنسـان ال لا هو. وبذلك عـرف اللـه في تعـريف عبد اللـه عن ربه وهو عبد للـه ورفيقا أعلى معرفة تتواصل ولا انتهاء لها، فتزاحم العبدان أو تزاحم الربان أو تزاحم الحقان على التواضع، أحدهما للآخر عند عباد خلقه. فقال العبد الرسـول آمنوا بمرسـلي فهو ربي وربكم. ولم يذكـر أنه عين وصفه ومعناه، وأنه وجهه ومجلاه، فنزهه بوصفه عن نفسـه بوصفها، وما عرفه إلا في معرفته لنفسـه عين نفسـه قاب قوسـين أو أدنى، فتحدث ربه عن طـريقه إذ حمَّله أن يحمل أدبـه وتواضعه بدوره لعبـاد خلقه. ({يا أيها الذين آمنـوا اتقـوا اللـه وآمنـوا برسـوله يؤتكم كفلين من رحمته}[٢١]، {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسـهم وأزواجـه أمهاتهم}[٢٢]، {هو الذي يراك حين تقوم وتقلبك في السـاجدين}[٢٣]. إنك الكل والكل لي ساجد وأنت المتقلب فيما أشـهد في كل من سـجد. {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا}[٢٤] وأنت عبدي، أنت كل من في السـموات والأرض… كنت منك قاب قوسـين لا بل كنت منك أدني من ذلك (لا فرق بيني وبينك)[٢٥].
قل لهم بلسـاني- وقولك قولي وبياني - لا معرفة بي، ولا علم عني، ولا قيام بي، ولا وصلة معي، ولا وجود في وجودي، إلا لمن آواه اليتيم الذي أرسـلت رحمة مني، فآوى يتيمي في نفسـه، وجدده بنفسـه فكانه، فكان يتيما عن الدنيا وعن الآخرة، وعن التراب وعن النور، فآويته إلى نفسـي ونفخت فيه من روحي، فكان ذا مقربة. وكان الدين والقرآن، وكان اليقين. {يوم ندعو كل أناس بإمامهم}[٢٦]، يوم نقرب كل قـوم ببيتهم كما فعلنا بإبراهيم فجعلناه أمة قانتا للـه حنيفا. وهو ما لمحمد عندنا إمام أمة من الشـهداء على النـاس، على سـنن من سـبق بآدم تكاثـر بنا إلى عديد من الأوادم بكلماتنا، وعلى سـنن من لحـاق نفعله بالناس… فأمم خلت بهذا السـنن لها ما كسـبت، وبكم أمم تتجدد لها ما كسـبتم، ومن بعدكم أمم تقوم بسـننكم وبسـنن سـبقكم سـوف يكون لها منا ما كان لكم، وهو ما كان لمن كان من قبلكم.
فيا عبدي… ذكر خلقي بقربي وأسمعهم وأبصرهم بما صنعتك على عيني وخلقتك بخلقي. درِّكهم فيك بعظمتي وقد جعلتك لهذه الأرض راعيا، ولأهلها معلما، ولأبنائها أبًا، وجعلتها لك مسـجدا. أسـرِ فيها بنوري الذي أنزلت معك، وابعث أوادمك بها من قبورك، خالدين بك بما جعلت لك مما لم أجعل لأهلها من قبلك بغيرك. فقد غفرت لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ووضعت عنك وزرك، وأظهرت بك أمري في أمرك، وجهري في جهرك، وسـري في سـرك وحقي في حــقك. {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[٢٧]، فقد طهرت الأرض لك، فأنت بي صاحب القعدة، بها تتكاثر وفي أهلها تتناثر، فإليك حجيجها وأنت قبلة صلاتها. خلالك يبعث أوادمك من الآباء ليكونوا في بيتك أوادمك من الأبناء، بيتا موضوعا للناس، منه ترفع بيوت بأوادم للناس، شـجرة طيبة أصلها بك ثابت، وفرعها بك في السـماء متصاعد… بك تتخلص أوادم سـبقك من أوزارها، ببعثها من بيتك، أوادم بنوة بأرواحها.
ها أنت تدب على الأرض عبدا وحقا في عالم البدء والظلام بين عوالم من الأشـباح في نوم الغفلة والقطيعة عن عوالم الأرواح، بينهم تبقي متكاثـرا وقد غفرت لك ما تقدم من تواجد لك بالآباء والأمهات، وما تأخر من تواجد لك بالأبناء والأحفاد، وما هو قائم لك من تكاثـر بالأزواج والأبناء في بيتك بالمؤمنين والمؤمنات. رفعت لك ذكرك في العالمين، ورفعت لك ذكرك بين أهل حضرتي من حقائقي، ورفعت لك ذكرك في عوالم الناس من خلائقي، ورفعت لك ذكرك ما ذكرت عندك من ذاكر، ورفعت لك ذكرك ما ذكَّرت بي عند طالب. إني بك أسمع للناس وبك أُسمعهم. إني بك أُلبي الدعاء من الناس وادعوني إليهم. وإني بك أُجيب النداء من الناس وناديني منهم. وإني بك امتد بنوري معك في الناس وأحياهم. إنك ذكري ولسـت غيري. لا وجود فيك لغيري. إني لأمتك كلك ولسـت كلي فاسـتقم كما أمرت عبدي ورحمة مني.
هكذا يتكلم رب محمد محملا محمدا أمانة إيصال حديثه إلى الناس حتى يعلم الناس حكمة رب محمد في إظهار محمد عبدًا له ورحمة منه. وما كان محمد إلا عبدا لعبد للـه في أحديته، ولكن محمدا إذا لم يكن في أحاديثه مفصحا إلـى أن عبوديته لعبد في أحدية اللـه فقد أشـار لهذا بأخوة جبريل وخلة الرفيق الأعلى قاصدا الأحدية بلفـظ اللـه، لأنه علـم أن العبودية للـه لا تُعدد اللـه، ولا تُعدد العباد له في المقصـود الأحـد، ولا يَغيب تعددها عبده عن الموجود المنفرد، ولا ينحـط بها عن مظهر الغيب عباده. فهي الهـو… وهي ال لا هو، وهي وجه الأحد. إنها ظاهرة بكتاب الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد لاسـتحالة الكفء باعتقاد الوجود الأحد.
إن محمدا عرف ذلك فقال إنه رسـول اللـه لأنه يسـتحي أن يعدد ربه برب له، وهو مظهر الأحدية له فيه، وتأدب مع الأحدية عن وصفها بالإنسـان وهو وجه الأحدية - عند الإدراك وعند العيـان -فكان هو معنى أدب الإنسـان مع إنسـان ربه من الأحدية. وكان القرآن بما كشـف من أمره هو عين أدب إنسـان اللـه مع إنسـان عبده. إن من أدب إنسـان اللـه مع عبده الإنسـان وصـفه لنفسـه بأوصـاف الإنسـان، ومـن ذلك قولـه {الرحمن على العرش اسـتوى}[٢٨]، وهو يقول {وسـع كرسـيه السـموات والأرض}[٢٩]. فما هذه إلا أوصاف صمدية فعله بإنسـان الربوبية على إنسـان العبودية، في إنسـان اللـه بإنسـان اللـه إلى إنسـانية اللـه من إنسـان اللـه إلى ما لا نهاية.
إن الذي ننتهي إليه من ذلك أن الدين هو أدب الإنسـان مع ربه… وأن اليقين هو إدراك أدب الرب مع عبده. وإذا تأدب الرب مع عبده عجز العبد عن الأدب مع ربه.
{إنني أنا اللـه لا إلـه إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري}[٣٠]. إن الذي خاطَب موسـى بهذا إنما هو عبد اللـه وإنسـان اللـه الذي يخاطب كائنا أو شـيئا لم يسـتقم بعد على مراد اللـه به، لم يدرك أحدية اللـه، لم يقدر اللـه حق قدره. فلما درَّكه الأحدية وأعده لها بقوله اُنظـر إلى الجبل، قال تبت إليك وأنا أول المؤمنين… فما كان أول العابدين. ولكنه كان أول المؤمنين لعبد من الحقائق في معاني الأول بوصفه إنسـانـا للـه، وذكرا له.
ما خاطب موسـى وهو ذكر محدث إلا إنسـانه القديم، إلا الذكر القديم فصبغه بصبغته الإنسـانية فأدرك الوحدانية فقال: تبت إليك، تخليت عني إليك، وأنا أول المؤمنين. تزاحم الرب والعبد على الأدب للـه في أحديته فزاحم الرب عبده فنطق به فقال إنني أنا… وما هو إلا العبد الناطق بربه فكان حال الرب ما أنا إلا عبدي، وكان حال العبد ما أنا إلا ربي. إنني أنا اللـه. وإن العبد لي إن صحت عبوديته كان في أحديتي وجهي، وكان للناس عين معناي. فلما أفاق موسـي من صعق وحدانيته معه قال: نعم آمنت بك يا وجـه اللـه… آمنت بك يا عبـد اللـه… وشـرف لي أن أكون أول المؤمنين. آمنت بـك يا إنســان اللـه وأنا أول مـن آمـن بـك يا أحدية اللـه.
هذه هي معاني العبودية للـه ومعاني الإيمان باللـه في الإيمان بعباده. إنها معانٍ راقية سـامية. هذا ما جاء به دين محمد. وهذا ما جاء به محمد. فهل عرفنا محمدا فعرفنا ربه؟ هل عرفنا أنفسـنا في محمد فعرفنا أنفسـنا بمحمد فعرفنا محمدا؟ إنا نجهل محمدا فنجهل أنفســـنا، وبجهل أنفسـنا نزداد جهلا بمحمد وبرب محمد.
إننا إذا أردنا أن نكون عبيدا لمن كان له محمد عبدا، فلن نكون كذلك إلا إذا طلبنا أن نكون لمحمد عبد اللـه عبادا مؤمنين لوجه الحق به، فنكون مُحدث عبد لقديم عبد، ومحدث ذكر لقديم ذكر، وحاضر أمر لسـابق أمر. إن عرفنا ذلك، وتعارفنا عليه، وتواضعناه، وتواصيناه، وتحاببناه، وتطالبناه، وتعارفناه، كان منا أمة لمحمد يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون باللـه ويدعون إلى اللـه.
نسـأل اللـه أن يهيئ لنا السـبيل، وأن يحيينا بهذا الأمر الجميل، وأن يجعل محمدا فينا نعم الدليل، وأن يجعل محمدا لنا قياما، وأن يجعلنا به رحمـة وسـلاما يكفر به سـيئاتنا، ويصلح به بالنا… أمة لمحمد كلها محمد.
عباد اللـه… إنكم تشـهدون في هذه الأيام قسـوة الإنسـان على الإنسـان بجهل الإنسـان بنفسـه، وجهل الإنسـان بالإنسـان. إن الإنسـان بوضعه يقوم باسم العدل، وهو ظالم يقتل أخاه الإنسـان الذي يطلب الحرية وهو متظلم. ألا اسـتجاب لشـكواه… ألا عالجه بحكمته إن كان حاكما حكيما، وبإجابته إلى ما له إن كان حاكما عادلا، فإذا تعجل أمـره عالجه باسـتمهاله إذا كان حاكما رشـيدا حكيما.
إن اللـه جعل من الإنسـان ربا للإنسـان بأبوة علم أو سـلطان، وجعل من الإنسـان عبدا للإنسـان في عبوديته للرحمن، وجعل من أحديتـه من ورائهما محيطا لكل منهما الأمان والضمان. وطلب إلى الوجـه الأعلى أن يرى اللـه في الوجه الأدنى وما دون الوجه الأدنى. وطلب إلى الوجه الأدنى أن يرى اللـه في الوجه الأعلى وفيما فوق وجه الأعلى، وأنه بذلك يسـتقيم الإنسـان في حاضره، وتسـتقيم الحرية في مجتمعاته، ويسـتقيم الأمن في أمته، ويستقيم التعاون والتراحم في إنسـانيته، ويسـتقيم التعاون والتراحم في إنسـانيته، وتتزين به وبعدله وبرحمته ربوع أرضه لتبدل سـماء لعوالمه.
هذا هو الإنسـان في هذه الأرض وعلى هذه الأرض يعالجه اللـه حكيما من بدء نشـأته، ويعامله رحيما في كل أوقاته وفي جميع حالاته، ويأخذ بيده في كل غاياته عادلا أو ظالما أو مظلوما حتى يعلمه الحكمة، حتى يعلمه الحياة، حتى يعلمه القدس، حتى يوجده النور من الظلام، وحتى يوجده الروح من القبر، وحتى يوجده الحياة من الوجود.
هذا هو الإنسـان، وإن اللـه لظاهر له فيه يوما، وإن اللـه لمتقلب فيه عليه يوما. وإنه لمفيق لنفسـه في إفاقته إلى ربه له في نفسـه يوما. إنه ليس غير اللـه. إن اللـه لا يخاصمه أبدا ولكنه هو الذي يخاصم اللـه بغفلته ما ظل غافلا. إن اللـه يسـالمه ويعالجه ولكنه لا يسـالم اللـه. إن اللـه لا يحاربه ولكنه يحارب اللـه. إنه يحارب اللـه في حربه مع الإنسـان، ويخرج عن مسـالمة اللـه في خروجه عن مسـالمته للإنسـان. إن الإنسـان هو المتصف بذلك كله ظالما أو مظلوما، عادلا أو عادلا عن العدل، حكيما أو منحرفا عن الحكمة. وإنه متطور في مفرداته، ومتطور في جماعاته، ومتطور في إنسـانيته، ومتطور في قيامه، ومتطور في وحدته وأحديته.
نسـأل اللـه أن يدخلنا في لا إلـه إلا اللـه وأن لا يخرجنا من لا إلـه إلا اللـه، فنحن بلا إلـه إلا اللـه نقوم ونحن بها ننجو. نسـأل اللـه لنا ولكم جميعا ذلك ببركة الرسـول وسـائر الرسـل، وببركة مرشـدنا وسـائر المرشـدين فيه في معاني عينه، ومعاني أصله في لا إلـه إلا اللـه محمد رسـول اللـه.
أضواء على الطريق
(أو تظنون أن الفرق بين أتقى رجل في عالمكم ومن ترونه أفسـد رجل فيه له وجود جسـيم في روح الحياة العظيم اللانهائي؟ إنه معهما، وإنه يرعاهما، وإنه لهما، وكلاهما لم يخـرج عن قيادته ولم يقم خارج حكمته، ولم يعبث بمحيط إرادته).
عن هدي السيد المرشد سلفر برش
مصادر التوثيق والتحقيق
حديث شريف أخرجه البيهقي في “الأسماء والصفات” أنَّ اليهود جاءوا رسول الله اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ وسألوه “صف لنا ربك”، فأَنزلَ اللَّهُ تعالى سورة الإخلاص. كما جاء الحديث بلفظ : “انسب لنا ربك.” أخرجه أحمد مختصرا، والترمذي باختلاف يسير. ↩︎
من النشيد المعروف الذي استقبل به الرسول عليه الصلاة والسلام في المدينة. ↩︎
نفس التعليق السابق. ↩︎
من أبيات شعر للإمام عليّ بن أبي طالب:أَحَطتَ عِلماً بِكُلِّ شَيءٍ فَكُلُ شَيءٍ أَراهُ أَنتاوَفي فَنائي فَنا فَنائي وَفي فَنائي وَجَدت أَنتا ↩︎
حديث شريف يذكره الصوفية وبعض العلماء: لَيْلَةَ عُرِجَ بِي اِنْتَسَخَ بَصَرِي فِي بَصِيرَتِي، فَرَأَيْتُ اللهَ! رَأَيْتُهُ فِي صُورَةِ شَابٍّ أَمْرَدَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كَتِفِي، فَشَعُرْتُ بِبُرُودَتِهَا عَلَى ثَدْيِي، فَقَالَ: " يَا مُحَمَّدُ: أَلاَ تَرَى فِيمَا يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَى؟ " قُلْتُ: " أَنْتَ رَبِّي أَعْلَمُ، فَعَلَّمَنِي عِلْمَ الأَوَائِلِ وَالأَوَاخِرِ وَأُوتِيتُ ثَلاَثَ عُلُومٍ: عِلْمًا أُمِرْتُ بِتَبْلِيغِهِ، وَعِلْمًا خُيِّرْتُ فِي تَبْلِيغِهِ، وَعِلْمًا نُهِيتُ عَنْ تَبْلِيغِهِ، لأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُطِيقُهُ أَحَدٌ غَيْرِي". وهو حديث يوصف من جانب علماء الحديث بأنه موضوع. ↩︎
حديث شريف ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي.” ↩︎
سورة البقرة - ١٠٦ ↩︎
مقولة صوفية. ↩︎
سورة الأنعام - ٩١ ، سورة الزمر-٦٧ ↩︎
سورة الإخلاص - ٢ ↩︎
سورة الإخلاص - ١ ↩︎
سورة الإخلاص – ٢ ↩︎
سورة الإخلاص - ١:٢ ↩︎
سورة الإخلاص - ٣ ↩︎
سورة الإخلاص - ٣ ↩︎
سورة الإخلاص - ١ ↩︎
إشارة إلى مقولة من خطبة للإمام عليّ ـ كرم الله وجهه ـ:“…اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطناً على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث ظاهره خبث باطنه…”. بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎
سورة الرعد - ٤١ ↩︎
مقولة صوفية. ↩︎
سورة مريم - ٣٠ - ٣١ ↩︎
سورة الحديد - ٢٨ ↩︎
سورة الأحزاب - ٦ ↩︎
سورة الشعراء - ٢١٨:٢١٩ ↩︎
سورة مريم - ٩٣ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الإسراء - ٧١ ↩︎
سورة الإسراء - ٨١ ↩︎
سورة طه - ٥ ↩︎
سورة البقرة - ٢٥٥ ↩︎
سورة طه - ١٤ ↩︎