(١٧)
بيت القبلة
ومقيمو الصلة والصلاة
حديث الجمعة
١٣ جمادى الآخرة ١٣٨٠ هـ - ٢ ديسمبر ١٩٦٠ م
أشـهد أن لا إلـه إلا من هو معنا… أشـهد أنه لا إلـه إلا من هو لنا… أشـهد أن لا إلـه إلا من فيه جَمعَنا، ومنه قديما أوجدنا، ومن قديم وجودنا فَرقَنا، وفي قديم فَرْقنا كان لنا، والذي إليه مردنا، وعليه دواما اجتماعنا.
لا إلـه إلا هو، موجودا منفردا لا يتعدد، خالقا موجدًا لا يتجدد، صمد في ذاته، صمد في صفاته، لا شـريك له… الحي القيوم…
ظهر بعبوديته، واختفى بربوبيته، وتنزه بألوهيته، ورحم بوحـدانيته، فهو الواحد في ظهوره، والأحد في بطونه - الكائنات مظهره، والعلم مخبره، والقدس كرمه، والحرية رحمته، والعدل شـيمته، والعوالم تجلياته، والكائنات آياته، والخلق للعلم بالمعروف كتبه.
إن الإنسـان في خلقيته إنما هو كبداية ونواة للعوالم والكائنات والأكوان، وفي حقيته قديم الذكر ووجه الرحمن. فبشـريته بداية آدم والآدمية، فيها بداية الكون والكونية، ونهايتها السـاجد والمسـجد والسـجود للإنسـان في الإنسـان.
إن الإنسـان هو الكينونة المعجزة للإنسـان نفسـه، وغير معناها ومبناها لا يعجزه، إذا قرأها قرأ القرآن، وإن أنطقها علََّم البيـان، وإن أوجدها خلق الإنسـان… خلق الإنسـان في جديده في الإنسـان في قديمه في الإنسـان في مسـتديمه… دواليك.
فالإنسـان هو الكائن الخالـق، والإنسـان هو الكائن المخلوق، هو الكائن الحق الخالق في وحدانيته مع الحق الخالق، فيه يقوم وبه يفعل، وهو الكائن المخلوق، والكائن الخلق بوحدانيته مع الكـون، مخلـوقا من وحدانيتـه مع الكائنات والعـوالم المخلوقـة.
فالإنسـان حق بوحدانيته مع الحق. والإنسـان خلق بوحدانيته مع الخلق.
فالإنسـان خلق وخالق، إنما هو مربوب ورب. مربوب بوصفه إنسـانا ورب بوصفه إنسـانا. يقوم الرب فيه، حياة العبد فيه، ظاهرًا بكونه، في كائن البشـرية من وجوده، غائبا بمعناه من الربوبية في معناه.
إذا عرف الإنسـان خصوصيته كإنسـان، في هذا المعنى فطلبها فوجدها فقد تخلق بأخـلاق اللـه. وإذا لم يتنبه إلى خصوصيته هذه فلم يعمل لها، ولم يتواجدها، فإنه في قابل له لا يجدها، ويعلم أنها كانت به وكانت له وأنه فقدها، بغفلته عنها،وبجهله بها. تأتيه الأيام بما كان منه يحيد، بما كان له كائنا، وكان في مكنته أن يكونه… ولكنه حاد عن الطريق… حاد عن السـبيل… أغمض العيون عما حوله من آيات اللـه… وأغمض البصيرة عن أن تنعكس إلى ما فيه من آيات اللـه. فما نظر بخارجه متأملا فيفيق، ولا نظر بداخله مؤمنا فيصحو. وهو إن أفاق طلب الصحـو، وإن صحـا طلب الإفاقة، فطلب البعث، فبعث بما ملك، فيما يملك… ومن أدرك البعث وطلبه، فقد طلب الحياة، وأدرك الحياة، فلحقته الحياة، بماء الحياة قطرة بعد قطرة، من ينابيع الأرض، من سـلسـبيل مدكر، من نهر صدق مصطبر، وأمدته ميازيب السـماء بمـاء منهمر، فارتشـف من عيون الأرض، وقد نظرته فعرفته، فأضافته فتواجدها وتواجدته، فخلقها وخلقته، وأحيـاها وأحيته، وجددها وجددته، فالحـق عرفها والحق عرفته، فتعارف الحق إلى نفسـه بنفسـه في نفسـه من الناس. وقع تحت نظر السـماء فأعجبها فاصطفته، وبهرها فاختارته، ورضيها فاختبرته، فوفاها فارتضته، فمن حضرته رفعته، وإلى السـماء أضافته وبأرجـائها نشـرته، فحنت الأرض إليه فبكته، وذكرته وما عرفته، وعرفته وما أكرمته، وذكره في أبنائها نشـرته فطلبوه وطلبته، فتجدد في الأرض عيونا، وقام فيها أشـجارا وغصونا، بذكره أزهر بسـتانها، وبذكره ارتفع بنيانها، وبذكره حيا وجدانها، وسـماء ارتفع عنوانها، فتجدد شـأنه ذكرا للـه وضع، عن قديم ذكر بها للـه رفع، وهكذا… دواليك… تقادم وتقادم المحدث، وتجدد وتجدد القديم. فكان الإنسـان بسـرمده أولية للخلق، وأولية للحق.
أما كيف يكون الإنسـان نواة وأولية للحق؟ فإنه يعرف ذلك ويتحققه يوم يكون الإنسـان نواة وأولية للخلق! ومتى يعرف الإنسـان أنه أصبـح نـواة وأولية للخلق؟ يوم يتحقق الإنسـان أنه كائن، وأنه نواة وأولية للكينونة. ومتى وكيف يتحقق الإنسـان أنه كائن ويؤمن أنه نـواة وأولية للكينونة؟ يوم يعرف الإنسـان أنه في اللـه شـيء، ويعرف أن الشـيء حـر في مشـيئته، قادر بما أودع اللـه فيه من قدرته، سـالك مسـالك الطريق، إما إلى اسـتقامة، وإما لما يقتضي الملامة. عرف نفسـه فعرف أنه هُدي النجدين، وعَرف السـبيلين… إما شـاكرا وإما كفورا… إما باقيا وباقيا وباقيا إلى بقاء، أو فانيا وفانيا وفانيا إلى فناء… وعلم أنه بقي إن بقي بقدر ما فني، وأنه فني إن فني بقدر ما بقي وأحسـن الظن بربـه فعلم أن طريق الفناء في ربه وحقه هي طريق البقاء بربه وحقه، أما إذا لم يسـر ولم يتحرك في طريق التطور فإنه لم يوجد بعد، ولم يدخل الحياة بعد.
أما حسـن الظن الذي هداه النجديـن إما شـاكرا وإما كفورا، فيه يعرف أنه ما كان في طريق شـكره وطريق كفره إلا في طريق واحد مآله إليه. عرف نعمة اللـه عليه فشـكر وعرف جحود نفسـه للـه فكفـر… كفـر بنفسـه جاحدة للـه وشـكر لنفسـه ذاكـرة للـه… فشـكـر بقدر ما كفـر وكفـر بقدر ما شــكر.
وبذلك كان الإنسـان نواة للمعرفة وللعلم وللكتاب وللحياة. وعـرف أن اللـه بعظمته لا يكفـر بـه، وأن اللـه بوحدانيته لا يشـكر له. إنما الإنسـان هو فيه شـكره وكفره. {فمن شـاء فليؤمن ومن شـاء فليكفـر}[١]. من شـاء فليؤمن بنفسـه ومن شـاء فليكفـر بنفسـه.
هذا هو الدين وهذه هي الطريق إلى الدين، أو هذا هو لب الدين وهذا هو جـوهر طريق الدين والسـبيل إلى عين اليقين. من سـمعه فوعاه فطلبه فداناه، فوجده فكان معناه. فهو في جنة اللـه وإلى جنان اللـه. ومن سـمعه فقلاه، وأبعد عن المعنى معناه، وجانب بالمبتغى مبتغاه، فقد كفره فما تولاه، ولا كان له في دائم معناه، فله دينه وما ارتضاه… وما كان هيكله ومعبده إلا مبناه، وما كان الشـيطان إلا إياه، وما كان الجحود والكفر إلا معناه.
إن الشـيطان يجري من الإنسـان مجرى الدم، كما أن الرحمن يسـلك من الإنسـان مسـالك الروح منه. هو له أقرب من حبل الوريد، إنه معه الدم وما يجري فيه. إنه دمه وخلاياه وجوارحـه وأوانيه، إنه ذاته ومبانيه، إنه عينه وغيبه وما يرضيه، إنه شـهادته وما يسـتقيم فيه، إنه عبد الرحمن وما كان الرحمن ربـا إلا به. وما كان العبد عبدا إلا بربـه. فليس بعبد من لا رب له، وليس برب من لا عبد له. واللـه من ورائهما محيط وبوحدانيتهما قائم. إن اللـه قائم معروف بألوهيته بوحدانية الرب والعبد فيه، كما هو قائم معروف في ظهوره بوحدانية العبد بالرب فيه.
ليس وجها للـه، وليس قائما باللـه، وليس محلا لقيوم اللـه، وليس قائما في الحياة، من لم تكن معاني العبد والرب فيه، إلا معناه وإلا إياه.
هذا هو التوحيد ووحدته على ما جاء به محمد وأمته، وعلى ما عرَّفه محمد وشـرعته، وعلى ما قامه محمد وبيته، وعلى ما قامته ذاته وكتابه، وعلى ما قامه كتابه وجمعه، وعلى ما قامه جمعه وأصحابه، وعلى ما قامه أصحابه وأمته، وعلى ما قامته أمته وإنسـانيته، وعلى ما قامته إنسـانيته ووجوده.
إن محمدا وربه على ما بينه وبين ربه من المعارج، إنما هو وربه ليسـا إلا يدا رحمة اللـه، يدا رحمة إلهه. يحمل إلهه الكون بيد عبوديته ويُظل الكون بيد ربوبيته. إن محمدا بظاهره من حقيقته يد اللـه المقلة للكائنات والكون. وإن محمدا بباطنه من ربه يد اللـه المظلة للكائنات والكون. فهو رسـول رحمته كما هو يد بطشـته وظل عدالته.
هذا هو محمد عبده ورسـوله الذي به نأتَمُّ وعليه نجتمع، وشـتاته في أنفسـنا بتجمعنا نجمع ونلتئم، فنتذاكره في أنفسـنا للـه ذاكرين، ونتواصاه في أنفسـنا للـه طالبين، ونتحققه في أنفسـنا باللـه مؤمنين، ونقومه بأنفسـنا كتابا للـه محيين متحققين. إنه الدين وأصل الدين، وبداية الدين، ونهاية الدين، وقيام الدين، وعين اليقين.
تلوك اسـمه ألسـنتنا ولا تقوم به عقولنا، ولا تتجدد به قلوبنا، ولا تتزكـى به نفوسـنا، ولا تحيا به جوارحنا، ولا تقوم بـه ذواتنا، ولا يتمثل به في اللـه رجـاؤنا، فقد أصبـح وربه ألفاظا لنا، وألفاظا عندنــا، بعيدة كل البعد عن رغبتنا وآمالنا، في دنيا حياتنا.
إنا نتواصـى معكم بالحق، في تواصينا بالحق فيه، وبحقه فينا، وبحق وجودنا فيه. نحن فيه على ما نحن، راجين أن يكون فينا على ما هو. إننا إن دخلنا في نفوس امتداده من بيننا، قبلة لصـلاتنا، وبيتا لمآلنا، ورجاء لعملنا، ومنشـودا من رحمة اللـه لنا، دخلنا هذه النفوس، من سـفن نوح قيامه، ومن بيوت وضعه من موضوع بيوته، تعرضنا في زماننا لنفحات اللـه، ولنفحة رحمة اللـه لنا به.
إن فعلنا ودخلنا، فإن روح القدس، إن روح اللـه، إن اللـه يصطفي ممن دخل بيته. وروح قدس اللـه إنما تمتد فيمن اصطفي اللـه ممن دخل بيته. وما أمر بالصـلاة في معناها من صلة العبد بربه إلا من كان من أهله، ومن كان في بيته ممن دخله من طائفيه.
إن من كان أهله ممن دخل بيته كان ولده، ومن كان ولده فقد انقضى يتمه وقام بدخول البيت إيواؤه فخرج من ضلال طريقه ونفسي مسـعاه، إلى دار مسـتقره ونعيم مرتضاه. {وَأْمُرْ أهلك بالصـلاة}[٢]، فما صلى من لم يكن له أهل. وما اهتدى من لم يدخل له بيت. وما سـار من لم يركب له سـفين. وما وصل من لم يتصل به. وما اتصل به من جهله. وما جهله من تجدد به وولد منه، ولذاته وروحه نســب. (المهدي ولدي)[٣]، فكان محمد آدمه أسـوة، وكان محمد كلمة اللـه منه إليه فيه.
إن الدين في الارتباط باليتيم آواه اللـه، يتيما على معناه، يأويه يتيم اللـه. {أرأيت الذي يكذب بالدين}[٤] أعرفت أنه {ذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسـكين}[٥]؟ إن الناس لا يزدادون بصلاتهم من اللـه إلا بعدا إن لم يكن لهم قبلة، فويل للمصلين لغير قبلة فما كانت الصلاة إلا صلة بين العبد وربه، ولكن هؤلاء عن ذلك سـاهون. إنهم عن صلاتهم سـاهون. عن صلتهم سـاهون. عن طلبها سـاهون. عن العمل بها سـاهون. عن السـعي إليها سـاهون. عن ضـرورة قيامها سـاهون. وهم مع ذلك لم يخرجوا عن نظر الشـهيد فيهم. فالإنسـان على نفسـه بصيرة وإن أبدى معاذيره. ولكنهم يجهلون أو يتجاهلون وإن أدوا أشـكالها فهـم المراؤون. إنهم يراؤون أنفسـهم، ويراؤون الناس، ويراؤون اللـه، وإن اللـه مرائيهم بفتنته، وإن المؤمنين مرائيهم بحكمته، وإن اللـه صابر عليهم، حليم بهم، والمؤمنون صابرون مع صبره. يمكرون على اللـه ويمكرون بالناس، واللـه يمكر بهم يمدهـم في طغيانهم يعمهون عنه فيهم، فيكونون العمـاء فيه فيعمهون… يمد لهم في الضلالة مدا فيمنعون الماعون، وعن سـبيل اللـه يصدون، وبالضلالة يعملون، وعن موائد مسـاكين اللـه ممدودة يحولون. يضلون أنفسـهم ويضلون بها الناس من الضالين. ضل سـعيهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة لأن اللـه أضل أعمالهم، ومن يضلل اللـه فلن تجد له وليا مرشـدا، ومن يضلل اللـه فما له من هاد، فمن يهديه غير اللـه وبعد اللـه وهو الذي أعطى كل شـيء خلقه ثم هدى، ولو شـاء لهدى الناس جميعا ولكن سـبقت كلمته، فريق للجنة وفريق للسـعير لقيام ناموس الوجود.
اللـهم لا تجعلنا من أهل الضلالة، واجعلنا من أهل الهدى والهداية. اللـهم إنا إليك فوضنا أمرنا فاجعله اللـهم بك ميسـرا. اللـهم إنا عليك توكلنا فأقلنا من عثرات أنفسـنا. اللـهم إنا بك آمنا فأفننا اللـهم عنا، وأبقنا اللـهم بك لنا عبادا لك لا شـريك لك.
اللـهم إن محمدا تابعنا وحيينا، وأسـوته وكتـابه أقمنا وابتلينا. اللـهم فاهدنا به وقومنـا. فإن محمدا كتـابه تواصينا فما عرفنـاه إلا عبدك فابعثه فينـا وجددنـا فيه فما آمناه إلا كتابك، وما عرفنـاه إلا وجهك، وما وردناه إلا حـوضك، وما طعمنـاه إلا رزقك، وما روينـاه إلا ماءك، وما سـعدناه إلا رحمتك، وما قمناه إلا حقك.
اللـهم فيه فأدخلنا - اللـهم فينا فأدخله، اللـهم بك فينا فأقمه، وفيه بك فأقمنا. اللـهم إنا قد علمنا به عنك وحدانيتك فوحدناك عبادا لك. لا نحن ولا هو ولا أنت… إنما أنت هو نحن وهو وأنت… لا إلـه إلا إيانا ولا موجود إلا أنت. لا معبود غيرك ولا موجود سـواك. قائما على أنفسـنا أقرب إلينـا من حبل الوريد.
اللـهـم إنا رأينا أنفسـنا على ما أنشـأت… وأقمناها فيما أردت… ووجهنـاها إلى ما هديت. اللـهـم فتقبلها على ما وعدت. وارحمها على ما بمحمد أظهرت. واجمعها على ما قدرت. وانشـرها على ما به أكرمت ومننت.
اللـهم إنا منك. اللـهم فاجعلنا منك وإليك. اللـهم ارزقنا وحدانيتك وعلمنا وحدانيتك، وأسـلكنا وحدانيتك، وقومنـا وحدانيتك، واهدنا وحدانيتك.
نشـهد أنه لا إلـه إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسـولك.
هذا هو الدين نسـأل اللـه أن يجعل لنا ولكم به اليقين.