(١٦)
عبد الله
حيا يوما فكان الحياة قبل مبناه وقبل معناه
حديث الجمعة
٢٨ جمادى الأولى ١٣٨٠ هـ - ١٨ نوفمبر ١٩٦٠ م
أقرأه وأنسـاه. وذكَّره فأفناه. وعبَّده فأبقاه. وجدَّده فأحيـاه. أحيـاه يوما! فأدرك الحيـاة. وذَكَر الحياة، وذكَّر بالحيـاة. وعرَّف الحيـاة، وأحيا بالحيـاة. كان الحياة فأفاض الحيـاة… فماذا يعنيه - وهو الحيـاة - ما غير الحياة؟ ماذا يعنيه من دنا النـاس أو من دنيـاه - إن كانت أو لم تكن له دناه -؟ ماذا يعنيه من آخـرة النـاس أو من أخـراه - إن كانت أو لم تكن له أخراه -؟ ماذا يعنيه من خلق الناس أو مبناه؟ ماذا يعنيه من دنيا الناس أو ملهاه؟ ماذا يعنيه من جنة الناس أو نعماه؟ ماذا يعنيه من نار الناس أو مرماه؟
إنه الحيـاة. إنه حيا يوما كما يرضاه. ماذا يعنيه إن كانت له أرضه أو سـماه، أو لم تكن له ولا لمعناه وقد حيا بمن أحياه وأحيـا بمن ارتضـاه؟
ماذا يعنيه إن كان نبيا قبل آدم أو نبيا بعد آدم، أو عين آدم أو آدما لآدم؟ ماذا يعنيه طريقا للحيـاة طالت هذه الطريق أو قصرت… انتشـرت هذه الطـريق أو تضاءلت… تأبدت هذه الطـريق أو توقفت… انتفعت النفوس بهذه الطريق أو تغافلت؟ ماذا يعنيه من ذلك كله وقد حيـا يوما فكان الحيـاة؟ حيا يوما فكان أبد الحيـاة، وأزل الحيـاة، وسـرمدي الحيـاة. حيـا بحيـاة من أحيـاه. رضيه فارتضاه. شَـرُفَه حيـا فشـرَّف معناه، فكان منه له عين معناه. شـرَّف مجـلاه طلعة للأقدس من مجـلاه والأعلى من مرتقـاه.
كان في ثياب الخلق وتجدد في ثياب الخلق متجردا من ثياب صنعه إلى ثياب صانعه. أيكون مرة أخرى في ثياب صنعه ويتجرد مرة أخـرى إلى ثيـاب صانعه؟! قد يفعل وقد لا يفعل! ماذا يعنيه وماذا يهم؟ إن كان قد فعل، أو إن كان قد يفعل، أو إن كان فاعلا بالفعل؟ لقد حيـا يوما فكان الحيـاة…
إنه الحيـاة. إنه حيـا يوما لا يدرك مداه. إنه عبد اللـه. أماتـه فأحيـاه وبعثه بالحيـاة. بعثه بمعناه، بعثه بالحق من طلعته ومجـلاه. أحيـاه المثل الأعلى يضربه لمن ارتضاه، فعرف فيه مولاه، فذكـره في نفسـه. ذكر ربه في نفسـه. ذكره في حسـه. ذكر ربه في إدراكه وحسـه.
الإنسـان هو الذكـر القديم الحامل للعلمية على الموجود المطلق. وآدم هو الذكـر المحدث من هذا الذكـر القديم للعلمية على الذكـر القديم أو الذات الأقدس.
أول كائن بشـري حمل خصائص آدم من العلمية على الذكر القديم أو أول آدم عرف للبشـرية حاملا معنى الإنسـان الكامل من حيـاة البشـرية القائمة على الأرض، أو أول ابن لآدم تكامل لخصائص أبيه هو الذات المحمدية بما حملت من معاني وخصائص وشـرف الإنسـان الآدم، ظاهرا بالآدمية باطنها الحقيقة الإنسـانية في علميتها على الموجـود المطلق أو الوجود السـرمدي. إنه عبد اللـه الظاهر لعبد اللـه القديم. إنه عبد اللـه جلَّ شـأنه، وعز جـاره، وعَلا أمره، وعُرف خبره. قام باللـه، وبلا إلـه إلا اللـه، وباللـه أكبـر. فمن ذا الذي يرتقي مرتقاه؟ ومن ذا الذي يشـاركه في وجـوده بمعناه؟
إنـه لا إلـه إلا اللـه لمن طلب اللـه. إنه اللـه أكبـر لمن عبد اللـه. إنه القريب لمن أدرك القريب، قريبا في معناه، قيوما على مبناه.
ذاك من تذكـرونه ولا تعرفونه، باسـم عبد اللـه، وباسـم محمد اللـه، وباسـم رسـول اللـه، وباسـم آدم اللـه، وباسـم إنسـان اللـه، ولا تشـهدون فيه وجـه اللـه، ولا تقومون بـه عبادا للـه، وبغيره لسـتم عبادا للـه، وبغيره لا تعبدون اللـه، ولكنكم في عبادة أنفسـكم. تعبدون اللـه خيالا من وضعكم. وتؤمنون برسـول اللـه وهما من أوهامكم. تُسـوفون اللـه فتبعدونه عن القرب معكم. وتسـوفون رسـول اللـه فتبعدونه عن القيـام بينكم. فتعمى قلوبكم، وتعمى عيونكم عن نظره منظورا لنواظركم حاضرا لقوالبكـم. ما كانها ولا يكونها، إلا إذا طلبتم. فهو في غنية عنكـم وعن أمثالكـم. لا يأبـه لكـم ولا لملايينكـم. إنه لا يدخل بيتا غير بيته ولا قلبا غير قلبه. فهل بايعتم اللـه بمبايعته على قوالبكم، وعبدتم له بيوتكم وقلوبكم حتى يرى فيكم مِلكا له يدخله لأن البيت الفارغ منه مفتقر إليه؟ إنه لا يفتقر إليكم ولكنكم تفتقرون إليه. إنه غني بنفسـه وغني بربه. ولسـتم بأغنيـاء عنه أو عن ربه. إنكم الفقـراء إليه وإلى ما في يده لكم.
إنه من ربـه باب ربـه لمن طلبه. إنه باب المعرفة لمن طرقه… إنه سـلم الحيـاة لمن ارتـقاه. ظهر الحق به خلقا، وظهـر البعـيد بـه قربا، وظهـر القـوي بـه تواضعا في مظهر ضعف، وظهر المتكبر به مدانيا في لطف.
إن لم يكن بكم إليه غاية، فلسـتم له، وله إليكم غاية. أنتم الفقراء إليه وهو الفقير لربه، وأنتم المسـتغنون بدنياكم وهو الغني الحميد بمولاه. إنكم تذكرون محمدا مُحدثين من بعده، وهو البريء ممن أحدث بعده… إنكم تذكرون محمدا اسـما وكتابا، ولا تذكرونه لقوالبكم قلبا، ولا لحيرتكم أمرا، ولا لفقركم غنى، ولا لجهلكم معرفة، ولا لظـلامكم نـورا. إنكم تذكرونه في المقابر. إنكم تذكرونه في الأوراق والمحابر. إنكم تذكرونه أمام غلبة طاغوت عالمكم المكر والدسـاكر. إنكم لا تذكرونه عباد الرحمن يمشـون على الأرض هونـا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سـلاما، فتخاطبون بجهلكم مخاصمين، وتجابون من رحمته بالسـلام عليكم مجانبين، وتضمرون بين جوانحكم الكراهية والخصام قالين، وتبدون الود منافقين، الحقد في نفوسـكم، والمقارنة والاسـتعلاء في عقولكم، والمغاضبة للحرمان، والمفاضلة بالبهتان صفتكم، تحكمون على اللـه وتحاكمون بجهلكم، وتعاملون رسـول اللـه بأوهامكم.
ما ذكرتموه متوجهين، وما ذكرتموه في القربـى وُدَّا ولا علمًا، ولا فضلا، ولا مائدة، ولا نورا، ولا روحا، ولا سـفينة ولا معراجا، ولا بابا. ولكنكم تذكرونه رياء ونفاقا. تلوكون اسـمه بألسـنتكم وألسـنتكم تتأذى من فعلكم وطويتكم، وتود لو أن تسـكت عن النطق باسـمه من لغوكم لما تشـهد من رياء قلوبكم، ومن خداع عقولكم، ومن التواء نفوسـكم.
أاللـه تذكرون وأنتم مظاهروه! ورسـول اللـه تذكرون باسـم الصلاة وأنتم في صلاتكم قالوه؟
إذا لم يكن رسـول اللـه قوام الحيـاة وقيامها فما ذكر، وما وُصـل، لا يُدرك إلا بموت النفس وهدمها، فيُبعث في النفس عنوانا لـه، ولا عنوان لها، وقياما له ولا قيـام لها، حيـاة له ولا حياة لها، وجـودا له ولا وجود لها. النبي أولى بالمؤمنين من أنفسـهم. آمنوا برسـوله يؤتكم كفلين من رحمته. لا يؤمن أحدكم حتى يكون أحب لديه من ماله وولده ونفسـه التي بين جنبيه.
من هو هذا الذي به يتم الإيمان ويتواجد الإنسـان؟ أغيب هو عن العيـان؟ أغيب هو بين هذه العـوالم من أوادم الإنســان؟ إن كان غيبا فهـو اللـه فـي غيبه. وإن كان حاضـرا فهـو اللـه في حاضره. وإن كان قريبا فهو اللـه في قربه. وإن كان بعيدا فهو اللـه في بعده.
إنه عبد اللـه الذي به يَعـرف سـيده ومـولاه والذي بدونه لا يُدرك اللـه، ولا يعرف اللـه، ولا يُعبد اللـه، لا ولا يوجد اللـه عند واجده. فاللـه في عظمته ووجوده في وجود عبده. وظهوره في ظهور عبده. وقربه في قرب عبده. وإن الذي حال بينكم وبين عبده أن تكونوه أنكم بخيالكم تخيلتم أنكم للـه عباد.
سـبحان اللـه! أمثلكم للـه عبـاد؟ إنه وصفكم بذلك إكراما لعبده. المتواجد بكم. المتواجديـن فيه. فإن كنتمـوه فعبده أنتم، ولا تعدد للعبـد عنده. كل من في السـموات والأرض يأتيه عبدا واحدا. أما ما فيها إن بقي فيهما حي وللحياة مدرك فهو منه، وهو هو، وهو عبده.
أمتابعة لرسـول اللـه تزعمون وأنتم بأقدامكم رأسـه تدوسـون ولا تسـجدون فبها تسـتحيون؟ إنه سـر الحيـاة في الأرض التي ولدتكم، والتي رحمة من اللـه به أقلتكم، والتي بقدرة اللـه ويدا له أمسـكتكم… وإلا ففي الفضاء تناثرتم فما تواجدتم.
إن الأرض التي تدوسـونها بأقدامكم وُلج فيها نور اللـه يوم دخلها رسـول اللـه. كانت ميتا فأحيـاها. وكانت ظلاما فأضاءها. وكانت خلوا من عوالم الحيـاة فمـلأها بعوالم الحيـاة. كانته فكانها وعرفته فعرفها، وشـرفته فشـرفها.
يوم تنشـق عنه عيونا تملأ الأرض ريا، وتصير الكافر وليا. يوم تنشـق عنه فتبدل الأرض غير الأرض، وتنشـق السـموات بانشـقاق الأرض مبدلة عن ثمار شـجرة الجنس، تنشـق عن كلمات اللـه المرفوعة من أقباس نوره أرواح الحيـاة إلى بيوت موضوعة يوم لا وزر، يوم يجتمع الشـمس والقمر. يوم يظهر السـراج المنير للجنس بأقماره وليالي الجنس على أرض شـجرة الجنس. يوم تتخلى معاني الإنسـان عن أوزارها من أثقال الأرض وتخرج إلى بحـار الحيـاة عارية مسـفرة. {علمت نفس ما قدمت وأخرت}[١]. علمت نفس ما ارتقت. علمت نفس ما تواضعت. علمت نفـس ما رُفعت، وعلمت نفس ما وُضعت. وأخذ النـاس منازلهم في وجـود النـاس، فكان محمد فيهم للحق عنوانا، وانقطع كل نسـب وحسـب وسـبب وصهر، إلا نسـبه وحسـبه وسـببه وصهره. وكان نسـبه حسـن الخلق. وكان حسـبه تقوى اللـه. وكان سـببه الراحمون يرحمهم الرحمن. وكان صهره ارحموا من في الأرض يرحكم من في السـماء.
كان هو الحيـاة ونبعها. وكان هو الدائرة ومركزها. وكان هو الكرسـي ومسـتويه. وكان هو العرش وما يحتويه. كان كل شـيء للإنسـان بعبوديته للرحمن. صفه بما شـئت، واعرفه كما شـئت، واعتقده كيفما شـئت، إلا أن تقول إنه لا رب له. قل إنه لك رب ولكن له رب. قل إنه لك إلـه ولكن عليه إلـه. قل إنـه فوقك عبد للـه ولكن فوقه عبد للـه. قل إنه كـون ولكن قبله كون. قل إنه وجود. قل إنه كل شـيء ولكن قبله من هو له كل شـيء.
به يعرف ربه، ويدرك وصفه، وينال علمه، ويقام قيامه، وتدرك وحدانيته. إنه عبد اللـه الذي حيا يوما. لا تعرفه ولا تسـتطيع معرفتـه، ولا تقـدره ولا تسـتطيع تقديـره. كما أنه هو لا يعرفه ولا يسـتطيع معرفته، ولا يقدره ولا يسـتطيع تقديره. ألـم يقل لنـا (ما عرفني غير ربي)[٢]؟ ما عرفه غير ربه حتى ولا نفسـه. فما عـرف نفسـه وما أحاط بنفسـه، وما قَدَر نفسـه وما أدرك نفسـه. عجز عن ذلك كله في أمر نفسـه، وبعجزه في فهم نفسـه اسـتطاع أن يعرف ربه - وما زال - في عجزه عن معرفة ربه بعجزه عن معرفة نفسـه طالبا المزيد من المعرفة عن نفسـه ليزداد معرفة عن ربه في المزيد من إدراك عجزه.
على هذا قامت رسـالته، وبه قامت ملته، وبه شَـرُفت ذاته ونفسـه، وكونه، وعقله، ومعناه، وعبوديته. به اسـتقامت طريقه. وبه حيا صِدِّيقه. وبه تابع فاروقه. وبه سـما ودانى معناه.
إنه عبد اللـه. هلا عبَّدنا أنفسـنا للـه في تعبيدها له؟ هلا شـرَّفنا أنفسـنا باللـه في تشـريفها بـه؟ هلا آمنا في أنفسـنا باللـه بإيماننا به في قيامنا؟ وطلبناه لنا في قيامنا ووجودنا؟
إن رسـالة اللـه من قبله - إن كان لرسـالته قبل- من بدء الجنس في شـقيها من الحكمة والنبـوة -إن كان للجنس بدء أو قبل - إنما هي في تجول نفس الإنسـان لطلب معرفة الخالق، في طلب معرفة الحق، أو الحق الخالق المبدع.
أما الرسـالة من بعد هيكله الرسـولي وقد تمت رسـالته عن التعريف بالخالق، وكشـف سـبيل البحث عن معرفته والاجتماع عليه، فقد بدأت بالقيـام بمحمد عبده وجماع رسـالته. وبقيت رسـالة اللـه عن التعريف بعبده، والجمـع عليه. بقيت رسـالة التعـريف عن معاني العبودية في التعريف عن معاني العبد له، يقوم بشـرف الوحدانية به. وهذا ما عناه عبده يوم قال للناس (خلَّفت اللـه عليكم)[٣]، وهذا ما عناه كتابه وهو يقول: هذا خاتم النبيين، وهذا أول العابدين. هذا أول بيت وضع للناس مظهرا لبيت رفع من الناس.
ولن يعرف من اللـه ولن يظهر من اللـه إلا المثل الأعلى في بيت يذكر فيه اسـمه، سـواء في الأرض أو في السـماء، وما المثل الأعلى في السـموات أو في الأرض إلا عباد له يدبون في السـموات كما يدبون في الأرض، وإنه على جمعهم إذ يشـاء قدير، وإنه جامعهم على دوام ومظهر جمعهم يوم تشـقق السـموات والأرض عنهم على أمر معلوم.
وإنهم على قديم عبده اجتمعـوا، وبه اجتمعوا، وعليه اجتمعـوا، وفيه اجتمعـوا. وكانوا للناس ملأ الأرض، من المثل العليا من عباد الرحمن يتواجدون عليها آدما بعد آدم، وإنسـانا بعد إنسـان، وشـهيدا بعد شـهيد، وإماما بعد إمام، حتى اسـتكمل الجمع أمره، وبلغ محدث الذكر بمحمد رشـده على مثال من قديمه. ما أحدث محدثه بالتخلـق بأخـلاق ربه إلا آدم قيام لباطن بآدم في إنسـان اللـه. أوجده قديمه لنفسـه على صورته… في الحي القيوم… في اللانهائي الموجود… في الصمد الخالق… في الواحد الأحد، في الفرد الصمد الذي لا يعرف إلا بقيام وحدانيته عند موحده، والذي هو عين عارفه في عين معروفه. هو العارف والمعروف في إنســان عبده، وإنسـان رحمته، وإنسـان ذكره.
إن الصلاة كصلة مقامة لذكره، من ذكر محدث بأمره لذكر قديم في سـرمدي قيامه… رفيقا أدنى لرفيق أعلى… ظاهرا لباطن. إنهم عباد مكرمون دبوا على الأرض، أو دبوا على السـماء.
هذا دين محمد وهذا ما جاء به محمد، فهل بحث الناس بينهم على قبلة الرشـاد لهم أو علـى حوض الحيـاة يردونه بينهم؟ هل بحث الناس عن محمد فيهم، وفي أنفسـهم، وفي قيامهم، وفي مجتمعهم؟ هل بحثـوا عن اللـه ومثله العليا بينهم وبين جوانحهم في مرضي صفاتهم؟ هل بحثوا عن الشـيطان في أنفسـهم، في مرذول قيامهم ومجفو صفاتهم؟ إنهم يبحثون عن اللـه خارجهم فيباعدوه بوهم ذكره وبوهم مقاربته. إنهم يبحثون عن رسـول اللـه بعيدا عنهم فيباعدوه. إنهم يبحثون عن الحيـاة وعن الجنة مسـوفة بعيدا عن قيامهم، والحيـاة في قيامهم أقـرب من حبل الوريد، والجنـة هم في قيامها،عرضها السـموات والأرض مُعدة للمتقين لم تخرج أرضهم منها، ويبحثون عن النار بعيدة عن تواجدهم وهي لهم مبرزة لمن ألقى السـمع لناقل وهو شـهيد بناظر. هم اليوم واردوها تحت شمسـها وزمهريرها لمن لم يتابع مقولة بوهم ولكن يتابع منظورا بفهم.
أين هو الدين عند أدعيائه؟ أين هو الإسـلام عند من يدعونه باسـم الغيـورين وهـم عين قيـام ووصـف أعدائـه؟ إن الدين والإســلام يتجدد عند الإنسـان المؤمن المسـلم، عند كل لمحـة، وفي كل يوم، وفي كل مجال، وفي كل فرصة، وفي كل حياة. إن المؤمن لا يتوقف عن الترقي، وعن التطور، وعن المزيد، وعن النمو، وعن الحيـاة، وعن التـواجد. أين هذا كله يا من يدعـون الإسـلام؟! أو ينسـبون إليه!
هذا هو دين الإسـلام. لا جنة فيه لخيال، ولا نار فيه لوهم، ولا حسـاب عنده في الانتظار، ولا ربا في قطيعة، ولا رسـولا في بعد عن العمل والاتصال.
إنكم تسـمعون، وإنكم تشـهدون. وإن هذه فرصتكم فصدقوا لما تسـمعونه. فما قال الرسـول قولا إلا بعد أن قام فيه. ولن يقول صادق مقالة قبل أن يقوم فيها.
افهموا القاعدة تتعلموا الدرس. إن الذي قال لكم إن اللـه أقرب إليكم من حبل الوريد… إن الذي حمل لكم ما زال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتـى أحبـه فإذا أحببتـه كنت يده ورجله ورجله وعينه إذا أحببته كنته…
ما قال مقالته لكم إلا بعد أن تحققت له. وما عرفها إلا من تحققها له. حاشـا للـه! أن يقول الرسـول مقالة عن وهـم أو هو بها حـالم أو واهم! فما كان إلا إيـاه وجها ويدا لكم. إنه يقول لكم في كتـابه عن لسـان ربه إن الذين آمنوا بما أنزل على محمد وهو الحـق من ربهم كفـر عنهم سـيئاتهم وأصلـح بالهم. فما كان محمد إلا الحـق من ربهم. ما كان إلا وجـه ربهم. ما كان إلا وجهه وطلعته. ما كان إلا نوره ورحمته. ما كان إلا روحه وظهوره وطلعته. ما كان إلا قرب وجوده وسـر ذاته.
هل أدركتم شـيئا من ذلك؟ إنكم تتكلمون فقط ألف وأربعمائة سـنة تتكلمون فقـط ولا تدركون. وإذا ظهر بينكم مُدرك تَقْلُون، وتخـاصمون، وتباعـدون، حتى إذا غـاب عنكم كنتم تراب قبره تُقبلـون، وأعتـاب قبلته تسـجدون. واللـه خلـق لكم من بينـكم من مثلـكم من تقـدرون، فـلا الربوبية في أنفسـكم تذكرون، ولا باللـه تقومون، وأربابا منكم من دونه تتخذون ولا تسـتحيون. فإذا قيل لكم كونـوا ربانيين وليتم مدبـرين. وسـاحة اللـه، ورحمة اللـه، وعناية اللـه، لا يسـاق الناس إليها، ولا تسـقى كدواء - النفس له كارهة - ولكنها توهب كجزاء - النفس له طالبة، وبه راضية، وإليه سـاعية.
إن اللـه لا يدخل الناس إلى سـاحته كرها، {لا إكراه في الدين تبين الرشـد من الغـي}[٤] ولكن الناس يطلبون أن يكونوا المكرهين لا الأحرار العابدين. فلا حول ولا قوة إلا باللـه رب العالمين. اللـهم اغفر لنا وللناس أجمعين.
اللـهم بخُلقك الكـريم فخلِقنا. وبفطرتك فاصبغنا. وبأمرك أقمنا. وفي رحمتك أدخلنا. اللـهم إنا بك آمنا، وبعبدك قمنا، وفي دنيانا على ضيق بها أقمنا، وإلى آخـرتنا فيك استشـرفنا، وحريتنا بك طلبنا، وعتق رقابنا سـألنا، وعتيق أمرك له أنفسـنا هيأنا، فبفضلك له عبدنا، وبه فاصبغنا، وبالعبودية لك حققنـا.
اللـهم إنا علمنا أنه لا مكان لك، فأنت المكان وأنت المحيط بالمكان. اللـهم منك فينا فأشـهدنا، وفضلا منك فمكنا، وقدرة بها نقدر على خَلق أنفسـنا قدِّرنا، والطريق المسـتقيم إليك أسـلكنا، وأخذًا بنواصينا في الطريق قومنا، وبالحق قربنا، ومن كل كائن لك حققنا، وفي معـراج رُقِينا لفضلك فاعرج بنا، وفيك طورنا، في الأرض أقمنـا، أو إلى السـماء صَعِّدنا، فنحـن عبادك فبَمنِّك عبِّدنا، وزدنا فيك عبودية وعبودية… وعبودية… ومن عبوديتك لا تحرمنا ما أحييت وما أبقيت وما بك بقينا… لا إلـه إلا أنت ولا معبود سـواك.
(لن يكون سـلام في عالمكم قبل أن تندمج ألوان البشـر سـويا، وقبل أن يتعلم الناس ألا ينظروا إلى الجلود وإنما إلى النفوس التي وراءها)
(إن قوة الروح من مصدر الحيـاة في انسـيابها إلى الكائنات البشـرية تتجاهل كل التمييزات الأرضية، ولا تهتم بطبقة، ولا بلقب أو بدرجة في مجتمع، ولا تهتم بلون لشـعب أو تمييز لجنس، أو سـلطان لقوم أو دولة. إنها تتجه فقط لهؤلاء الذين يسـتجيبون لنداء الحـق، أينما كانوا أو إلى من كانوا، فتملؤهم بقوتها آتية من مصدر كل صدق، فتضيء عقولهم، وتتحرك نفوسـهم، ويصبحون من العاملين في الأيكة العظيمة للروح الأعظم).
(إن الحب هو العامل الأول لتحقيق ذلك. والحب الصادق هو الذي يخلص من الخـوف. ولكن الناس يبدأون وفي قلوبهم وجل. وثقتهم بأنفسـهم مزعـزعة إذ يخشـون أن لا يحصلوا على نتائج لمجـاهدتهم. والخوف عنصر مفسـد لعملهم إذ يفسـد عليهم اتحاد الذبذبة مـع باطنهم من الأرواح المرشـدة لهم والعاملة معهم. اعرفوا قبل كل شـيء عن ملكوت اللـه، وعن عدالته، وعن ضرورة المعرفة بينكم، وكل المواهب سـوف تنهال عليكم)
(لقد جـاءكم العلم منذ سـنين كثيرة عن طريق إنسـان عرف القانون، بين لكم أنه إذا ما جربه مجرب جاءت النتائج دائما وحتما، وأنكم إذا ما سـمحتم للقانون أن يعمل، فعلى النتائج أن تأتـي) …من هدي السـيد الروح المرشـد (سـلفربرش)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإنه يقصد بالإنسـان الذي عرف القانون وعرفه رسـول الفطرة وعبدها من رددنا له اسـما (محمدا عبد اللـه ورسـوله).