(١٥)
قطرات
من بحر عبد الله (محمد)
حديث الجمعة
٢١ جمادى الأولى ١٣٨٠ هـ - ١١ نوفمبر ١٩٦٠ م
أشـهد أنه الموجود لا غيب له… وأشـهد أنه المعبود لا إحاطة به… وأشـهد أنه الأحـد لا شـريك له… وأشـهد أنه الواحـد لا تعدد معه… وأشـهد أن الإنسـان عينه وعبده ورسـوله، عينه بوحدانيته، ورسـوله بحكمته، وعبده بطاعته.
وأشـهد أن سـيدنا ومولانا محمدا ظهـر بيننا وفينا بالحق إنسـانا، وظهر لنا وعلينا وفينا بحكمته رسـولا، وكتابا مبينا، وظهر من أنفسـنا بيننا أسـوة وقدوة، وعبدا له وعنوانا للعباد له، فيمن سـبق، وفيمن يلحق.
عبد المثالية للعباد، وعبد المثالية للرشـاد، وعبد المثالية للحـق. جاءنا بالحـق، وتحدث فينا بالحق، وقام بيننا بالحـق، وعاملنا بالحـق، وعمل لنا بالحق. أحبَّ ما خاصم، وخاصم ما ضاق بمن خاصم، ولكن حبـا في خير من خاصم، وتقويما لمن خاصم، ورحمـة بمن خاصم، وهديا لمن خاصم.
فما أدركناه، وما عرفناه، وما تابعناه. وألفيناه في أنفسـنا لأنفسـنا على ما اشـتهت أنفسـنا. أوجدناه في أنفسـنا بوهم أنفسـنا وما تواجدناه في نفسـه، وما تواجدناه بنفسـه، وما تواجدناه في أنفسـنا.
وهـو الذي بعث فينـا بعثـا من نفسـه فـي قديمها، بالحق قامت، يبـرزها مخلوقا على ما تخلقت. ويتخلق مبتدئا على ما فعل في قديمه، وعلى ما ينتهي في مسـتديمه، بدءا جديدا يسـير إلى انتهاء جديد، إبرازا لفعل قديم، من فعل نفسـه بالحـق على ما عرفه، ومن فعل الحق به على ما شـهده، ومن فعل الحق على ما قامه.
فما تابعناه محدثين، وما تابعناه فيه مجددين، وما تابعناه إلى المثل الأعلى من القديم مؤمنين، ولا في المثل الأعلى في الجديد مجاهدين، ولا في المثل الأعلى موعودا راجين. وللـه المثل الأعلى في العالمين. ولن يعرف الناس ما طلبوا اللـه إلا المثل الأعلى فيه في سـائر العوالم، ولن يعرفـوه إلا بامتداده في أنفسـهم طالبين ما كان لهم توفيق طلبه، وما كانت لهم سـعادة لقائه. {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض}[١]، { إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا }[٢] إلا آت المثل الأعلى، وما المثل الأعلى إلا عباده.
إن المثل الأعلى حيث يتواجد تتواجد السـماء، وحيث يُفقد يُفقد وصف السـماء، ووصف السـمو، ووصف الحياة، وتتواجد الأرض، ويتواجد الظلام، ويتواجد معنى الخلق. ويوم يبدل اللـه الأرض غير الأرض ما هو بمبدلها في طبيعة، أو قيـام، أو نظـام، ولكنه يوم يبرز على سـطحها أو سـمائها الدنيا المثل الأعلى بعبد له من العباد.
ويوم أبرز اللـه محمدا مثلا أعلى يدب على الأرض فقد تواجـدت الحيـاة على الأرض، وتواجـد الحـق من اللـه على الأرض دابـا بقدميه يطأها رحمـة بأهلها. {أولم يروا أنا نأتي الأرض…}[٣] وما أتى الأرض إلا في مجيء المثل الأعلى في الناس من معنى الإنسـان ومن معنى العبودية للرحمن، فما الرحمن إلا باطن عبده، وما العبد إلا ظاهر ربه. فإذا مشـى عبد الرحمن على الأرض فقد مشـى الرحمن على الأرض ظاهرا بعبده. وقد تواجد العبد على الأرض لم ينقطع عن رباطه بربه. {يسـألونك عن الســاعة}[٤]. وهم ليسـوا أهـلا للسـؤال فضلا عن الإجـابة! {يسألونك عن الروح}[٥] وهم ليسـوا أهلا للسـؤال فضـلا عن الإجابة! هل هم أهل لمعرفة الروح حتى يجابوا عن العلم عن الروح؟
إن الروح قيام وسـلام. إن الناس وهم يمشـون على الأرض ما يحركهم عليها إلا الروح، فكيف يسـألون عن أمر هو من خصائصهم، وهو عين وجودهم، وهو عين قيامهم؟ إنهم يجهلون أمـر أنفسـهم ويسـألون عن أمر أنفسـهم وليسـوا أهلا لأن يجابوا لأنهم جاهلون بأنفسـهم لأنهم ما زالـوا بعد في غيب عن أنفسـهم. ولكن يـوم يرتد إليهم بصرهم وقد اسـتيقظت فيهم عقولهم، فتجولت في القديم من معناهم، وتجولت في الجديد من مبناهم، فارتد النظر إليهم، فأدركوا أن الشـأن شـأنهم، وأن الأمـر أمرهم، وأن الروح إنما هي قيامهم ووجودهم… إن فعلـوا، صلحوا لأن يتسـاءلوا بينهم، وأن يتواصـوا بينهم، وأن يروا اللـه معهم وفيما دونهم وفيما أكبـر منهم، وما هو معهم منه إنما هو الـروح… إنما هو اللـه… إنما هو قيامهم بالـروح… إنما هو قيامهم باللـه.
{يسـألونك عن السـاعة أيان مرسـاها}[٦] بجهلهم! أليسـت السـاعة في عرفهم وفي وعيهم - على نقصه - هي قيام حسـابهم ولقاء ربهم؟ وأنت عبدي بينهم، وأنت برحمتي الرب الراعي لهم. قامت سـاعتك، وانتصب ميزانك، وغُفـر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. وقد عرفت ما قدمت وما أخرت نفسـك من أمرك.
إن السـاعة إلى ربك منتهاها. إن السـاعة أنت من ذكراها هي ما تعلم أنت. إن السـاعة هي ما تقـوم أنت. إن السـاعة هي ما يُعرف بك. أنت (عبـد اجتمع على ربه). إلى ربك منتهاها على ما عرفت، وعلى ما صرت، وعلى ما بعثت، وعلى ما وعدت، وعلى ما حققت. إن أمرك أمرهم، وإن حالك هو حالهم ألسـت أسـوة لهم؟ ألم أقل لك {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}[٧]؟ أبعد هذا وقد صرحت به، وأذنت وسـمحت، ولك فعلت، يسـألون عن سـاعة! إنهم يسـتعجلون بها لأنهم لا يعلمون بها، ولا يؤمنون بها، ولا يدركون لها، ولا يفهمون ما تحمل إليهم، وما أحملك إليهم، وما يصدر عنك لهم.
لا بأس، خاطب الناس على قدر عقولهم. {يسـتعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا…}[٨] والذين أدركوها، والذين اسـتمعوا القول فاتبعوا أحسـنه، والذين صدقوك فصدقوا، وصدقوا اللـه معهم، وصدق اللـه لهم، وأدركوا وآمنوا أن السـاعة في أنفاسـهم قيامها، وأن السـاعة في قيامهم، وأن السـاعة من عملهم، وأن السـاعة في وجدانهم، وأنهم ما انتقلوا من رذيلة إلى فضيلة إلا كانت لهم فيه سـاعة، وأنهم ما انتقلوا من عدم إلى وجود، ومن جهل إلى علم، ومن ضيق إلى سـعة، ومن قنوط إلى رحمة، في أنفسـهم، متطورين بفعلهم، متعرضين لنفحات اللـه لهم في زمانهم ما حاسـبوا أنفسـهم، وما أماتوا أنفسـهم حاسـبوا أنفسـهم قبل أن تحاسـبهم، وأماتوا أنفسـهم قبل أن تميتهم، عملوا بما لم يُكتب عليهم ولم يلزموا به - محبة له وامتثالا لهديه - الذين سـمعوا القول فاتبعوا أحسـنه، هؤلاء آمنوا بالسـاعة تقوم في قيامهم فأشـفقوا منها على أنفسـهم ضئيلة أمام عظمته يلقونه في أنفسـهم، وأشـفقوا منها على إخوانهم من البشـرية الذين يخوضون بجهلهم فيما لا يعلمون بوعيهم. أشـفقوا منها وعلموا أنها الحق الذي ينتظرهم ولم يتهيأوا بعمل للقائه.
إن وطء ربك لشـديد. إن لقاءه في وحدانيته والنفس لم تتأهل له يصعقها إذا لم تؤد حسـابها لها، ولم تدركها بالمرصاد لأعمالها، ولم تنته من شـركها إلى وحدانيتها. إن اللـه {قائم على كل نفس بما كسبت}[٩].
هذه قطرات مما جاء به رسـول اللـه محمد مؤسسـا في البشـرية لدينه. وإن أذنت لنفسـي أن أقول فإني لأقول: ما جاء على الأرض، ولا دب عليها مؤسـس لدين من قبله، فقد كانت جميع الرسـالات مقدمة لرسـالته، وتمهيدا لقيامه بوحدانيته عبدا لربه. وآذن لنفسـي فأقول: إنه بمجيئه جاء معه، ويجيء في أمته من بعده، مؤسسـو الأديـان، جيـلا بعد جيل، وقرونا بعد قرون، ومؤسـس بعد مؤسـس. وإننا في انتظار لاسـتقبال المؤسـس المجدد لهذا الدين الجامع، يجدد هذا الدين، كما يجدد العلم عن الحقيقة الإنسـانية، ويجدد المعرفة، كما يجدد التأسـيس، ويجدد اليقين، كما يجدد القيام على نطاق أوسـع، وأبين، وأعم، وأشـمل.
إننـا في انتظار لعبد من عبـاد اللـه يدب على الأرض مرة أخرى، ويخاطب الناس: ها أنا ذا عبد اللـه مسـفرا بالعبودية له. إن السـماء ترهص لقيام هذا الحق. وإن الأرض لترهص لمقدم هذا العبد. وإن الملأ الأعلى من العوالم يظاهر هذا الأمر، كما أن عالم الروح من ملأ الأرض يسـتجيب لهذا الكتاب. وإنه يوم يظهر هذا العبد فسـوف لا يكون هناك مرية في أمره.
لن تسـتقبل الأرض عبدا بعد محمد تُختبر فيه. إن الأرض بعد محمد أقلت الكثير من العباد تختبر فيهم من مواصلة بداياته. لقد مشـي عبـاد الرحمن على الأرض بعد محمد لم ينقطع لهم تواجد، ولكنهم كانوا عبـاد الرحمن يختبر فيهم الناس، ويختبر بهم الناس، ويُرحم بهم سـعداء الناس، ويكسـب بهم أصفياء الناس، امتدادا لمحمد، واختبارا في محمد، اختبارا فيمن أعطي الكوثر والتكاثر فرآه الناس بوصف أمته أبترا لا يتكاثر، وشـجرة لا ظل ولا ظلال لها… شـجرة لا تثمر ولا تتكاثر… شـجرة يبسـت بجذعها وجفت بمائها. رأته أمته من الناس كذلك. وهو الشـجرة اليانعة، المثمرة، المتكاثرة، أزهارها طيبة، وثمارها ناضجة، على وفرة في الثمـار، وعلى تلون في الأزهار، وعلى امتداد بالغصون والأوراق والظلال، وعلى تنويع وتشـكيل للثمار. إن أمته هم الناس جميعا، وإن شـجرته هي الناس جميعا.
إن الناس لا يريدون أن يكونوا ثمارا لهذه الشـجرة، ولا يريدون أن يكونوا أزهارا لهذه الشـجرة، ولا يريدون أن يزرعوا في صدورهم وقلـوبهم ثمارها، أو أن يقطفوا أزهارها ليشـموا عبيرها. ولكنهم يريدون أن يكونوا هم بداءة أشـجار، لا بل أنهم يريدون أن يتجاوزوها إلى زارعها ومتعهدها فيكونوا خالقها ومبدعها. ومـا منعهم محمد أن يخلقوهـا فـي أنفسـهم باللـه أو أن يقطفوها لأنفسـهم في اللـه، وما منعهم محمد أن يكونوها بجهدهم في اللـه، وما حرمهم محمد أن يغرسـوا حياتهم في أراضي قلوبهم لتزهر أشـجارا للـه، ولتثمر عبادا للـه، فهذه مهمته وهذه رسـالته.
ولكن النـاس يريدون أن يزرعـوا في غير مواسـم الزرع بل وفي غير الأرض الطيبـة، وأن يحصدوا في غير مواسـم الحصاد بل ومن الأرض القاحلة الصماء. إن الناس يصفون جهلهم بالرشـاد، وموتهم بالحياة، وترابهم بالنور قبل أن تشـرق أرضهم وسـماؤهم بنور اللـه فيهم أو أن تنشـق عنهم أراضيهم، واللـه نـور سـمواتهم وأرضهم… فكيف تثمر أرضهم أو أرض ذواتهم ولم ينزل عليها ماء الحياة بعد، فتهتز وتربو، وتنبت من كل زوج بهيج، وقبل أن يحرثوها بمجاهدتهم، ويعرضوها لشـمس رسـولهم؟
إنهم يتعجلون الأمور فلا ينالون شـيئا. ولا يكسـبون حياتهم. لا ولا يكسـبون مماتهم. فإن الإنسـان لا يكسـب الحياة قبل أن يكسـب المـوت. كيف يكسـب الحياة وهو في كسـب الحيـاة إنما يبدأها؟ وكيف يبدأ الحيـاة حي؟ إن الحيـاة العارية فيك ليسـت حياتك ولكنها حياة محييك. ولكن حياتك ما أحييت، وما خلقت، وما فعلت، وما أنشـأت، {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره…}[١٠] {ووجدوا ما عملوا حاضرا}[١١]. {إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح}[١٢]. إن الحياة في الحي لا تتكرر، كما أن الموت للميت لا يتكرر.
إذًا كيف تتواجد الحياة بعمل موصوف العبد؟ وكيف تتواجد الحياة بعمل الخلق القائم وهو ميت؟ إن عليه فعلا أن يموت. يجب أن يموت. إنه يجب أن يعلم أن الحيـاة التي يحيـا بها إنما هي عـارية وأمانة لأجل، وأنه هو الميت منه في هذه الذات وليس هو الحي فيه، وأن الحي فيه إنما هو اللـه. وليس هو اللـه. إن اللـه فيه هو الحـي القيـوم، ولكنه هو نبات الأرض الذي تذروه الريـاح يوما. إنه ثمار ترابها. إنه هشـيمها تذروه الرياح… إنه لم يحـيا بعـد.
إذًا فليحـيِ أرضه بأمانة اللـه فيه، فليحييِ أرضه باسـم اللـه فيه، فليحيي أرضـه بكلمة اللـه يزرعها في أرض ناسـوته، فليحيِ أرضـه باسـم اللـه عليه، وبكلمة اللـه عليه، وبـروح القدس فيه. فليحـيِ أرضـه بالتعرض للـه الذي هو أقرب إليه من حبل الوريد. لا يكن من الممتريـن. لا يكن جاهـلا. لا ينشـد اللـه في السـموات. لا ينشـد اللـه فـي الأراضين. لا ينشـد الأغيـار من غيـره. لا ينشـد اللـه في النبيين. لا ينشـد اللـه في المرسـلين. لا ينشـد اللـه في الأوليـاء والصالحين. ولكن ينشـد اللـه في نفسـه. ويؤمن أن عبـاد الرحمن شـهدوا اللـه في أنفسـهم. وأن رسـل الرحمن مـا كانـوا رسـلا للـرحمن إلا لأنهم شـهدوا الرحـمن في أنفسـهم. وأن كل إنسـان إنما يشـهد اللـه في نفسـه. وأن كل كائـن مـا عـرف اللـه وما شـهد اللـه إلا إذا عرفه في نفسـه وشـهده في نفسـه. وأنه هكذا تكون معرفة اللـه فيحشـر مع النبيين والصديقين رفقاء له.
ويعلم أن الموحدين للـه، وأن الموحدين باللـه، وأن الموحدين في اللـه إنما هم وحدة في اللـه، لا يتباغضون، ولا يتخاصمون، ولا يتنابذون، ولا يتنافرون، إنما هم وجوه، { والله من ورائهم محيط}[١٣] وأن كل من عليها ممن لم يحصل على ذلك الوعي ولا على ذلك الفهم إنما مصيره إلى فناء، وأن قيامه في فناء، وأن قديمه وحاضره ومسـتقبله الفناء. لا يموت ولا يحيا. إنه فان. إنه تعبير عن الفناء. كما أن الحي تعبير عن الحياة . . .
هذا جاء به محمد، وهذا قطرات مما جاء به محمد. وما جاءت الأنبياء من قبله إلا بحقائق مما جمع في صعيد واحد في نفسـه، وفي رسـالته، وفي قومه، وفي أمته، وفي كتابه. وما كتابه إلا قيامه ومعناه، وما قرآنه إلا حديثه لنفسـه، وحديث ضميره لذاته {لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه. وقل ربِ زدني علما}[١٤] …
قال للناس مبعوثا بالحق، مبعوثا بكمالات الخلق، مبعوثا بالخلق الحسـن، يا أيها الناس انظروا وتأملوا. ليتكم تعرفون ما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين… لسـت على هيأتكم… لسـت كأحـدكم… فقد انتهت قطيعتي ورجعت إلى بيتي وأسـرتي. إني أبيت عند ربـي يطعمني ويسـقيني. ليتكم تعلمون! ما عرف قدري غير ربي! اللـهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون قدري، (أمة مذنبة ورب غفور)[١٥]. (اذهبوا فأنتم الطلقاء)[١٦].
ها أنا سـأعمل على تأليف قلوبكم ما وسـعني جهدي، وما مكنتني دنياي مما تحبون وتعشـقون. أتألف قلوبكم بما تحبون من الدنيا؟ ها أنا سـأبسـط لكم السـلطان على الأرض. ها أنا بما أودع اللـه فيَّ أفتح لكم مشـارق الأرض ومغاربها تمشـون في مناكبها وتأكلون من رزقـه، وأجعل لكم عليها سـلطانا به فيها تنتشـرون، وإني لناظركم في أمـركم فما وُسِّـد الأمر فيكم إلى غير أهله فإن التوفيق لكم مفارق. الدنيا لكم في اسـتقامتكم بجمعكم ما اسـتقمتم وإلا فابقوا في ضـلالتكم أذلاءها إلى أن تقوم للـه رسـالة أخرى، من سـاعة أخرى، من كلمة أخرى، من أمر آخر… وقد أُرسـلت وسـاعة أخرى قاب قوسـين.
ها أنتم في زمـان إن تركتم فيه عشـر ما أمرتكم به لهلكتم - وإنكم لفاعلون - ويأتي على أمتي زمان لو عملوا فيه بعشـر ما أمرتكم به لنجوا - وإنه لآت - يأتي فيه أحبابي، يأتي فيه من هم على مثالي ومعناي، يأتي فيه من أدركوا رسـالتي ولم يروني، يأتي فيه من لهم من اللـه ما لي، يأتي فيه من أدركوا ما أقول ووعوا ما قيل. احملوا إليهم ما أقول (ورُب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)[١٧]، احملوا ما أقول، إن مس قلوبكم لسـعدتم، وإن مس نفوسـكم لاسـتقمتم، وإن مس عقولكم لأدركتم، وإن حملتموه تحملون أسـفارا بلغتم. رب حـامل فقه إلى من هو أفقه منه فلا تسـتكبروا على من إليه حملتم. إن قبلكم أناس حملوا التوراة على ما تحملون من حديثي ومن بلاغي ثم لم يحملوها {كمثل الحمار يحمل أسـفارا}[١٨]. وإني وقد بعثت فيكم رحمة لكم ورحمة للعالمين، فإني أفيد من كل وضع، وأفيد من كل عمل، ولا فضلة في الوجود. (وجعلت الأرض لي مســجدًا وطهورًا)[١٩].
إن اللـه يفرق ويجمع. إن اللـه يجمع أهل الباطل على عنوان من الباطل ينبعث به في الأرض أشـقاها، فيبعث اللـه أمان رسـوله ينبه إلى ناقة اللـه وسـقياها من مطايا النـاس إليه في ذوات أنفسـهم، يجتمـع على ذلك أهل الباطل، ويجتمع على هذا أهل الحـق، خصمان صنوان من الخلق والحـق، يرفع أهل الحق بحقهم، ويبقى أهل الباطل بباطلهم، ثم يقذف اللـه بمن تحقق من أهل الحق على المتخلفين من أهل الباطل فيفرق جمعهم مرة أخرى، ويشـتت أمـرهم مرة أخـرى، ويبلغهم مرة أخرى، فينقسـمون على ما انقسـموا في قديم. ويبعث فيهم أشـقاها ويقول لهم رسـول اللـه {ناقة اللـه وسـقياها}[٢٠].
وهكذا يفعل اللـه في خلقه من الناس، بحقه من الناس دواليك بلا بدء، في دوام بلا انتهاء… فهل أدرك الناس ما جاءهم به محمد؟ إن هذا قطرات مما جاء به محمد.
إن محمدا علَّم الناس، وإن محمدا درَّك الناس. إن محمدا كشـف الغطاء عن الناس. إن محمدا لم يباعد بين الناس وبين ربهم. إن محمدا لم يباعد بين الناس وبين حقهم. إن محمدا لم يباعد بين النـاس وبين إلههم. إن محمدا الذي طلب من الناس أن يؤمنوا باللـه غيبا، طلب منهم أن يحققوا ذلك شـهادة بقيـام الغيب فيهم في أنفسـهم أقرب إليهم من حبل الوريد قائما على كل نفس بما كسـبت.
هذا ما جاء به محمد بل قطرات مما جاء به محمد. لقد عالج محمد بسـنته وبقيامه وبفعله أمر الناس جميعا، في الصغير والكبير من أمرهم. علَّمهم حتى التافه من شـئون أنفسـهم. علَّمهم كيف يتأدبون مع نسـائهم في اجتماع. وعلَّمهم كيف يتبادلون المعاملة مع خصومهم على خلق واتسـاع. علَّمهم كيف يتطهرون في أجسـادهم، وكيف يتطهرون في عقـولهم. علَّمهم كيف ينشـطون بعد غفلتهم في جماعهم. علَّمهم كيف يتوحدون مع أزواجـهم لباسـا لهن وهن لهم لباس. علَّمهم كيف يرتبطون بآبائهم مولودين، ويرتبطون بأبنائهم والدين. علَّمهم كيف أن أبناءهم إنما هي أصولهم إلى الحق يوم يقوم الحق فيهم، وعلَّمهم أن آباءهم هي أصولهم من الحـق إذا عرفوا قديم الحق بهم، علَّمهم أن الحي القيوم لا يمتنع عن القيام في قيامهم ينشـدونه ويحيطون بما شـاء أن يحيطوا به من العلم عنه في أنفسـهم من الآباء والأبناء.
كل هذا جاء به محمد، وهو قطرات مما جـاء به محمد. فهل عرفت أمة محمد محمدا؟ حاشـا للـه أن يكونوا قد عرفوه. وإلا فقد سـقط عند عاقل إذا هم عنده مثلوه!
هل تريدون أن نرى رسـول اللـه فيمن يقومون في الناس باسـمه أدعياء؟ أم فيمن يقومون في اللـه باسـمه بوهم الأصفياء؟ أم فيمن يقومون في اللـه باسـمه بزعم الحكماء وكلهم بعيد عن الحكمة والصفاء والتقوى والأتقياء؟ أو فيمن يقومون في الناس باسـمه من الحاكمين الآمرين، والحكم والأمر في دينه للـه رب العالمين؟
كيف يمثل هؤلاء الناس اسـم أو ديـن محمد، أو كرامة محمد، أو مثالية محمد، أو رحمـة محمد، أو معنى محمد؟ لا بل كيف يمثلون ذات محمد مثالية من تراب الأرض فضـلا عن الحق من نـور اللـه؟
إنه لم ينتفع بمحمد إلا قليل من الناس… إلا قليل من الشـاكرين… إلا قليل من عبـاد اللـه… إلا قليل من عبـاد الرحمن… وهذه سـنة اللـه. فإنَّا لا نطلب مـن اللـه تغيـير سـنته، ولا نطلـب من اللـه تبديل أمره وكلمته، ولكنا نطلب من أنفسـنا أنَّا نحاسـب أنفسـنا، أنَّا نقـوم على أنفسـنا محاسـبين، وأن نعاملها لها قالين، وفعلها مجانبين، ولهديها مخالفين، ما ارتبطت بالأرض وصدت عن صوت السـماء. إنها الخصم فينا للـه معنا، وإنها العبد لنا والمطية لسـيرنا، نبدأ بأنفسـنا لها مصلحين ثم بمن نعول بها داعين.
فإذا جعل اللـه لنا نورا نمشـي به في الناس… إن جعل لنا ذلك فسـرنا به فيمن نعول، وسـرنا به في أواني ذواتنا، وسـرنا به في نفوسـنا مبعوثين به، كنا له حقيقة طالبين، ولرحمتـه متعرضين، ولنفحـاته لنا في عالمنا متقدمين، مسـلمين، متابعين، عن الحق لأنفسـنا باحثين سـاعين، والأحسـن من القـول به آخذين، والأتقـى من الناس لهم متابعين. إن فعلنا ذلك فكنا من المسـلمين لبعثنا بالإســلام، وكان الإسـلام لنا دينا، وجعل اللـه لنا نـورا نمشـي به في العالمين.
هذا ما جاء به محمد أو قطرات مما جاء به محمد. إن فعلنا ذلك كنا من المسـلمين، وكان الفرد منا نبيا من النبيين، (علماء أمتي كأنبياء بني إسـرائيل)[٢١]. إن محمدا ما شـرف في الناس بوصف النبوة ولا باسـم النبي، ولكن محمد شُـرف في اللـه، وشُـرف في العالمين، وشُـرف في الغيب، بالعبودية عبدا لربـه. إنـه شـرَّف العبودية في السـموات، كما شـرَّف العبودية في الأرض، كما شـرَّف العبودية في إطـلاق اللـه. شـرف باللـه ربا وشـرفت العبودية به عبدا، فأعلم عن اللـه في عبد يتعارف إلى عبد في الرفيق الأعلى. وعرَّف عن اللـه قيامًا بلا اسـم، فلمن يتسـمى معبوده وهو الصمد؟ ولمن يتسـمى منشـوده وهو الموجـود الأحـد؟ عرفه بلا موجود معه العَلَم المعروف بلا مُعرِّف عنه، الواحد في وجوده لا خلق فيه، المطلق في قيامه لا يحاط به.
إن الذي جاء به محمد تعريفا عن الحقيقة، وتعريفا عما يجب أن تكون عليه معـرفة الناس عنها، أمـر عجزت عنه العقول من قبله، وما زالت تعجز عنه العقول من بعده، وعجزت العقول في عصره، عِلما احتفظ به لنفسـه، ولكنه أعطاه… أعطاه لمن أدركه نفسـه، وعَرَفَه نفسـه، وعَرَفَه معناه، وعرفه خلقه وحقه، وعرفه آدمه وكلمته، وعرفه عبده وروح قدسـه. من عرفه كذلك، عرف فكانه، عَرف ما احتفظ به الرسـول لنفسـه في المعـرفة عن الحـق له، والحـق معه، والحـق به والحـق بالنـاس.
هذه قطرات مما جاء به محمد، وهو قليل من كثير مما أسفـر به محمد، ومما أعجم به محمد، ومما أعطاه محمد ميسـرا، ومما أعطاه مسـربلا. اُعبد اللـه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه - فإنه لا شـريك له -(اُعبد اللـه كأنك تـراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)[٢٢]. إنه قائم على كل نفس وأقرب إليها من حبل الوريد. اُعبد اللـه في نفسـك {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين}[٢٣]. لا تعبد اللـه في بيت من تراب، أو في بيت من حجر، أو في بيت من طين، ولكن اعبد اللـه في بيت من الحياة. إنه في نفسـك، إنه في قلبك. القلب بيت الرب لمن كان ذا قلب، فكان للرب بيتـا، وكان للـه عبدا. وما رب العبد إلا ما شـهد في نفسـه من اللـه. إن اللـه هـو القيـوم على ربك في نفسـك. وما ربك في نفسـك، إلا ما أحطت به من العلم، بمعلوم عن خالقك، ومبدعك، ومحبوبك، ومعشـوقك مـن اللـه.
إن الربوبية في قيـام النـاس لا غيب لها. وإن الألوهية في غيب الناس لا شـهود لها. اذكـر ربك في نفسـك ولا تَذكر إلهك في نفسـك، فتعالـى اللـه عما أنت، وتعالـى اللـه عما في نفسـك، وتعالى اللـه بربك معك أن يكون له شـريك منك. اشـهد أنه لا إلـه إلا اللـه فتشـهد ربك في نفسـك، أو اشـهد أن اللـه أكبر فتعرف إلهك في غيبك.
هذا ما جاء به محمد وعَلَمه وأراد أن يكون للناس من اللـه. وما أراد أن يكون ما منه من اللـه للناس من نفسـه، فتجاهل نفسـه مع الناس غير متجاهل لها من اللـه حتى لا يشـرك باللـه به في ذاته من تراب الأرض، وحتـى يُعلّمه النـاس في علمهم عن اللـه، وحتى يَعلم الناس اللـه في علمهم عنه فيعرف الناس من اللـه، ويعرف نفسـه من النـاس. وما جانب في تعريفه الصواب بل أصابه في سـويدائه، فما قام بهم في حقيقتهم إلا محتجبا بذاته عن ظهوره، قائما فيهم بمعناه من الحق ومن اللـه، حتى يسـتقيم أمر الناس.
هو رجـل… هو حـق… هو نـور… هـو روح… هو عـالم… تجاهل نفسـه في جميع صوره… وتجـاهل نفسـه في جميع حقائقه… تجاهل نفسـه في جميع عوالمه، وظهر للناس بما يرب الناس في أنفسـهم، وبما يقوم فيه الناس بذواتهم، وبجبلتهم، وبطبيعتهم، وبقيامهم، حتى يفتح لهم باب الرجاء مع اللـه بدء خليقتهم من عالم بدئهم فينتهوا إلى ما انتهـى هو إليه من اللـه في قديمه ومحدثه، وبذلك يعرفون ما عرف، فإن أحسـنوا البدء فقد حسـن الانتهاء، وإن أحسـنوا المدخل فقد اسـتقام المسـير، وإن دخلـوا الباب سـجدا فقد قـام فيهم الديـن، وطرقوا إلى سـاحات اللـه سـاحة السـلام، لا سـاحة المبـاينة والخصـام.
هذا ما جاء به محمد. فهل عرفه الناس؟ هل قامه الناس؟ هل تذاكره الناس؟ هل تواصاه الناس -إلا من رحـم -؟
اللـهم اجعلنـا ممن رحمت فقبلت، ولا تجعلنا ممن ابتليت فقلوت… {يا حسـرة على العباد ما يأتيهم من رسـول إلا كانوا به يسـتهزئون}[٢٤]. من تحسـر لهم الخالق فقد أهلكهم وأفناهم. إن الحيـاة في رضائه عمن يرضى، وإن رضاءه في رضـاء الخلق عنه. {رضي اللـه عنهم ورضوا عنه}[٢٥]. ورضوانهم المتحد رضوان أكبر… رضوان انقطع فيه وصف العبد ووصف الرب في الراضي من العبد والراضي من الـرب. {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا للـه مثنى وفرادى}[٢٦] فإن فعلتم صلح أن تتفكروا وأن تعلموا، وأن تعرفوا - هو {الرحمن فاسـأل به خبيرا}[٢٧]. {قل هذه سـبيلي أدعو إلى اللـه على بصيرة أنا ومن اتبعني}[٢٨]. لا ينقطع من أمته الداعي إلى اللـه على بصيرة، (الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة)[٢٩]. {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}[٣٠]. هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في السـاجدين}[٣١].
كل هذا عرَّفه محمد. هذا صراطي مسـتقيما فاتبعوه، ولا تفرق بكم السـبل فتضلوا عن سـبيل اللـه. هذه سـبيلي أدعو إلى اللـه على بصيرة أنا ومن اتبعني.
هذا ما جاء به محمد أو جانب مما جاء به محمد، وكثير مما جاء به محمد نحن في أشـد الحاجة إليه اليوم. نحن أحوج ما نكون إلي معرفته، ونحن أحوج ما نكون إليه وقد اضطرب أمرنا، وضل سـعينا، وأظلمت عقولنا، وران على قلوبنا ما كسـبنا. نحن أحوج ما نكون إلى أن تتكشـف لنا رسـالة محمد وعيا، حتى يتواجد فيها من يتواجد عمـلا. فإذا تواجد الناس فيها عملا وسـلوكا انتظم جمعهم وتجمعوا على معارفهم وعلى مختلف معانيهم من خلق اللـه، متخلقين بخلق اللـه، وكان اللـه في جماع ذواتهم قائما على جمعهم في سـرهم ونجـواهم، فإن انتظم جمعهم انتظمت تشـريعاتهم، وانتظم حكمهم، وانتظم أمرهم، وانتظم حكامهم، وانتظمت دسـاتيرهم، وانتظمت أممهم، فكانـوا عنوانا عليه أمة مثالية لأمم الخلق من البشـرية، وقد أرادها على ما أرادها عليه شـعوبا وقبائل ليتعارفوا، من منهم أدرك للـه، ومن منهم أتقاهم في اللـه، ومن منهم المتخلف عن ركب مدنية النفس وصـلاة الروح. والناس كلهم في حقيقة أمرهم ما يطلبون إلا اللـه، فإن ظهر ذلك في الناس ظهرت أمة محمد، وبظهور أمة محمد يسـتقيم أمـر الناس لأنه رسـول اللـه المرسـل إلى الناس كافة. {وما أرسـلناك إلا كافة للناس}[٣٢] لا يخـرج من وصف أمته لا شـرقي، ولا غربي، ولا عربي، ولا أعجمي. ولكن النـاس يختلفون في أمـر كتابه والانتسـاب إليه، ولكنهم لا يختلفون في أمر أمته والانتسـاب إليها، كل مولود يولد على الفطرة، والإسـلام دين الفطرة…
ومحمد عبد الفطرة، ونبي الفطرة، ورسـول الفطرة، وحق الفطرة، ووجه الفطرة، وكتاب الفطرة. فالنـاس جميعا أمته. أما من آمن به كتابا، أما من آمن به قياما، أما من آمن به رسـلا وأنبياء، أما من آمن به رفعـا وإيابا، أما من آمن به جـزاء وثوابا، فكل آمن باللـه، وكل آمن برسـول اللـه على درجـة وتفـاوت في الدرجات في وعيهم وفي اسـتقامة أمرهم.
هذا جاء به محمد أو ما فصله محمد، أو جانب مما جاء به محمد. فهل عمل الناس فكانوا أمة محمد؟ هل نشـهد اليوم أمة محمد؟ هل يقوم النـاس اليوم أمة لمحمد؟ إنهم يتوارثون من الآباء الغفـلات ولا يتوارثون من الآباء اليقظات. إنهم يقولون السـلف والخلف الصـالح ويشـهدون في أنفسـهم خلفا صالحا، ويشـهدون في أسـلافهم سـلفا صالحا، وما شـهدوا من أسـلافهم إلا من تلف، وما ذكـروا من أسـلافهم من عن الحق صدق. فهل ذكـروا من أسـلافهم من اعترف، ومع أسـلافهم فعلا من اغترف، فكانوا لهم أسـوأ خلف، فهل أدركوهم لهم مثلا؟ نعم أدركـوهم مثالا في المقابر، أدركوهم مثالا فيما أسـموه مسـاجد وحـرم، وما عـرفوا أصحاب المسـاجد ولا سـاحة الحـرم. كلما ذهب ذاهب بحق ذكروه بعد ذهابه. وكلما جاءهم آتٍ بحـق سـخروا منه إلى يوم غيابه، فما قدروه رسـول اللـه إليهم وقد بعثه اللـه إليهم مواصلة لرسـالة محمد، ولدين محمد، ولحق محمد. فهل أدرك النـاس شـيئا من ذلك فأدركوا أنفسـهم صحفا في كتاب اللـه، ومصابيح في أمة رسـول اللـه، وجوارح في نفس عبد اللـه؟ إنكم تعرفون أمر قيامكم، وأمر نفوسـكم، وأمر جماعتكم، وأمر دينكم، فهل هناك شـيء من ذلك؟ فلنكن أبناء يومنا، وأبناء سـمعنا. فمن عرف شـيئا من دين محمد فليقم فيه وليوغل فيه برفـق، فإن أدركـه في نفسـه فليدركه لأهل بيته، فإن أدرك في نفسـه مزيدا من معرفة وقيـاما من حق، صـح له أن يعمل بما أمر به رسـول اللـه )لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسـه)[٣٣]، فليتواصى مع الناس بالحق، وليتواصى معهم بالصبر لعل اللـه أن يهدي به أحدا، وإن هـدى به أحدا كان في ذلك الخير كله له، من خير الدنيا والآخرة، (لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك خير لك من الدنيا وما فيها)[٣٤].
فنرجو ونسـأل اللـه، ونتشـفع إليه بوسـيلته محمد وآله أن يحـقق لنا ذلك، ونسـتغفره ونتـوب إليه ونسـتهديه ونسـترحمه.
اللـهم إن حالنا بين يديك على ما تعلم من عجز في أنفسـنا، ومن إيمـان بقدرة فيك. اللـهم وقد وعدت فكن عند ظننا بك. اللـهم غير أحوالنا إلى أحسـن حال. وادفع عنا شـرورنا وشـرور الأشـرار من خلقك. اللـهم أنـزل سـكينتك على قلوبنا. اللـهم هيئ لهذه البشـرية وهذه الأرض السـلم والسـلام مع نفسـها ومعك. اللـهم أنزل سـلمك عليها رحمة منك. اللـهم ارزقنا رضوانا من رضـائك، ولا تعاملنا من حضـرة جزائك، وأقلنا من إقامة عدلك. اللـهم ألحقنا بمحمد وبمن ألحقت بمحمد. لاحقين في ذلك بك، قوامين به وجها لك، وطلعة علينا منك، تقوم فينا وتُشـهدنا طلعتك فيه، عبادا لك لا شـريك لك.
اللـهم كن لنا في الصغير والكبير من شـأننا. وزكي اللـهم فيك نفوسـنا، وقوم فيك جوارحنا وسـبيلنا، وأطلق من سـجن ذواتنا أرواحـنا، وأشـرق بنورك في معاني عقولنا حتى نتواصى فيك بحـقك لا إلـه غيرك ولا معبود سـواك، حتى نتواصى فيك بحقك، لا موجود سـواك. اللـهم عاملنا ببرك وبرحمتك غلبت رحمتك جزاءك. اللـهم عاملنا ببرك راجين رحمتك فمن ذا الذي له قيام مع قيامك، أو له شـأن مع شـأنك أو أمـر مع أمرك. اللـهم إنا نعلم أنك بالإنسـان عبرت عن نفسـك، وجعلته كتـابا لك، وجعلته نور السـموات والأرض تهدي إليه وتهدي به… تهدي به إلى نفسـك.
اللـهم إنا آمنا بعظمتك في قربك كما هي في بعدك. اللـهم إنا شـهدنا قيامك على نفوسـنا أقرب إلينا من حبل الوريد. اللـهم حقق لنا ذلك واجعل إسـلامنا لك إسـلاما لوجهك الكريم في كل ما أبرزت من عبادك ومن أصفيائك. اللـهم أنزل على أرضنا السـلم والسـلام وجنبنا الفرقة والخصام برحمتك يا أمان ويا سـلام. لا إلـه إلا أنت ولا معبود سـواك.
أضواء على الطريق
(سـيوجد ما يخيل إليكم أنه ظلام وحرج. سـتقولون إن الأمـور أصبحت أسـوأ. ولكن خلف كل شـيء توجد قدرة عاملة على تقدم العالم)
(سـيأتي يوم ينهض فيه شـعب جديد يعرف أن السـياسـة والدين والعلم والمعرفة، كلها أجزاء من شـيء واحد. إن أعظم معلم لعالمكم سـوف يكون إنسـانا قادرا على إزالة أحزان الآخرين، والوصول بهم إلى حياة أفضل).
(إن ما نحاول تعليمه لكم إنما هي الحقائق التي علمكم إياها من رأوا بعيون الروح منذ الأزل، وكلما أهملتموها أصبح من الضروري تعليمها لكم مرة أخرى).
من هدي السـيد الروح المرشـد (سـلفربرش)
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة النحل - ٦٠ ↩︎
سورة مريم - ٩٣ ↩︎
سورة الرعد ٤١ ↩︎
سورة النازعات - ٤٢ ، سورة الأعراف - ١٨٧ ↩︎
سورة الإسراء - ٨٥ ↩︎
سورة النازعات - ٤٢ ، سورة الأعراف - ١٨٧ ↩︎
سورة البقرة - ١٨٦ ↩︎
سورة الشورى - ١٨ ↩︎
سورة الرعد - ٣٣ ↩︎
سورة الزلزلة - ٧ ↩︎
سورة الكهف - ٤٩ ↩︎
سورة هود - ٤٦ ↩︎
سورة البروج - ٢٠ ↩︎
سورة طه - ١١٤ ↩︎
حديث شريف: “دَخَلْتُ الجنةَ فرَأَيْتُ في عارِضَتَيِ الجنةِ مكتوبًا ثلاثةٌ أَسْطُرٍ بالذهبِ – لا بماءِ الذهبِ: السَّطْرُ الأولُ: لا إله إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ. والسَّطْرُ الثاني: ما قَدَّمْنا وَجَدْنا، وما أَكَلْنا رَبِحْنا، وما خَلَّفْنَا خَسِرْنا. والسَّطْرُ الثالثُ: أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ”. أخرجه الرافعي في تاريخه (٣/ ٩١) ، الإمام أبو القاسم في تاريخ قزوين، وابن النجار في تاريخ بغداد عن أنس ابن مالك. ↩︎
من حديث شريف، رواه ابن إسحاق، كما في “سيرة ابن هشام”: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يوم فتح مكة، قَامَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ، فَقالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ … إلى أن قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ. ↩︎
حديث شريف: “نضَّرَ اللَّهُ امرأً سمِعَ مقالتي، فبلَّغَها، فرُبَّ حاملِ فِقهٍ، غيرُ فَقيهٍ، وربَّ حاملِ فِقهٍ إلى من هوَ أفقَهُ منهُ.” المحدث: الألباني. المصدر: صحيح الجامع. كذلك جاء في الصَّحيحَيْنِ مِن حَديثِ أبي بَكرةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: “فلْيُبلِّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ، فرُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعى مِن سامع”. ↩︎
سورة الجمعة - ٥ ↩︎
من حديث شريف: “فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لِىَ الغَنائِمُ، وجُعِلَتْ لِىَ الأرضُ مَسْجِدًا وطَهورًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كَافَّةً، وخُتِمَ بي النبيُّونَ”. سنن الترمذي، ومسلم باختلاف يسير. كما أخرج البخاري بعضا منه في أحاديث أخرى. ↩︎
سورة الشمس - ١٣ ↩︎
حديث شريف يعتبره المحدثون أنه لا أصل له. لكن معناه صحيح ويوافق الحديث الشريف “إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.” أخرجه أبو داوود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. والحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داوود والحاكم. ↩︎
من حديث شريف مجمع على صحته جاء به جبريل عليه السلام عن معنى الإحسان. أخرجه البخاري في صحيحه. ↩︎
سورة الأعراف - ٢٠٥ ↩︎
سورة يس - ٣٠ ↩︎
سورة المائدة - ١١٩ ↩︎
سورة سبأ - ٤٦ ↩︎
سورة الفرقان - ٥٩ ↩︎
سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎
تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف، ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎
سورة الحجر - ٩ ↩︎
سورة الشعراء - ٢١٩:٢١٨ ↩︎
سورة سبأ - ٢٨ ↩︎
حديث شريف. صحيح البخاري. جاء أيضا بلفظ: “والذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ من الخيرِ.” أخرجه النسائي ومسلم. ↩︎
إشارة إلى حديث شريف يخاطب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم الإمام علي بن أبي طالب. " فوالله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لكَ حُمْرُ النعم." أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎