(١٣)
التناسخ والتواجد
حديث الجمعة
١٦ ربيع الآخر ١٣٨٠ هـ - ٧ أكتوبر ١٩٦٠ م
أســتغفر اللـه لي ولكم ولجميع خلائقه، اســتغفار مظاهر الخلق لأهل الحق من حقائقه، وأحمده راعيا منعما حكيمًا، حمد أهل الحمد من محمدي عباده، ظاهريه في مظاهر خلقه من عباد حضرته وإنســانية حقه.
وأشــهد أن لا إلـه إلا اللـه على ما أحكم، وعلى ما أعلم، وعلى ما هدى وعلَّم، شــهادته لنفســه بوحدانيته، أنه لا إلـه إلا هو.
عبـاد اللـه: على ما أرادكم له. وخلق اللـه على ما أوجدكم من كونه، ووجوه اللـه على ما قام بكم من إحاطته، وظاهر اللـه على ما أبـرز من غيبه… احرصوا على الحيـاة من حاضر الحياة بكم ماثل، ولا تحيـوا في وهم من قديـم متناقل، ولا في خيـال من قابل متثـاقل.
إن رســالة اللـه مع رســله، ما أخرجها لكم وأقامها بينكم إلا لما يحييكم. وإن الذي يحييكم إنما هو تواجدكم باســمه، وتناســخكم عن رســم كونه. تناســخوا عن محســوس قيامكم، لتتواجدوا بذكره، وبحقي قيامه في قيامكم، وبزرع كلمة اللـه في عباده الذين يمشــون على الأرض هونا في أرض ذواتكم تحيا بها قلوبـكم. واعلموا أنهم يحملون كنوز رحمته عبء ظهورهم وملء إحـاطتهم يســعون إلى النـاس - وهم ســعيه - ويقاربون النـاس - وهم تقاربه - هم أحواض مـاء الحيـاة تنســاب إلى الســهول الواطئة في النفوس الطيعة، والعقول المدركة. إنهم أناس في خدمة إرادته بالناس.
إن التناســخ والتواجد أمران في الحقائق وفي الخلائق. فمن حيث الحقائق يقوم التناســخ في خلقي مجالاتها مع غيبي أصولها تصاعدا، فإذا ما تواجد الكائن البشــري على هذه الأرض أو في الســماء، مجـالا لحقيقة قديمة من عالم الغيب من ملأ أعلى، فكان آدم إنســان قديم، أو مظهرا لوجود قديم، بمعنى موجود للحق لم يلازم جديده في آدم تواجده على هذه الأرض أو في ســمائها من معاني الخلق والروح بتواجد جديد لقديم، كان التناســخ بالنســبة له في تناســخ الحاضر من المجال البشــري والروحي مع الأصل من الحقيقة.
وإذا تم هذا التناســخ بســلوك الجديد إلى القديم، أي إذا أدرك الكائن الخلقي أنه معدوم بالنســبة للكائن الحقي لوجوده، وأنه أصبح في حكم المعدوم مع هذا الوجود القديم له جســدا وروحا، وأنه أصبح ولا وجود له ولا عمل له، ولا قيام له، ولا تدبير له، مع قديمه الموجود الفاعل المدبر باســم جديده، كان هذا الموجود الخلقي قد أدى مهمته وانتهت صفته الخلقية، وارتبطت صفته بحقيقته من قديمه. وكان في هذه الحالة بمحدثه مســيحًا لقديمه، أي في حكم المعدوم مع قديمه… وبذلك كان حاضره هو حضور قديمه، ووجوده هو وجود قديمه. وفي هذه الحالة يعتبر مظهره ظهورا لكلمة للـه وروح منه، بقديمه يعبر عن معناها بمنســوخه من بنيانه، وبممســوحه من عنوانه، وبمســيحه من عقله، وبمعروشـه من ذاته، وبمبعوثه من صفاته كلمة للـه وروحـا منه، مبرزة من غيب اللـه لا كثيف لها وإن تكاثفت، ولا تواجد خلقي لها وإن تواجدت، فهي عين قديمها وإن حدثت على ما هو من ســابق تواجده وقد غاب. فجديدها لم يتواجد، ولكنه تناســخ فمســح وفقد. وفي هذا تواجده.
هذا هو تواجد الحقائق في حال تناســخ مجالها على أرضها أو في ســمائها، وقد مثَّل هذا المعنى محدث آدم مع قديمه في حفيديه بوذا وعيســى، الأول مع آدمه في دائرة إطـلاقه، والثاني مع آدمه من نقطة ذاته.
أما إذا تواجدت الحقائق على أرضنا من عالم الغيب وتركت مجالاتها من قديمها في عوالم قدمها من عالم الروح، وجاءت الأرض بنفســها وذاتها وحقيقتها وحســها بكمالها، فالتناســخ بالنســبة لها في هذه الحالة، إنما يكون بتناســخ القديم من مجالاتها في عوالم الـروح والأرض مع الحاضر من قيامها من دنيا ذاتها. وبذلك يكون التناســخ من غيبها في عوالم الروح وشــهادتها من البشــرية مع حقيقتها في عالم الشــهادة من الأرض، وبذلك تتناســخ عوالم الـروح مع الحقيقة التي تدب على الأرض تدانيا من الحـق. وبذلك تكون عوالم الروح من مجالات هذه الحقيقة تابعة ومتابعة لأصلها الذي يـدب على الأرض… وهذا ما كان لمحمد عليه الســلام. وهو ما كان ويكون لآدم ولكلمات اللـه في توفيها وتدانيها بكمالها تواجدا وعملا…
فآدم وأبناؤه من كلمات اللـه منه، يتواجد على الأرض بمجاله في بدايته، ثم بالأصل في نهايته، يظهرون تاركين مجالاتهم في عوالم الروح تتناســخ، وهم لهم يتابعون، وبهم يُعبّدون، وعلى مثالهم يفعلـون. وكما يتواجدوا يتواجدون بالســجود لهم، وتتبعهم لتواجدهم يتكاملون. وهذا ما يشــير إليه الهدي الســماوي في كل كتاب ومع كل رســول من أنه {جاعل في الأرض خليفة}[١] وآمر أهل النور من مجالاته بالســجود له. وما أمرهم بالســجود له، إلا قديمهم في غنائه وكماله. يأمر بالســجود لنفســه يتجلى بها على الأرض. كما يســجد علمه الدائم لتجليه الدائم في الســموات وما فوقها.
هنا تتناســخ مجالات الحقيقة في عالم الروح مع معناها في الشــهادة في حال تواجدها على الأرض، وهذا ما أشــار إليه كتاب اللـه مع محمد {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين}[٢] وهم في عالـم الـروح لك وأنت في عالم الأرض، لأنك أصلهم… لأنك أصلهم في عالم النور كما أنك آدمهم في عالم الأرض. فأنت آدم من تابعك في عالم الأرض، وأنت جماع لأوادم ممن معك… وأنت جماع حقائقهم في عوالم الحقيقة. نأخذ لك ميثاقهم ليكونوا مجالات لك أنت أصلها وإنهم لمتابعوك، وإن اللـه لمتمهم ومكملهم بأســوتك واقتدائهم بك إلى عين معنـاك في يوم هو قيـامتهم في قيامهم بمعناك.
هذا هو تناســخ الحقائق بين مجالاتها في الأرض أو في الســماء مـع أصولها في الأرض أو في الســماء. فما اجتمع الأنبياء على محمد من عالم حقه إلا بعد قيامه بذاته من هيكله الرســولي في عالم البشــرية اجتمعت أرواحهم على معناه في ذاته. وما كانوا بســبق ذواتهم إلا مقدمة، أو أبعاضا لذاته، وما كانوا بأرواحهم إلا مجالات من مجالات إنســانه قامت برســالات من رســالات حقيقته. وما كان هذا التناســخ والتواجد لحقائق الأنبياء والرســل في دائرة آدمها وحقيقتها تناســخًا وتواجًدا إراديا، وإن أخذ مظهر الإرادة ولكنه كشــف وإبراز لتواجد وتناســخ لا إرادي، ولكنه تناســخ وتواجد فطري في دائرة إنســان آدمية هذا الجمع المتحد من مفردات حضرة حقية واحدة قديمة…
أما تناســخ الخلائق فله شــأن آخر إذ أن تناســخ الخـلائق لا يكون إلا مع الحقائق. وهو تناســخ إرادي وتواجد لا إرادي. إذا أظهر اللـه حقا يدب على الأرض في معني الرحمن أو عبد الرحمن، أو معنى عبد اللـه أو ذكـر اللـه، أو أظهر مجالا لحقيقة يدب على الأرض… أظهر آية على مثال من عيســى، مجالا لكلمة للـه في كنزيتها العلوية ما زالت، أو أظهر كلمة في كنزية ذاتها على مثال من محمد…
بذلك يكون التناســخ مع مجـال الكلمة أو مع ذات الكلمة تمشــي على الأرض. وهذا التناســخ قد يكـون ســابقا على تواجد الحقيقة المتواجدة في تواجدها على الأرض، أو ســابقا لمجالها من الخليقة التي تمشــي معها على الأرض بتواجده في حياة ســابقة لهما في حواري أو صاحب، بمعنى أنهما تلاقيا وتحابا في تواجد ســابق. وقطع المتناســخ مع نقطة الحق الثابتة شــوطا في ذلك. في هذه الحالة تكون العلاقة فيهما بين معاني الحق ومعاني الخلق وثيقة نامية. وهذا ما كان في عصر عيســى بينه وبين حوارييه، وما كان بين محمد في عصر محمد وصحبةٍ من أصحابه، وما هو كائن معه ومع متابعيه على التباعد الزمني. وهو ما يكون دائما كلما أبرز اللـه داعيا، وأخرج للناس على الأرض عبدا للرحمن أظهره أو عبدا للـه قدره…
وبذلك يكون التناســخ بين اثنين… بين موجودين… بين كائنين يدبان على الأرض في حال واحد، وهذا معنى المجاهد، والمتابع، والأســوة، والاقتداء. أما التناســخ في حال الحقائق كما أســلفنا فإنه يكـون بين الشــخصية الواحدة بين محدثها الظاهر وقديمها الغيبي أو قديمها الظاهر ومحدثها الغيبي. أما ما بين الهداة والأئمة من الظاهـرين ومتابعيهم والمقتدين بهم من الناس فهو ما يشــير إليه الكتاب في قوله {قل إني أعظكم بواحدة أن تقوموا للـه مثنى وفرادى ثم تتفكـروا}[٣] وهو ما يشــير إليه الكتـاب {النبي أولى بالمؤمنين من أنفســهم وأزواجه أمهاتهم}[٤] وهو ما يأمـر به الكتـاب {يا أيها الذين آمنـوا اتقوا اللـه وآمنوا برســوله يؤتكم كفلين من رحمته}[٥] وهو ما يشــير إليه الأثر بقول الرســول المؤمن مرآة المؤمن والمـرء على دين خليله. وقول المحيط {يوم ندعو كل أناس بإمامهم}[٦] …
فالتناســخ والتواجد أمران هما أمر واحد، وهو أمر روحي ملحق بالروح، ولا علاقة له بالأجســاد، ســواء كانت الأجســاد المادية الكثيفة أو الأجســاد الروحية اللطيفة، وإن كانت الأرواح في أجســادها اللطيفة أكثر إدراكا له وفهما فيه، وهو ما يكاد أن يكون غيبا على الأرواح المحرمة في ثياب الأجســاد الأرضية الكثيفة، اللـهم إلا من وضُع عنه وزره، وتكشــف له أمره، وكشــف عنه غطاؤه…
هذا الذي أجملت يســير موجز عن التناســخ، وهو موضوع يحتاج إلى كثير من التفكير والتدبر والاهتمام والوعي لأنه عليه يقوم معنى الإســلام… بأســلم يســلم أي إذا قبل المتناســخ ورضي وأحب أن يكون منســوخا إلى وجود ناســخه، معدومًا إلى وجود قائمه ومبعوثه من الحق المعروف عنده. فرســول اللـه وهو معاني الحـق من اللـه هو الحـق من رب الناس، هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الســاجدين}[٧]. إن في تقلبك في الســاجدين نســخ لهم وقيام لك. وفي هذا ســعادة الخلق المنســوخ ورحمة الحق الناســخ بقيام الحق في الخلق بعثا…
إن اللـه إذ يقول {ما ننســخ من آية أو ننســها نأت بخير منها أو مثـلها}[٨] يعني أنه ما ينســخ من آية أبرزها للناس بعبد له بين النـاس أي ما عطل العمل بهذه الآية، وقد نســخها لأنها كانت مجالا لقديمه من الحق، فنســخها في قديمها من الحق بإيجادها قديمها من الحق يدب على الأرض بخير منها، أو جددها بمثالها بعد نســيانها تحت اســم وعنوان مجدد لها…
وإن هذا الذي فعل اللـه ويفعل اللـه وهو فعل اللـه في ســرمدي قيامـه وناموس فعلـه، هو ما أراد أن يشــير إليه في أمر عيســى ومحمد من أن محمدا بمعنـاه في حقيقته روح قـدس مع ســائر النبيين، كان بحقيقته معاني الحق لهم وكانوا في معاني المجال له. تناســخوا معه في وجودهم هداة ودعاة، وهو غيبهم وروح قدس اللـه لهم، فلما تواجد على الأرض تناســخوا معه بدورهم مرة أخرى، تناســخوا مع معنى وجوده الذاتي على الأرض على ســابق فعلهم معه وهو في وجـوده الغيبي عن الأرض… فكان طبيعتهم وفطرتهم فيتناســخوا معه متابعين ســواء تواجدوا على الأرض لهم شــاهدين، أو تواجد هو على الأرض مشــهودا منها لهم في عوالم أمرهم.
ولما كان في غيبه مشـهودهم وهم شــهوده من الناس كانوا هم مشــهوده إلى الناس برســالاتهم، وكان على الناس أن يتابعوا الأنبياء. وهذه حقيقته في الحـق من اللـه بوصفه عبدا ورســولا له، طلبـا للحقيقة وطلبا للحـق في عبوديـة قديمـة له. فلما جاء الحق وزهق الباطل بمجيء الحق معه، بما أنزل عليه من اللـه، وبما انفطر به من الحق له عبدا للـه كانت ذاته منســوخ خلقه في قائم حقه، بقيام قديم معناه من الحق على الأرض بعين قيامه. فصلى بالنبيين إمامًا وتابعوه مدانيـا للناس أواني للحق، كما تابعوه متعاليا عن الناس أواني للخلق فعلمهم مما عُلِّم وعلموا مما عَلِم، فعرفوه عبدا للـه كما عَرَّف نفســه عبدا للـه. كما عَرَّفه ربه عبدا للـه… عبدا ورفيقا لربه من العبودية للـه ومن الحقيقة باللـه. فكانت به العبودية للـه حقيقة كبرى تتناســخ معها الحقائق فضلا عن تناســخ الخلائق، وكان تناســخ الحقائق والخلائق في هذه الحقيقة الكبرى هو معاني التواجد لهذا الكيان المتناســخ على صورة الدوام. فتناســخ الموقوت في الســرمدي يعطيه الدوام، وتناســخ الفاني في الباقي يعطيه البقاء، وتناســخ المعدوم في الموجود يعطيه الوجود، وتناســخ الضعيف في القادر يعطيه القدرة، وتناســخ الأعمى في المبصر يعطيه البصيرة، وتناســخ الجاهل في العالم يعطيه العلم، وتناســخ الضال في المهتدي يعطيه الهداية، وتناســخ المجتهد في الحكيم يعطيه الحكمة، وتناســخ الخلق في الحق يعطي الحياة…
هذا عن تناســخ الخلائق مع الحقائق، والحقائق مع الحقائق من عباد اللـه، ومجالات العبودية للـه. فبالتناســخ يبدأ التواجد بتواجـد المنســوخ بالناســخ في متابعته، فإذا ما تواجد تناســخه وُجِد ناســخه فقام بناســخه حقا، بدأ تواجده فبدأت عبوديته. بدأ حقه بدأت حياته، بدأ في حكمته بدأ في علمه، بدأت رســالته بدأ وقام كتابه، وصح إلى اللـه إيابه، فقام بيته، ونصب منبره، وتحددت قبلته، فتناســخت معه الخـلائق والحقائق، وبذلك يكون التواجد ثمرة للتناســخ، ويكون التناســخ هو العدم والموت في الحي القيوم. وبذلك يكون التناسـخ سـبيل التواجد وهو الحيـاة والبعث بالحي القيوم. وهذا ما يشــير إليه كتاب اللـه… خلق الموت أي خلق النســخ {ما ننســخ من آية}[٩]، والحياة أي خلق التواجد. وفي ذلك يقول الحق لرســوله في محكم كتابه {إنك ميت وإنهم ميتون}[١٠]. إن الحي هو اللـه، إن الحي هو الحي القيـوم، إنك ميت، إنك منســوخ، إنك معدوم، إنك غير موجـود، وإنهم على مثـال منـك لا وجـود لهم. و (النـاس نيـام)[١١] فإذا تم لهم العـدم، إذا جـاءهم النســخ {وجاءت ســكرة الموت بالحق، ذلك ما كنت منه تحيد}[١٢]، إذا ماتـوا انتبهوا، بعثـوا، اســتيقظوا، ماتوا، حيـوا، تواجدوا، إذا نســخوا تواجـدوا، إذا ماتوا حيوا، إذا نحروا أنفســهم كان لهم في ذلك الحياة، ومعاني الحياة…
هذا هو التناســخ والتواجد، وإنه ليدرك على ما يُدرِك اللـه، وليســت المســألة مســألة ألفاظ تلاك بالألســن، ولكنها مســألة معـانٍ تدرك، وتقـوم في النفوس، تحيط بها العقول، وتقوم بها القلوب، وهي من صميم المعرفة، وهي من صميم الســلوك، وهي من صميم الإســلام والتســليم للـه. صلِّ عليهم فإن صلاتك ســكن لهم، انســخهم، أســكنهم، أقم بهم، أســجدهم للـه، اســجد أيها العبد الســاجد للـه، في أوانيهم، في معانيهم، في عقولهم، في قلوبهم، في نفوســهم، في ذواتهم، في قديم وجودهم، في حاضر وجودهم، في قابل وجودهم…
النبي أولى بالمؤمنين من أنفســهم وأزواجه أمهاتهم، يتناســخون معه عن البعد عنه إلى التواجد في القرب منه فيكونون بتناســخهم مع أبنائه أبناء له…
هذه هي معاني التناســخ والتواجد، لا تنفروا وراء النافرين من لفظ التناســخ، ولا تصموا آذانكم وراء المصمين من لفظ التواجد أو التناســخ، فالتناســخ والتواجد إنما هو من فعلكم أنتم، كما هو من فعل اللـه في فعلكم، تتناســخون وتتواجدون، تتناســخون عما يقوم بكم من مجفو صفاتكم ومجفو معانيكم بتجاهلكم لها إلى ما تحبون من صفات ومن معان في عباد اللـه، ترون فيهم ما تحبون من صفات ومن معان، تريدون أن تكون لكم من اللـه. إنكم بمتابعة هؤلاء الرجال تتواجدون بصفاتهم، فتنســخون المجفو من صفاتكم…
فأنتم تتناســخون وتتواجدون في وقت واحد، وبمعدل واحد، وفي ظل قانون ثابت في قديم الإنســان، وحاضر الإنســان، وســرمدي الإنســان. إن التناســخ والتواجد إنما هو مســيركم بقدميكم، تســيرون بقدم بالتناســخ، وبأخرى بالتواجد، تبعثون بالتواجد بما تحبون، وتموتون بالتناســخ عما تكرهون. إنه الحيـاة… إنه الســلوك… إنه الطريق… إنه الدنيا والآخرة، وما الدنيا إلا تواجد لكم نســخ قديما كان لكم، في تواجد من حاضر دنياكم بفنائكم عن قديمكم يشــهد في شــهودكم لأنفســكم، {ووجدوا ما عملوا حاضرا}[١٣]. إن دنياكم هي الآن تواجدكم، وإن أخراكم هي تواجدكم الناســخ لتواجدكم الحاضر بما عملتم في دنياكم هذه. إن الآخرة ما وصفت بأنها دار الحق إلا لأنها نســخ لحاضركم بما قدمتم في دنياكم من دنيا العمل…
إن دنياكم هي دار كســبكم وعملكم باســم اللـه، وأخراكم هي دار حصـادكم عبـادا للـه، وهـي مآلكم إلى ســكينتكم أو قلقـكم. فالدنيا وهي دار عملكم باســمه لا تضيعوها. ولا تقولوا إن الآخرة هي دار الحق فانتظروها، فلمن تكون دار الدنيا إن لم تك دارا للحـق أيضا؟ فللـه الآخرة والأولى، والدنيا أكثر تميزا به، والآخرة أكثر ظهورا به. إنكم الآن أقلام قدرته، وألواح كتبه، ومصابيح هديه. إن كســبتم هذه المعاني لأنفســكم، فأنتم مُظهروه لأنفســكم وهو القائم عليكم بما كســبتم {قد أفلح من زكاها}[١٤]. إن كســبتم وجهه لأنفســكم وهو من ورائكم محيط أشــرقتم باســمه إن كســبتموه، وهو أقرب إليكم من حبل الوريد فعلتم بقدرته، {والذي قدر فهدى}[١٥] وكنتم عباده…
إن العبودية للـه أمر خطير وإن الربوبية على الناس من دون اللـه لا تســاوي شــيئًا. إن العبودية عطاء واعتبار، أما الربوبية على الناس فهي مشــقة وابتلاء واختبار، فلا تطلبوا العبودية للـه بطلبكم بها ربوبية على الناس، ولا تشــرئب نفوســكم إلى الربوبية على الناس، فإنها مضيعة لطالبها، وإن اللـه لمعطيها لمن يطلبها، ولكني أنصحكم بما نصحت به نفســي وأنا لها مجاف ولا أطلبه لها، ولكن اطلبوا العبودية للـه خالصة في بيوتكم، كلكم راع وكل راع مســئول عن رعيته، خيركم خيركم لأهله والرســول خيركم لأهله، الرســول رب بيته وأنتم أرباب لبيوتكم، ابدأوا بنفوســكم أولا لا يضركم من ضل إذا اهتديتم قد خاب من دســاها، حتى يتم لـكم ذلك لا تبدأوا بالنـاس لأنكم لا تعرفون عنهم شــيئا، لأنكم لا تعرفـون عن أنفســكم شــيئا، فإن بدأتم بأنفســكم فانتشــروا بنوركم فيمن تعـولون، فإن كان لكم ذلك كان لكم في النـاس ســبحا طويـلا، وإن اللـه يخرجكم إلى الناس من باطنكم، في حاضركم بقيامكم به فيه. إن اللـه لا يخرجكم إلى الناس حتى تعلموا، وتشــهدوا، وتوقنـوا حقيقة اللـه في النـاس. إن اللـه لا يخرج عبدا له أو ربا على النـاس به إلا إذا عرفه أن الناس هم هو، وهو هم، وليس إلا إياهم، وليســوا إلا إياه. فإن خرج لهم خارج باســم التعريف عنه لا يملك هذا المعنى، فعن نفســه خـرج لا عن الحـق. فإن اللـه للـكل ومن وراء الـكل ومع الكل محـيط، وللكل أقـرب إليهم من حبل الوريد، وللكل وعلى الكل القائم على كل نفـس، وإن الكل له وجوه نضرت أو غبرت، فالعباد للـه من رأوا الكل مختبر فيه وفي فتنة من نفســه بالناس مع نفســه، من رأوا وجـه ربهم في الناس، وعلموا أن حقيقة الناس من حقيقة اللـه، وأن اللـه بحقيقته يتســربل في جلباب الخلق باســم عبوديته، وعبـاده يبحثون عن ربوبيتهم في الناس، كما يبحث هو بحقيقته عن عبوديته في الناس… إن العبد حق الرب، وإن الرب حـق العبد، وإن الرب يبحث عن عبده كما يبحث العبد عن ربه تماما. يتلاقى العبد والرب وهما يتســربلان في حجاب الخلق باســم الإنســان، ســبحان اللـه الذي يجمع البحـرين الزاخرين بالحياة والعدم يلتقيان في برزخ الحياة البدئية من شــجرة البشــرية الأرضية…
في هذا الخلق الصغير من عالم الحق الكبير يتواجد ويتكامل إنســان اللـه بـدءا وانتهـاء في دورة منتظمـة، مع كل ابـن لآدم. له المثل الأعلى في الســموات والأرض، لا إلـه إلا اللـه، هو في الســماء إلـه كما هو في الأرض إلـه جل على المنال وعز على المثال. نســأله ونســتغفره ونتوب إليه ونســتهديه ونســترحمه، ونســأله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، ونســأله أن لا يولِ أمورنا شــرارنا، وأن يوليها خيارنا…
وأن يعافينا برحمته من عدله، وأن يدركنا لفضله بحكمته، وأن يقيمنا فيما يحب ويرضي، وأن يلقانا على ما يحب ويرضى ممن أحب ورضي من عباده، وأن يختم لنا بخاتمة الســعادة أجمعين. لا إلـه غيره ولا معبود ســواه…
أضواء على الطريق
عن هدي الســيد الروح المرشــد (ســلفربرش):
(إن هذه البشــرية الخالدة تســكن هذه الدار الباقية من الأرض، ما هي إلا انعكاســة واحدة لعوالم الروح على اختلاف مســتوياتها من روح الحيـاة الأعظم، يتكون منها دائما عالم الروح الأول المتصاعد عن أرضها إلى ســمواتها، كما تجعل منها بعوالمها صورة معبرة ومجســمة للوحدانية لعالم الروح الأكبر).
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة البقرة - ٣٠ ↩︎
سورة آل عمران - ٨١ ↩︎
سورة سبأ - ٤٦ ↩︎
سورة الأحزاب - ٦ ↩︎
سورة الحديد - ٢٨ ↩︎
سورة الإسراء - ٧١ ↩︎
سورة الشعراء - ٢١٩:٢١٨ ↩︎
سورة البقرة - ١٠٦ ↩︎
سورة البقرة - ١٠٦ ↩︎
سورة الزمر - ٣٠ ↩︎
من مقولة للإمام علي “النَّاسُ نيامٌ فإذا ماتوا انتبهوا”. المحدث: السيوطي. المصدر: الدرر المنتثرة. ↩︎
سورة ق - ١٩ ↩︎
سورة الكهف - ٤٩ ↩︎
سورة الشمس - ٩ ↩︎
سورة الأعلى - ٣ ↩︎