(١١)
الإنسان وابن الإنسان
آدم وابن آدم
عبد الله وابن عبد الله
حديث الجمعة
٢٢ ربيع الأول ١٣٨٠ هـ - ١٣ سبتمبر ١٩٦٠ م
سـلام اللـه علينا وعلى عباد اللـه الصالحين، الحمد للـه المعروف بحقه، والمعروف بخلته، والمعروف بوجوده، وأشـهد أن لا إلـه إلا اللـه، لا شـريك له، غني عن المعين، وغني عن الوزير، وغني عما يتخيله الخلق فيه، والصلاة والسـلام على رسـول اللـه، حقيقة ثابتة دائمة، وصفة في الكون قائمة.
عباد اللـه: هل هناك خير من تقوى اللـه؟ وهل هناك رب أرعى من اللـه؟ وهل هناك معين أقوى من اللـه؟ وهل هناك ملبٍ أسـرع من اللـه؟ وهل هناك محكم أحكم من اللـه؟
عباد اللـه: إذا كنتم آمنتم باللـه، فاتقوه وآمنوا برسـوله، وارعوا إيمانكم في أنفسـكم حـق الرعاية حتى يؤتكم اللـه كفلين من رحمتـه، من دنيا قيامكم، ومن دنيا مآلكم، ومن دنيا إيابكم، ومن دنيا أنفسـكم، ومن دنيا باطلكم، وفي دنيا حقكم.
إن الظاهر من وجودكم، والظاهر من تدبيركم، والظاهر من اجتماعكم، والظاهر من جماعتكم، والظاهر من نظمكم، إنما هو مـرآة الباطن من أمركم على مثال له وعلى ارتباط به. وإن ما هو ظاهر من قديم لكم عنـه برز، ليشـف وينم عن مسـتقبل، لا يخـرج في رباطه عن معاني القديم من حيث نسـبته إلى ظاهركم أمرا مجهولا عندكم. فأنتم في ظاهر أمركم تجهلون أمر قديمكم كما تجهلون أمر مسـتقبلكم، وقد كنتم كذلك يوم كنتم في قديمكم. لقد كنتم في جهل عن الأقدم منه كما كنتم في جهل عن مسـتقبل لكم هو اليوم حاضركم.
وإنكم عما قريب لمغادرون هذه الدار- وإذا قلنا دارا فإنما هي دار حقيقة- وإن الإنسـان إذا كان في هذه الدنيـا وفي هذه الحيـاة يتنقل من دار إلى دار تسـمى برقـم وعنـوان وطريق وحي وبلد، إنه كذلك إن غـادر هذه الأرض، أو إن غادر هذه الدنيا -كما يسـميها من معاني الدنو - إلى إدراكه بمعاني الحياة مدركة عنده اليوم، فإنه مغادر إلى دار أخـرى على مثال مما هو فيه، قسـطه منها على قدر ما تهيأ له، واكتنز هو من حاضره. وإنـه آخذ متزود من هذه الدار لتلك الدار بعقائـده ومعنوياته وإدراكه، كما يتزود الطالب في مدرسـته في ثقافته النظرية، وثقافته التدريبية أو العملية، وفي مسـلكه المرعي من الجانب الخلقي في دار تأهيله. وإنه إذا خرج إلى الحياة أو ما نسـميه الحيـاة من حيـاة العمل، وهو ما خرج في الحقيقة إلى الحياة، ولكنـه انتقل من مدرسـة صغيرة إلى مدرسـة كبيرة، وإنه مغادر هذه المدرسـة على كبرها - وهي صغيرة ضئيلة في حقيقة أمرها - على مثال مما سـبق له من دار تحصيله التي خرج منها إلى دار العمل متصورا أنه في الحياة… وهو ما انتقل إلا من فصل إلى فصل، أو من مسـتوى دراسـي إلى مسـتوى دراسـي آخر.
هكذا يواصل الإنسـان طريقه في ركب الحياة، وإن الإنسـان في ذلك لهو على دين من أحب، وإن تجمعات الناس على ما يسـتهويهم من معنويات لإدراكهم في أنفسـهم، وفي آمالهم، وفي حاضرهم، إنما يتجمعون على معنى يحملونه، وتحت علم يرفعونه، في ركب الحيـاة… فهم إما تحت لواء أحمر، وإما تحت لواء أبيض، وإما تحت لواء أسـود، وإما أناس يسـيرون على غير هدى في دروب الحياة، وفي دروب الكون، لا هادي لهم، ولا رائد أمامهم، ولا عقيدة لهم، ولا اجتماع على قديم في الحق جمعهم، أو جديد للحق خلقهم.
وإن الذين يتجمعون تحت علم ما أيا كان لونه، إنما يسـيرون في الحياة، ويقطعون دربا من دروبها… وإن العلم الأبيض أو العلم الأسـود أو الأحمر، ما دل إلا على معلوم من حقيقة، أو مدرك من صفة، أو اسـتقامة من فعل، على مراد من حكمة اللـه… وإن اللـه وهو المطلوب، وإن اللـه وهو ما يجب أن يكون مطلوبا، وإن اللـه وهو ما يقبل أن يكون مطلوبا، متجرد عن معالم هذه الأعلام، سـوداء أو حمراء أو بيضاء كانت… فإن هذه الألوان ما هي إلا صفات الخلائق… وإن الحق تعالى عن وصف الخلق، وإن ظهر بأوصافـه في اتصاف بمعاني قيامهم، إعلاما لهم عما يجب أن يكون معلوما لهم، عنه في أنفســـهم.
إن كتاب اللـه يرسـله اللـه لعباده ليس ورقا، وليس مدادا، وليس رسـما، ولكن كتاب اللـه يرسـله اللـه لخلقه إنما هو رقائق من رحمته من أمر روحه، نورا يقذف في قلوب عباده يرون في عبوديتهم للـه كتابا لأنفسـهم من اللـه، يقلبون صفحاته بالنظر والتأمل في أنفسـهم، ويرون ما في الكون إلى ما في أنفسـهم، ويرون ما في أنفسـهم إلى ما في الكون، فيقلبون الأبصار في آيات اللـه في أنفسـهم وفي الآفاق حتى يسـعدهم اللـه، فيكشـف لهم أنه المتدين فيهم لهم، وأنه الظاهر في قيامهم لأنفسـهم، والظاهر فيما يحيط بهم من الكون، ومن الوجود من أنفسـهم، وأنه المتحدث إليهم فيما يبرز من آياته لهم في أنفسـهم، وفيما حولهم، وفيما يبدو عن إدراك عن غيرهم هو من أمرهم، أو من أمر الناس، أو من أمر الدنيا.
إن هذا هو حديث اللـه الدائم، يتحدث به إلى مسـتمع رفع عن بصره وسـمعه الغشـاوة، فشـهد وتبين له أنه الحق، كما تبين له أنه بالحق ينظر نفسـه في الحق محيطا به قائما عليه، قائما فيه، مقيما له في حق من حقه، ووصف من وصفه، واسـم من اسـمه وعَلَـم من عَلمِه، وعِلْم من عِلْمه، منزلا سـكينته على قلبه، بما ينزل على قلبه من طمأنينة وتبين للحق… وكيف يصبر الخلق على ما لا يحيطون به خبرا ثم يقولون نحن معتقدون أو مدركـون لحقائق اللـه، وهم في يأس منها في جلباب من زعم لها أو وهم عنها!
(إن اللـه يبحث عن عبده كما يبحث العبد عن ربه)[١]
وإن اللـه في بحثه عن عبده إنما يفعل ذلك بسـفور عباده في عوالم خلقه بمحمديهم من عباده، في واسـع خلقه من ظالمي أنفسـهم من نبات الأرض من الناس… وإنه إذا أسـفر ابن عبد اللـه وآدم اللـه في الناس فتبين لهم محمد من بينهم قائما بينهم، باحثا عمن يسـتهديه ما اسـتهداه، وعن طالب لما طلب من اللـه، كان ذلك طلبا من اللـه لخلقه… وهذا معنى أن اللـه يبحث أو أن الرب يبحث عن عبده.
وإن الناس إذ يتذاكرون في الحقائق، ويتعلمون أو يعلمون أو يتعالمون، إنهم في حال من البحث عن ربهم. فإن صدق فعلهم، وخلصت نوايـاهم، واشـتدت حميتـهم وهمتـهم، اسـتجاب اللـه لهم، فكشـف لهم عن ابن عبد اللـه من بينهم، وكشـف لهم عن المحمد من قومهم.
إن ظهور ابن عبد اللـه إنما هو إجابة من اللـه لطالبي اللـه لأن اللـه من وراء الكل محيط، وإن الكل للـه وجـه باقٍ به الحق في تجليـه، أو متخل عنه الحـق بجفوة صاحبه لمعانيه. أما الحق وجها مدركا مقاربا للوجوه لهو في ابن عبد اللـه مسـفرا مخلِّصا، موضوعا عنه الوزر، محفوظا فيه الأمر. وإن عبد اللـه لهو غيبه من معاني كلمة اللـه مشـهرة في خلقه بابن عبد اللـه، وهو كتاب اللـه ورحمته مهداة لطالبي اللـه. وإن شـرائع اللـه ما قامت وما اسـتقامت إلا بمعاني تدور حول كلمة اللـه، تدعو إلى كلمات اللـه، تتجمع من خلق اللـه تحت لواء من كلمة، هي للناس جماع في ابن عبد اللـه، ظاهر المحمد من صفاتهم، والمحمد من ذواتهم.
وإن الإسـلام كدين بدأه آدم باستسـلامه وإسـلامه، وحقق رحمة اللـه فيه بتوبته ومسـالمته، وهيأ لأبنائه إلى اللـه مسـلكا برجعته وسـلامته، فكان علما على الإسـلام للـه، وعلما على التسـليم لأمـر اللـه، وعلما على المسـالمة مع اللـه، وعلما على البراءة والسـلام من اللـه، فكان علما على الحق لأبنائه، وكان وعدا من اللـه لهؤلاء الأبناء أنه مصطفيهم على مثال مما كان لأبيهم، وأنه مجتبيهم على مثال من اجتبائه، وأنه مقربهم على مثال من تقريبه، وأنه متجل به لهم، ومسـجدهم له، ومقربهم وجامعهم عليه، وأنه تعالى في كماله عن المثال، وعن النوال، وعن المشـاركة، والشـريك.
جعل اللـه من آدم جديد ربوبيته لجديد خلقه منه. وكون آدم من صنعه وإرادته في صنعه لنفسـه بإرادته. خلق به الزمن ختما وبدءا. أعطاه الحيـاة الأبدية فتواجدت في حياته معاني الحياة الأزلية. اصطفاه من أرضي وجوده لعلوي وجوده.
جمعته يد قدرته من تراب الأرض من نبات البشـرية من شـجرة سـبقه في وحدة من تواجد. تخلت مفرداته عن مبانيها ومعانيها شـوقا إلى الفناء في خالقها وبانيها، فأوجد شـوقها لمعناها جديدا لأصلها ومبناها، فقامت فيه ذراته وقامت به معانيه وصفاته.
علمه الأسـماء كلها، فأعلمها وعلمها وكان بمعانيه علمها، وبمبانيه أعلامها، وبذاته كتابها وجماعها. فهو العبد الأول… والعالم الأول… والكون الأول… والاسـم الأول… والوجـه الأول… والحق الأول… والأبد الأول… والأزل الأول… والكتـاب الأول… والديـن الأول… والإسـلام الأول… في قيام لوجود مطلق بلا حد وبلا بدء هو فيه متواجد على ما تواجد في ظل قانـون لهذا الوجود، يحكمه في تواجده ويحكمـه هو بتواجده. هو وحده الذي يعـرف هذا الوجود ويرتبط به، ويعمل فيه، ويخضع في تواجداته لقوانينه، ويتحكم بتواجده في قوانينـه. إنه العبد والمعبود في هذا الوجود. إنه العالم والمعلوم فيـه. إنه سـبق أن تواجد فيه بلا بدء، وإنه متواجد فيه بـلا عد. وسـيبقى متواجدا فيه بلا حد.
إنه الكائن الأزلي المنزه عن الجدة والقدم في هذا الوجود المطلق. قديمه من الإنسـان ربه وهو في معناه جديد إنسـانه أو جديد ربـه، من معاني الإنسـان الذي ما ظهر اللـه في شـيء مثل ظهوره به. وبهذا قال اللـه على لسـان المؤمنين به في كتـاب إحاطته {وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا}[٢] على لسـان عباد من عباده نطقوا بالحق كما علمهم وكما أعلمهم.
وإن اللـه جعل من ابن عبد اللـه، وإن اللـه جعل من ابن آدم في محمد مثالا يحتذى لأبناء آدم، ومن يطلبون أن يكونوا أبناء لعبد اللـه، حتى يضافوا إلى قديم إنسـانهم وَجِّد ربهم في أبيهم من إنسـانية آدم، أبناء له يُجدد فيهم معانيه من الخلق، وتتهيأ بهم له معانيه من الحـق، متكاثرا بينهم، متكاثرا لهم، متكاثرا بهم، متكاثرا منهم.
هذا أمر من دين اللـه هو جماعه، وحول هذا يدور الدين فهو عمـاده. إن الدين لا يقوم حول إقامة مناسـك من ركـوع وسـجود، فإنها حـركات رمزية لمقام من الأدب ومسـلك من الاتجاه، تتكيف في أمم على ما كيفت لأهلها، وعلى ما تكيفت في نفوسـهم بآدابـهم مع اللـه. لا فرق بين منهاج ومنهاج، أو شـرعة وشـرعة فيما يتعلق بتفاضل أو بأثر من قيام الحق في منتهج لها. ولكن الذي عليه يدور المقـام والذي به يصدق الحال هو حسـن الفهم عن الحقيقـة تُطلب، وحسـن الأدب مع اللـه يُنشـد به يُتبين أمره، وتكشـف حجب الظلمة عن النفس لتبيان نوره مشـرقا على أرض القلوب من القيام من ذوات الخلق من نبات الأرض من الناس.
إن الناس يتحدثون عن منتظر ينتظرونه من أمر اللـه. وإن الناس ليرجفون في القول بوهم العلم ويشـطون في اليأس باسـم الأماني، وينزلقون في الإدراك باسـم الهدى لأنهم لا يريدون أن يكونوا على بصيرة فيما بين يديهم من أمر من أمر اللـه، وكتـاب من كتاب اللـه، وكـلام من كـلام اللـه، وهدى من هدى اللـه، قامت به كلمــات اللـه.
متى حرم اللـه الأرض من ابن عبد اللـه؟ متى حرم اللـه الأرض من محمد في الخلق بينهم يعرف بمحـامد؟! ليس محمدا الذي تعرفون أو الذي تدعون أول محمد في دين اللـه، ولا أول رسـول في شـرائع اللـه. فإنه ليس بدعا من الرسـل ولا جديدا من الأمر. وإنه ما جاء إلا بما جاء في صحف أولى من صحف مثال له من إبراهيم ومثال له من موسـى. وإن إبراهيم وموسـى ما كانوا في الناس بدعا من أمر، فقد قامت من قبلهم رسـائل، وقام من قبلهم ابن لعبد اللـه، وقام من قبلهم محمد في الخلق للخلق من الخلق، على سـبق لا يدرك بدؤه، ولا يحاط ببدايته {منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك}[٣]. وإذا كنا قد قصصنا أو لم نقصص فإنما قصصنا أو لـم نقصص ممن اصطفـى اللـه، واجتبى اللـه من أبنـاء آدم.
وإني إذ أعلمك الكتاب والبيان، هل تعلم للـه سـميا؟ هل تعلم للـه بدءا؟ هل تعلم في الحق جديدا جد عليه لم يكن على أزل؟ هل تعلم أن اللـه قاطع عن الناس أمرا أظهره، أو ممسـك عن الناس رحمـة بذرها، أو لـواء نشـره، أو خيرا بسـطه، أو بسـاطا وضعـه، أو بيتا أقامـه؟ وهل تعلم أن اللـه وقد حققك أنك إلى زوال، أو أنك على غير مثال، أو أن أمـرك في النـاس لا ينـال؟ إنك لتعلم. قال أي ربي. ولكن الناس لا يعلمون قدري، ولا يقدرونك على ما يليق بهم، أن يقدروك به. قال الزم ما علمت واسـتقم على ما أمرت. وإذا كنت باخعا نفسـك على آثارهم فإني متجاوز عن فعلك لقصور إدراكك في حكمتي. لو شـئت لهديت النـاس جميعا. ولكني على ما تصبو إليه نفسـك مجيبك. فإني ما أرسـلتك إلا رحمة للعالمين. وإن لك في النهار سـبحا طويلا. حتى أهل الظلام لا أحرمهم من رحمتي معك ولعلي باعثك بينهم مقاما محمودا يوما من الأيام، وفق إرادتي وعند مرادي ووفق حكمتي، يوما لا تعلمه أنت ولا يعلمه من في السـموات ومن في الأرض. ولكن الناس يسـتعجلونك بالسـيئة قبل الحسـنة وقد خلت من قبلهم المثلات. لمَ لا يسـتعجلونك رحمة من اللـه ولا يسـتعجلونك ببطشـة من اللـه وهو شـديد المحال؟! وهو شـديد البطـش {إن بطـش ربك لشـديد}[٤]… {ولـولا كلمـة سـبقت من ربك لقضي بيننهم}[٥]، ولكان لزامـا. ولكن {قل فانتظروا إني معكم من المنتظريـن}[٦] فهـو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في السـاجدين}[٧] {ومن الليـل فتهجد به نافلة لك}[٨]. ومن هذه النفوس المظلمة أفض عليها عطـاء غير مجذوذ، وأفض عليها مما أفاض اللـه على قلبك من نوره حتـى تسـتنير نافلـة لك، لأني معطيك من قبل مجيئك صحبك، كما أني فرضت عليك أن تصبر نفسـك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشـي يريدون وجهه، وأبرزت لك ما هو ملازم من حقائق سـوف تسـتوفي بها وظيفتك في دارك، يبقون على بقائك، ويعملـون بعملك، ويسـيرون على سـنتك، ويهدون بهديك، ويهتدون على هديك، من آل بيت لك من ذريتك ومن أصحابك ومن محبيك ومن محبوبيك ومن متابعيك. أصطفيهم وأجتبيهم على مثال من اصطفائي لك حتى أتنزه في الخلق، وحتى يتكشـف للناس في أمـور دينهم أنني المنفرد بعظمتي والمنفرد بكبريـائي. وأني مهما برزت بحقائقي في عبد من عبادي فإني لذلك فاعل، وعلى مثال من قديم فعلت، وسـأفعل وسـأفعل …
فنزه اللـه، واطلب اللـه طلبا دائما مسـتمرا في دنياك، واعلم أن طلبك للـه هـو سـعادتك وهـو نعمتك، وأن هذا الطلب إذا انقطـع عنـك مداومته والالتجـاء إلى الحقيقة طـالبا فقد انقطعت صلتي بك. ومن انقطعت صلتي به فقد هوى، فقد توقف وانحدر. فالكون لا يقف والكون مترق والكون سـائر والكون بالحق يسـير.
وإن اللـه المتعالي والمتصف بالتعالي ما تعالى ولكنه تعالى بتعالي الكون وتطهيره من أغيان نفسـه بإفاضة الخير عليه، وإفاضـة الحكمة يقوم بها تظهـر فيه لأهلها. فإن المتعالي هم خلق اللـه بترقيهم إلى حقائق اللـه في معـارج الرقي، معراجا بعد معراج، ومرتقى بعد مرتقى إلى ما شـاء اللـه وبلا نهاية …
فإذا كان الناس بالتواء أنفسـهم ينتظرون منتظرا من اللـه فإنهم ينتظرون بطشـة من بطشـات اللـه. وإنهم ليسـتعجلون السـيئة قبل الحسـنة. وإنهم في هذا قد خلت من قبلهم المثلات. فهـلا اتعظوا بقديم؟ وهلا سـاروا في الأرض فنظروا وتبصروا آثار من قبلهم من الناس، وإلى أين ذهبوا، وماذا أبقوا، وماذا تركوا؟
إن هذا الأمر لا يُطلب يا إخواني. ولكن الذي يُطلب أن نسـأل اللـه أن يكشـف لنا من بيننا لأنفسـنا عطـاء من اللـه ومِنَّة، مَن منا وأين فينا ابن عبد اللـه؟ فإنه لا يغيب عن الأرض كما وعد اللـه. وإن كان في خفائه لرحمة. وإن في احتجابه لمنة. فإنه في حال احتجابه متكاثر، وفي حال تعارفه متناثر، وفي حال الوصلة به متجدد، وفي حال القيام معه قياما بالحق متعدد.
أما إن أسـفر، فهو وحـده والكل عبـده… فهو ابن عبد اللـه. وهو عبد اللـه. وهو وحده عبد اللـه. أما الناس! فهم له عباد. عبودية لربه. فهو معاني حقه.
فماذا يطلب الناس؟ يطلبون عدم أنفسـهم، ويطلبون خيبة الرجاء لهم، ويطلبون القطيعة لهم من الأمل، ويطلبون القضاء يحل بأنفسـهم ويحل بديارهم. ألم يقل لهم عيسـى في إنجيله (يوم يأتي ابن الإنسـان ترتـج عليكم أنفسـكم وأموركم ودنياكم)[٩] ألم يقل لهم كتاب اللـه {وإنه لعلم للساعة}[١٠]؟ وإنها لثقيلة وقد {ثقلت في السـموات والأرض}[١١]، فماذا يطلب النـاس؟ يطلبون الجهل والظلمة. وإن الحـق لمشـرق في أنفسـهم بنوره، ومقاربهم في حـال صدقهم بوحدانية قيامه. وإنه لممسـك بنواصيهم بواحدية صفاته. وإنه لمتسـلط عليهم، منفرد بأحدية وجوده. وإنه لكريم لطيف رحيم بغيب أمره على عقولهم.
إن اللـه ما كان ليعذبهم وابن عبد اللـه فيهم ومحمد فيهم. وما كان ليعذبهم وهم يسـتغفرون من شـرور أنفسـهم، ومن زلات شـهواتهم.
إن اللـه بهم لراحم، وإن اللـه لا يكلف نفسـا إلا وسـعها، وإن اللـه بالناس لغفور رحيم. إن اللـه ليس للناس بظالم. ولكنهم هم الذين يظلمون أنفسـهم بأنفسـهم، بجهلهم بأقدار أنفسـهم تافهة في قطيعة، عظيمة كبيرة في وصلة.
وإنهم لموهنون الوصلة ومغرقون في القطيعة باسـم الاتصال والوصلة. رسـموا لأنفسـهم دنيا من وحي أنفسـهم، وكتبوا لأنفسـهم كتبا من إيحاء أنفسـهم، ومن إيحاء شـياطينهم -شـياطين أنفسـهم شـياطين ظلامهم - وما خفي منهم من أمرهم عنهم، وشـياطين ذواتهم من شـيطان يجـري في مجاري الدم من ذواتهم، ينكرونه مشـهودا لهم في أحاسـيسـهم إن تبصروا وإن أدركوا. وإنه لممتزج بهم في هويات أنفسـهم.
ليس هناك شـيطان يوهم. وليس هناك إبليس يوصف. وليس هناك رحمن يعـرف. وليس هناك إلـه يغيب. وليس هناك رب غافل. وليس هناك حكيم يسـتغفل. وليس هناك قادرٌ يسـتضعف. إنمـا هي قضايا أنفسـكم في أنفسـكم لأنفسـكم. فارجعوا البصر إلى أنفسـكم متأملين، وتذاكروا اللـه في أنفسـكم مكبرين، حتى يسـتقيم لكم في اللـه دين، وحتى يرفع ويوضع عنكم في اللـه وزر، ويسـتقيم لكم فيه أمر، يتهيأ لكم به مسـتقبل فيه نصيب من حيـاة وأجر من جزاء. وإن اللـه لغفور وإنه فعـلا لغافر.
فلا تتخيلوا الدين خيالا {وإنه لحق مثل ما أنكم تنطقون}[١٢]، ومثلما أنكم توجدون، ومثلما أنكم تدبرون، ومثلما أنكم تأكلون، ومثلما أنكم تتناكحون. ففي كل فعل من أفعالكم للـه فيه لكم آية، وله منه فيكم بكم غاية، منتهية إلى إقامة حق مذهبة لباطل. ولكن ما يسـعد به الإنسـان هو اسـتعجال الخير لنفسـه بالاسـتقامة على أمر اللـه، وعلى مأمور من دينه وشـريعته، وعلى منهج له مسـتقيم، يدركه ميسـرا عذبا سـهلا قريبا غير ممتنع. فــ (المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل)[١٣]. والمرء إن لم يبدأ بنفسـه فلا خير فيه لغيره. وإن الضال في قوله وفعله ما هو إلا مضل. وإن المهدي في قوله وفعله ما هو إلا الهادي. فتهادوا بينكم بتواصي أنفسـكم وعقولكم بالقيام في الحق، على ما رسـمته لكم شـريعة، وعلى ما قومته لكم طريقة، وعلى ما أظهر اللـه بينكم من سـبق، من مسـتقيمين لخلقه أبناء لعباده، أو أبناء لعبده ووجوها لحقيقة، أو وجوها لحقائق من حقائق اللـه على تكاثرها، ومن وجوه لوصلة بحقه الغيبي على انفراده، قام فيه أئمة من بينكم ورجال من بينكم هدوا بهدي رسـول اللـه. وقاموا فيما قـام فيه رسـول اللـه. وحققوا لأنفسـهم كلا أو بعضا مما حقق اللـه لرسـول اللـه. وانتفع قوم معهم بما انتفع به صحبة من أصحاب رسـول اللـه. كل وفق همته ووفق عطائـه. فلا تواكلوا فإن اللـه لا يحب المتواكلين. ولكن اعملـوا وتوكلـوا، ولا تهنوا ولا تضعفوا. ولكن اعملوا وإلى اللـه أنيبوا فإن اللـه يحب المنيبين، ولكنه لا يحب الخاملين، ولا يحب المتجبرين، ولا المسـتضعفين. وإن التجبر ليس معناه الغلبة والفتوة ولكن طغيان النفس على صاحبها، والاسـتضعاف إنما هو ضعف الإنسـان أمام نفسـه، وأمام شـهواته. وإن القوة والفـتوة إنما هي في اسـتقامة الإنسـان على أمر اللـه. {خذ الكتاب بقوة}[١٤]، والآخذ كتابه بيمينه والآخذ مسـلكه باجتهاده منيبا إلى اللـه، مسـتعينا باللـه، متوكلا على اللـه، مسـتمدا من اللـه، مؤمنا باللـه، هو من أهل الفلاح. فإن اللـه قريب ما قاربتموه. وإن اللـه بعيد ما باعدتموه، فقربوه بسـؤالكم، وقربوه بتوكلكم، وقربوه بإيمانكم، واسـألوه يعطيكم.
الحمد للـه الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللـه. اللـهم اجعل منا مفاتيح للخير مغاليق للشـر، ولا تجعل منا مفاتيح للشـر مغاليق للخير. اللـهم ألف بين قلوبنا. اللـهم أعلِ كلمة الحق منك فينا لنا. وأعلِ كلمة الحق في خلقك بيننا. واجمع قلوبنا ووحد بيننا. واجعل منا عبدا واحدا فيك. اللـهم أعلِ به كلمتك. وانشـر وحقق لمحمد به في أمته سـنتك. وحقق في الناس منك للناس بهذا الجمع غايته من رحمتك. وأنزل اللـهم على قلوبنا سـكينتك. واجعل منا لمحمد منك سـكنا له من سـكينتك. إنك أنت القريب المجـيب، وأنت الرقيب الشـهيد، وأنت الواحـد والوحيد.
اللـهم كن لنـا في الكبيـر والصغير من شـأننا. اللـهم خذ بيدنا. اللـهم أنر الطريق أمامنا. اللـهم ثبت على الحق أقدامنا. اللـهم إنـك أنت السـلام فارزقنـا السـلام، وجنبنا الفرقـة والخصـام. وسـلمنا واجعلنـا معك في سـلام، ومع خلقك في وئام، ومع أنفسـنا في احتكام، وارزق الناس منك السـكينة والسـلام، وارزق الأرض منك الأمن والسـلام، وجنبنا الفرقة والخصام. اللـهـــــــم إنك أنت السـميع المجيب.
أضواء على الطريق
(ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتـى أحبـه فإذا أحببتـه كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها…)[١٥]. (ما ظهرت في شـيء مثل ظهوري في الإنسـان)[١٦](حديث الحال عن معنى اللـه)
مصادر التوثيق والتحقيق
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الجن - ٣ ↩︎
سورة غافر - ٧٨ ↩︎
سورة البروج - ١٢ ↩︎
سورة يونس - ١٩ ↩︎
سورة يونس- ١٠٢ ↩︎
سورة الشعراء - ٢١٩:٢١٨ ↩︎
سورة الإسراء - ٧٩ ↩︎
إشارة إلى الآية: “النَّاسُ يُغْشَى عَلَيْهِمْ مِنْ خَوْفٍ وَانْتِظَارِ مَا يَأْتِي عَلَى الْمَسْكُونَةِ، لِأَنَّ قُوَّاتِ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ. وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابَةٍ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ.” لوقا ٢١:٢٦-٢٧ ↩︎
سورة الزخرف - ٦١ ↩︎
سورة الأعراف - ١٨٧ ↩︎
سورة الذاريات-٢٣ ↩︎
حديث شريف: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎
سورة مريم -١٢ ↩︎
حديث قدسي: “إنَّ اللَّهَ قالَ: مَن عادَى لي ولِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ.” أخرجه البخاري ↩︎
مقولة صوفية. ↩︎