(٩)
الإنسان وموائده
محمد وموالده
حديث الجمعة
١١ ربيع الأول ١٣٨٠ هـ - ٢ سبتمبر ١٩٦٠ م
ســــبحان اللـه!
سـبحان اللـه المنزه عن الحصـر والعــد!
سـبحان اللـه المنزه عن القديـم والجَــدّ!
سـبحان اللـه المنزه عن الأولية والآخريـة!
سـبحان اللـه المنزه عن القبليـة والبعديـة!
سـبحان اللـه المنزه عن الشــهادة والغيب!
سـبحان اللـه المنزه عن الإحـاطة والقيـد!
سـبحان اللـه المنزه عن القرب والبعـــد!
سـبحان اللـه المنزه عن الغيــر والعيــن!
سـبحان اللـه المنزه عن العلــم والجهــل!
سـبحان اللـه المعروف بلا كتــاب ولا نبـي!
سـبحان اللـه المنزه عن الوصف، الموصوف عند أهل محبته بأهل محبته!
سـبحان اللـه المنزه عند أهل قربه عن قربه!
سـبحان اللـه! سـبحان اللـه! سـبحان اللـه!
نعبده لما هو له أهل، ونطلبه بما هو له أهل، ونسـتغفره بما نحن له أهل. لا إلـه إلا اللـه، ولا موجود بحق إلا إياه. له المـلك ولـه الحمد، وهو على كل شـيء قديـر، وبكل ثنـاء جدير. لا يُوفيه حقه من ثناء إلا ما وصف به نفسـه، وأظهر به أمره. لا إلـه إلا هو. لا نعبد ســواه. ولا نلجأ ونرجو إلا إياه.
عبـاد اللـه! اجعلوا لكم من كل يوم تمرون به حصيلة من عبرة، ما جعلتم لكم في هذا اليوم من كل ذكر فكرة. ها أنتم في مثل هذا اليوم من كل عـام تذكرون مولد جهاز لرسـالة بتبليغ من رسـالات رسـول اللـه، على ما عُرف بينكم، وقيده ظنكم في اسـم وذات بمحمد. فأنتم إذ تحتفلون اليوم بهذه الذكرى لمولد إناء لبلاغ بكتاب من كتب المحيط بكم، حَمَله مُبلِّغ، على سـنن من سـبق في رسـالة اللـه التي لا نعرف لها بداية، والتي نعلم أو نقول إننا نعلم أنها تقـوم بلا نهاية. وكيف يكون لها نهاية ولم يتم لها بعد على الأرض غايـة؟!
إن آدم البلاغ وآدم الدين… إن آدم العلم وآدم اليقين… إن آدم الإنذار وآدم الحسـاب… إن آدم البيـان وآدم الخطاب، كلهم عبد في عباد الرحمن. عبد في عباد الديان. يظهرهم اللـه على هذه الأرض ومن هذه البشـرية، - ما كانت على الأرض بشـرية وما سـتبقى عليها بشـرية - باصطفائه ورحمته وعدله. بقيام عبد له من عباد. في دورة للرشـاد تنتظم بها حركة وقانون الطبيعة.
فإذا ما اصطفى من بين الناس رجلا من أنفسـهم يعلمهم الكتـاب والحكمة ويطهرهم ويزكيهم فقد تواجد لهم بينهم آدم بيـان وآدم عرفـان وآدم رحمـة وآدم إنـذار. فإذا ما دارت دورة الناس بدورة الأيام بين النور والظلام، وبدورة الفصول الكبرى بين اليأس والابتسـام، وبدورة الأرض في فطرتها، وبدورة الشـمس في جذوتـها، فاصطفى اللـه من بين النـاس من يقيم عدلـه وقد تعرضت للاختلاج موازينه بطغيـان النفوس على النفوس، فاصطفى من أنفسـهم لهم آدما يقيم بينهم عدله، ويُقـوِّم فيهم أمرهم أمـره، فهذا آدم الحسـاب، هذا علم السـاعة، هذا آدم الملك رفيــع الدرجات، {فريق في الجنة وفريـق في السـعير}[١].
هذا قانون من قوانين اللـه أقام به سـليمان يوما عبد عدل ومظهر إحسـان على عالم الجان. وأقام به عيسـى عبد رحمة ومظهر سـلام وبيـان على عالم الإنسـان. فجاء من نحتفل بمولده جماعا للعبدين وقبلهما، وقياما للأمرين وبعدهما لأن اللـه جمع فيه زمانا، وزمانا، وأزمانا، وجمع في عصره جنود حق وعسـكر بهتان. فبعثه بمولـده رسـول رحمـة، وسـيف عدل، ولسـان صدق، وسـفينة أمان.
فكان بهذا اليوم الذي نحتفل به مسلمين، ويحتفل به أدعياء الانتسـاب إليه ممن يسـمون أنفسـهم بالمسـلمين وما له أسـلموا وما بربه آمنوا. كان بهذا اليوم ذكرى بعث محمد من محمدين من الغيب إلى الشـهادة، وليد الطهارة في الناس… وليد الحـق في النـاس… وليد الـروح للنـاس… وليد النـور للنـاس… من أبويه كريمين، وأبويهما من أبويهما كريمين، وأبويهما إلى ظهر آدم وبطن حواء… حتى كان خلاصة من الناس، فكان في مولده رحمة من اللـه بالناس. وكان في مولده شـمول رحمـة اللـه للنـاس. (زويت لي الأرض)[٢] (وجعلت له الأرض مسـجدا وطهورا)[٣].
عرف اللـه في نفسـه كما عرف نفسـه في الناس، فعرف اللـه في الناس من نفسـه، وعرف اللـه في نفسـه من الناس. فكان حيَّهم بموتهم…كان نائمهم بموته فيهم. وكان موعدهم بكتابه. وكان قائمهم بثوابه. العبودية له لربه فرض من اللـه عليه يقوم فيه في نفسـه وفي الناس، لا يتخلف عن أدائه بكرة وعشـيا. فهو عبد اللـه في النور، وهو عبد اللـه في الظلام. هو عبد اللـه في النوم وهو عبد اللـه في القيـام. هو الناس في افتقارهم إلى رب الناس، وهو الناس يأويهم الغني الحميد.
هذا فرضُه في دينه فرضه اللـه عليه، وفرضه هو على نفسـه من قبل ومن بعد. حيا مسـكينا، ونام مسـكينا، وبعث مسـكينـا، وحشـر مسـكينا، وقام على الحوض مسـكينا، وقام بين يدي ربه مسـكينا، وقام بين الناس مسـكينا، وقام على الناس مسـكينا، قياما بفرض اللـه عليه وبفرض نفسـه على نفسـه عبدا للـه.
تنفل لربه فكانت نافلته الربوبية على الناس، تهجد من الليل نافلـة له من مظلم النفوس، وبعث على الناس في المقام المحمود، فكان لهم الحق المشـهود والرب الموجود والغيب المقصود.
رسـول اللـه! حق اللـه! وصف اللـه! إنسـان اللـه! وجه اللـه! كتاب اللـه! كلام اللـه! نور اللـه! وحدانية اللـه! صمدانية اللـه! ما ظهر رسـول اللـه وعبـد اللـه بذلك لنافلة من الليل في نفس يتهجد بها، إلا كان صـاحب حظ عظيم، إلا كان الإنسـان يطلب اللـه في نفسـه على ما علمـه. يطلب الرب في حسـه على ما كلمه. يعرف الغيب في عجزه على ما أفهمه.
اتخذ اللـه ورسـوله هواه، ورجاء معناه، وآمن بقرب الإله، وبقرب رحمة رسـول اللـه، فكان بنفسـه ثالثهما. وكان الغيب كله وكلهما. اللـه ورسـوله في وحدانيته - ربـا أو رسـولا - وهو معهما في وحدانيته -عبدهما وعينهما - يدعو إلى الحضرتين بالحضرتين، ويرجو الحضرتين بالحضرتين. يشـهد أيهما بالأخـرى ويُشـهد بأيهما وبهما لمن طلب اللـه معه. سَـمِعه فأسـمعه، وشَـهِده فأشـهده، وطلبه فوجده. وفتح له مغلق النفوس فيها أوجده.
كل هذا جاء به من نذكر في مولده، وليدا في إناء بلاغه. وما عرفنا له بلاغ! وما أحسـنا له اسـتماع! فقد ولد محمد في آدم الذي نذكر، وما ذكرنا آدم إلا ذكرناه -كما ولد في مولد كل إناء في كلمة من آدم - إذا عرفناه - وأنه بعد تمام بلاغه، وبعد بداية كماله وقيام اتباعه، كان رحمة للعالمين وأسـوة للناس أجمعين. فتهيأت الأسـباب له، وتهيأت الأسـباب للناس به أن يولد في موالدهم - ما اسـتقامت أمورهم، وأمور آبائهم من قبلهم - وتهيأت أسـباب الرحمة لهم ولأبنائهم من بعدهم.
إذا أحسـن الناس فهم الإيمان بمحمد، لاحتفلوا بمولده في موالدهم وموالد آبائهم وأبنائهم. إنه الوليد في موالد آبائـهم ما اعتقدوه، والوليد في موالد أبنائهم ما طلبوه، والوليد في موالدهم ما أحبوه، فتجدَّدوه.
إن محمدا أسـوة للناس، ونورا شـاملا من اللـه إليهم. تواجد بينهم مبعوثا بنور اللـه يمشـي به في الناس، أخرجه من ظلمات النفس أسـوة لمتابعيه ومتابعيهم …ضالا فهدى، وعائلا فأغنى، ويتيما فآوى…
ما كان يتيما أووي في حقيقته - وهو رسـول اللـه ونوره - لا بدء للـه له في وجوده، ولا بدء لرسـالة اللـه في جوده، ولكنه وصف واتصف يتيما فأووي، وضـالا فهـدي، وفقيرا فأغني، حتى يكون للنـاس أسـوة بخليقته لخلائقهم ولما هم فيه من قطيعة تتهيأ لهم أسـباب الوصلة والاتصال، ولما هم فيه من ضلالة، تتهيأ لهم به أسـباب الهدى والعلم.
إن الذي نحتفل بمولده يولد في كل لمحة ونفس بين ظهراني الجنس في موالده من موالدهم، ويدخل في كل لمحة ونفس ظاهر الجنس ببعث الراحلين الصالحين من موتاهم. إنه شـقي الحياة ووحدتها. إنه جماع الناس، كما هو جماع الحياة. إنه صاحب هذه الدار ببعثه فيها من داره. وهو صاحب هذه الدار بما خَلَّف عليها من نفسـه من الحق وقد رجع إلى داره.
ليسـت هذه الدار داره ولكنها دار آدمها وذي قرنيها وعذرائها وزهرائها وروحها من قد سـها. إن لها نفسـها العـذراء في بدايتها فيها، ولها ذو قرنيها في عدلـها وجزائها لأهلها منها، ولها آدمها وعين معناها وقيامها محيطًا ببنيه راعيا لمراعيه غافرا لمجافيه.
إن الأرض في ذاتها وملحقاتها إنسـان للـه وكلمة للـه وشـجرة للـه لها فروعها، وأبنـاؤها في سـموات اللـه منها وعليها وقد أصبحت زهـراء باسـم اللـه عـذراء في قيـام اللـه آدم في قيـام نفسـها. زهـراء في قيـام فروعها باسـم اللـه. بيتا للـه ودارا للـه بوحدانيـة اللـه.
إن محمدا يوم قال (جعلت الأرض لي مسـجدا وطهورا)[٤]، ويوم قال (زويت لي الأرض وتبلغ أُمتي سيبلغ ما زوي لي منها)[٥] إنما كان يعرف ويبشـر الناس معنى ما قال لهم اللـه على لسـانه في بيانه {وما أرسـلناك إلا رحمة للعالمين}[٦] {الحمد للـه الذي أنزل على عبده الكتـاب}[٧] فكان محمد عبده. كان محمد عبده وكتابه وأم كتابه عنده. إمام مبين وكتاب مبين أسـوة للعالمين.
أدبه فأحسـن تأديبه، وقومه فقوم طريقه، وعرفه فحل عقدة من لسـانه وأظهر للناس بيانه.
هذا هو محمد الذي نحتفل اليوم بمولد جلبابه ولا نتعظ بدوام ثيابه، ولا نطلب بيننا جديد إهابه، ولا نطلب قيامنا له جلبابا، وفيه ثيابا.
محمد القلـوب. محمد العقـول. محمد النفوس. محمد الذوات. محمد القيام. محمد الغيب. محمد الفطرة. محمد الآيات. محمد الأوادم. محمد الكلمات.
أي محمد نعني؟ وبأي محمد نحتفل؟ … لو عرفناه لأمضينا الحيـاة في الاحتفال به. فهو الموجود المتـوالد مع الأنفاس. وهو الموجود المتطـور مع الإحسـاس. أي محمد نعرف؟ وبأي محمد نحتفل؟ عَرفه من بيننا من عَرف، وشَـرُفَ به مـن بيننا، من شَـرُفَ، فرسـالته لا تتعطل ورحمـة اللـه معه لا تتوقف. ولكنا نعيب على أنفسـنا، ونعيب على عقولنا، ونعيب على متوارثنا - وقد أرسـل كافة للناس - ألا ينتفع به سـائر الناس؟
إن فيه من الخير، وبين يديه من الحوض، ما يكفي لسـائر الناس - ريًّا وسُـقيًا - وما يكفي لتنوير الناس، إشـراقا ونورا. وما يكفي لإحياء الناس حقا وعدلا…
ولكن ذلك تعطل في الناس، من صنع الناس، وبصنع الناس، يريدون أن يطفئوا نور اللـه في سـرج قلوبهم، وفي مشـكاة صدورهم، بأفواههم، يخرجون أنفاسـهم عاطلة عن ذكره وذكر ربه، خالقين لأنفسـهم في ظلام من فعلهم. وهو الذي دعاهم لأن يتخلقوا بأخلاق اللـه، فيخلقون أنفسـهم بأسـماء اللـه، ويمحون ظلام وجودهم بذكر اللـه.
هذا هو دين محمد، أدان به الناس، كما رحم به الناس. رحـم به صاحب حـظ من سـعادة، وأدان صـاحب حظ من شـقوة.
نسـأل اللـه أن يجعلنا من أهل الحظوة بالحظوة به، وأن لا يجعلنا من أهل الشـقوة والحرمان بالحرمان منه.
لا إلـه إلا اللـه محمد رسـول اللـه.
أسـتغفر اللـه لي ولكم ولسـائر الناس، وأسـتهديه وأسـترحمه، وأسـأله أن يولي أمورنا خيارنا، وأن لا يولي أمورنا شـرارنا، وأن يعافينا من إقامة عدله، وأن يقيمنا في رحمتـه برحمتـه… لا إلـه غيره ولا معبود ســــــواه.
أضواء على الطريق
{ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}[٨](حديث الإحاطة)
(إذا سـمعتم من بين شـفتي الوسـيط الذي أتكلم من خلاله ما يثير منطقكم أو يتعارض مع حب الروح الأعظم، ما هو سـفه أو مهين لذكائكم فاعلموا وقتئذ أن يومي قد حان وأني قد فشـلت)
عن السـيد الروح المرشـد (سـلفربرش)
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الشورى - ٧ ↩︎
من الحديث الشريف: “إنَّ اللهَ زوَى لي الأرضَ فرأَيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها فإنَّ أُمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زوَى لي منها وأُعطِيتُ الكَنزَيْنِ: الأحمرَ والأبيضَ…” أخرجه مسلم في صحيحه. ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: "فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لِىَ الغَنائِمُ، وجُعِلَتْ لِىَ الأرضُ مَسْجِدًا وطَهورًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كَافَّةً، وخُتِمَ بي النبيُّونَ). سنن الترمذي، ومسلم باختلاف يسير. كما أخرج البخاري بعضا منه في أحاديث أخرى. ↩︎
حديث شريف: (فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لِىَ الغَنائِمُ، وجُعِلَتْ لِىَ الأرضُ مَسْجِدًا وطَهورًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كَافَّةً، وخُتِمَ بي النبيُّونَ). سنن الترمذي، ومسلم باختلاف يسير. كما أخرج البخاري بعضا منه في أحاديث أخرى. ↩︎
من حديث شريف: (إنَّ اللهَ زوَى لي الأرضَ فرأَيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها فإنَّ أُمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زوَى لي منها وأُعطِيتُ الكَنزَيْنِ: الأحمرَ والأبيضَ…) أخرجه مسلم في صحيحه. ↩︎
الأنبياء - ١٠٧ ↩︎
الكهف - ١ ↩︎
سورة آل عمران - ١٥٩ ↩︎