(٨)
محمد عبد الله ورسوله
إلى الناس وبين الناس
حديث الجمعة
٢٩ شعبان ١٣٧٩ هـ - ٢٦ فبراير ١٩٦٠ م
الحمد للـه المنفرد بالجدارة للحمد والأهل له. أحمده وأتوب إليه وأسـتغفره من وجودي ومن وهم وجود غيره. وأرجع إليه موجودا لا شـريك له واحدا لا تعدد معه، واحدا منفردا بأحديته، علمُه بنفسـه، وقيامُه لنفسـه، وحمده لنفسـه.
وأشـهد أن لا إلـه إلا هو، عليه يتوكل المتوكلون، وإليه يلجأ المفتقرون، وبه يغنى المسـتغنون، لا خير إلا عنده، ولا فضل إلا منـه، ولا قوة إلا به، لا قوة إلا قوته، ولا قدرة إلا قدرته. عز على المنال وعز على الزوال. عز على القرب عزته على البعد. تنزه عن الوصف له كما تنزه عن الجهل به معروفا لا يجحد وموجودا لا ينكر.
خَلْق اللـه… تجلياتِ اللـه… وجوهَ اللـه… ظهور اللـه… لا تتكبروا عن طلب اللـه، ولا تسـتعلوا على عبـادة اللـه، واعلموا لتكونوا عبـادا للـه.
إن العبودية للـه هي الصراط المسـتقيم بين الوجود والعدم… بين البيوت والدِّمَن. اطلبوا اللـه لتجدوه في أنفسـكم واطلبوا اللـه تُشـاد من قلوبكم بين جوانحكم بيوته، وترفع للحق بكم في الناس شـواهده وأعلامه وبنوده.
إنكم اليوم وفي هذا الشـهر من الزمان الذي جعل اللـه من منتصفه ليلة يفرق فيها بين أوله وآخره من تصاعد الناس في معايير الأهلة إلى بدور التمام، ومن تناقص الناس من أحسـن تقويـم من بدور التمام إلى أسـفل سـافلين من المحاق. وقد جعل هذا الشـهر فيصلا بين الثلاث الحرم. فكان فيصلا بين شـهر اللـه وشـهر الأمة. إنه شـهر الشـهيد المشـهود شـهر الرسـول الشـهيد على الشـهداء والمعقود له اللـواء على الأنبياء.
إن الذي كان بهذا الشـهر ما كان إلا برسـول اللـه. وإن ما كان بهذا الشـهر مع الأشـهر الحرم ما كان إلا لرسـول اللـه. وإن العـام الذي شـرفه شـعبان رسـول اللـه وقام به شـعبان لرسـول اللـه… إن العـام الذي عنونـه شـعبان إنما هو عـام مولـده. فكان عليه الصلاة والسـلام بمولده وبيوم مولده وبشـهر مولده وبسـنة مولده وبحياته من موالده فيصلا في الزمـان بين ما قبله وبين ما بعده. حجر زاوية، حجرا أسـعد لبيت من بيوت اللـه. مرفوع في قديم الإنسـان بإذن اللـه وموضوع في جديد الإنسـان بأمر اللـه ورحمة اللـه.
كان محمد هو البيت المرفوع في قديمه وهو البيت الموضوع في محدثه يتقلب في القلوب والقوالب. يشـعل جذوة النفوس، وينير كتـاب العقول، ويطلق سـجناء الأرواح، ويزكي مظلم الأشـباح فيحيي موات الأرض من الناس ويقوم عن اللـه بأمره يوم العرض للنـاس.
إن كل من في السـموات والأرض إلا آتيه عبدا هو وجه مولاه. شُـرف بالعبوديـة للـه وشُـرفت العبودية به. هو عبد الغيب وسـيد الشـهادة. هـو أمـر اللـه المشـهود، وهو وجـه اللـه المنظور، وهو أمر اللـه المطاع، وهو كلمة اللـه البالغة، وهو رحمة اللـه الوافية، وهو يد اللـه المخلصة، وهو عين اللـه المبصرة. إنه عبد اللـه الذي جعل منه كتابا مبينا أحصى فيه كل شـيء ورفعه إليه أم كتاب. ليس بينه وبينها حجاب.
هذا هو رسـول اللـه الذي تذكره ألسـنتنا وتغفل عن ذكره قلوبنا، ويقوم بالانتسـاب إليه ادعاؤنا، وتغيب عن الحياة به عقائدنا، ولا تقوم في معناه آمالنا في معانينا، ولا تسـتقيم في طاعته أوانينا لمبانينـا. نمنع عن مواعينه الامتـلاء بفيضه. ونمنـع عن عوالمنـا الاسـتمتاع بحرارة شمسـه تشـرق في عوالمنـا جذوة مقدسـة ومصدرا للحياة. لا ينكره الأحياء ويجهله الأموات من البعيدين عن الحياة.
خلق اللـه. آثار اللـه. دلالة اللـه على وجوده بوجودكم. لا توقفوا هذه الحياة تحيونها نياما، وتربحونها أمواتا، إن أدركتم أنكم لسـتم أحياء ولكن الحي القيوم هو الحي في حياتكم. فلا تزاحموه على الحياة بوهمها لكم بعيدة عنه.
إنه أمات وأحيا، وإنه يميت ويحيي. وإنه كما بدأ أول خلق معيده، وما قديمه في الواقع وفي الحق إلا جديده. فالإنسـان في أحسـن تقويم لا يغاير الإنسـان وإن كان أسـفل سـافلين. إن الإنسـان أسـفل سـافلين هو الإنسـان. وإن الإنسـان في أحسـن تقويم هو الإنسـان. وإن القائم على كل نفس هو القائم على الإنسـان في أحسـن تقويم وهو القائم على الإنسـان أسـفل سـافلين. وما عرف الإنسـان أسـفل سـافلين ربـا له إلا معنـاه في أعلى علييـن. وما عـرف ربـه في حقيقة الغيب إلا الإنسـان بقيـام أعلى. وما زال ينشـده في أحسـن تقويم. وما أنكـر الإنسـان في أحسـن تقـويم على نفسـه عبوديته. وما أنكر على إنسـانه من نفسـه إذ يتواجد أسـفل سـافلين سـيادته. ألم يقبل من الحـق أنه قائم على كل نفس بما كسـبت، وأنـه من وراء كل نفس محيط، وأنـه أقـرب إلى كل نفس من حبل الوريد، وأنـه مع كل نفس أينما وجدت؟ إن طواها الثرى فهو معها، وإن تفتحت لها أبواب السـموات فهـو معها، وإن دبت على الأرض فهـو معها، وإن غفلت عنه هو معها، وإن تنبهت إليه هو معها.
إنه معية الأشـياء بالحياة أيا ما كانت الأشـياء. وإنه معية الإنسـان الذي جعله به معية كل شـيء في أي صورة ما شـاء ركبـه.
دنا بتدانيه وتعالى بتعاليه. تعالى الإنسـان عن الوصف فتعالى إلهه عن الوصف. وتدانى الإنسـان عن الغيب فتدانى إلهه عن الغيب.
ما عرف الإنسـان عن اللـه إلا ما أحاط به من العلم عن نفسـه مما علَّمه اللـه. وما علم الإنسـان عن اللـه أعظم وأفضل وأعمق وأكبر من أن العلم عن اللـه لا يتناهى، وأن الإنسـان هو علمـه عن اللـه، وأنه ما دام العلم عن اللـه لا يتناهى فعلمه عن اللـه لا يتناهى، وما دام هو علمه عن اللـه الذي لا يتنـاهى فإن رقيه في اللـه لا يتنـاهى، وأن وجـوده في اللـه لا يتنـاهى، وأن اللـه مَانٌّ متفضل لا بائع متبادل يبيع ويشـتري، ولكنه صاحب الفضل والمِنَّة. وهو البائع وهو المشـتري. فالعبد والرب، والرب والعبد إنما هما حقيقتان وأمران في الإنسـان، يقوم بهما كل إنسـان ويحيا بهما من الإنسـان كل كيان.
(وإن الإنسان بأصغريه قلبه ولسانه)[١]. ما حيا قلبه اسـتقام لسـانه وكان كلامه كـلام اللـه. وما تهذب لسـانه بما علم إلا حيا قلبه بما بذل وأعلم وعلم، فاسـتقام قلبه مع اسـتقامة لسـانه، كما اسـتقام لسـانه مع اسـتقامة قلبه. وما اسـتقامة اللسـان إلا علم الشـرائع، وما اسـتقامة القلب إلا علم الحقائق. ولا يسـتقيم علم الحقائق إلا على أسـاس اسـتقامة علوم الشـرائع. كما أنه لا تحيا علوم الشـرائع ولا يسـتقيم في الناس أمرها ما لم تكن القلوب مصدرها.
إن محمدا رسـول اللـه… إن محمدا عبد اللـه… إن محمدا وجه اللـه… إن محمدا وحدانية اللـه… إن محمدا طلعة الحـق من اللـه… إن محمدا صفوة الإنسـان في اللـه… إن محمدا حوض الحياة من الحي القيوم… وإن محمدا هو كتاب المجهول والمعلوم، والكتاب المبين والمرقوم، وكتاب المحرم والمباح…
إن محمـدا إنسـان اللـه، وآدم اللـه، وعبد اللـه، ورسـول اللـه، وروح قدس اللـه، وعين ملكوت اللـه. إنه كبير الوجود في حقيقته في مظهره من صغيره، وصغير الوجود في جوهره من كبيره. إن محمدا البشـر شـرف البشـرية، وإن محمدا الإنسـان شـرف الإنسـانية. وإن محمدا الرسـول شـرف الرسـالة. وإن محمدا الحي أسـعد الحياة…
إن محمدا المرتقى فتح أبواب الرقي للناس كافة. وإن محمدا الحـق من اللـه فتـح أبواب التحقق به للناس كافـة ليكونوا حقًا من اللـه.
هل شـهد الناس حقا أن محمدا رسـول اللـه؟ واللـه ما شـهدوه وإن كانوا بأعينهم نظروه! ولو شـهدوه لكان لبيوتهم بصائر ولشـقت عن أنفسـهم سـرائر، وما تعرضت ذواتهم لاسـتهلاك الأرض بل دخلوها أحياء. وما تعرضت معانيهم ليوم العرض، وقد تحقق لهم بصحبته الرجاء.
إن محمدا بذاته وبصفاته وبمعناه وببيته الموضوع علما على بيته المرفوع. وإن محمدا بخلقه بين الخلائق علما على حقه بين الحقائق. معرفته دين… ومحبته يقين… والتفكر فيه قبلة… والاتصال به حـج، والبحث عنه سـعي، والالتقاء بأثـر من أثـره صفاء وري. إنه الحيـاة، وإنه الوجود، وإنه السـعادة، وإنه القرب في القرب منه، وإنه البعد في البعد عنه.
شـرف البشـرية وحققها وشـرف العبودية وأعلى مقدارها ومقامها. أسـقط الحجب بين العبد وربه، ونفخ في أسـوار القطيعـة فتسـاقطت الحجب بين العبد وربه بموجوده في الناس عبدا لربه فعكس بصره في بصيرته فرآه. وعرفه فوحده فغاب عن معناه ومات عن مبناه وقام في الناس بلا إلـه إلا اللـه. (والذي نفس محمد بيده)[٢] هكـذا أعلمه. (من رآني فقد رآني حقا)[٣]. هكذا أشـهده {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد}[٤]… إنه المخلص، به يتخلص المحب… {كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم}[٥]، جعلهم الطلقاء وإن أسـاءوا، وجعلهم القريبين وإن باعدوا، وجعلهم المهتدين وإن ضلوا. إنه الصلاة الوسـطى… إنـه الوسـيلة العظمى… إنه الحق للنـاس… أمة مذنبة ورب غفور.
فسـبحان اللـه وتعالى اللـه عما يصفون!
إن الإنسـان من الرحمن عبده. وهو منه قاب قوسـين أو أدنى. فلِمَ تباعدون بينكم وبين اللـه في مباعدتكم بينكم وبين رسـوله؟ إنكم تبحثون عن الحقيقة مسـتعلين عليها. ترون أن تذهبوا إلى ما قبلها من تواجد، ووجودها قديم أزلي. فكيف تصلون إلى هذا المعنى وأنتم فيه؟ فأنتم ما قبل الحياة والعدم وتريدون أن تعمقوا إلى ما بعد التواجد، فتحيطون بالقيامة، وتحيطون بالندامة والسـلامة، وتحيطون بالثواب والعقاب، وتحيطون بالمعصية والطاعة، وتحيطون بالأجر والثواب، وتحيطون بالحرمان والحسـاب. وسـواء كان الذي تطلبون من قديم أزلي، أو الذي تطلـبون من قادم باق أبدي، فإن هذا الذي تطلبـون من هذا الشـق أو ذاك إنما أنتم فيه. فكيف تتعارفون إليه وأنتم تتجاهلونه مع أنكم فيه، وهو القائـم فيكم وأنتم قيام به فيكم تعرفونه، إذا لم تتجردوا من أنفسـكم إلى القائم عليها من الحق! رجل يمسـك بولده،كما تضربون الأمثال ثم يمشـي في الطرقات يسـأل الناس عنه. كيف يدلـه الناس عليه؟ تريدون أن تعرفوا النار، وأنتم من أهلها، وأنتم في أول دورها، وأنتم فيها قيام! إنكم سـتعرفونها، يوم تبرز لكم في قيامكم، فلا تسـتطيعون منها مخرجا. وتطلبون الجنة وأنتم فيها قيام هو قيامكم إنها جنة تواجدكم {عرضها السـموات والأرض}[٦] شـملت أرضكم، وأرض قيامكم، وأرض ذواتكم. تسـتكبرون على المعرفـة تقدم لـكم وتزعمون العلـم بما يقـوم في أوهـامكم.
إن الجنة جنتان من جنة قيامكم مرتبطين باللـه إلى جنة تحرركم من أثقالكم وظلمات أنفسـكم حقائق اللـه. جنة بعد جنة. لا تنتهي جنانه ولا تغيب. ونارا بعد نار أنتم فيها تصلونها. إنها داركم هذه التي كلما نضجت جلودكم فيها بدلتم جلودا غيرها بتجديد أنسـجتكم، وتجديد دمائكم، وتجديد أعصابكم، وتجديد ذواتكم في قانون الحياة الذي تقومون فيه، وبتجديد جلابيبكم بمعاني الموت والمولد، كلما نضجت جلودكم بدلتم فيها غيرها، وإنكم فيها قيام، ولسـتم بالحق فيها قيام لأنه لم يكشـف عنكم حجـابكم، ولم يكشـف عنكم غطاؤكم، إذ لو سـبق لكم أن متم في سـابق وجودكم لكشـف لكم اليوم الحجاب وكشـف عنكم الغطاء، فما كنتم في حاجة إلا إلى الموتة الأولى، ولكنكم لا تريدون الموت في اللـه مع الموتى فتبعثون. وطريق الموت عن أنفسـكم تجافون وعلى هذه الأرض مرحا تمشـون. وإذا خاطبكم عباد الرحمن، بالرجم والهجو تقابلون، وبالتكذيب وبالمخاصمة تظاهرون، وأصابعكم في آذان قلوبكم حذر موت نفوسـكم تضعون. وأنتم كذلك تفعلون وما تشـعرون. فأنتم لا تموتون عن أنفسـكم ولا تحيون، فلا تشـهدون حقيقة الحياة من حياة اللـه الحي القيوم في قيام حياتكم تقومون. إذًا أنتم في حاجة إلى مولد ومولد ومولد، وموت وموت وموت حتى تصلوا النار الكبرى التي تحذرون يوم تبرز لكم ويكشـف عنكم الغطاء وأنتم فيها فلا تخرجون، ومن الموت تحرمون، إنكم الماكثون إذ تبعثون على ما ترضون.
إن اللـه يحجب عليكم اليوم أمركم وحجابه من رحمته. إن اللـه يبين لكم وقد أعطاكم خلق أنفسـكم، وتفضل فأعطاكم عقولا تسـتجيب لهديه. كما أعطاكم نفوسـا تحس برحمته. فهل اسـتعملتم نفوسـكم في الاحسـاس برحمته أو اسـتعملتم عقولكم للاسـتجابة لأمره؟ وهل هيأتم لقلوبكم أن تحيا بحياته وهو الحي القيوم القائم على كل نفس بما كسـبت، وكل نفس فيه وهي بما كسـبت رهينة؟ وأن مضغة القلب غير المخلقة إنما تتخلق من أعمالكم كتابا جديدا لقيام جديد وأثر من قيامكم؟ وأن قيامكم الذي تقومونه ما هو إلا أثر لقيام سـابق لكم أنتم اليوم بعثه ومظهره؟ وأن قيامكم الآتي ليس إلا أثرا من آثار قيامكم الحاضر أنتم جوهره؟ فهـلا كتبتم كتـاب حياتكم القادمـة بيقظة في اللـه وبحيـاة به في حـاضر حيـاتكم؟
إنكم يسـتهويكم أن تسـتمعوا إلى كـلام من المأثور يردد بينكم فتسـتريحون له بلا وعي وبلا فهم. فإذا قلنا لكم {نون والقـلم وما يسـطرون}[٧] أعجب آذانكم القول. وإذا قلنا لكم إنكم هذه النـون على ما يعني المتكلم، وأنكم أنتم أقلام القدرة تسـطرون كتاب حيـواتكم القادمة بأقـلام قدرته في ذواتكم القادرة به، لما اسـتجبتم لهذا الوعـي، وكان هذا غريبا على قلوبكم، غريبا على عقولكم، وشـاقا على أنفسـكم، وإنه للحق، وإنه لقول الحـق، وإنه من الحـق.
فهل اسـتجبتم له ثم لم تشـهدوا صـدق ما قال القائلون وما نقول؟ هل اسـتجبتم لهذا الحق الصراح فتحجبت صحائف مسـتقبلكم وهي تكتب في رقائق كتابكم من قلوبكم؟ أمرا تشـهدونه وتعلمونه على ما تقولون، وعلى ما تنطقون، وعلى ما تفعلون، وعلى ما تأكلون، وأنتم تتلون الكتاب، وتذكرون بالصـلاة الحجاب.
إن الدين لواقع. وإن الدين ليقين. إن الذي أوحى إلى النحل أيمنع الوحي عنكم؟ إن الذي أنطق النمل بالمعرفة عنه أيمنع البشـر وهو أشـرف ما خلق من أن ينطق باسـمه، وأن يَعلم ويُعلم بعلمه، وأن يقوم بقيامه؟
سـبحان اللـه. أالذى خلق محمدا أسـوة للكافة عجز أن يملأ الأرض محمدا؟ أالذى أوجد عيسـى مثلا هل يمتنع عليه أن يملأ سـمواته وأرضه بعيسـى روحا وبشـرا؟ ما هذا الجمود في العقل، أجلمود هو؟ لا أقول العقل بل أقـول ما هذا الجهل والجمود! إن الذي أعطى محمدا الكوثر وجعل شـانئه ومخاصمه هو الأبتر، هل تكلم معكم بغير لغة مولدكم؟ إن الذي جعل خصمه أبترا، هو الذي جعله كوثرا، هل هذا أمر كثير الإعجام؟! الذي جعل محمدا كوثرا. إن الذي جعل في إبراهيم الكتاب والنبوة، هو الذي نفى عن محمد أن يكون أبترا.
إن الذي أعطاه التكاثر… إن الذي علمه أن يحرص على أجسـاده تتناثر… إن الذي علمه وأمره أن يجعل من أجسـاده مطية للناس وهو مكاثرها ومكثرها، وعلمه أن يجعل من هذا التكاثر من معناه ضحية لذكـر اللـه ضحية لأمر اللـه يقومها على مذبح القرب له قرابين تذبحها أيدي الأثمة والكفرة والمشـركين والجاحدين حتى ترتوي نفوسـهم من دمـاء أهله، ومن دماء بيته، ومن دماء ذاته، ومن دماء نفسـه، ومن دماء قلبه إلى أن تسـتيقظ عقولهم إلى هذا الظلم الصـادر عن أنفسـهم بأنفسـهم فيذهبون إلى حيطان المبكى من جدران بيت مكة يقفون ببابـه يبكون ويتباكون، قديم جحود للآباء يذكرون، وحاضر غفلة من أنفسـهم ينعون، فيبكون لربهم عند باب بيته أو يتباكون، فتسـتيقظ عقولهم ونفوسـهم مما كانوا هم وآباؤهم يفعلون بأهله، فإلى رسـول اللـه في أنفسـهم يرجعون، وإلى بيت رسـول اللـه فيهم يكبرون، ذكرا للـه في ذكرهم يذكرون، وطلبا للـه في طلبهم يطلبون، فيهيئ لهم أسـباب بيت يوضع على ما هيأ من قديم لبيوت ترفع في نظام اللـه المسـتديم، فيعرفون الجديد والعتيق والقديم، ويعرفـون القبلة والبيت، ويعرفون الظاهر والغيب، ويعرفون الخطأ والصواب، ويعرفون الباب والأبواب، إنها إنما صدرت عن بـاب، وأن باب اللـه من أبواب اللـه لا يغيب، وأن عبـاد اللـه في أرض اللـه لا تنقطع، وأن ذكر اللـه عن اللـه مذكورا لطالب لا يختفي، ونوره عن هذا الكون لا ينتفي ولا ينطفي.
إن محمدا أتى بذلك كله وبأكثر منه، جماع ما أتى بـه النبيون، وجماع ما وصل به المقربون، وجماع ما تعارف به المتعارفون من قبله من الحكماء أسـاسـا للنبيين من بعده في العلماء، وأسـاسـا للأبواب من بعده في المقربين والقرباء، وأسـاسـا لبيوت اللـه من بعده في المستشـهدين والشـهداء، وأسـاسـا لكتـاب اللـه بل وكتب اللـه من بعـده في المعلمين والعلماء.
إن محمدا كان فيصل الزمان، وإن محمدا بذاته كان فيصل ذوات من قبل ذاته لذوات من بعد ذاته، كما كان فيصل مكان بين الشـرق يشـرق بنور اللـه وبين الغرب تغرب عنه شـمس اللـه.
إنه دورة الزمان… إنه دورة الإنسـان… إنه دورة البيان… إنه دورة آدم… إنه دورة الوجود… إنه دورة الشـهود… إنه العبد ووجه المعبود…
أين هو محمد في عقائد أمته؟ أين هو محمد في معارف أمته؟ أين هو محمد في مراسـم أمته؟ ألم يقل في حياة حمله لبلاغه (إن الزمان اسـتدار على هيئته كيوم خلق الله السـموات والأرض)[٨]؟ إن خلق اللـه للسـموات والأرض إنما هو دورة واحدة لكون واحــــد لإنسـان واحد لعبد واحد لحق واحد لآدم واحد، في عوالم من مثاله.
{أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم [؟!] بلى وهو الخلاق العليم}[٩] هو الذي يخلق الخلق على ما بدأه {أمن يبدأ الخلق ثم يعيده}[١٠]، وخلقنا السـماء بأيد وإنا لموسـعون.
إن دائرة علمنا، ودائرة غيبنا، ودائرة قدسـنا، ودائرة حجمنا، لا تخرج عن دائرة حق واحد له ملكوت السـموات والأرض، وما هذا الحـق الواحد صاحب ملكوت هذه السـموات والأرض إلا عبد واحد للـه في عالم من عبـاد للـه على مثاله، بلا عدٍّ يدركه عقل أو تقديرٍ يحصره حد. ما قدرتم اللـه حق قدره. كيف تتكلمون عن اللـه وأنتم لا تعرفونه أو عن الرحمن وأنتم لا تصلونه؟ وقد أمركم أن لا تتعالموا، وأن لا تتحدثوا عن الرحمن قبل أن تلجأوا لخبير به هم عباد الرحمن بينكم يمشـون على الأرض هونا، وهم أهل العلم والمعرفة به إذا خاطبهم الجاهلون والصادون عن السـبيل قالوا سـلاما، وعكفوا على أنفسـهم يبيتون لربهم ركعا وقياما. للـه سـجودهم، وباللـه قيامهم، ومع اللـه في الناس سـلامهم، هم خبراء بربهم يتكلمون به ويعرفون عنه، ويولجون الناس بابه.
فهل أدار الناس نشـاطهم واجتماعهم على اللـه فتواصوا بالحـق، وتواصوا بالصبر؟ هل كان اللـه نجواهم في سـرهم وجهـرهم؟ هل كان اللـه ما يعنون في همهم وسـعيهم؟ هل كان اللـه مرادهم في علمهم وجهلهم؟
إن الناس باعدوا بينهم وبين اللـه بمباعدتهم بين معانيهم ومعناه، وبين قيامهم وقيامه، وبين همهم ورحمته. {يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسـول إلا كانوا به يسـتهزئون}[١١] {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا اسـتمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم}[١٢].
فهل أدرك الناس والرسـالة تترى؟ هل اسـتيقظ الناس والآيات والعبر كثرى؟
إن الذي تسـمعون هنا إنما هو غذاء لذواتكم إذا عرضتموها لشـمس الحياة، وإنه لغذاء لنفوسـكم إذا ما جاهدتموها على شـهواتـها حتى تحترق فتشـتعل بجذوة الحياة، وإنما هو غذاء لعقولكم حتى يشـرق فيها مصباح نور اللـه فتعلمون أن اللـه نـور السـموات والأرض وما السـموات إلا غيبكم وما الأرض إلا ذواتكم، وتعلمون أن هذه الرسـالة الروحية هي يد اللـه تمتد إلى قلوبـكم تصفيها وتنقيها وتخلقها خلقا من بعد خلـق من آخر مضغة غير مخلقة، تتخلق باللـه فتكون لها سـميعة وبصيرة ووعي به تبصرون، وبه تسـمعون، وبه تفكرون. ألم يقل لكم اللـه لهم قلوب ولكن لا يفقهون بها؟ لا يبصرون بها لا يسـمعون بها؟ إنـها لم تخلق، إنها مضغة غفل لا يريد حاملوها أن يعرضـوها للتخلق، إنها تعجز أن تتخلق منكم وأنتم تحيطون بها بذواتـكم المخلقة ولا تريدون أن تطبعوها على هذه الذوات فتتخلق، تتخلق بانطباعها بصبغة وجوهكم حية مبصرة مدركة لها ما في رؤوسـكم مـن حواس، لأنكم لا تريدون أن تعرفوا أن هذه الرؤوس التي تحملها أكتافكم وتربطها بكم أعناقكم كانت في يوم قلوبا غير مخلقة فتخلقت، وأنتم اليوم بعثها وقيامها. فلِمَ لا تعملون حتى تجعلوا من قلوبكم بين جوانحكم كينونة بدأت الحياة، وبدأت التخلق على كرامة وعلى حرية وعلى وعي وعلى أنانية حية حتى لا تتخلق في قابل على غفلة؟ كما هي عقولكم اليوم على غفلتها من قديم. وفرحتها أن تحيا في جديدها، وفرصتها في حيـاتها أن تحيا القلوب التي بين جوانحكم. هكذا دواليك يكون الأمر ينشـئكم فيما لا تعلمون، ولا يمكنـكم أن تعلموا - إن أردتـم العلم عن العليم الخبير- إلا به. إنه معلمكم وهاديكم. وها نحن نعلمكم بما علمنا وهو المعلم فينا، وهو الهـادي بنا، وهو القائم في قيامنا وقيامكم، وهو الفاعل في فعلنا وفعلكم، فلا تردوا الأعمال إلى غيره، واطلبوه تجدوه لا إلـه إلا هو فاشـهدوه.
اللـهم إنك بنا أدرى منا، ورحمتك بنا أقرب وأرحم من رحمتنا بأنفسـنا. اللـهم بفضلك فارحمنا، وبعفوك تب علينا، وإلى أحضانك آونا واضممنا.
لا إلـه إلا أنت سـبحانك، ولا وجود لغيرك، ولا معبود سـواك. اللـهم باعد بيننا وبين ما يباعد بيننا وبينك. وقوم برحمتك نفوسـنا وبنورك قلوبنا.
اللـهم قنا شـرور أنفسـنا وشـرور الأشـرار من خلقك، وادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكـرم.
اللـهم قوم فيك أمرنا حكاما ومحكومين، اللـهم ولِ أمورنا خيارنا أئمة وهادين، فقهاء ومتفقهين، حكاما ومحكومين.
اللـهم خذ بيدنا، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك.
أضواء على الطريق
(سـئلت مثل كثيرين غيري عما إذا كنت أرغب في العودة إلى نطاق المادة لأحاول إنقاذ الذين يحاولون في دنياكم أن يحطموا أنفسـهم والعـالم الذي يعيشـون فيه، وها نحن نحاول العمل فيما بينكم، وما زلنا نحـاول بإمكانياتنا لنبين لكم بمعاييركم أن الذين يتركون عالمكم ما زالوا يعيشـون في الملكوت الأكمل للروح الأعظم لعلكم تدركون أنكم مثل هؤلاء جزء من الروح الأعظم فتغيرون من مسـلككم، وتتعاونون معنا لتغيير مسـلك الآخرين في دنياكم لتدخلوا الملكوت الأكمل بتكوين صالح لمواصلة الحياة إلى كمالها).
السـيد الروح المرشـد (سـلفربرش)
مصادر التوثيق والتحقيق
عن قصة في الأثر حينما ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز، وفدت الوفود من كل بلد لبيان حاجاتها وللتهنئة، فوفد عليه الحجازيون، فتقدم غلام هاشمي للكلام، وكان حديث السن، فقال عمر: - لينطلق من هو أسن منك، فقال الغلام: - أصلح الله أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبداً لساناً لافظاً، وقلباً حافظاً، فقد استحق الكلام وعرف فضله من سمع خطابه، ولو أن الأمر يا أمير المؤمنين بالسن لكان في الأمة من هو أحق بمجلسك هذا منك، فقال عمر: - صدقت، قل ما بدا لك. ↩︎
قسم الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث الشريفة. ↩︎
استلهاما من الحديث الشريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
سورة محمد - ٢ ↩︎
سورة محمد - ٢ ↩︎
آل عمران - ١٣٣ ↩︎
سورة القلم - ١ ↩︎
حديث شريف: “إن الزمان قد اسـتدار كهيئته يوم خلق الله السـموات والأرض.” أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود. ↩︎
سورة يس - ٨١ ↩︎
سورة النمل - ٦٤ ↩︎
سورة يس - ٣٠ ↩︎
سورة الأنبياء – ٢، ٣ ↩︎