(٧)

لمحة اليقين

حديث الجمعة

٢٢ شعبان ١٣٧٩ هـ - ١٩ فبراير ١٩٦٠ م

اعبد اللـه، اعبد ربك حتى يأتيك اليقين.

إن الإنسـان قبل اليقين يختلف عنه بعد اليقين. إن لمحة يقوم فيها اليقين يجتمع فيها القديم والجديد، يجتمع فيها الأزل والأبد، يجتمع فيها الزمن. إنها لمحة الحياة. فالإنسـان قبل لمحة الحياة، يقولون إنه متشـرع إن سـلمت عن اللـه عقيدته، وخلصت إلى اللـه وجهته، واسـتقام على مأمور اللـه ومنهيه قيامه.

وإن الإنسـان بعد لمحة اليقين يقولون عنه متحقق. والحق ما كان على الغيب بضنين.

وإن الإنسـان لرائيه يوم يراه، في الأفق المبين، وما الأفق المبين إلا ما يحيط به من العلم عن اللـه في نفسـه. لا يحيطون بشـيء من علمه إلا بما شـاء شـهد لنفسـه بوحـدانيته، كذلك ملائكته، كذلك أولو العلم على ما علمهم مما أحاطوا به عن أنفسـهم في أنفسـهم من أمره، وبما أحاطوا به من قيامهم مثنى مع معلميهم وفرادى في محبوبهم من الحق منهم.

فالأفق المبين هو ما يَبِين للإنسـان عن معرفة اللـه في نفسـه.

إن شـديد القوى وهو بالأفق الأعلى ما بان وما كان له أن يُبين إلا عندما دنا فتدلى فكان قاب قوسـين أو أدنى من أفق من داناه، وقام فيه أقرب من حبل الوريد. قام فيه قاب قوسـين أو أدنى، قام فيه في قيام معناه. فما كذب الفؤاد ما رأى لأنه ما رأى إلا ما أحـاط به من العـلم عن نفسـه مما أراده أن يحيط به من اللـه بـه.

{واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}[١]. أما ما اليقين؟ فليس موضوع الفكر ولا محوط العقل. ولكنه غاية العقل إذا اسـتيقظ العقـل واسـتنـار، وهدف النفس إذا ما اسـتقامت النفس وتزكت، وحياة الذات إذا ما عملت الذات على أن تحيا من كسـبها مما أحل اللـه لهـا.

وهذا مناط التشـريع، وهذا مجال التفقيه، وهذه دائرة التنبيه والتذكير. إذا ما باعد الفقه بين معناه وبين هذه الأمور، كان في خدمة الشـيطان ولم يكن في خدمة الرحمن.

وإذا ما ابتعد السـلوك بالإنسـان عن هذه الأحواض وعن الخطو في هذه الطريق، فما كان إلى اللـه مآله، ولكن كان إلى ظلام النفس مآله.

هذا هو الحق. جاء به محمد مثلا أعلى ضرب للناس كافة على أكمل وجه أبرزه، وفي أيسـر قول بلَّغه، وبأصدق حديث حمله. وفي يسـر من المأمور أمره فقومه، وبصفاء عن المنهيّ أظهـره وحذره. فالسـبيل للكافة يسـره وبشـره، والحوض بماء الحيـاة ملأه، وللناس قربه ونشـره، وفيهم وبين ظهرانيهم كما أوجـده اللـه جـدَّده.

فما غابت عنهم رسـله. وما سـكت بينهم لسـانه. وما توقف عن العمل فيهم قلمه. وما انقطـع بينهم خبره. وما فتر فيهم فعله وأثره. ولكنهم في قبر قيدوه ودفنوه بعد أن ضيقوه وقبروه. فلا روحا تبعث في ذواتهم بعثوه! ولا أمرا للـه لا يتعطل عرفوه! ولا بيت صلاة وطواف بينهم عنونوه! ولا قلب حياة بين جوانحهم هيأوه وبعثوه! ولا نورا من اللـه يمشـي به في الناس ذكروه فنشـروه! فعرفوه! وهو الذي يقوم في السـاجدين، وهو الذي يتحدث في الذاكرين، وهو الذي يضرب الأمثال في القانتين، وهو الذي يعمل أمرا للـه في القاضين بأمر اللـه. هو غادٍ في الغادين ورائح في الرائحين. وجديد وليد في المولودين. والأب الرفيق والأم الحنون في الأب والأم إذا كانوا بأبوتهم وأمومتهم بالحق قائمين.

إنه عبد اللـه. إنه عبد ربه، إنه العبد، وأي عبد ولأي رب؟ أعبد على مثال من عبودية الناس؟ الخميصة يعبدون - جياعا! والقميص يعبـدون - عـراة! والدينـار يعبدون -جفاة؟ أعلى مثال من أنفسـهم له يذكرون؟ وما باعد هو ما بين نفسـه وبين أنفسـهم لأنـه ما إلى نفسـه تواجد على عظمتها إلا من قديم على مثـال من أنفسـهم غفر له من الذنب القديم، وغفر له من الذنب في قانـون اللـه المسـتديم. فكان قياما للعالمين كما كان قياما للذاكرين. قام في العاصين حتى لا يقنطوا من رحمته، وقام في الطائعين حتى لا يغتـروا بنعمته. والكل في اللـه والكل في قانون اللـه والكل في عرف اللـه والكل في نظر اللـه والكل في مجال اللـه والكل في قـدرة اللـه من السـاجدين - وهو عبده الأمين الذي يمتد ويقوم في السـاجدين، رحمـة لهم ورحمة بهم، ورحمة للعالمين.

ماذا عرف الناس في محمد في شـرعتهم؟ لا بل ما عرف الناس في محمد في يقينهم؟ وما عـرف الناس عن محمد في جهلهم حتى يجهلوه. وما عرف الناس عن محمد في علمهم حتى يقدروه.

عبد اللـه. عبد ربه وربهم. عبد إلهه وإلههم. عبد غيبه وغيبهم. عبد شـهادته وشـهادتهم. عبد يقينه ويقينهم. عبد معناه له ومعناهم لهم. عبد إياه وإياهم. عبد قلبه وقلوبهم. عبد ربه وربهم.

أفي هذا دار لهم تشـريع؟ أبهذا قام فيهم تفقيه؟ أبهذا ذكَّر فيهم مذكر؟ إن مفردات منكم على قلة حاولوا محاولة الناس في شـيء من صدق فأمطرتهم السـماء رذاذا من ماء الحياة اهتزت به أراضي نفوسـهم، وأثمرت به أراضي قلوبهم، وتفتحـت به أراضي عقولـهم، وقامت به أراضي ذواتـهم، فداروا في أنفسـهم دورة، على ما فعل رسـول اللـه، وعلى ما علَّم رسـول اللـه، فصدق اللـه فيهم وعده، وأحيـاهم بمعناه بعده، فبدأوا الطريق كما بدأه. وعرفوا لأنفسـهم ما أراد اللـه أن يحيطوا به من العلم عن أنفسـهم. ولكنهم لم يواصلوا تحقيقا بتشـريع لأنهم لم يبدأوا تحقيقا بتشـريع عامل. دخلوا على التحقيق بتشـريع عاطل وبوعي باطل، فشـدههم التحقيق عند ما كشـف لهم الغطاء بأن الإنسـان لا يعلم عن اللـه إلا بدءا مما يحيط به من العلم عن نفسـه عن اللـه في نفسـه. فغرقوا في بحر لجي وهموه. في علم من ألف وبـاء بدأوه. رأوا اللـه في أنفسـهم، فشـدههم أن يـروا اللـه في أنفسـهم. سـبحان اللـه! ومتى كان اللـه غائبا عن كل نفـس؟ ومتى كان اللـه غير قائم في كل نفـس؟ ومتى كانت هناك حياة لا يقوم عليها الحي القيوم؟

إن هذا بدايات التشـريع على ما يجب أن يكون، وهذا بداية الفقه على ما يجب أن يُعلَّم.

إن كتاب اللـه بين يديكم سـافر واضح، كيف يُعلم المعلم من يُعلم. انظر إلى لقمان كيف يعلم وكيف يفقه ولده الصغير وهو ينبهه ويحذره من الشـرك باللـه {يا بني لا تشـرك باللـه إن الشـرك لظلم عظيم}[٢]، يا بني اعلم وافقه واسـتمع لقولي ولنصحي، صدقني يا ولـدي، يا بني… هل تعلم أنني علمت؟ نعم يا أبتاه إنك علمت. هل تدري يا بني ما علمت؟ لا يا أبت علمني مما علمت. يا بني إنني علمت أنها {إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السـموات أو في الأرض يأت بها اللـه}[٣]، يا بني لا تظن أن السـموات هباء، وهواء، ولطيف من تواجد. يا بني إن السـموات بها ذرات وصخرات. يا بني إن السـموات بها لطيف وكثيف. يا بني إن السـموات هي عين الأرض التي نطأها، كثيفها يمشـي في لطيفها. وإنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة في السـموات أو في الأرض يأت بها اللـه. ولو عنونت يا بني هذه الحبة معنـاها وعينها وقيامها وحياتها لخاطبتك {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري}[٤] ولكنك لا تسـمعها ولا تشـهدها ولا تراها لأن اللـه كـرمك كذلك ألسـت أنت مادة وذرات؟ نعم يا أبت أنا جماد ومادة. ولكنك جماد ومادة تطورت في حيـوات من حيـاة بعد حيـاة لا يعلم إلا اللـه مداها، ولا يدري إلا اللـه يا بني مبتداها. إن قيامـك بمبتداك مجهول عليك جهلك عن اللـه عنك وعن اللـه فيك. إنك يا بني قديم أزلي بقدم اللـه في قديم بدايتك، وإنك بداية من بدايات الأزل من اللـه، وبقاء من بقاء الأبد من اللـه. إنك بين قديم لك وبين قابل لك تتواجد في هذه الصخرة من الجسـد، في هذه الثمرة من الأرض، في هذا النبات يمتد من الأرض تخـرجه يد القدرة وتزرعه وتنبته وتنضجه وتحصده في يوم حصـاد كما زرعته في يوم زرع لا تعلم يوم حصاده كما أنك لا تعلم يوم زرعه. ولكن اعلم أن اللـه معك وفيك وفي معناك وقيامك وأقـرب إليك من حبل الوريد ومن ورائك محيط…

فإذا شـهدته يا بني متجليا لك فيك في لمحة من يقين فلا يخدعك هذا اليقين إذ تقف فتقصر في حـق نفسـك. يا بني إنك إن قصرت فما قصرت إلا في حـق نفسـك فإن اللـه غني عن العالمين. يا بني إنك إن أطعت فإنك لا تصل اللـه بغناء يصدر عنك بعمل تأتيه في طاعة فإن اللـه غني عن العالمين. إن اللـه غني عن طاعتك وإن اللـه لا تضره معاصيك.

فاعلم اللـه في العلم عن نفسـك منك بعملك فإذا عرفت نفسـك في معناه في لمحة رضاه وفي يقين قربه أقرب إليك من حبل الوريد، قاب قوسـين منك أو أدنى، إن فؤادك سـيرى وسـيرى يقينا بعد يقين، فلا يخدعك ما ترى. إنك كذلك قبل أن ترى، وإنك ذلك بعد أن غاب ما ترى. ولكن اعلم أنك باسـم اللـه في معنـاك تسـتطيع أن توجد نفسـك جديده، وأن توجد لنفسـك باسـم اللـه ما تريده. إنك تسـتطيع أن تتخلى عن صفات تراها أنت مرذولة فيك إلى صفات تراها أنت ممدوحة في غيرك من الناس. فيا بني لا تنظر إلى ما فيك من ممدوح الصفات فإنك تملكه ولكن أنظر إلى ما فيك من مرذول الصفات مما تملك، واعمل على أن تتخلى عن هذا المرذول من الصفات، باسـم اللـه فيك وبقدرة اللـه قائمة في قدرتك. يا بني إن ما فيك من مرذول الصفات لا يسـتطيع أن يتخلى عن مكانه منك ويترك فراغا فيك يجعلك من معاني العدم.

يا بني انظر إلى ممدوح الصفات في غيرك واسـجد لاسـم اللـه فـي الموصوف من الصفة المطلوبة لك، تدانيك هذه الصفة وتزاحم مرذول الصفات فيك فتأخذ مكانها وتملأ فراغها ومقعدها من معناك عن معانيك.

يا بني إن فعلت فقد تعاليت وتعالى اللـه في تعاليك.

يا بني إن اسـتقمت فقد دانى اللـه في تحليك بصفاته.

ألم يهدنا رسـول اللـه بهذا الهدي في سـنته بعد أن حملنا إلى الاسـتماع إليه والتلبية لندائه وأسـمعنا حديث اللـه، وحمل لنا بلاغ اللـه؟ ألم يقل لنا تخلقـوا بأخلاق اللـه؟ ألم يكن هو عنوانا للتخلق بأخلاق اللـه؟ ألم يقل لنا (إن للـه ثلاثمائة خلق من تخلق بإحداها دخل الجنة)[٥]؟ ألم يكن هو المتخلق في صفاته، والمتخلق في ذاته، والمتخلق في ماء حياته، والمتخلق في أحواض جوده، والمتخلق في وجـوه موجوده باسـم اللـه، وبنـور اللـه، وبحق اللـه، وبحياة اللـه، وبالحـي القيـوم من اللـه في حيـاتنا وفي قيـامنا في ذواتنـا في معانينا؟ ألم يكن المبعوث فينا؟ قال الكتاب {اللـه يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها}[٦] قال رسـول اللـه، أنا النائم في الناس، (بينما أنـا نائم أطـوف بالكعبة…)[٧]، إني نائم مع النيام كما أني قائم مع القيام. إني مقيم في النيام، إني متواجد بين النيام، (جُعلت الأرض لي مسـجدا وطهورا)[٨]، (أول من تنشـق عنه الأرض أنا)[٩].

إن الناس يموتون عن أنفسـهم على ما هداهم موتوا قبل أن تموتـوا. فمـات عن نفسـه مع الموتى {إنك ميت وإنهم ميتون}[١٠]. سـبحان اللـه! سـبحان رحمـة اللـه فيه! ينام مع النيام ويموت مع الموتى، ويقوم مع القيـام رحمـة من اللـه. (ما عرفني غير ربي)[١١]. نام الناس فنام. ومات الناس فمات. وقام الناس فقام. ما أجمله! ما أكمله! ما أرحمه! ما أوسـعه! ما أعلمه! ما أقربه! ما أبعده!

أبعد الناس رسـول اللـه عن أنفسـهم وهو القريب، بوهم تكريمه - وهو الكريم ـ- وقرب الناس رسـول اللـه بجهلهم وبظلام أنفسـهم - وهو العليم وهو المشـرق وهو العلي وهو الكبير-.

ما عُرف العلي الكبير إلا بعبده العلي الكبير. وما عُرف الرحمن الرحيم إلا بعبده الرحمن الرحيم. وما عُرف الحي القريب وما عُرف الحي القيوم إلا بعبده الحي القريب، إلا بعبده الحي القيوم. وما عُرف اللـه إلا بعبده اللـه. وما وجد اللـه إلا بعبده اللـه. وما تجلى اللـه إلا بعبد اللـه. وما ظهر اللـه إلا بظهور عبد اللـه.

فهل عرف الناس شـرف العبودية للـه فعبدوه؟ إنهم زعموه ووهموه وادعوه. وظنوا بقولهم إنهم عبادٌ للـه إنما يتواضعون! سـبحان اللـه لمن تتواضعون! ألِلَّـه وهو خالقكم. لمن يتواضع دعيّ العبودية للـه!؟ ألِلَّـه يتواضع؟ وما عرفه؟ وهو المــتواضع بوحدانيته وما شـرفه؟ إنهم من صنع يد اللـه جعل منهم بتواضعه يده الفاعلة القـادرة، فمن هو المتواضع فيما يصفون؟ إنه هو المتواضع بإضافتهم إليه عبيدا له - وليس هم -. إن عباد اللـه إن عرفوا أنفسـهم به، هم عزة اللـه، وتعالي اللـه، وجلال اللـه. إن اللـه الكبير المتعال يتواضـع إذ يُشـهد في أبناء آدم لأبناء آدم وما صنع أبنـاء آدم إلا آدم عبد اللـه. فكان أبناؤه كلمات ووجوها للـه، وكان أبـوهم وصانعهم عبد اللـه… فأين نحن من الفهم للعبودية للـه حتى نخوض في الفهم عن المعرفة عن اللـه؟

إن هذا الأمر على خطره، وإن الدين على جلاله آخر ما يفكر فيه الناس، وأتفه ما يشـغل عقول الناس، وأسـفل ما يمتطي الناس لرقي أنفسـهم.

إن الناس قد بعدوا كثيرا عن الحق - والحق في أنفسـهم - باسـم الحق وباسـم الدين وباسـم الرسـول وباسـم الكتـاب.

وها نحن اليوم نجدد عقائدنا فتتجدد مع تجدد عقائدنا أنسجتنا وعقولنا، وتتجدد مع تجدد عقائدنا نفوسـنا وقلوبنا.

ها هي سـاحة من سـاحات الروح. وها هي مزرعة تحفها سـحب السـماء بأمطارها. وقد أنزل الدين في بيئتها بردا وسـلاما على القلوب فاسـتجلب إليه مزيدا من ماء السـماء. تواضعت في هذه البيئة النفوس للنفوس بآدابها، والعقول للعقول بإدراكاتها، والقلوب للقلوب بصفائها، والمعاني للمعاني بأذواقها، والذوات للذوات بمواجيدها. فنالت رحمة اللـه الأرض الواطئة وتجمعت مياه السـماء بحارا إلى السـهول المنبسـطة.

إن اللـه وطريقه في هذه الحياة. هذه الطريق وهذا المعني إنما هو في النـزول إلى اللـه، لأن اللـه قد سـبق الخلق فنزل متواضعا لهم. إن اللـه قد صارع الخلق في تواضعه فنزل إلى أرضهم التي يطأون وبنفوسـهم منها يتعالون، وسـار في مسـالكها وبارك خيراتها التي يسـتخرجون، واتجهت سـمواته إلى طلبه في أرضه تمهيدا لما وعد. يُبدلها غير الأرض وتتواضع السـموات فيبدلها غير السـموات. إنه سـيرد إلى الأرض باسـمه المتعالين إليه المتخلين عن مادتها فيجعلَهم الوارثين.

فإذا ردهم إليها بما هم فيه من الحق فقد جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا {أوَلم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}[١٢]. وإنا نأتيها فنقدر فيها أقواتها في يومين ثم نسـتوى منها إلى السـموات، وهكذا دواليك لا جديد في الحق كما لا جديد في الخلق. {أمن يبدأ الخلق ثم يعيده}[١٣] وإن اللـه بادئ على ما بدأ ومعيد على ما أعاد {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشـحون وخلقنـا لهم من مثله ما يركبون}[١٤] إن الأولين والآخرين… إن دواب الأرض… ودواب السـموات لمجموعون لميقات يوم معلوم. إنه ميقات ليوم علم لمن يعلم عن اللـه، ويُذَكَّر لمن يذكر عن اللـه. إنه علم السـاعة، أو علم لمحة اليقين، أو سـاعة اليقين، أو يوم اليقين ما بين قديم للإنسـان وبين قابل وآت للإنسـان. {يسـتعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشـفقون منها}[١٥]. إنما يسـتعجل بها الضالون الذين يسـتعجلون بالسـيئة قبل الحسـنة، وقد خلت من قبلهم المثلات.

هذا دين اللـه ألا تدينون؟ وهذا أمر اللـه ألا تأتمرون؟ وهذا ذكر اللـه ألا تذكـرون؟ وهذه هي المعرفة عن اللـه ألا تتعرفون؟ وهذا هو العلم عن اللـه ألا تتعلمون فتُعلِمون؟

سـبحان اللـه ألم يأمركم رسـول اللـه أن (اطلبوا العلم ولو في الصين)[١٦]، (ومن المهد إلى اللحد)[١٧]؟ فكيف للعـلم تزعمون وأنتم إليه لا تسـعون، وتزعمون أنفسـكم إلى رسـول اللـه تنسـبون وسـبحان اللـه عما تصفون!

اللـهم ارفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلـم إنك أنت الأعز الأكرم. اللـهم أقمنا فيما تحب وترضي. اللـهم قنا شـرور أنفسـنا وشـرور الأشـرار من خلقك. اللـهم ارفع عنا هذا البلاء. اللـهم أنزل السـكينة على قلوبنا، وأرضنا بما يرضيك، وارحمنا بما أنت لنا به راحم. اللـهم اغفر ذنوبنا، وقوم فيك أمرنا، وأنزل السـلم والسـلام على قلوبنا، وعلى بلدنا، وعلى إنسـانيتنا وعلى أرضنا.

اللـهم سـدد خطانـا في طريق الأمن والسـلام قوادا ومقودين، روادا ومرودين. لا إلـه إلا أنت سـبحانك إنا كنا من الظالمين.

أضواء على الطريق

(بدأ الإسـلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا)[١٨] عن الرسـول.

(إن التمثيل الباطل للألوهية أخطبوط ضخم أمامنا يجب أن نقاتلـه. علينا أن نهدم عمل القرون. علينا أن ندمر ما جد من بناء زائف فوق أسـس العقائد. إنا نجاهد دائما في تعليم الأطفال الماديين كيف يتحررون ويسـتقبلون الضوء من شـمس الحقائق الروحيـة، وكيف يقذفون بذل عبودية العقائد. وهذه ليسـت مهمة سـهلة لأنه ما دمتم قد وقعتم في حبائل المزيفين من رجال الديـن فسـوف يسـتغرق الحق الروحي زمنا طويلا في اختراق ذلك الجدار السـميك من الخرافات.

إن إخلاصنا للروح الأعظم وليس لعقيدة مزيفة ولا لكتاب محرف عن مواضعه ولا لكنيسـة أو مدرسـة منحرفة، ولكنه لروح الحياة الأعظم ولقوانين الطبيعة الخالدة.

ولسـوف تنزل إلى عالمكم المادي قدرة روحية عظيمة تشـمل كل أقطاره، ولسـوف تحسـون بها وبقوتها وجبروتها لأن هناك عملا كبيرا يجب أن يؤدى مضـاد لما في عالمكم من جهل وأنانيـة، وسـوف ينتصر عملنا في الوقت المناسـب. ويهدأ بذلك ويسـتريح أبناء الروح وأبناء الأرض).

عن السـيد الروح المرشـد (سـلفربرش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الحجر - ٩٩ ↩︎

  2. سورة لقمان - ١٣ ↩︎

  3. سورة لقمان - ١٦ ↩︎

  4. سورة طه - ١٤ ↩︎

  5. حديث شريف، ذكره الحافظ العراقي بهذا اللفظ في تخريج كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، كما جاء في الفتوحات المكية لابن عربي، وأخرجه الطبراني: “إن لله تعالى ثلاثمائة خلق من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنة.” ↩︎

  6. سورة الزمر - ٤٢ ↩︎

  7. من الحديث الشريف: “بيْنَما أنا نائِمٌ رأيتُنِي أطُوفُ بالكعبةِ، فإذا رَجلٌ آدَمٌ سَبْطُ الشَّعْرِ، بيْنَ رجُليْنِ يَنطُفُ رأسُهُ ماءً، فقُلتُ: مَنْ هذا؟ قالُوا: هذا ابنُ مَرْيَمَ، ثمَّ ذهبتُ ألْتَفِتُ، فإذا رجُلٌ أحمَرٌ جَسيمٌ، جَعْدُ الرأسِ، أعْورُ العيْنِ، كأنَّ عيْنَهُ عِنبةٌ طافِيةٌ، قُلتُ: مَنْ هذا؟ قالُوا: الدَّجالُ، أقْربُ الناسِ بهِ شبَهًا ابنُ قطَنٍ”. أخرجه البخاري ومسلم باختلاف يسير. ↩︎

  8. من الحديث الشريف: "فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لِىَ الغَنائِمُ، وجُعِلَتْ لِىَ الأرضُ مَسْجِدًا وطَهورًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كَافَّةً، وخُتِمَ بي النبيُّونَ‏). سنن الترمذي، ومسلم باختلاف يسير. كما أخرج البخاري بعضا منه في أحاديث أخرى. ↩︎

  9. من الحديث الشريف: “أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ.” صحيح ابن ماجه. ↩︎

  10. سورة الزمر - ٣٠ ↩︎

  11. حديث شريف ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي.” ↩︎

  12. سورة الرعد - ٤١ ↩︎

  13. سورة النمل - ٦٤ ↩︎

  14. سورة يس - ٤٢:٤١ ↩︎

  15. سورة الشورى - ١٨ ↩︎

  16. مقولة شائعة توافق الحديث الشريف: “طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِ مسلمٍ.” أخرجه ابن ماجه، والبزار، وأبو يعلي. ↩︎

  17. حديث شريف: “اطلُبوا العلمَ من المهدِ إلى اللَّحدِ” المحدث ابن باز. يُصنف بأنه حديث ضعيف، ولكنه يوافق الحديث الشريف: “طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِ مسلمٍ.” أخرجه ابن ماجه، والبزار، وأبو يعلي. ↩︎

  18. حديث شريف: “بدأ الإسـلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا.” صحيح مسلم. ↩︎