(٤)
موالد الكلمات
وتتابع الآيات
حديث الجمعة
٩ رجب ١٣٧٩ هـ - ٨ يناير ١٩٦٠ م
اللـه أكـبر… اللـه أكـبر… اللـه أكـبر… ولا إلـه إلا اللـه.
أفضل ما جئت به أنـا والنبيـون من قبلـي، شــهادة أن لا إلـه إلا اللـه. وأفضل ما جاء به الهدي، وأفضل ما جاء به العلم، وأفضل ما جاء به الكشـف، وأفضل ما جاءت به المعرفة، وأفضل ما أدركه الوعي، اللـه أكبر.
تحتفل البشـرية في هذه الأيام بمولد كلمة من كلمات اللـه على هذه الأرض، تجدد بها للكلمة على الأرض مولد. ولم ينقطع بها للكلمة على الأرض مولد. علَّمت الناس وعلمها الناس، فعرفوا بها جديدا من قديم، وعرفوا عنها قديما لجديد منها… مثالا لآدم.
كانت للناس وكان الناس لها. فأنكر عليها الناس فحُرِموها. ولم يتابعها الناس فقطعوها. وتناسـاها الناس فما وصلوها.
ولكنها رحمة وخلاص ما قطعتهم. وسـفينة نجاة لهم دواما وصلتهم. تجددت فيهم بذاتها بينهم رجلا منهم، يتحقق به فيهم لهم من اللـه رجـاء، ويتوفـر به لآبائهم من اللـه جزاء.
إنها حجر الزاوية. إنها بداية الحق للناس. وإنها نهاية الخلق من الناس. بهـا يقـوم الناس. وبها - تقوم فيهم - يقومون بدورهم في الناس. إنها ثمرة الخليقة، وجزاؤها من الحقيقة. وإنها كحقيقة أصل لخليقة…
إذا تخلت عن وصفها من الخلق، رغبة في الحق، فتجددت من أثوابها في الخلائـق، إلى عالمها من الحقائـق، بدأ معـراجها في الحـق. فإذا ما اسـتكملت في معـراج الحق حقيقتها، أحبت أن تعرف - لنوعها من خليقتها - فجددت بمكنتها خلقها بالاصطفاء من سـابق تواجدها في خلقيتها.
إن الكلمة في تمامها، اصطفت لنفسـها من أديم نشـأتها في قديم أنانيتها، اصطفت آدمها، على مثالها وعلى صورتها، وعلى حقيقتها.
إن كلمة اللـه هي المرادة في مقال الهدي الرباني من أن (اللـه خلق آدم على صورته)[١]. نعم على صورته، لأن صفوة الآدمية، وصفوة البشـرية، منتهيـة إلى تواجد كلمـة للـه منها، هي خلاصة الأشـياء، وصفوة الأحيـاء، وغاية الحق من خلقته للخلق…
وأن الكلمة المثمرة المنتجة المسـتخلَصة من الوجود المادي المخلوق، كان الوجود المادي المخلوق أصلها، وإن كان في حقيقته من قديم مثالها فرعها. فإذا أرادت أن توجد فرعها منها على مثـال من أصل لها اصطفت من الخلق لنفسـها. وفي هذا المعني ومنه وبه يشـير الكلمة عيسـى عليه السـلام إلى أحد حوارييه بقوله (على هذه الصخرة أبني كنيسـتي)[٢]. ومن هذا المعنى وفيه وبـه يقول الكلمة التامة - محمد به الصلوات - مشـيرا إلى عَليَّ، هذا باب مدينتي، من كنت مولاه فعليّ مولاه! ولم يقل إني مولاه للوجود، ولا مولاه للشـهود. كما لم يقل من قبله في ترتيب أزماننـا الكلمة عيسـى. فقد قصر أمره وكنيسـته على صخرة من أصفيائه. فهي كنيسـته وخاصته ودار جماعته. إنها مدينته. إن هذه الصخرة بابها ودليلها. هذا ما عناه عيسـى وعين ما قصده محمد. إن العموم والشـمول أمر محـرم على كليهما. وإن مثَّله آدم في بنيه أصلا لأبنائه، ومظهر وجود، وأصل شـهود، فما زال المحرم محرما عليه… إذ قبل آدم مئات الآلاف من آدم، في تواجد لا بداية له، وفي تواجد لا نهاية له.
إن الشـمول والعموم والإحاطة من شـأن الشـامل المحيط، الذي أظهر معاني الشـمول في الوجود مقيدا فيه. فهو المطلق الذي لا حد له، والواحد الذي لا عد له، والأحد الذي لا تعدد معه، والغيب الذي لا إحـاطة به. إنه المعروف. إنه الموصوف في كل موصوف. إنه البعيد عن البال، العزيز على النوال، لا يُحاط به. ويُحاط بعلمه فيما حوَّط الانسـان، بما أودع فيه من المعرفة والوعي، ورقـة في كتاب، أو حرفا في كلمـة، أو كلمة في حديث، أو كتابا في وجود، أو وجودا في تواجد، أو تواجدا في معروف، أو معروفا في مطلق، أو مطلقا في غيب.
إنه القريب حتى لأنت. وإنه البعيد حتى لغيب.
ها نحن اليوم نحتفل بمولد كلمة ربا لوجود. وقد احتفلنا في أمس بكلمة جامعة، وروح مؤيدة، وآدم ظاهر، وبداية لخلق مخلوقة خالقة، ربا لعالمين، وروحا لكلمات هي سـر لأرباب لعوالم، ذاتا مؤيدة بروح من قدسـه، هي في ذاتها كلمـات للـه تمت. وهو في روحها رحمة من اللـه عمت.
فما عرفت البشـرية الكلمة، وما أدركت جماع الكلمات، وما واصلنا الحياة بالخلقة بفعلنا، تخلقا بأخلاق أصلنا، المتخلق بأخلاق أصلـه، من كلمة اللـه، المتخلقة بأخلاق أصلها من روح قدس اللـه، المتخلق بخلق أصله، من جماع صفوة اللـه، خروجا لاسـم اللـه من كنزيته، وظهورا منه لخلقه في ثوب بصفات خلقه، على ما قديما خلقهم يتخلقون به، ويتحققون به، على صفات حقهم من حقه. قديما كأنهم، وقادما كأنه.
فما ظهر الخلق، إلا ظهورا للحق. وما تحقق الخلق، إلا ظهورا للحق. فلا خلق ولا حق. ولا حق ولا خلق. إنما الخلائق حقائق، وإنما الحقائق خلائق.
بهذا جاء العهد القديم، في صحائف الناس، في كتاب موسـى، أو صحائف الناس من كتاب إبراهيم. وقد تجدد هذا مع محمـد، جديدا لقديم، وما كان محمد إلا كتاب اللـه وقرآنه. وما كان بينهم إلا يده ولسـانه، وما سـار فيهم إلا قدمه من حقه، وعنوانـا من خلقـه لخلقـه، على مثال من وجوده في حقه لحقـه.
فما جاء الناس إلا جيئة الحق بينهم دائبة. كشـفها ظهوره، وعنونها بعثه تطورا لذات من كلمة للـه في البشـرية، كلمة تتواجد من عبد اللـه. كما تواجد عيسـى من أمة للـه، وما خرج إلا مخرجه فقد كان شـرفه أن يكون ابنا لآدمية. خرج مخرجه من مريـم الطاهرة لم يمسـها دنس الحياة الدنيا. من نفس آمنة مطمئنة راضية مرضية راجعة آيبة. وما كانت إلا وليدة وهب من اللـه.
هذه هي أمومة محمد بعينها وبعنوانها من مولد أمومة عيسـى من مـريم. وقد شـرف اللـه عيسـى، إذ يقول له يا {ابن مـريم}، فما كانت مـريم إلا شـجرة قدس، وسـدرة نهاية، أمة للـه، وعبدا له… فيحاء روحاء. يسـتظل بظلها ويجاب في ظلها الرجـاء. فما خـرج عيسـى مبـاركا إلا من أمومة مطهرة مباركة مخرج محمد من نفس بـوركت، وآمنت فأمنت، وكان منها الأمان، وفيها الأمان وبمحبتها الضمان، وبوليدها الخلاص والإيمـان. فكان ابـن آمنة أمن الناس كما كان ابن مريم رِيَّ الناس.
إن ذوات محمد أحواض وأوادم الحياة، وإن عيسـى منه ماء الحياة. لا دينونة، إذا ما دخل البشـر في القلب الرحب، والسـاحة السـمحاء، من قلب كلمة اللـه يسـوع. أما رحمة العالمين لا يديـن ولكـن يغفر للمدين فيقول (أمة مذنبة ورب غفور)[٣].
وإن مياه الحياة من سـماء الفطرة، تنشـق عنها عيون الأرض من حين إلى حين، تجمعت ميـاهها في أحواض اللـه من أمة محمد من أهل بيته في عليّ والزهـراء وعترته من صفوة الناس في مثاليته.
ترك في الناس الثقلين كشـفا لكتاب الوجود الأبدي القديم في مسـطور من كتاب، بمرصوص من أحرف في كلمات، ومجموع من كلمات في سـور، وجمع من سـور في كتاب. بينها بيت العنكبوت واهيا، هو بيت الجبروت طاغيا. وعنونت بيت الرحموت قريبا مدانيا، أولية بيوت على مثال من قديم، لأن بيوتا رفعت وسـعدت ونصبت عاملة جاهدة، فاسـتقامت نيرة صاعدة، ثم اسـتقامت إلى كسـب النصب، وإلى تحصيل ثمرة التعب، فحنَّت إلى نشـر رحمتها وإلى جديد من إيجاد في الخلق لكلمتها…
فبدأها إمام البيوت، وإمام النبيين، مدانيا إلى أرضكم، فكان بيته أول بيت وضع للناس - بعد رفع - جديدا من قديم لآدم هو بين آدم أصله القديم وآدم فرعه الجديد. يكمل القديم فرعا، ويتواجد به الفرع أصلا كشـفا لناموس اللـه في عالم خلقه، عنوانا على ما أودع وأبدع في عالم حقه. ربوبية لعبودية وعبودية لربوبية، اللـه من ورائهما محيط، بلطيف اللـه يلحق الأبصار والبصائر من عباده وحقائقه. يشـهدون جديد اللـه فيمن حقق من آبائهم وأصولهم من قديم خلقه. بعين اللـه فيهم، اللـه ورائهما المحيط.
بذلك يتعارف اللـه إلى اللـه. بذلك يتعارف جديد اللـه لقديم اللـه. ويتصـل قديم اللـه بجديد اللـه. وتعالى اللـه في قديمه، وتعالى اللـه في جديـده. كل من عليها فان ويبقى من كان وجهه من جديده علـى مثـال من قديمـه -{كل مـن عليها فـان}[٤]- ممن أرادوا {أن يطفئوا نور اللـه بأفواههم}[٥] -جاحدين منكرين - واللـه متم نوره في الطاهرين الصادقين، فذاهب بالجاحدين - وباقٍ بمعناه من وجهه في الطاهرين الذاكرين غير الجاحدين، ويبقى وجه ربك. يعرفه الناس ربا للناس. ويعرفه اللـه للناس عينا للناس. يعرفونه عينا للناس بشـهادتهم أن لا إلـه إلا اللـه، ويعرفونه ربا للناس، فيمن اختاروا للربوبية عليهم من الناس، ربوبية مرضية مختارة فيمن أظهر اللـه لهم بين الناس من الناس من عباد الرحمن من أهل رحمته معبـدين أنفسـهم لربوبيـة معلـومة هي وجهـه من ربوبية عباده، {يمشـون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سـلاما}[٦]. هذا ظاهر وصفهم وهذا وصف معناهم للدلالة عليهم. أما المُجتمِع عليهم فله فيهم شـأن آخـر وفهم آخر، مدرك عنده في نفسـه في توحد معهم توحدا مع اللـه. وبطرق أبوابهم عروجا إلى اللـه، وقراءة كتابهم من أنفسـهم كتابا للـه، واسـتماع القلوب لأحاديثهم اسـتقبالا لخطاب اللـه من عباد اللـه.
{وذلك دين القيمة}[٧]. وإننا إذ نحتفل في هذه الأيام بظهور حقيقة من حقائق اللـه بمولد ثوب من خليقته على مثال من خلائق، ما أجـدرنا أن يكون هذا الاحتفال قرين بكاء وأنين على ما أضعنا من أمر أنفسـنا، وعلى ما أضعنا من أمر ديننا.
ما أراد عيسـى بموائده ملء البطون، وما أراد بمشـاهده إدخـال المسـرة على العيون، وما أراد بآيات اللـه معه إعجازا للعقول. فما فَرَقَ بينه وبين الناس، ولا مَنَع ما به عن أن يكون بالنـاس، وقد أراد أن يكون بينهم مثلا أعلى لهم يحتذونه فما تمثلوه وما احتذوه. أغلقوا الطريق لا يسـلكونه، وإلى ما يحقق من مزيـد من اللـه في معراجه، لا يتابعونه فيكسـبونه. ولكنهم ألَّهوه وعبدوه. وما ألَّـهو إلا أنفسـهم عليهم، وما عبدوا إلا أنفسـهم بعقولهم خلواء، وهو من فعلهم براء، وهو مما أسـندوا إليه بريء. وليتهم عبدوه! وليتهم أدركوه! وليتهم ميزوه! وليتهم إلى اللـه كلمـة منه ووجها له أضافوه! عبدا بذاته شـهدوه، ووجها للحق بروحه تطلعوا إليه بروحهم فأدركوه وبالحق في أنفسـهم وصلوه. ولكنهم إذ يزعمون الاحتفال بمولده والمتابعة لـه إنما يعملون على تأليه أنفسـهم عليهم، يزرعون الشـوك في طريقهم، ويخلقون القطيعة لقريب اللـه في أنفسـهم. لا يدرون أي منقلب ينقلبون. وهم إن عبَّدوا أنفسـهم للـه فأشـرق نور النبوة على عقولهم، فعرفوا العقل والضمير رسـول اللـه الحي بين جوانحهم، فاسـتقاموا على الطريقة لسـقاهم اللـه ماء غدقا.
ماذا يطلب الناس؟ وماذا يذكر الناس؟ وهم يحتفلون بمولد كلمة من كلمات اللـه سـيدا وحصورا ومثالا مضروبا لأمة محمد. الكلمة الجامعـة للذوات، والروح الجامعة للكلمات، والبيت الموضوع، من قديم مرفوع، والذي يرفع لكلم يوضع، دورة للزمـان. ومحراب قدس للمكان، وقبلـة مصلى لأهل الطلب والبيـان، وبيت مطاف لأهل الأدب، وأرضا مشـرقة بنـور ربها لمن دفن نفسـه في تربها من رهب.
ماذا أدرك الناس؟ أيُحتَفل بمولد الكلمات بموائد النزوات؟! ومجامع الشـهوات؟ واقتراف السيـئات؟! أهكذا يذكـر أهل رحمته؟! أبهذا يشـرف عند الناس عباد طاعته ومحاريب قدسـه، وسـفن النجـاة بحكمته، وأيدي النجدة بعزته، ووجوه الجمال بطلعته، وأقـدام المسـير في ملكـوته، وقلوب الخلاص من جبروته؟! أهكذا! بالمراقص، بالمطاعم، بالمسـاخر، بالنسـاء، بالفجور، بالخمور، بالمـلاهي، يكون الاحتفال بموالد الجَّد، بموالد الكد، بموالد النصب والوعد؟!!…
ألا يكون للعاقل في هذا عظة؟ ألا يتخذ منه المسـتقيم على كتـاب من كتب اللـه، ومع نبي من أنبيائه، أو حكيم من حكمائه، ألا يكون له في ذلك موعظة؟
إن الذين يجحدون هذه المظاهر، وينكرون الحق في هذه المناظر - أيا ما كان لهم - فإنهم مجزِيون بحديثهم، مقدَّرون بمدركهم.
إن الفطرة والعقل أسـاس كل معرفة وكل وعي. وإن العاقل المفكر في دائرة الفطرة، وإن السـاعي المدبر في دائرة الفطرة، إنما يغير شـيئا مما في نفسـه، وإن اللـه مغير ما به يوما {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}[٨]. {والذين جاهدوا فينا لنهديهم سـبلنـا}[٩].
إن اسـتقامة الإنسـان على مدرك عقله، ومتابعته لحديث ضميره، إنه واصل به إلى الخير يوما. (استفت قلبك وإن أفتوك وإن أفتوك وإن أفتوك)[١٠].
إن اللـه معنا فراقبوا اللـه في أنفسـكم… هدانا اللـه وإياكم سـواء الســبيل.
لا تَعْبدوا أنفسـكم معه في فتنة من حركات. ولا تَعْبدوا أنفسـكم معه في فتنة من ألفاظ. ولكن عبِّدوا أنفسـكم معه في وعي عنـه، إنه أقرب إليكم من حبل الوريد. ولن يتحقق لكم هذا الوعي مسـتقيما إلا إذا أدركتم دماءكم تجري باسـمه، وقلوبكم تخشـع لذكره، ووجوهكم قد عنت لكلمته.
اذكروا اللـه واسـألوه، وجاهدوا أنفسـكم واسـتهدوه، فإنه بكم راحم، ولكم رحيم، وعنكم راض، وعن فعلكم متغاض، ولسـيئاتكم غافر، ولناصح فعلكم قابل، فلا تظنوا به الظنون.
ولا تمنوا على اللـه، ولا تمنوا على رسـول اللـه، ولا تمنوا على رسـل اللـه، ولا على جديد الحق من قديمهم، إن به التحقتم، وله عرفتم. فما كان محمد إلا إماما لهم ولحقائقهم. وما كان محمد في البشـرية غيرهم أو دونهم. فإنه وإياهم على جديد لهم متوال لا يزول ولا يحول، إن عرفتموه أو عرفتموهم، أو عرفتم منهم، فذروا البيـع، والمتاجرة مع اللـه بالثواب والعقاب، واسـعوا لذكـر اللـه، وادعـوا النـاس لذكـر اللـه، واحرصوا على ذكر اللـه. {وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما}[١١].
اشـهدوا أن لا إلـه إلا اللـه في طيبكم واسـتعيذوا باللـه في طيبكم من الشـيطان الرجيم في خبيثكم. فلا رجيم إلا معكم، ولا رحيم إلا عليكم. لا إلـه إلا أنتم ما شـهدتم أن لا إلـه إلا اللـه. ولا أكبر على الأشـياء إلا أنتم ما شـهدتم أن اللـه أكبر. وقد خلق كل شـيء من أجلـكم. فلا تجهدوا أنفسـكم وراء الأشـياء، وقد خلقكم من أجله فلا تعبثوا بمعاني الحياة في معناكم - إن خلق السـموات هو كبير خلق الناس فأنتم عاملون وقلب رسـوله لكم جامع علما على رب العالمين.
فاعلموا أنكم عوالم اللـه في عالم اللـه من رسـول اللـه، فيه تسـيحون وفيه وبه تصبحون، وفيه وبه تمسـون. ليلا تسـكنون ونهـارا تعملون… وأعمالكم تكونـون. وبها يوما تبعثون. وهي ما من اللـه تعطون، وعنه يوما تعرفون. فباللـه تتحققون، وفي اللـه تتواجدون، وباسـم اللـه تقومون.
اذكروا اللـه أينما تكونوا، وكيفما تكونوا، واعلموا أنه معكم بمشـيئته على ما تشـاؤون، وبرضوانه على ما ترضون.
فاقبلوا طريقكم إليه على ما رسـمه لكم النبيّؤن، ولا تتابعوا طريقا أنتم له ترسـمون.
واسـألوا اللـه أن يكون لنا ولكم راحم. وأن يكون معنا ومعكم مسـالم. وأن لا يحرمنـا فيضا منه من المراحم ومن النعمة والمنـاعم.
ونسـأله أن يوفق ويزيد من إيماننا به، لنا معنا قائم. ونسـتعينه أن ندخل كافة في السـلم معه، بسـلام نقيمه في عالمنا مسـالمين، وخصام نجانبه في عالمنا لعباده مخاصمين، حتى يتم نعمته علينا بسـلام وأمن آمنين. إن رحمة اللـه معنا، ورحمة اللـه هي الغالبة، ولها الغلبة على من يظهرون بالغلبة من الطاغين.
نسـأل اللـه الرحمة والهداية لنا ولهم، والتوبة والمغفرة لنا ولهم. كما نسـأله أن يولي أمورنا خيارنا فضلا منه علينا، وأن يمنع عنا عدله بالطاغين جزاء لنا، وأن يجعلنا من المغفورين عند أهل حضرته من المذكورين. فهو الرحمة والسـلام والحياة، ومنه وبه كل شـيء حمدا وشـكرا لمولانا رب العالمين والآخذ بنواصينا إلى الخير فهو نعم المولى ونعم المعين.
أضواء على الطريق
إننا لا نقول لكم أبدا (لا تسـتخدموا منطقكم وآمنوا فقط)… وإنما نقول دائما (اسـتخدموا ما أعطاه لكم روح الحياة العظيم، تفكروا، تأملوا، اختبروا، امتحنـوا، إن كان ما نأتيكم به مذلا أو قاسـيا أو سـافلا فارفضوه) …
لن تنقلب الدنيا الخالدة إلى وميض يعمي الأبصار، وإنما سـوف يشـرق نور الحقائق الروحية تدريجيا كلما ازداد انتباه الناس إلى المعرفة العظيمة التي نقدمها إحياء لما مر بهم وتركوه، وسـوف نتمكن من إبرازها كلما تيسـرت أجهزة أكثر لتسـتخدمها حكمة الروح الأعظم.
ويجب أن نذكر دائما أن الأمور الروحية تحتاج إلى تربية وتقدم مطـرد، أما التقلبات الفجائية فإنها لا تسـتمر. وقد أريد بعملنا أن يكـون دائما ونحن لا نسـتطيع أن نخدم إلا ويدنا مبسـوطة بالعطاء.
عن السـيد الروح المرشـد (سـلفربرش)
مصادر التوثيق والتحقيق
حديث شريف: “خلق الله آدم على صورته.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
“وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا.” (مت ١٦: ١٨). ↩︎
حديث شريف: “دَخَلْتُ الجنةَ فرَأَيْتُ في عارِضَتَيِ الجنةِ مكتوبًا ثلاثةٌ أَسْطُرٍ بالذهبِ – لا بماءِ الذهبِ: السَّطْرُ الأولُ: لا إله إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ. والسَّطْرُ الثاني: ما قَدَّمْنا وَجَدْنا، وما أَكَلْنا رَبِحْنا، وما خَلَّفْنَا خَسِرْنا. والسَّطْرُ الثالثُ: أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ”. أخرجه الرافعي في تاريخه (٣/ ٩١) ، الإمام أبو القاسم في تاريخ قزوين، وابن النجار في تاريخ بغداد عن أنس ابن مالك. ويعتبره المحدثون ضعيف الإسناد. ↩︎
سورة الرحمن - ٢٦ ↩︎
سورة التوبة - ٣٢ ↩︎
سورة الفرقان - ٦٣ ↩︎
سورة البينة - ٥ ↩︎
سورة الرعد ١١ ↩︎
سورة العنكبوت ٦٩ ↩︎
من الحديث الشريف “استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك.” أخرجه أحمد بن حنبل والدارمي. ↩︎
سورة طه ١١١ ↩︎