(٣)

المؤمن قبلة المؤمن في الدين
وفي الصلاة وفي اليقين

حديث الجمعة

٢ رجب ١٣٧٩ هـ - ١ يناير ١٩٦٠ م

أشـهد أن لا إلـه إلا اللـه… أينما نولي فوجهه… وكيفما نقوم فحـكمته… ما علمنا منته… وما رحمنا فضله.

أشـهد أن محمدا عبده ورسـوله. أرسـله منه رحمة للناس في عوالمهم، ورحمة بالكون في ذاته. أسـأله التوبة والمغفـرة لي ولمن سـمعني وللناس، فضلا منه ومِنَّة.

عباد اللـه: ارجعوا إلى اللـه بإرجاع ذواتكم لوجوده، وإرجاع حياتكم لروحه، وإرجاع مدارككم لرحمته، وإرجاع قيامكم لكرمه. وآمنوا كما أبلغكم أنه على كل نفس قائم بما كسـبت. واحذروا أنفسـكم أنها بما كسبت رهينـة.

{ن والقلم وما يسـطرون}[١] إن كينونتكم في نون معناكم وسـفينة نجاتكم. وأنكم خالقوا أنفسـكم بعملكم، بعمل قلوبكم، بكسـب قلـوبكم، نشـأة أخرى، بما أودعكم من سـره، وائتمنكم على أمره في ذواتكم، وأنه آخذ من ظهوركم ذريتكم، ومشـهدكم على أنفسـكم، أصولا وفروعا. فشـاهدوا اللـه محيطا، من وراء ذرياتكم، ومشـهودين به لذراريكم وجها للـه محيطا من ورائكم.

فإن خيرا فعلتم فأبناءكم أورثتم وبأبنائكم قمتم {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شـرا يره}[٢].

(كلكم راع وكلكم مسـئول عن رعيته)[٣] . كلكم رب وكلكم مسـئول عن مربوبه. إن اللـه معكم أينما كنتم، وإن اللـه معكم في حياتكم هذه، وإن اللـه معكم في حياتكم ما قبل هذه، وإن اللـه معكم في حياتكم ما بعد هذه. إذا لم يذكر اللـه الإنسـان لا يوجد. وإذا لم يذكر الإنسـان اللـه لا يعرف.

{فاذكروا اللـه كذكركم آباءكم أو أشـد ذكرا}[٤] اذكروه بقلوبكم ولا تقتصروا على ذكره بألسـنتكم، (فإن ذرة من عمل القلوب خير من أمثال الجبال من عمل الجوارح)[٥].

ها أنتم اليوم تبدأون عاما جديدا من أعوام حياتكم، وتفارقون عاما سـابقا من أعـوام حياتكم. ما تحدَّد ما بين العامين من انتهاء لأولهما وابتداء لثانيهما، إلا بذكرى تذكرونها لوليدٍ. هذه الذكرى لهذا الميلاد حددت الأعوام، وهيأت عدَّ القرون والأيام، وحصرت في السـنة الشـهور والفصـول. وإن كلا منكم ليولد فيبدأ بمولده زمان، ولكن الفارق أن ذكر زمان هذا الوليد لم ينتهِ ولكن ذكر زماننا بموتنا ينتهي لأن القلب الحي لا ينتهي، ولأن الوعي الحي لا ينقضي، ولأن الذات الحي يرفع لا يُقبر. من رفع ذكره كان جنة عند الناس قبره. فهـلا جددتم سـفينة أنفسـكم؟ وأحييتم عالم ذاتكم؟ ونشـرتم رسـول عقولكم؟ وحررتم روح حياتكم؟

بهذا جاءتكم الرسـل حاملة البينات والآيات. فما أفلحت البينات ولا تركت أثرا الآيات. فبعث اللـه من بينكم رسـولا من حقيقة أنفسـكم، عقلا مسـتكملا وإدراكا محيطا وكلمة بالغة بأمر اللـه في أمره لا يُدين، ولا يغلق دون الناس من أبواب نفسـه عن نفسـه بابا، ولا يقطع ما بينه وبين الناس صلة وأسـبابا. أمته مذنبة وهو الرب الغفور ربـا للناس، ملكا للناس، إلها للناس، غيبا على الناس وجها لربه ومظهرا لأمره وحقا من حقائق قدسـه، دب على الأرض جيئة للحق ومعركة مشـنونة على الباطل. به زهق الباطل عند مسـتقبل الحق فيه. كلمة تمت للـه أمسـكتها يد قدرته، وأدبتها روح حكمته، رحمة للعالمين، وأسـوة للناس كافة. أسـوة تُرتضى لا تَشُـق في تكليف، ولا تُعجم في تعريف. لا ينقطع بين الناس عملها، متجدد فيهم أثرها دارا رحبة وبيتا مفتح الأبواب لطارقيه، والنوافذ لسـاكنيه، يتسـع للأرض وأهلها، لا بل يتسـع للعالمين. أذن له أن يعلن جيئة الحق في جيئته، وأذن له أن يعلن أمر اللـه في أمره. فبشـر ما نفر، ويسـر ما عسـر، ووصل ما قطع، وعن الوصل ما انقطع.

فماذا أفاد الناس؟ - إلا من رحم - وقليل ما هم وقليل الشـكور. والكل برسـالته في سـاحـة الغفور. في سـاحة الحليم. في سـاحة الكريم. في سـاحة الودود.

ما عرض عليه أمران إلا اختار أيسـرهما حتى يكون للناس حظ اقتدائه في ذاته وفي آثـاره، وحتى يكون للناس حق اقتفاء أثره إذا تعذر عليهم خبـره، أو تعثر العقل في إدراك جديده، أو توانت النفس في السـعي عن باب من أبواب داره، بيتا موضوعا للناس لا يتهدم ولا يهدم.

أهله فيه للـه عاكفون، وأهلهم حوله يطوفون. يذكرون اللـه، وغيره بالفضل لا يذكرون. ويعرفون رسـول اللـه في رسـالة اللـه لا بداية لها ولا نهاية لها. قديمة بقدم خالقه، متجددة بتجدد خلقه.

شـرفت - بتواجده بينها - البشـرية. واكتسـبت به دائم معناها، وبه جددت منقضَّي مبناها، إلى قوي وشـامخ مبناه، في شـجرة من الجنس لا يُدرك غور جذورها، ولا يبلغ إلى منتهي مرتقاها.

جعل اللـه منه لنا مثالا لابن آدم، الجدير بأن يكون حقا ابنا لآدم تنزه به علينا آدم، ومثالا لابن الإنسـان الجدير بالوصف، والإضافة إلى الإنسـان اسـما للـه وعلما عليه. تنزه به علينا الإنسـان.

فتح لأبناء آدم معراج الرقي ليكونوا في اللـه أوادم، وحمل إليهم البشـرى أنهم بذلك يجددون آدم في أوبته وفي رجعته وفي كلمات اللـه إليه.

فماذا بعد هذا يطلب الناس؟ وقد كشـف لهم رسـول اللـه، رسـول ربـهم، وجه ربهم، عين ربهم، يد ربهم، قيام ربهم، أن السـاعة هي انتهاء المنتهي عما حرَّم اللـه، وقيام القائم فيما أمر اللـه، وفي تلبية الملبي لنـداء اللـه، فما السـاعة إلا إلى ربه منتهاها. وربه يطلب الناس جميعا رضي عنهم وأحبهم. وما بقي إلا أن يرضوا عنه ويحبوه، ويسـألوا رسـول اللـه بينهم، من عباد الرحمن، من الخبيرين برحمته، فيعلموهم أن اللـه منهم قريب، ويعلموهم هذا القرب ويفتحون لهم كنوز أنفسـهم فيه. يفتحون لهم مغاليق أنفسـهم. يفتحون لهم بيت اللـه في قلوبهم. ويرفعون السـتر عن وجوههم ليشـهدوا في مرآة أنفسـهم وفي مرآة المؤمنين وجه اللـه متجليا في وجوههم وبوجوههم.

إن اللـه الذي هو من ورائهم محيط، الذي هو أقرب إليهم من حبل الوريد، والذي هو قائم على كل نفس. تسـمى لهم مؤمنا وسـمى رسـوله مؤمنا. وأسـماهم بالمؤمنين فشـاركهم وصفه وشـاركهم وصفهم ورسـوله. وجعل شـهادة وحدانيته، وجعل إدراك وحدانيته، وجعل قيام وحدانيته، أن يكون المؤمن مرآة للمؤمن من رسـول اللـه ومرآة للمؤمن من اللـه ومن الناس. {إن اللـه لا يغفر أن يشـرك به}[٦] أما ما دون ذلك فهو له غـافر إن شـاء، وله مُقوم بعذاب إن شـاء. إن العصا لمن عصى والعبد يقرع بالعصا والحر تكفيه المقالة.

{الـذين يسـمعون القـول فيتبـعون أحسـنه}[٧] أما الذين{يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت}[٨] فإن شـدة الموت آتية بما ينكرون. فما جاء محمد والنبيون من قبله بأفضل من شــــــــهادة أن لا إلـه إلا اللـه، وما قام قائم ببيان في أفضل من شهادة أن لا إلـه إلا اللـه، وما شـهادة أن لا إلـه إلا اللـه إلا إدراك وحدانية اللـه، بالإيمان به قائما في قيامك قيوما على قيامك، مقيما من قيامك، ما به يعظك وما به يرشـدك.

وإن اللـه بادئ الخلق مع كل مخلوق. وما بَعْثكم وما خلقكم، وما إنشـاؤُكم، إلا كنفس واحدة، وما خَلقَكم اللـه، أناسِـيّ أو غير أناسِـيّ إلا لتكونوا عبادا له… أي تعبِّدوا أنفسـكم لقربه، ولكشـف الغطـاء عنكم، فتحيطون بمعرفته تعلمون عنه، وتأنسـون به، ويُعَلّمُ بكم ويُؤنس به في الأنس إليكم. وقد كرمكم أبناء لآدم الذي خلقه على صورته. من سـابق تجلٍ له. بإنسـان من إنسـانية حضرته. تعالى الأكبر في عظمته.

ضَرب لكم بابن مريم مثلا وجَعل من علاقته بأبيه، ومن علاقته بربه من علاقته بأصل أمه ونشـأته بآدمه… جعل به مثالا لآدم في غيبه عن إدراككم وقد تمت كلمة اللـه بمعناها - علما على الأقدس- على المثل المضروب منكم بينكم لمبناها، بالبيت الموضوع، تمت كلمة اللـه بمحمد. فكان اسـما للـه وكلمة له، وحقا من حقائقه، أودعه اسـمه الرحمن الرحيم بلا رفع عن الأرض والبشـرية، وقد أنزله من قبل مع كل نبي ليعمل به، وأنزله على محمد ليقوم به، وليدوم في دوام تجدد الجنس باسـمه.

يصطفي من الناس متكاثرا، في تقلبه بالسـجود، تخلقا بأخلاق ربه في اصطفائه لآدم من قبل… معلما الناس كلَّ ما علم - على مكث بينهم - كلا منهم وما تأهل له، إبرازا لقديم أو إنشـاءً من محدث.

جاء وجاء معه قُدامى بعثا كما بعث. وهيأ اللـه له من ناشـئة الليل من يصطفيه نافلة له حتى يضرب المثالين من بعث لخليقة وبدء لخليقة. بُعث معه مبعوثون في صحبته وتخلق معه مخلوقون مع خلقته، فكان مجمع البحرين ببعثه ونشـأته. جعل منه اللـه جنى الجنتين دان من فعل اللـه بعطائه ومن كسـب الإنسـان له ببلائه. وأعطى الناس به جنة عمل وجنة جزاء، وضاعف بجنانِ مِنَّة وجنانِ معنى. وتجاوز به - وقد جعل النار جنة - لمن صاحبه فقلبها، وقـام عليها بأمر اللـه لا بأمـرها. فكان للنـاس به جنتـان ما اتقوا اللـه وما آمنوا به. وتجاوز العطاء كما تجاوز البلاء إلى حضرة للـه، ليس فيها إلا نعمـة اللـه. ليس فيها إلا وجه اللـه. ليس فيها إلا كـرم اللـه. ليس فيها إلا وحدانيـة اللـه. ليـس فيها إلا اللـه. (جنة لله ليس فيها غير وجه الله يضحك)[٩].

شـاهد ومشـهود موجد وموجود. شـغل الموجد بما أوجد من عبده وشـغل الموجود بما شـهد من ربه شـغلا عن ما من دنيـاهما بل ودنـاهم، وعن مدرك من أخـراهما بل أخـرياتهم إلى حق منفرد فيهما، فرد: هو الأرض والسـماء. {جنات الفردوس نزلا لا يبغون عنها حولا}[١٠].

إن كل جنة لا يقوم فيها اللـه مشـهودا لمشـاهد لا ترتضيها قوى الوعي في الإنسـان الواعـي، ولا ترتضيها غريزة العبودية في الإنسـان العـابد. لا بل ولا ترتضيها النفس في الإنسـان الطموح.

إن كل ما دون اللـه لا قيمة له. إن كل ما سـوى اللـه لا غناء به. ولكن من عرف اللـه فكان غناؤه، ومن رضي اللـه فكان بلاؤه، ومن شـغله اللـه فكان وعيه وكتابه، ومن أحب اللـه فكان قربه وجزاؤه، لم يفته شـيء.

ومن طابت له الدنيا، ولم يطب له ذكر اللـه، فما حصل على نعيم. ومن طابت له الجنة، ولم يطب له طلب اللـه، فما طاب له قيام، وما طاب له تحقيق رجاء، وما طاب له صبر على بلاء، وما طاب له أمل في جـزاء، وما طاب له سـلام وإسـلام، إنما هي خدعة النفس وضعف العقل وحُمَّة القضاء.

ليس في دنياكم أطيب من ذكر اللـه، وليس في دنياكم غاية أشـرف من طلب اللـه. {فلا تغرنكم الحياة الدنيا من الآخرة}[١١] {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}[١٢]، وما الغرور إلا نفوسـكم، وما الغرور إلا عقولكم وشـهواتكم، وما الغرور إلا ضعفكم. إن كيد الشـيطان كان ضعيفا - وما الشـيطان إلا ذواتكم - فـلا تلكأوا ولا تجاهلوا أن اللـه معكم.

إنكم تخشـون قوانين وضعكم من قوانين قيامكم، وتخشـون حكامكم، وما أقامهم إلا أنتم، وما أرهبكم منهم إلا فعلكم. ولا تخشـون اللـه وهو أقـرب إليكم من حاكمكم، إنـه أقـرب إليكم من حبل الـوريد، إنه معكم أينما كنتم. {الذين إذا ذكر اللـه وجلت قلوبهم}[١٣].

هذا هو مقياس ذكركم للـه، فهل إذا ذكرتم اللـه وجلـــت قلوبكم؟! وإذا ذكرتم اللـه فلم تـوجل قلوبكم فما ذكرتموه، واعلموا أنكم لم تذكـروه. وإذا لم تعـرفوا عن أنفسـكم بانعكاس بصائـركم في بصيرتكم، وبصيرتكم في بصائركم فتشـهدون غير مألوف طبائعكم مما عـرفتم من آبـائكم، فما عـرفتم اللـه، وما وصلتم اللـه، وما شـهدتم أن لا إلـه إلا اللـه، وما شـهدتم أن للـه بينكم رسـول.

إن المريض إذا عرف أنه مريض فسـعى إلى الطبيب وطرق بـابه، خير له من أن يقوم ويسـكن في موهوم من سـلامة، حتى يفاجأن من الموت فجأة الندامة، لم يحـرص على حيـاته ولم يعمل لسـلامته.

لا تنفروا من قسـوة الحديث فإنها قسـوة الرحمة بكم من الرحيم بكم الذي شـاء أن يرحمكم. فهل شـئتم أن تتقبلوا رحمته؟ والذي شــاء أن يدانيـكم، فهل شـئتم أن تدانـوه؟ والذي ظهرت مشـيئته بالرضاء عنكم والرضاء عن قيامكم، فهل ارتضيتموه؟ هل سـعيتم إليه كما يسـعى إليكم؟ هل رضيت نفوسـكم به، كما رضي بنفوسـكم له، على عدلها أو على ظلامها وظلمها؟

لا تحاجوا اللـه - وله الحجة - ولكن حاجوا أنفسـكم بينكم، وتواصوا بالحق في حديثكم في سـركم ونجواكم، حتى يتكشـف لكم أمـر نفوسـكم من غفلتـها، ومن قسـوتها، ومن جفوتها.

واعلموا أنه ما تكشـف لكم عيب من عيوبها، إلا أزاله اللـه، وهو القادر على إزالته، وأنه لا يكلفكم ما يخرج عن وسـعكم. إنه لا يكلفكم إلا أن تدركوا ما في هذه الأنفس، على ما هي عليه من نشـأتها، حتى يقلب اللـه لكم هذه الصفحة المدركة من كتاب ذواتكم ومعانيكم، لتشـهدوا أخرى وأخرى.

فإنكم قد دخلتم هذه الدنيا بكتاب مرقـوم، من فعل سـابق صدر عنكم، وإنكـم ميسـرون فيها لما له خلقتم، وإن قلوبكم اليوم أقلام قدرة اللـه فيما إليه أنتم. فإذا ما تكشـفت لكم قضايا أنفسـكم، بعيدة عن حظيرة اللـه، مباعدة مجانبة بيت اللـه وقبلته… إذا ما تكشـف لكم ذلك، فتأسـفتم على أنفسـكم وفعلها ووصفها، كتبتم بقلم القدرة - من قلوبكم - في صفحـات القلب البيضاء، كتابا جديدا تدخلون به أخـراكم وهي دنيا جزائكم. ومنها تبعثون إلى أرض معادكم لمزيد في تطوركم.

هذا هو قانون الحياة، وهذا هو الدين، وهذا هو جوهره، وهذا هو ألفه وباؤه. فإذا لم يقم الدين على ذلك، فلا دين ولا صلاة، ولا نُسـك، ولا تلاوة لكلام اللـه، أو لكتاب اللـه، وإنكم إن دانيتم كتابـه على ما أنتم قارئيـه، فإنكم من البعد عنه مسـتزيدون. ألم يقل لكم رسـول قربه ـ (كم من تال للقرآن والقرآن يلعنه)[١٤] ـ ألم يقل لكم رسـول صلته -(كم من مصلٍ لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدا)[١٥]؟- الصلاة صلة بين العبد وربه - ألم يقل لكم ربكم في كتابه وهديه - هو {العروة الوثقى لا انفصـام لها}[١٦]، {آمنوا برسـوله}[١٧]،{صـلوا عليه وسـلموا تسـليما}[١٨] ألم يبلغ لكم من القائم وملائكته عليـكم أنه وملائكته يسـتقبلونه لكم مصلى إذ يصلون عليه منكم بأبـوتكم بصلاتكم؟ ألم يطلب إليكم أيها النـاس أن تسـتقبلوه مصلى وقبلة بصلتكم وصلاتكم وإسـلامكم؟ هل توارثتم عن الآباء شـيئا من ذلك في العقيدة اللـهم إلا كلاما وألفاظا تتلونها ببغاوات؟ وقد قال لكم الرسـول والعقل الكلـي في حقيقتكم - (العقل أصـل ديني)[١٩].

إن أحاديث هدي الرسـول كثيرة فبأي منها عملتم؟ وأيًا منها على صورة حقيقية توارثتم؟ اللـهم إلا الإنكار على كل ما يصلح به حاكم.

إن العقيدة والإيمان تتجدد في تجدد أنفسـكم، وأنسـجتكم، فكيف لا تتجدد بتجدد أرض نشـأتكم، وأزمنة حيواتكم؟!

أتريدون أن تجعلوا الدين اليوم عند الشـيئيين، مثلا أن كيف يسـتنجي المرء أبِماء أو بورقة؟! أما آن للناس أن يسـتيقظوا؟

أتريدون الناس الذين يريدون أو يحاولون أن يرتقوا السـموات ويجوبوا ملكوت اللـه بمطاياهم أن يسـتقبلوا معكم قبلة من أحجار، ومن تراب الأرض، ومن فعل الإنسـان في غرفة لا شـيء بها وتقولون لهم هذا بيت اللـه. ولا وعي لما تقولون ولا لما تفعلون ولا لما إليه تتجهون! أي دين هذا الذي تريدون أن تقيموه في الناس؟ - ولم يقم للـه دين في أنفسـكم -

تجادلون الأمم بدين هو فيكم جيفة قذرة! جيفة منتنة بفعلكم لا طهارة فيها، ولا طيب لها، ولا إشـراق منها…

إن من ليسـوا في دينكم على زعمكم - يجلسـون حول الموائد ينشـدون الاتصال مع الروح، متخلين عن أنفسـهم، لا بمنسـك ولا بعبارة ولا بصلاة فتصلهم الروح مشـرقة ترفع الحجب عن البصر فتجعله بصيرا وعن السـمع فتجعله سـميعا.

وأنتم تسـتقبلون القبلة نهاركم وليلكم لم ترفع عنكم حجب تجعل لكم بصيرة، ولم تجعل لكم آذان سـميعة ليأسـكم من الروح… ووهمكم في اللـه.

سـبحان اللـه! ما الدين؟ ورسـول الفطـرة يقـول لكم (الإسـلام دين الفطرة)[٢٠]، وها هو رغم أنف أهل كتابه وأدعياء الانتسـاب إليه قائم بالفطرة، مقيم لها فيمن لم يذكر اسـمه ولم يقرأ كتابه ولم ينتسـب إلى قومه.

إن الفاعل لذلك والقائم عليه إنما هو رسـول اللـه وجماع رسـالاته. إنه معنى الرسـالة منه، إنه الحق المرسـل من الحق المتعالي المتكبر، إنه الحق المقيد من الحق المطلق، إنه الحق المداني من الحق الكبير المتعالي، إنه الدين إنه الفطرة، {ما كان لبشـر أن يكلمـه اللـه إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسـل رسـولا}[٢١] فيوحى هذا الرسـول بإذنه ما يشـاء تخلقا بأخلاق ربه. إن الرسـول إذا تخلق بأخلاق اللـه، وكمل فيه تخلقه كمال رسـول اللـه قامت به صفات ربه من الحق الموصوف.

إن الذين يفرقون بين اللـه ورسـله لا يعقلون ولا يدركون ولا يعلمون. إن اللـه لم يفرق بينكم وبينه عبادا له أو خلفاء له، وهو الذي يقول لكم أنا أقرب إليكم من حبل الوريد. فكيف يفرق بينه وبين رسـله؟ وكيف يكون قربه من رسـله؟ إنه منهم قاب قوسـين، لا بل إنه منهم أدني من قاب قوسـين، إنه لهم الذات والعين ليسـوا غيره وليس غيرهم في الظهور، وليسـوا غيره في الوجود والبطون. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة}[٢٢]، يأيها الذين آمنوا تابعوا صراط الله المستقيم… رسول الله الداعي له على بصيرة في ذاته وذواته متجددا منه على بصيرة. يقوم ويتقلب في جديده بقديمه. لله ساجدا، ولله داعيا، وبالله قائما.

فاذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون.

اللهم إنك تعلم بما نعلم وبما لا نعلم وأنت فينا بنا أعلم. اللهم كن لنا في الصغير والكبير من شأننا. اللهم ارزقنا الحكمة والرشاد والرأي والاستقامة والسداد، وجنبنا الفرقة والندامة والعناد، وكن بنا الرحيم وكن لناالغفـور. يا أرحـم الراحمـين ارحمـنا.

اللـهم ولِ أمورنا خيارنا ولا تولِ أمورنا شـرارنا وعاملنا بعفوك ورحمتك.

لا إلـه إلا أنت منك البداية وإليـك النهاية وبك القيام.

أضواء على الطريق

(فكروا في الكثيرين الذين أزعجتهم وأدهشـتهم رسـالتنا، وهم الذين أخذتهم الحيرة، وقد ارتبطوا بعقائد وفهوم لا يسـتطيعون الفكاك منها، موروثة عن انحراف آبائهم، مع أنهم يسـمعون لصوت الحرية ينادي نفوسـهم السـجينة، وعقولهم في ثورة داخلية تريد أن تصبح حرة.

هؤلاء هم المقصودون بهذه الرسـالة، والذين نأتي من أجلهم لنسـاعدهم على أن يصلوا إلى ما كان بعيدا من قبل عن متنـاول يدهم، ونحثهم إلى الاتجاه إلى داخل نفوسـهم حيث كل شـيء. إن الصدق كله ما هو إلا أول درجات السـلم.

إذا ما نمت تعاليمنا في عالمكم فهذا معناه انتهاء كل الفروق بين الناس، وانتهاء الحواجز بين الشـعوب، وانتهاء التمييز بين الأجناس وبين الطبقات وبين الألوان، وانتهاء الاختلاف بين الكنائس، والمذاهب والمدارس والطوائف والهياكل والمعابد والمسـاجد والمجـامع، إذ أن الجميع سـوف يتعلمون تدريجيا أن لديهم جزءا من صدق الروح الأعظم، وأن الجزء الذي يشـرق في قلب كل ديانة أخرى لا يتعارض أبدا مع الجزء الجوهري عندهم، وأن سـلطة الحقائق الروحية قائمة إلى الأبد، وأنه ما كان هناك محل للأخطاء لو سـمح لنور الروح الصافي أن ينسـاب.

إذا سـمعتم من بين شـفتي الوسـيط الذي أتكلم من خلاله ما يثير منطقكم، أو يتعارض مع حب الروح الأعظم، أو مـا هو ســفه أو مهين لذكائكم فاعلموا وقتئذ أن يومي قد حان، وأني قد فشـلت).

عن السـيد الروح المرشـد (سـلفربرش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة القلم - ١ ↩︎

  2. سورة الزلزلة- ٧، ٨ ↩︎

  3. حديث شريف: ‏"‏ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏. أخرجه البخاري، ومسلم، وأبوا دود، وأحمد، والترمذي. ↩︎

  4. سورة البقرة - ٢٠٠ ↩︎

  5. مقولة صوفية. ↩︎

  6. سورة النساء -٤٨ ↩︎

  7. سورة الزمر - ١٨ ↩︎

  8. سورة البقرة -١٩ ↩︎

  9. إشارة إلى حديث شريف ذات صلة رواه مسلم في صحيحه، يصف حال عباد الله الصالحين يوم القيامة: “…فيكَشِف الحجاب، فما أُعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عزّ وجلّ.” كما في الآية الشريفة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} سورة القيامة - ٢٢، ٢٣. ↩︎

  10. سورة الكهف - ١٠٨:١٠٧ ↩︎

  11. سورة فاطر - ٥ ، سورة لقمان - ٣٣ ↩︎

  12. سورة آل عمران - ١٨٥ ، سورة الحديد - ٢٠ ↩︎

  13. سورة الأنفال – ٢، سورة الحج - ٣٥ ↩︎

  14. حديث شريف نسبه الغزالي في (إحياء علوم الدين) لأنس بن مالك: “رب تال للقرآن والقرآن يلعنه.” ↩︎

  15. حديث شريف ذات صلة: “من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا.” أخرجه الطبراني في الجامع الصغير للسيوطي. كما أخرجه البيهقي في “شعب الإيمان” ↩︎

  16. سورة البقرة - ٢٥٦ ↩︎

  17. سورة الحديد - ٢٨ ↩︎

  18. سورة الأحزاب - ٥٦ ↩︎

  19. عن علي ابن أبي طالب _ رضي الله عنه ـ قال: سألت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن سنته فقال: المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة. ا المحدث: العراقي، وصفه أنه موضوع، وذكره الغزالي في الإحياء، والقاضي عياض في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ومعظم المتصوفة. ↩︎

  20. إشارة إلى الآية الكريمة {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}، والحديث الشريف: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ. صحيح ابن حبان. كما أخرجه البخاري ومسلم مطولا. ↩︎

  21. سورة الشورى ٥١ ↩︎

  22. سورة المائدة - ٣٥ ↩︎