(٢٣)
إن قضية آدم وكلماته هي قضية الدين
فهل عبَّد الناس أنفسهم لذلك وعن يقين؟
حديث الجمعة
٢ ذو الحجة ١٣٧٩ هـ - ٢٧ مايو ١٩٦٠ م
اللهم إنا إليك نجأر، وباسمك نقوى فنقدر، فنعرف فإليك نستغفر. اللهم إنا بك نحيا وبك نغيب. لا إله غيرك ولا معبود سواك. نشهدك واحدا لا شريك لك. ونشهدك قادرا لا خصيم لك. ونشهدك موجودا واحدا لا وجود لغيرك مع وجودك. ونشهدك غنيا منعما لا جود إلا جودك، ولا وجود لجود مع جودك.
باسمك نسترحمك. وباسمك نستهديك. وباسمك نستجيب لك. وباسمك نستقبلك. لا ظاهر إلا أنت. ولا متعالي ولا غيب إلا إياك. أنت الظاهر بظهورنا إن عرفنا. ونحن الغيب فيك بغيبك إن أنصفنا. يا ظاهر كريما بظهوره. يا غائب رحيما بغيبه.
أرسلت لنا الهدى في المهتدين، وعرفتنا الحق في العارفين، وأقمت الإنصاف بالمنصفين، وأنطقت الكتاب بالعالمين، وهيأت الطريق بالأئمة السالكين.
لا إله إلا أنت… ارحمنا برحمتك في المرحومين، واغفر لنا بجودك في المغفورين، وألحقنا بكرمك بالصالحين.
أظهرت محمدا على كل الدين، وحققته بكل اليقين، وقومته فكنت خير المقومين وكان خير القائمين. عبدته لذاتك وللأقدس من ذاتك، ووحدته بروحك وللأعظم من روحك. جعلت منه معنى الإنسان، وجعلت منه وجه العنوان، وجعلت منه آدم أكوان، وأخرجت منه أوادم لدور، وجعلت المعرفة به بعثا لنشور، فكان المبعوث بالأمر المبين، فكان المبعوث بالأمر المطاع، فيمن بعث فيهم من السعداء المتقبلين. وجعلت فيه وبه بعثا من بعد بعث، وجعلته قبلة للناس تتجدد فتدوم ولا تنقطع، فيغُمَّ الأمر على الناس اختبارا واعتبارا.
جعلته بيتا لا يغيب، ووضعته للناس عنوانا للمحبة، فيه يتحاب الناس، يحبهم ويحبونه يرتضيهم ويرتضونه. وجعلت بيته قبلة للحجيج، وقبلة للصلاة، وقبلة للطواف. وأضفته إلى نفسك بيتا لك فكان بيتا لله، أهله أهل بيت الله، والطائفون حوله طائفون حول بيت الله. لا ينقطع حوله الطواف في ظلام الليل أو ضوء النهار. سبحان الله الذي لا تأخذه سنة ولا نوم والذي يتصف بيته بصفاته، وبصفته لا ينام فيطوف الناس به في دوام.
إن الله قد أظهر محمدا على الدين كله. قد علَّمه وأعلمه الدين كله فحمل الدين إلى الناس بقيام ذاته وظهور صفاته. وحمل الدين إلى الناس بكتاب أُمر فبلّغه، وبسنَّة أُدب فأظهرها، وعلَّم الناس بحب غامر يصدر عنه، وعفو شامل يصدر منه. لا يدين أبدا، ولا يكره أبدا، ويعتذر عن الناس دواما قبل أن يعتذروا إليه. وينصفهم من أنفسهم قبل أن يجادلوا بها.
فهو السيد السمح الغفور الذي جُعل أسوة للناس من رب الناس ملك الناس إله الناس. بالارتباط به يستعيذون من شر الوسواس الخناس. ببعثه فيهم وقيامه بهم يستعيذون من شر الوسواس الخناس من أنفسهم. به يبدلون من أوصافهم إلى وصفه، ويتخلصون من أرجاسهم إلى طهره. فيهم يقوم وبه لله يسجدون. به يُبدلون، وبه يحيون، وبه يقومون، وبه ربهم يشهدون. يستمعون إليه وإلى ما يصدر عنه، وما يصدر منه، فيتبعون أحسن القول.
به يقرأون صحائفهم وألواحهم في أناجيل صدورهم فيعرفون ما قدمت أنفسهم وما أخرت. فبالخير في أنفسهم مما قدمت يحتفظون، ولما أخرت يعملون فيستكملون. هو الساعة للمتقين وإلى ربه ينتهون. هو القيامة للمهتدين بالحق يقومون. هو الحق للعارفين، هو الكتاب للقارئين، هو كلام الله للسامعين، هو وجه الله للمشاهدين، هو نور الله للأحياء والمستحيين، هو رضوان الله للراضين، هو مالك يوم الدين عند صاحب الدين، هو مالك يوم الدين للمؤمنين. أقربهم منه منازل يوم يعلمون من كانوا على الخلق العظيم… من كانوا أحسن الناس أخلاقا لا من كانوا أكثر الناس أرزاقا. فالرزق الكريم في القرب من صاحب الدين، نواة الحياة للمستحيين، ووجه الحياة للأحياء المستزيدين.
ماذا عرف الناس عن سيد الناس يوم قال لهم (أنا سيد ولد آدم)[١]؟ ويوم قال لهم (سيد القوم خادمهم)[٢]؟ هل استخدموه فتخلف عن خدمتهم؟ هل سودوه فتخلف عن نصفتهم؟ هل عرفوه فقصر في وحدتهم؟
أضاف الناس إلى نفسه على ظلامهم، وجعل نفسه فيهم على ظلمهم. يوم قال لهم: (بينا أنا نائم أطوف بالكعبة…)[٣]، فهو الطائف في طواف الناس على ظلمهم وظلامهم. يحدثهم الله في ذوات نيام من ذواتهم، فيصلهم على عجل من أمرهم بهديه، ويظهر غيب الله في شهادتهم برحمة رسول رحمته، وبقيام رسوله في قيامه بقيامهم. ولكنهم بجهلهم يتمادون في جهلهم. وبغيهم يعمهون في غِيِّهم، وقد داناهم مريدا رحمتهم ومريدا هداهم فينكرون عليه باسمه وينكرون على الرسول باسمه. والله ورسوله في عيان. والله ورسوله في بيان. والله ورسوله في خدمة الإنسان. يعرفهما فيه محسن. ويعرفهما فيه منصف. يعرفهما فيه صادق في الطلب لهما.
ولكن الناس في غيهم يتباغضون ويتنافرون، ولا يتواصون بحق، ولا يجتمعون على ظاهر من حق، ولا ينصفون أنفسهم بإدراكهم لعجزهم عن إدراك الحق.
إلى هذا أمسى حالهم دواليك على ما كان. وهكذا يستدير الزمان. وإنه ليستدير اليوم على هيأته كيوم خلق الله السماوات والأرض، وعلى هيأته كيوم خلق الله سماوات وأرض بمحمد، وعلى هيأته من يوم خلق الله به سماوات وأرض لآدم بآدم.
إن كلمة الله السابقة على الكون، وإن كلمة الله المنتهي إليها كل موجود هي الأول والآخر لكونها لا ينقطع أبدا عن الأولية إبرازها للوجود، ولا ينقطع أبدا الانتهاء إليها في الشهود.
فآدم في الوجود، وكلمة الله في الوجود، وروح القدس في الوجود، وعبد الله وإنسانه في الوجود، إنما هي قضايا الناس… إنما هي معايير الناس… إنما هي مقامات لحج الناس… إنما هي معارج للناس من رب الناس إلى رب الأكوان والأجناس.
إن الذي جاء به محمد ــ وهو الدين كله وهو الدين القيم ــ إنما يكشف عن أديان في دين، وعن حقائق في حقيقة، وعن معارج في معراج، وعن جمالات في جمال، وعن أمم في أمة، وعن مفردات من الناس في إنسان من الناس.
{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}[٤]. هذا دين مما جاء به محمد. الناس يجتهدون ويجتهدون في المعروف، يتواصون فيه بالحق، ويتواصون فيه بالصبر. وهذا الدين ينتهي إلى حقيقة أن يهديهم الله به إلى السبيل. دين بدايته الفكر والجهد والعمل من الذات، والنظر إليها، وتكليفها، وامتطائها، والسير بها إلى غاية تتجول فيها النفس ويستشرق إليها العقل ويتشوق إليها القلب.
إن قام الإنسان في هذا الدين ــ وهو دين الفطرة ــ هداه الله إلى السبيل. وما هو السبيل الذي يُهدى إليه الإنسان؟ إنما هو محمد وقته، ومحمد زمانه، وإمام هذه البشرية وآدمها عند من يجتهدون في دين الله على الفطرة. يا محمد بلغ الناس وأعلمهم {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}[٥] . يا محمد قل للناس إني لن أغيب من بينكم، {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[٦] قل لهم {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}[٧]. يا محمد قل للناس (المؤمن مرآة المؤمن)[٨]. يا محمد كن للناس أخا، واخفض جناحك للمؤمنين من الرحمة لا من المذلة. يا محمد كن للناس خادما، (سيد القوم خادمهم)[٩]. يا محمد تخلق بأخلاق ربك وتأمله كيف يتواضع للخلق، وكيف يقوم على الخلق برحمته وهم يقومون في رحمته بخصومته. يا محمد تخلق بأخلاق ربك، واصفح الصفح الجميل. يا محمد قل لهم أنا مؤمن بربي وأنا مرآة ربي وهو المؤمن بنفسه العابد لذاته، القادر بإحاطته، الغني بوحدانيته. وكن لهم المؤمن بنفسه وبي إذا ارتضوا أن يكونوا من المؤمنين بي وبك حتى يؤمنوا بأنفسهم. إذا ارتضوا أن يؤمنوا بي عرَّفتهم إياك، وإذا ارتضوا أن يؤمنوا بك فعرفهم إياي. عرفهم أن الرب والعبد في الإنسان حق واحد. قل لهم من ارتضى أن يكون عبدا لعبد الله فهو عبدُ لله. ومن ارتضي أن يكون ابنا لابن آدم فهو ابن آدم. قل لهم إني كرمت أبناء آدم من أجل آدم. قل لهم إني اصطفيت آدم لنفسي، واجتبيته، واخترته، ومحوته عن نفسه، وأبقيته بمعناي من أجل كلماتي منه من أبنائه. قل لهم إني (ما ظهرت في شيء مثل ظهوري في الإنسان)[١٠]، فهو عبدي وهو إنسان ظهوري، ووجه طلعتي. وإني على ما فعلت لآدم أفعل لأبنائه. فإني مكرمهم، وإني مشرفهم، وإني أفعل لهم ما فعلت له بفعلي فيهم ما فعلت فيه. لقد تلقى مني كلمات في أبنائه بها اخترته، وبها حكَّمته في أبنائه في ملكوتي فأقام عدلي، وبها حكَّمته في العاجلة لأبنائه فأقام رحمتي. لم يخشَ فيَّ لومة لائم من أبنائه فرحمت به أبناءه. وعلَّمت به أبناءه وعلَّمتُه الأسماء كلها.
يا أبناء آدم… إني آخذ من ظهوركم ذريتكم. إني مخرج منكم على ما أخرجت من أبيكم من سلالة، ومحكمكم لبعضكم في بعض… محكم الأب في أبنائه، ومحكم الأبناء في آبائهم. فمن عرف أني من ورائه ومن خلفه محيط، وأنني الحاكم فيمن حكمت، وأنني المختبر فيمن ابتليت، فعرفني في نفسه كما عرفني في غيره، فإني مصطفيه ومجتبيه ومحققه بما حققت به آدم وبنيه من أسمائي.
إن الله قد جعل من آدم يدا له صنع بها، كما جعل منه يد رحمة منه رحم بها. إن الله فعل بآدم على أبنائه مبتليا له. فلما وَفَّى اختباره وانقضى بلاؤه وحل وقت جزائه اصطفاه إليه واجتباه فأمسكته يده. ومنها امتد قادرا فاعلا راحما بلا حساب ولا منة. يأتي وقت لآدم ليعمل من أجل أبنائه. لقد عمل آدم من أجل نفسه فقسى على أبنائه ــ قسوة على نفسه ــ وأقام العدل في أبنائه، وواءم بين إرادته وإرادة ربه في منَّتِه وجزائه حتى رضيه الله، وعرف عن الله، وعرف الله، وعرف رحمة الله، فاستخلفه الله وخلَّفه. فبدأ عمله من أجل أبنائه. تحول من خلاص نفسه والانشغال بها إلى خلاص أبنائه والانشغال بهم. وبذلك كان عبد الله في أوله، وكان رحمة الله في آخره، وكان رسول الله في دَوامه. كان رسول الله لأبنائه حتى يلحقوا بعالمه… حتى يلحقوا بحضرته… حتى يلحقوا بربه في لحاقهم به.
إن قضية آدم هي قضية الدين، وهي قضية الوجود، وهي قضية الإنسانية، وهي قضية البشرية، وهي قضية الكونية، وهي قضية كل نفس.
أظهر الله محمدا على هذه القضية. وبإظهاره عليها أظهره على الدين كله، وأقامه الله في هذه القضية، وبإقامته أقامه في الدين كله، وجعل منه أسوة في هذه القضية، وبهذه الأسوة كان جماعا للدين كله.
إنه آدم، وإنه عيسى، وإنه موسى، وإنه إبراهيم، وإنه المهدي، وإنه بوذا، وإنه كل ما أظهر الله في صفة من صفات الكمال لإنسان في الإنسانية.
إنه العلم والعلماء إن علموا. وإنه الفقه والفقهاء إن فقهوا. وإنه الولاية والأولياء إن تولاهم الله. وإنه الأئمة والمأمومين ما استقام إمام، وتابع مأموم. وإنه الأُمة ما وجدت معاني الأُمة. وإنه الأُمم ما وجدت معاني البشر. وإنه الإنسان ما وجد معنى الإنسان. إنه المعروف العارف. إنه العارف الذي هو عين المعروف. إنه الواصف الذي هو عين الموصوف. إنه المرسَل الذي هو عين المرسِل. إنه العبد الذي هو عين الرب. إنه الوجه الذي هو عنوان الكل. لا تصرفوه إلى شبح من جسد، فكل الأشباح من الأجساد إنما تقوم بحق واحد، هي له عنوان، وهي له بيان، وهي له بنيان. بيوت توضع وبيوت ترفع من لبنات من الأجساد، تعنون ما يقوم فيها من الحق، من حجاب الظلام طورا، ومن حجاب النور طورا… أطوارا بعد أطوار، وأزمانا بعد أزمان، وقرونا بعد قرون، وأجيالا بعد أجيال.
الناس فيها طبقات. طبقات ترفع، وطبقات توضع. وهم في وجودهم طبقات، طبقات في ألوانهم على ما يعرفون، أو ما يحبون… طبقات في صحتهم، وفي غنيتهم، وفي مكنتهم… طبقات في أوصافهم وأبدانهم… طبقات في عقولهم وفي نفوسهم… طبقات في قلوبهم… طبقات في أوضاع اجتماعهم.
يتلاقون في صعيد واحد كما تتلاقى طبقات الإنسان في سماوات من بعد سماوات، وإنسانيات من بعد إنسانيات، وعوالم من بعد عوالم، ووجود من بعد وجود، يتلاقى الكل في الله في صعيد واحد من معرفته.
{وما قدروا الله حق قدره}[١١]… إن الله يتصف بعظمته في قربه كما يتصف بعظمته في بعده. إنه الله قريب بعظمته كما أن الله بعيد بعظمته. إن الله قريب برحمته كما أن الله بعيد برحمته. إن الله قريب بقدرته كما أن الله بعيد بقدرته. إن الله قريب بمعرفته كما أن الله بعيد بمعرفته.
كيف يتحدث الناس عن الله إذا لم يكن وضعهم الأول أنهم يفتقرون إلى الله؟ وأنهم الفقراء إلى الله؟ وأن الله وحده هو الغني الحميد؟ كيف يعبدون الله وهم يعلمون أن الله غني عن عبادته من غيره؟ كيف يصلون الله وهم يجهلون أنهم موصولون بالله؟ كيف يرفع الحجاب عن أنفسهم وهم يجهلون أنهم غير محجوبين عن الله، أينما يولون فهم وجهه، وهو أقرب إليهم من حبل الوريد، وهو معهم أينما كانوا، وهو معهم في كل نفس؟
إن الله بعيد عنهم بشرف رسوله، ولكنه قريب إليهم بنفسه. {ويحذركم الله نفسه}[١٢]. إن الله فيهم بنفسه ولكن يطالبهم بالإيمان برسوله لأن في الإيمان برسوله كشفا لعظمته فيما يخلق، وفيما يبدع، وفيما يهب. هو كشف لعظمته فيما يعرف، وكيف يعرف.
إنه يدعوهم للإيمان برسوله. يا أيها الذين آمنوا بأني معكم، بأني من ورائكم محيط… يا أيها الذين آمنوا آمنوا بأني قائم على كل نفس بما كسبت. يا أيها الذين آمنوا بأني أقرب إليكم من حبل الوريد… يا أيها الذين آمنوا بأني المشهود أينما تولوا وجوهكم… يا أيها الذين آمنوا بي اتقوا الله، اتقوا من آمنتم به، اتقوا ما عرفتم من الحق فيكم، اتقوا ما عرفتم من الله في الوجود، اتقوا الله الذي عرفتم، واطلبوا منه ما لم تعرفوا منه، اطلبوا منه ما غاب عنكم بعظمته، اطلبوا منه ما لم يصلكم من رحمته، اطلبوا منه ما لم تدركوا من عطائه، {اتقو الله وآمنوا برسوله}[١٣].
إن آمنتم برسوله فلا قيامة ولا بعث ولا ساعة. إن إيمانكم برسوله هو ساعتكم. إن لمحة إيمانكم برسوله إنما هي أمره. وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر أو هو أقرب. {يسألونك عن الساعة أيان مُرساها. فيم أنت من ذكراها. إلى ربك منتهاها}[١٤]… لهم فيك أسوة، ولو بك تأسوا فانتهوا إلى ما انتهيت إليه، لقام فيهم ما قام فيك، ففيم تقوم القيامة؟ إن هذه هي القيامة… }إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله{[١٥]. إن الذين بايعوك إنما بايعوا الله على أنفسهم فبايَعهم الله نفسا بنفس. محاهم عن أنفسهم، وقتل أنفسهم ذبيحة في مرضاته فكانت عليه ديتهم وكانت نفسه ديتهم فبادلهم عن أنفسهم نفسه نفسا بنفس.
أحبهم فأحبوه ورضيهم فارتضوه. طلبهم فطلبوه، ووجدهم على ما أراد فوجدوه على ما أرادوا. (إن الله يبحث عن عبده كما يبحث العبد عن ربه)[١٦]. {خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين}[١٧]… ناداه أن ادخل في السلم. يا أيها الناس لمَ تخاصموني؟ لمَ تحاربوني؟ لمَ تحاجوني؟ ادخلوا في السلم معي. {ادخلوا في السلم كافة}[١٨]… فإذا سالموا الله ووجدهم مسالمين كانوا ما طلب من الناس أن يكونوا له عبادا على ما خلقهم وأراد بهم أن يكونوا له عابدين، فعبدهم لمعرفته ولنفسه فكانوا وجوها لمن لا شريك له. فلا شريك له من نفوسهم ولا من وجودهم ولا من إرادتهم ولا من تدبيرهم ولا من تصويرهم.
{وإن الدين لواقع}[١٩]… (ولو اطلعتم الغيب لاخترتم الواقع)[٢٠].
بهذا جاء محمد للناس. جاءهم بدين البحث عن العقيدة صادق البحث. وجاءهم بعنوان الطريق صادق السلوك، ثم جاءهم بنهاية المطاف يحبون الله ويحبهم. يرتضون الله ويرتضيهم. وبذلك تنتهي معاني الدين والدين إلى معاني اليقين والعين، فيعرف الناس أن قبلتهم في قلوبهم، وأن حجهم لأنفسهم، وأن صلاتهم لمعانيهم، وأن صلتهم بحقائقهم، وأن الله على ما عرفوا وعلى ما قاموا فيه كتبا له، وموجودا في وجوده، وإنسانية لمعاني إنسانه في حياتهم الدنيا وفي حياتهم الآخرة.
هذا ما جاء به محمد على جماع، وجاء به الرسل على تتابع، لا فرق بين ذاته وذواتهم، ولا نقص في ذواتهم عن ذاته. إنهم في آدم، وإنهم من آدم، وإنهم إلى آدم، وإنهم لأوادم.
هذا هو الدين. وهذا ما تأتي الروحية اليوم لتكشف عنه على جماع، لتجدده على جماع، لتنفض الغبار عنه على جماع. تنفض الغبار عن ملة بوذا، كما تنفض الغبار عن ملة محمد، كما تنفض الغبار عن ملة عيسى، كما تنفض الغبار عن ملة موسى. وإذا نفض الغبار عن ملة الأنبياء وحكمة الحكماء لوجد الناس أنهم في ملة واحدة، وحقيقة واحدة، ودين متصل الحلقات، جمعه الحق ولا يجمع هو الحق. الحق جماعه والحق حقيقته وإبداعه.
فالأنبياء المؤسسون للأديان ما كانوا في الله وفي بيت الرحمن إلا لبنات (وما مثلي ومثل الأنبياء من قبلي إلا كبناء تم لم تنقصه إلا لبنة فكل من رآه قال ما أجمله لولا نقص هذه اللبنة أنا لبنة البناء)[٢١].
لا تفاضلوا ولا تفرقوا بيني وبين الأنبياء من قبلي. لقد حذرنا الرسول كثيرا من ذلك. لقد نهانا عن التعصب له وعن مخاصمة الأنبياء وأُممهم. لقد عرفنا أنه والأنبياء وأممهم ما جاء وما جاءوا إلا بالحق، وأنه ما جدد الا ما غفل عنه في أمم الأنبياء من قبله. {إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى}[٢٢]. (قوم أناجيلهم صدورهم)[٢٣]. {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون}[٢٤]. {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم}[٢٥].
إذا كنا في هذا فنحن في صورة من صور الدين، ونحن طبعا نطلب أن نكون دائما في الصورة الأرقى من صور الدين. ولكن الرسول يسر لنا أن نبدأ بالأيسر والأقل، ولكنه طلب منا أن لا نقف مع الأيسر والأقل. {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}[٢٦]، يتواصون بالحق ويتواصون بالصبر، فقد أمرنا أن نتباحث في الحق وأن نطلب أحسن الأحوال وأحسن المقامات منه، وأن نجعل من دنيانا مزرعة لأخرانا، وأن نموت قبل أن نموت فنعيش مع الموتى لنكون من المؤمنين.
كل هذا جاءنا به محمد رسول الله فغفلنا عنه طورا، وتغافلنا عنه أطوارا، وانتقضناه طورا، وانتقضنا عليه أطوارا. وهكذا حتى غابت عنا معالم الدين، وحتى غابت عنا معالم الحق ودخلنا فيما دخلنا فيه من جاهلية قبل بعثه.
ها هو الزمان يستدير على هيأته كيوم بعث الله رسوله بالحق في صوت من السماء ينادينا أن لبوا نداء الله ــ وقد ناداكم على ألسنة رسله ــ وإنا هنا لنلبي هذا النداء، ونلبي هذا الصوت، ولا نضع أصابعنا في آذاننا حذر الموت، لا بل نقبل على الموت، ونتعلم الموت فنتعلم الحياة فنحيا بموت أنفسنا، وبعث الأحياء فيه في أنفسنا منه لا إله غيره ولا معبود سواه.
اللهم إنا نستغفرك، ونسترحمك، ونستهديك. اللهم ادفع عنا من البلاء ما نعلم، وما لا نعلم، وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم. اللهم إنك أرحم بنا منا، وأعلم بنا وأقرب إلينا منا، اللهم خذ بيدنا، وعلى أنفسنا فانصرنا، وباعد بيننا وبين كل ما يباعد بيننا وبينك. اللهم وفقنا لما تحب وترضى، ويسر لنا سبيل ما تحب وترضى، وأقمنا فيما تحب وترضى، واحفظنا على ما تحب وترضى، وابعثنا على ما تحب وترضى لا إله غيرك ولا معبود سواك.
اللهم فأنزل سكينتك على قلوبنا. اللهم عافنا من إقامة عدلك فينا. اللهم عاملنا بعفوك ورحمتك. اللهم ادفع عنا. وأنزل السلم والسلام على أرضنا.
اللهم باعد بيننا وبين ما يباعد بيننا وبينك من خصام، ومن حرب، ومن تقاتل. وألف اللهم بين قلوبنا، وبين نفوسنا، وبين عقولنا، وبين ذواتنا، وبين موجوداتنا. لا إله غيرك ولا معبود سواك.
أضواء على الطريق
(تذكروا دائما أنكم ــ أنتم الأصليون ــ وأنكم روح ولستم جسما. وتذكروا أن تعلمكم لهذا الدرس من الصعوبة بمكان ما دمتم متجسدين وما دمتم في العالم الفيزيقي. ولكن أنتم الأصليون ولستم المادة. ولا يمكن أن تظلوا إلى الأبد متأثرين بالأشياء المادية. ولو أنكم قد تخضعون الروح مؤقتا، وقد تسيئون إليها أو تؤلمونها مؤقتا، إلا أنه لا يمكنكم أن تحطموها، لا يمكنكم أن تطردوها من الوجود)
(عليكم أن تتعلقوا بقوانين الحقيقة التي تدور حولها كل حياتكم في ذاتها، والتي يدور حولها كل العالم نفسه، وهي المفاتيح الوحيدة لحل لغز الوجود.
إن قوة الروح هي الحقيقة. وهي مقيدة بالوسطاء الذين تحت تصرفها. ولو وجدت آلافا أكثر من الوسطاء لأمكن إنجاز عمل كثير أعظم. فهذه القوة تبذل تأثيرها في حدود الوسطاء الذين تعطونها إياها)
من حديث للسيد الروح المرشد (برش)
مصادر التوثيق والتحقيق
من الحديث الشريف: “أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ.” صحيح ابن ماجه. كما أخرجه الطبراني. ↩︎
حديث شريف. أخرجه أبو القاسم الشهرزوري في ((الأمالي)) كما في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) للألباني. ↩︎
من الحديث الشريف: “بيْنَما أنا نائِمٌ رأيتُنِي أطُوفُ بالكعبةِ، فإذا رَجلٌ آدَمٌ سَبْطُ الشَّعْرِ، بيْنَ رجُليْنِ يَنطُفُ رأسُهُ ماءً، فقُلتُ: مَنْ هذا؟ قالُوا: هذا ابنُ مَرْيَمَ، ثمَّ ذهبتُ ألْتَفِتُ، فإذا رجُلٌ أحمَرٌ جَسيمٌ، جَعْدُ الرأسِ، أعْورُ العيْنِ، كأنَّ عيْنَهُ عِنبةٌ طافِيةٌ، قُلتُ: مَنْ هذا؟ قالُوا: الدَّجالُ، أقْربُ الناسِ بهِ شبَهًا ابنُ قطَنٍ”. أخرجه البخاري ومسلم باختلاف يسير. ↩︎
سورة العنكبوت -٦٩ ↩︎
سورة الحجر -٩ ↩︎
سورة يوسف -١٠٨ ↩︎
سورة الأنعام -١٥٣ ↩︎
حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎
حديث شريف. أخرجه أبو القاسم الشهرزوري في ((الأمالي)) كما في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) للألباني. ↩︎
مقولة صوفية. ↩︎
سورة الأنعام -٩١ سورة الزمر-٦٧ ↩︎
سورة آل عمران -٣٠ , سورة آل عمران -٢٨ ↩︎
سورة الحديد - ٢٨ ↩︎
سورة النازعات – ٤٢- ٤٤ ↩︎
سورة الفتح - ١٠ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة النحل - ٤ ↩︎
سورة البقرة - ٢٠٨ ↩︎
سورة الذاريات - ٦ ↩︎
مقولة من الشائع أنها لعمر بن الخطاب بلفظ: “ولو أنّ الله كشف لنا حُجب الغيب، ما اختار إنسان لنفسه غير ما اختاره الله له”. لكن لم نجد لها سندا. ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وُضعت هذه اللبنة، قال فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين.” أخرجه البخاري ومسلم ↩︎
سورة الأعلى -١٨:١٩ ↩︎
من الحديث الشريف: “صِفَتي أحمدُ المتوكِّلُ، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ، يجزي بالحسنةِ الحسنةَ، ولا يكافئُ بالسيئةِ، مولدُه بمكةَ، ومُهاجرُه طَيبةُ، وأُمَّتُه الحمَّادون، يأتزِرون على أنصافِهم، ويوُضِّؤون أطرافَهم، أناجيلُهم في صدورِهم، يَصفّون للصلاةِ كما يصفُّون للقتالِ، قربانُهم الذي يتقرَّبون به إليَّ دعاؤُهم، رُهبانٌ باللَّيلِ لُيوثٌ بالنَّهارِ”. أخرجه الطبراني. ↩︎
سورة الزخرف -٥٧ ↩︎
سورة محمد -١:٢ ↩︎
سورة الزمر -١٨ ↩︎