(٢٢)

الموجود والموعود من أمر الله
هل صدقنا في طلبه فتابعناه؟ فكنا إياه؟

حديث الجمعة

٢٥ ذو القعدة ١٣٧٩ هـ - ٢٠ مايو ١٩٦٠ م

سلام الله على عباد الله، وعلى من آمن بالله، وعلى من اتقاه، وعلى من قبله ربا وارتضاه. الحمد لله لا شريك له، فلا يُحمد سواه. أتوكل عليه وأستعين به وأعمل باسمه رجاء رضاه.

والصلاة والسلام منه على كل من أرسله، وعلى كل من عرفه فأنبأ عنه، وعلى كل من علَّمه فعلَّمه، وعلى كل من قرَّبه فقرَّبه إليه، وعلى كل من شَرُفَه فَشَرُفه الناس بالشرف من القرب منه.

الصلاة والسلام على كل ما أوجد، وعلى كل ما عبَّد، وعلى كل ما أشهد. لا حياة إلا بالصلة به، ولا وجود إلا بالصلاة منه. الدين في وصلته والصلاة في قبلته، والكرامة في عزته ومرضاته وخشيته.

لا إله إلا هو. موجود لا ينقطع جوده ولا يختفي عن العارف وجوده. موعود لا ينقطع الرجاء فيه والرجاء منه والرجاء إليه فهو الموعود لكل طالب له. قديم أزلي عال متكبر. لا ينال ولا يدرك في قدمه… القدم من خلقه ومن فعله. تنزه في قدمه عن القدم، كما تنزه في حاضره عن الحضور، كما تنزه في قابله موعودا عن الوعد، كما تنزه بقضائه عن الوعيد.

لا إله إلا هو. سبح نفسه بنفسه، فكان العابد قبل أن يكون المعبود، وكان المعبود قبل أن يكون العابد.

جعل أمانة العلم عنه فيمن أوجد ليعلم هذا العلم عنه، في علمه عن نفسه. لا يحيط محيط بعلم عن نفسه إلا بما شاء.

جعل الإنسان كينونة صالحة للعلم عنه في العلم عنه.

جعل الإنسان كينونة صالحة للعلم عن المعبود في صلاحيتها للعلم عن العابد. جعل الإنسان كينونة صالحة للعلم عن الرب في صلاحيتها للعلم عن النفس. جعل الإنسان الأول لجديده كما جعل الإنسان الآخر لقديمه. كما جعل الإنسان الظاهر لباطنه عين ما جعله الباطن لظاهره. جعل الإنسان من عمله. جعل الإنسان هو عين عمله. من يعمل مثقال ذرة يراه مما عمل ربا له، ويراه وما عمل نفسا له. فهو وعمله شيئان، وهو وعمله أمران، وهو وعمله قضيتان، وهو وعمله حقيقتان.

{من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها}[١]… إنه ما أوجد ما أوجده بعمله إلا ونفسه مطيته إلى ما أوجد، وما أوجد عملا يرتضيه إلا ونفسه هي الرابحة لما ارتضى من هذا العمل، وهي عين هذا العمل، أو الخسارة لما خسرت به وهي عين الخسران.

إن الإنسان عمل غير ممنون. إنه عمل لا يصدر من غيره، وليس هناك من يمن على إتيان هذا العمل غيره. إنه من الله، وإنه إلى الله في كينونته وفي إرادته وفي مشيئته. والله لا يمن على الله، ونفس الله لا تمن على نفس الله، وذات الله لا تمن على ذات الله، وحضرة الله لا تمن على حضرة الله، ووجود الله لا يمن على وجود الله - وإن كانت له المنة -.

فإن عرف من عرف… وإن أحاط من أحاط فما عرف إلا ما أراد المعروف أن يعرف، وما أحاط إلا بما أراد المحيط أن يحيط - منه وإليه، منه وعنه، منه وبه -.

بهذا جاءت رسالة التمام والكمال. وما كانت كل رسالة إلا رسالة التمام والكمال لمستواها في معارج الله ـ- منه وإليه -. وفي حقيقتها من حقائق الله - منه وإليه -. موصوفا بالأول - وهو عين الآخر-. وموصوفا بالآخر - وهو عين الأول-.

وما جعل محمد عبدا لله أول عباد إلا قرين وصفه بالآخر -. آخر عباد -. فمحمد إذ يوصف بالأول والآخر من عباد الله إنما توصف ذاته موصوفة بالعبودية لما دلت عليه من أقدس من ذات الله لا تتناهى أقداسها ولا تتناهى الدلالة عليها. وما وصف بالآخر إلا ذاتا ومعنى كذلك، جديد ذات لمعروف قديم من ذات حملت عين معناها من معاني الأول والآخر من عباد الله. دلالة على الأقدس من ذات الله. دلالة لا تتناهى عن قدس من أقدس… إلى ما شاء الله في صمدي مشيئته عن صمدي ذاته عن صمدي وجوده.

إن الناس يجادلون في الله بغير علم عنه في علم يقوم عن أنفسهم منه. يجادلون في الله بغير هدى به وبغير هدى منه في اهتدائهم إلى معاني العبودية فيهم ومعاني الخلقية بهم ومعاني قيام الخلق بالخالق، دلالة عليه فيمن سمي بالمخلوق. وهو إذ يتخلق بعلمه فيكون عمله المخلوق - بخلقيته - موصوفا بالمخلوق، ويكون مخلوقه هو عين قيام خالقه… {والله خلقكم وما تعملون}[٢]… فيحتجب ما خلق عنه خالقا له بخالقه فيه، بنسبة الفعل إليه، والوجود له، ولا يقوم في الدلالة على خالقه إلا بعلمه عن نفسه وعند معلومه المتخلق في عين نفسه. وبذلك تكون النفس علما على الأقدس مما عرفت عند الأحدث مما فعلت. وبذلك يكون رسول الأقدس والأقدم من وجوده عند الأحدث والمخلوق من وجوده وفعله.

إذا كان كذلك وأحاط به، إذا علم ذلك وعَلَّمه علم عن الله لا أول له. دلالة على الأقدس من ذاته. وعلم عن الله لا نهاية له معلوما عنده فيما علم عما أحاط به من فعله، يدرك به منشوده ومعروفه ومعلومه من الله. المحيط بوجوده وبذاته. المتجدد قديمه من فعله في جديده من خلقه.

هذه المعرفة هي ما جاء به محمد عبد الله ورسوله على تمام علم بها في نفسه، وعلى تمام رجاء لها من نفسه للناس ممن أعلم وبلغ، ممن واجه وجابه وحادث وكلَّم، وحمَّلهم أمانته، ما شهدوا منه في أن يشهدوا أنفسهم للناس بعده على ما شهدوه لأنفسهم في وجوده وفي شهوده… مستقيمين على طريقه… عهد لهم متخلقا بأخلاق الله… مدركا دوام فعله ودوام تجليه بخلقه ودوام تكنزه عن خلقه بقديم من خلقه، ودوام تكنزه في خلقه بجديد من فعلهم في فعله، ومن خلقهم في خلقه.

عرف ذلك فاختار الرفيق الأعلى طلبا لقديمه وبقاء لمحدثه، وأولا في مرجوه مع محدث من محدَثه. عرف الحق في آدم عنه نشأ، وعرف الحق في آدم عنه ينشأ، وعرف الحق في أديمه، يقوم بمعناه من الحق.

عرف أنه الحق من ربه. وأن ما أنزل عليه هو الحق من منشوده ومعبوده. وأن ما قام به في الناس هو الحق من معروفه، ومن وحدانية معبوده.

صعب هذا القول على الإدراك أو تيسر، فهذا هو الدين! عُرف أو لم يعرف فهذا هو الدين! قُبل أو لم يُقبل فهذا هو الدين! قام فيه قائم أو لم يقم فهذا هو الدين! من أراد الدين في الإسلام أدركه. ومن أراد أن يكون على دين قدَّره. ومن عمل ليكون في دين يُسر له فهو في دين من وضعه، وليس في دين من فطرته.

أما من أراد أن يكون في دين من وضع نفسه ومن قيام حسه، ومن خيال مخيلته في خيال وجوده فهذا الدين القيم بعيد عنه، وله في نفسه دينه {لكم دينكم ولي دين}[٣].

الدين الذي لا يقوم على العقل يرتضيه، وعلى الحس يرتئيه، وعلى إدراك للبصر يجتليه، مسموعا للسمع يستهديه فيهديه، قائما في القلب يستجليه فيجليه، ويتجلى فيه فيرويه، فليس بدين محمد، ولا يكون صاحبه في أمة محمد إلا ما كان على ما كان فيه محمد، وتجلى له، وتجلى فيه ما تجلى لمحمد، وما تجلى بمحمد.

إن محمدا فارق التراب لمعناه. إن محمدا فارق الضيق والتقيد في مشاهد مبناه. إن محمدا كان قلبه كعبته وكان قلبه إحاطته وكان في رسالته رسولا بعين وجوده. فكان القلب لمن أحاط به وكان المحيطون به بمشاهده ما بقوا في إحاطتهم من صحبته، ولم يتناثروا من حلقته، وإلا فقد فقدوا معانيهم به إلى معانيهم بأنفسهم. لا أمة له ينسبون، ولا خلاصا به يخلصون. فلا قلب لهم بعين قالبه، به يقومون، وله يشهدون.

إن محمدا ودين محمد ورسالة محمد وكتاب محمد لا يقوم على أساس من وصف لقديم في الإنسان، كما لا يقوم على أساس من جديد على موصوف الإنسان. فالموعود عند محمد إنما هو حياة النفس بحياتها في الله. والمعبود عند محمد صمد في صفاته، صمد في وجوده، صمد في جوده، صمد في معناه ليس له صفات الحوادث… لا يُخلق ولا يحاط به… يُدرك ولا يدرك… يتحقق به الخلق، فيصيرون بتحققهم حقا، وقد كانوا قبله خلقا… ولم تنقص وحدانيته بخلقيتهم، ولم تخدش حقيقته بحقيقتهم.

فلا موعود عندهم ينتظرون ــ ولم يبقَ إلا الوعيد ــ وقد قامت الديانات من قبله على الموعود فكان هو موعودها، فقامت به على المشهود وكان هو مشهودها، {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا}[٤]. وبذلك كان آخر الأولين، وموعود الراجين، ومرجو الموعودين.

حقق الله الوعد والرجاء للموعودين من السابقين فصلى بهم إماما للنبيين. وقام عبدا في الأرض والسماوات يؤم المصلين ويصلي في المأمومين. يمتد فيهم بوجوده وبسجوده فيمتد الله في الناس بجوده، وهو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[٥]. هو المخاطب في التكليف في الخلق والمخلوقين، وهو المخاطب في الرسل المكرمين، وهو الموصوف بالعبد في العابدين، وهو الموصوف بالحق في عظمته وإنسانيته وكيل على المتوكلين. فهو هو. هو التوحيد وهو التثنية وهو التثليث وهو التخميس وهو التسبيع عند المعددين، وهو التوحيد عند الموحدين، وهو القرب عند المقربين، وهو الغيب عند المنزهين، وهو الشهادة عند العارفين.

فهل وصف أو اتصف محمد من الواصفين؟ وهل أُدركت رسالته وهو الجليُّ الأمين؟ وما كان بينهم على الغيب بضنين. علم الغيب والشهادة عند المؤمنين. علم ما كان وما يكون فأعلمه ولطالب علَّمه، ولطارق للسبيل يسره. ما غره ولكن قدَّره، فسقاه على ما طلب، وقدر ما أطاق، لا مُيئسا من مزيد، ولا مانعا عن جديد، ولا مُحرِّما لقديم يُشهد، أو لقائم له يتعبد فيتجلى فيعبد، فيدركه معبودَه في شرف عبوديته بإدراك موجوده من عين موجده في شهادة أن لا إله إلا الله، وجها له ــ وهو الأكبر ــ ويدا له ــ وهو الأقدر ــ ووجودا له ــ وهو الأبقى والأعظم ــ في شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن الله أكبر.

ولا يشهد شاهد هذه الشهادة إلا إذا شهد أن محمدا رسول الله… إلا إذا شهد أن محمدا رسول الله فيشهده محمدا في وجوده بوجوده، وأنه لا إله إلا الله. ويعلمه محمدا بعلمه في علمه بأن الله أكبر.

هذا ما جاء به دين محمد، وهو كلام غريب على الآذان. وهو كلام يبدو ثقيلا على الأفئدة والوجدان، لأن الناس يريدون أن يكونوا بما هم فيه من دين على ما وهموا أنهم في دين محمد، وأنهم له قد عرفوا وبه قد شرفوا. إذا خال المريض أنه سليم وأنه معافى عزَّ عليه الدواء، وهان عنده أمر الطبيب بإغفاله عن الاستدعاء.

إن مقياسكم أن تقيسوا أنفسكم على من جُعل لكم أُسوة. هل خاطبتكم الملائكة في الطرقات وفي الفُرُش حتى تكونوا في قوم محمد، وفي ذات محمد، فتتواجدوا في أمة محمد؟ هل شهدتم الله في كل ما يقع عليه نظر لكم؟ هل سمعتم الله في كل ما يتقبل سمع لكم؟ هل أحسستم جمال صوت الله في كل صوت يطرق طبلة آذانكم؟ هل أدركتموه المتحدث في كل حديث؟ هل أدركتم في كل حديث حكمته؟ هل أدركتم في كل مكان في الوجود آيته؟ هل خشيتموه فأدركتم معنى الخشية؟ هل أحببتموه فأدركتم معنى الحب؟ هل اتقيتموه فأدركتم معنى التقوى؟ هل استعنتموه فأدركتم معنى العون؟ هل استبنتموه فأدركتم معنى الاستبانة؟

إنكم تتحسسونه في ألفاظ. وتتخيلونه في مواجيد. إنه الله في عظمته. إنه العظيم في قربه. إنه القريب في بعده. إنه الحي القيوم. إنه نور السماوات والأرض. إنه حياة الأحياء. إنه ذات الأشياء. الوجود وجهه، والوجود طلعته. أينما تولوا فوجهه… الإنسان عبده، والكون بيته. كل شيء من أجله خلق، وبيده ولنفسه، ومنه وبإرادته.

أين نحن من وصف الإنسان؟ أين نحن من العبودية للرحمن؟ ما دب عباد الرحمن على الأرض هوانا بهم، ولكن هوانا بها. فإنها لهم لا تقل وسمواتها لهم لا تظل. إنهم فوق السماوات بأقدامهم يدبون على مثال مما هم عليها يمشون. فهم مهما أهانهم أهل الأرض عند أنفسهم لا يهونون. إنهم أطفالا يعاملون، وأطفالا يخاطبون، وأطفالا أمام أعينهم يشهدون، وحقا من الله لهم يشهدون، وبرحمة منه يدانون، وبحكمته يتجلون، وبفضله لا يمنون ولكن يعطون ولا يمنعون، وأحواض ماء الحياة مملوكة لهم يوردون، بنظراتهم يحيون ما ينظرون، وبأنفاسهم يحيون من إليه يتجهون، وبأيديهم يباركون من يلمسون.

ما لكم كيف تقدرون؟ أفكلما جاءكم من الحق آت من ذكر محدث له تنكرون؟ {ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون}[٦]! وأوزارا مع أوزاركم تحملون! إلى متى أيها الجاحدون تجحدون؟! وما عَلمكم المـُعلِمون إلا عن قريب بينكم من الله، أنتم معه تتخاللون فتحيون إذ يتخللكم فتوجدون.

ما عرَّفكم الموعود ــ وقد جاءكم بالإسلام ــ عن نفسه، ولكن عن أنفسكم. وأبيتم إلا أن تزعموا أنكم عرفتموه وما عرفتموه وهو الموعود لمعانيكم وتطوركم، وما قدرتموه وهو الساعة لبعثكم. ساعتكم معه ما أقامها مقيم إلا ما ندر. وهو القيامة وما أقامها به مقيم منكم، إلا من عرف وصبر. فهو عن أرض النفوس ينشق ويتواجد، لا عن أرض التراب على ما وهمتم فزعمتم منه يتجدد فيتعدد.

فإذا قال لكم (أول من تنشـق عنه الأرض أنا)[٧]، انتظرتم التراب وما عناه ولكن عناكم. ما التراب إلا أنتم ومعناكم، فأنتم أطرافه! وما التراب إلا أنتم وأنتم أوصافه! وما التراب إلا أنتم وأنتم أعرافه!

أسفر لكم الحق فجمدتموه، وجاءكم في جديده فأنكرتموه. وباسم الذكر ذكرتم اسمه. وباسم التراب من تراب أنفسكم ذكرتم وسمه. وما دعاكم لتكريم التراب ولكن للتخلص منه. ألم يقل لكم (كلكم لآدم وآدم من تراب)[٨]؟ ألم يقل لكم على لسان ربه {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم}[٩]؟ أشهدناهم على أنفسهم. شاهد ومشهوده. موجد وموجوده {ألست بربكم}[١٠]… والله من ورائهم محيط.

إن هذه صنعة آدم وهي لكم تكون، ولكن الله يطلبكم ومحمد يدعوكم لتكونوا لله حضرة، لتكون لله حضرة محدثة من حضرة قديمة - لله حضرة محدثة في جديد تتخلقون بأخلاقه، وتتصفون بأوصافه. ألم يقل لكم (تخلقوا بأخلاق الله)[١١]؟ ألم يقل لكم (إن لله ثلاثمائة خلق من تخلق بإحداها دخل الجنة)[١٢] ؟ هل أدركتم لمَ عددها وحددها بثلاثمائة؟ لماذا جعل الأسماء الحسنى ب ٩٩؟ هل تجولت المدارك في ذلك؟ هل حاول فقه المسلمين إدراك ذلك؟ هل حاول فقهاء المسلمين أن يدركوا ما غمض على الناس فيقدموا لهم فيه خدمة؟ هل حاول فقهاء المسلمين أن يكونوا أتباعا للعارفين بالله حتى يستقيم فقههم، ويستقيم أمر الله في مجتمعهم في عصر من العصور على تعدد وتكرار لفرصة، أم واصلوا عملهم على موهوم من العلم، وموهوم من القول واللفظ، وبمنحوت من الحرف؟ يمدون موائد الضلالة باسم موائد اليقين!

متى كانت العقائد خاضعة لفقه الفقهاء وقول القائلين؟! إن الفقه ثمرة للعقائد وليست العقائد ثمرة للفقه. لقد كانت أمة محمد - من قبله ومن بعده في فقه وكانوا فقهاء. وكانت أمة يحيى وعيسى - من قبلهما ومن بعدهما- في فقه وكانوا فقهاء. ألم يقل كتاب محمد أو كتاب الله معه {الذين كفروا من أهل الكتاب}[١٣]؟ ووصفهم بالذين كفروا ووصفهم بأنهم من أهل الكتاب!

متى كان الكتاب أساسا لدين أو أساسا لعقيده أو أساسا ليقين؟! ما الكتاب إلا عون من الله وهو المعين، وإرشاد من الله وهو المرشد، وهدي من الله وهو الهادي، وقيادة من الله وهو القائد. إذا لم يكن الله في الكتاب فلا كتاب. وإذا كان الكتاب حجابا فطأه بالأقدام.

إن الله هو المنشود، وإن الله هو المعبود والمفقود، وإن الله هو الموجود. ألم يقل لكم {يضل به كثيرا}[١٤] كما قال {يهدي به كثيرا}[١٥]؟

أعطونا صورة من الضلال به خيرا مما تشهدون ممن يزعمون حمله وهم لا يحملون، ومن يزعمون تلاوته وهم إنما بألسنتهم ألفاظه يلوكون. لا قلوبهم يلمس ولا نورَه يلمسون.

إن خطباء أمته على ما وصف صلى الله عليه وسلم عند معراجه (بمقارض من النار تقرض شفاههم وألسنتهم فيسأل فيجاب إنما هم خطباء أمتك يا محمد)[١٦]، وهو الأمين يحمل هذا القول للناس حتى يتجنبوا من أمته الفاسقين الذين هم بدين الله يأكلون، وبدين الله يلبسون، وبدين الله يطعمون، وعن دين الله أنفسهم وأولادهم يمنعون.

عباد الله إلى متى تجهلون؟ جددوا في كل وقت إيمانكم، وجددوا في كل زمان شهودكم، وجددوا في كل قيام قيامكم على سنن من رسول تذكرونه بألسنتكم ولا تعرفونه بعقولكم، ولا أقول بقلوبكم وهو بالقلوب يحل ويعرف ويلمس ويدرك، وهو بالعقول يُكبَر ويُذكر وعنه يؤخذ، وهو للنفوس يزكيها بتحريرها من أوانيها منشقة عن أراضيها.

هذا هو محمد على ما يجب أن تعرف لتكونه. وعلى ما يجب أن يوصف فتتبعونه، وبه الدنيا عند عارفه تهون. صلوا عليه بالصلة به لا بألفاظ تلوكها الألسن صلة تقشعر منها الأبدان، ويحيا بها الوجدان. فإن قديما من الله من الإنسان، يصله فيصلي عليه وفي ذلك له ولرسالته الكفاية وله به عن الناس غنية.

إنه صاحب السبح في النهار. إنه صاحب السبح الطويل. إنه رسول الله للأولين والآخرين. للأولين بأوليته، وللآخرين بآخريته، وللحاضرين بحاضره.

لا إله إلا الله محمد رسول الله. لا إله إلا الله بوحدانيته نشهده، ومحمد رسول الله بانشقاقه عن أرض نفوسنا نجدده. نشهده ونتواجده، وبرحمة الله نَسْعَدُه ونُسعده. لا إله إلا الله محمد رسول الله. بها وجدنا، وبها نقوم، وبها نتواجد أبد الآبدين، وأزل الآزلين، بها نسعد وبها نحن السعداء، وبها سعدنا في قديم. لا إله إلا الله محمد رسول الله. اجعلوا منها غذاءكم، واجعلوا منها حياتكم، واسألوا الله بها رحمته وسكينته أن ينزلها على قلوبكم، وأن ينزل بها السلم والسلام على أرضكم. لا إله غيره ولا معبود سواه.

أضواء على الطريق

(إنا نصلي للروح الأبيض العظيم حتى نستحق حقيقة أن نكون أولياءه. نحن جميعا الذين نجاهد في سبل شتى لأن نكون وسطاءه، ولننقل قوته ومحبته وحكمته. فلنعرّض أنفسنا للامتلاء بإشعاعه، ولنسمح للروح الأعظم الذي بداخلنا جميعا بأن يتجلى ويعبر عن ألوهيته حتى يمكن التعرف علينا بالحقيقة التي نحن عليها جميعا. إننا أطفال الروح اللانهائي الذي تعلقنا به برباط الحب الذي لا ينفصم خلال كل الأجيال، ولا يمكنا أن نغيب عن حضرته، كما لا يمكنا أن نكون حيث لا يوجد هو).

عن الإنجليزية ــ من تلخيص لحديث عن الروح المرشد (برش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة فصلت - ٤٦ ↩︎

  2. سورة الصافات -٩٦ ↩︎

  3. سورة الكافرون -٦ ↩︎

  4. سورة الإسراء -٨١ ↩︎

  5. سورة الشعراء -٢١٨، ٢١٩ ↩︎

  6. سورة البقرة - ٨٧ ↩︎

  7. من الحديث الشريف: “أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ.” صحيح ابن ماجه. ↩︎

  8. حديث شريف: “كلكم بنو آدم وآدم خُلق من تراب.” أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد ↩︎

  9. سورة الأعراف -١٧٢ ↩︎

  10. سورة الأعراف - ١٧٢ ↩︎

  11. استلهاما من عدة أحاديث: “إن لله تعالى مائة خلق وسبعة عشر من أتاه بخلق منها دخل الجنة.” رواه الطيالسي والبزار والترمذي الحكيم والبيهقي والطبراني، وأبو يعلي. وأيضا الحديث الشريف: "إن لله تعالى ثلاثمائة خلق من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنة "، ذكره الحافظ العراقي بهذا اللفظ في تخريج كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، كما جاء في الفتوحات المكية لابن عربي. وأخرجه الطبراني ↩︎

  12. حديث شريف، ذكره الحافظ العراقي بهذا اللفظ في تخريج كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، كما جاء في الفتوحات المكية لابن عربي، وأخرجه الطبراني. ↩︎

  13. سورة البقرة -١٠٥ -١١ ، سورة الحشر -٢، سورة البينة -١ ، سورة البينة -٦ ↩︎

  14. سورة البقرة -٢٦ ↩︎

  15. سورة البقرة -٢٦ ↩︎

  16. من حديث شريف ذات صلة: “مررْتُ ليلةَ أُسرِيَ بي بأقوامٍ تُقرضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ من نارٍ، قُلْتُ: من هؤلاءِ يا جبريلُ؟ قال: خُطَباءُ أمتِكَ الذينَ يقولونَ ما لا يفعلونَ ويقرؤونَ كتابَ اللهِ ولا يعملونَ بِه.” أخرجه أحمد والبزار وأبو يعلي. ↩︎