(٢٤)
(هذا الدين القيم)
حديث الجمعة
٨ شعبان ١٣٧٩ هـ - ٥ فبراير ١٩٦٠ م
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وباسم الله أستعين. أحمده… أحمده… حمدا دائما أزليا. منه إليه. وأستغفره من شرور وجودي، ووهم موجودي. لا موجود بحق إلا هو. عنت له الوجوه ــ الحي القيوم ــ. لا تأخذه سنة، ولا يتسلط عليه نوم. قائم على كل نفس بما كسبت.
عباد الله… ممن أشهد ولا أشهد. وخلق الله ممن أدرك ولا أدرك. اذكروا الله قائما عليكم في قيامه على كل نفس من ورائها محيط لها أقرب من حبل الوريد. واذكروا أن له بين جوانحكم بيتا لا تملكونه، ويحول بقدرته دونه ــ هو قلوبكم ــ. إليها فاتجهوا وعليه قائما قيوما بها فاعتمدوا، واجعلوا من جوارحكم عبادا له يحجون إلى بيته، ويستقبلون قبلته، ويطمعون أن يكونوا من أهل حضرته.
يا أيها الناس… أما آن لكم أن تستيقظوا إلى هذه الحقيقة البسيطة؟ أما آن لكم أن تصدقوا أنها حقيقة؟ أما آن لكم أن تفرقوا بين أجسادكم ومعانيكم؟ أما آن لكم أن تطالعوا قرآن الله فيكم؟ أما آن لكم أن تأخذوا كتبكم بأيمانكم؟ أما آن لكم أن تنقلبوا بجوارحكم وأحاسيسكم إلى من هو من ورائكم محيط، فتشهدوه فيما أمامكم مما يشغلكم من الوجود؟ فهو الذي من ورائكم، وهو الذي يُشهد أمامكم، وهو الذي عن أيمانكم بما كسبتم، وهو الذي عن يساركم بما انزلقتم، وهو القديم الجديد في معاني القدم والجدة من معانيكم.
يا أيها الناس… حتامَ يشغلكم الحديث عن غيركم وعن أمر غيركم ولا يشغلكم حديث أنفسكم وأمر أنفسكم؟ إذا اجتمعتم على رفيق في نجوى فلا حديث لكم إلا بنميمة أو بحقد أو بحسد. تتحدثون عن غيركم سليما أو مريضا، مخطئا أو مصيبا، غنيا أو فقيرا، موفقا أو غير موفق، ولا تتناجون في الله، ولا تواصون به وأنتم في نجواكم عن الله هو معيتكم وهو قيوميتكم. وأنتم في نجواكم في الشيطان في مثال على مثال من قيام أهل الرحمن. فريق وفريق. جمع وجمع. فيهما العبد ومنهما الرب. أولئك أولياؤهم الطاغوت، وأولئك الله رابعهم وجامعهم إن كانوا ثلاثا، وهو معيتهم فيما هو دون ذلك أو ما أكثر من ذلك.
يا أيها الكافرون! يا أيها الكافرون بالله لكم معية! يا أيها الكافرون بالله منكم قريب! يا أيها الكافرون بالله أنتم له وجوه من ورائكم محيط! يا أيها الكافرون بالله أقرب إليكم من حبل الوريد! يا أيها الكافرون بالله أنتم منه من قديم وكنتم منه فيه في أحسن تقويم! يا أيها الكافرون بالله إليه ترجعون وبأنفسكم منه تكفرون، وظلامها يوما تفارقون، ونور الله لها يوما تطلبون، وسراج الله في عالمها يوما تشعلون! عالمان، لهما رب في معيتهم من العالَمَين في معنى الإنسان معية الأشياء، ومن معنى الإنسان معية الرحمن.
إن الإنسان في خلقه لحقه لكنود. وما ربه إلا الإنسان في حقه رب غفور لا يسأل ولا يدين. رحمة للعالمين. عَرَّف نفسه عبدا لنفسه وعرَّف ربه عبدا لربه. عرف قديمه في أحسن تقويم رفيقا أعلى ورفيقا أعلى فطلبه. طالب بالحياة به. والقيام معه. والعدم في وجوده والتوحد في وحدته وموجوده، مُنكِرا على عالمه الضيق من تواجد ذاته عالما وليدا، وعبدا جديدا، وحقا ووجها شهيدا، في طريقه لحياة بعد حياة يستجلبها إليه رسول قديمه من معناه، رسولا لله في مستديمه من متجدد مبناه.
هذا الكلام على وضوحه مجملا، معجم في حال شرحه مفصلا. إن الدين عقائد ومعارف يصل إليها الإنسان بالطلب والتسليم في الإسلام ــ ولكن الناس لا يريدون أن يسلموا… لا لله… ولا لرسول الله… ولا لعباد الله. ولا يسلم الناس لله إلا في إسلامهم لرسوله. وما رسول الله إلا الإنسان الأزلي لمعنى الإنسان. وما ظهور رسول الله إلا تواجده بآدم وتجديده في تواجده بكلمات لله منه إليه عبادا للرحمن، حتى تظهر الوحدة بذات آدم علما واسما، وحتى تظهر صفاته وآياته ومعانيه في تجدداته من كلمات الله فيه. أفاضها عليه قديم معناه وعين وقيوم مبناه. المتكاثر في تكاثره… المتجدد في تجدده… المتواجد في تواجده. نعما هو. وتعالى عن الصاحبة والولد فهو الجديد دوما بلا كبد، وهو المتواجد بلا سند، وهو القيوم في الوالد وما ولد، وهو الإنسان بلا عدد.
إن قضية الله في الإنسان، وإن قضية رسول الله في الله، وإن قضية رسول الله في الناس هو ما يدور عليه الدين، وهو ما تدور حوله العقائد، وهو ما تصح به الطرائق، وهو ما يحيا به الخلائق، وهو ما يتحقق به العباد، وهو ما يتربب به الرحمن في مظاهر حقه من الإنسان.
إن الناس ما جاءهم رسول لله إلا كانوا به يستهزئون. {أهذا الذي بعث الله رسولا}[١]؟! هل هو متميز عنا؟ متى قال الرسل أنهم متميزون عن الناس؟ ومتى قالت الحقائق بين الناس أنها متميزة عن الناس؟ إن الناس هم الذين يخاصمونهم ثم بعد خصام فانهزام يميزونهم، حتى يبقوا على أحوالهم فيعبدوهم ــ ومن دون الله يعددوهم ــ ولو أنهم تابعوهم وصدقوهم فصدقوهم فعاونوهم لحشروا معهم في عوالم الحياة. من عوالم الدنيا إلى عوالم الحق، إلى جنان الحق. لا ترى فيها إلا وجوها لله تشهد وجها لله… وجوها لله تفنى في وجه لله… ووجها لله يتجلى لنفسه في وجوه منه. وإن شاءوا حققوا لأنفسهم ذلك وهم في دناهم بدخول حصن لا إله إلا الله مع أهله بمعناهم.
هذا ما جاءنا به الحق من الله رسولا له في جلباب خلق جديد لقديم، هو في جده وجديده بما أنزل إليه من قديمه الحق، فكان بين الناس الحق من الله. {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[٢]. بُعثت بينكم بالحق وزهق مني كل باطل. لقد مت بحياة الموت، وبعثت بحياة البعث… يوما بعد يوم. فقد كان يغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم سبعين مرة، أغيان أنوار لا أغيار بها، فأرى في نفسي من الله ما أراد الله أن أحيط بالعلم به عنه.
وها أنا على شدة قرب فيه، وبعث به، وقيام بأمره أقربكم إليه، وأخوفكم منه. أخافه وأرتجيه، وأحمده وأجتبيه، وأصطفيه، لا أرتضي إلا ما يرضيه، ولا أخشى إلا مما يحجبني عنه فيه. أراه ربا للشياطين فأخشى فتنته. وربا للرحمانيين فأرجو رحمته.
(وها أنا رسول الله بينكم ولا أدري ما يفعل الله بي غدا)[٣].
ها قد أعلمني ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. وجعل مني مدينة للعلم. وجعل من عليّ بينكم بابها. ومع ذلك فقد أعلمني أنني لا أعلم الغيب (ما قلت لكم قيل لي فصدقوني فإني لا أكذب عليه وما قلت لكم أني أرى فالرأي يخطئ ويصيب)[٤]، فاعملوا عقولكم معي.
ها قد جعل بي منه لكم أُسوة. ضرب بها بينكم لكم مثلا. ها أنا ذا روح القدس بينكم، وقد كان بالأمس أخي عيسى بينكم لبنوة الروح وامتدادها إلى عالمكم مثلا، جعل بينكم لنورها فيكم مُثلا، كما جعل بينكم لحقها مثلا. جئتكم اليوم بجماعه وبحضرة اجتماعه. جئتكم برحمة الله كلها مفتحة أبواب حضراتها للعالمين. جئتكم برحمة مهداة جعلت لأنفسكم طهرا وزكاة. وهيأ الله بها بينكم لامتداد نوره، وهو نور السماوات والأرض وما فوقها وما قبلها وما بعدها وما تحتها.
ما جاء رجل قومه بخير مما جئت. وما استقام رجل قبلي في أمره بأفضل مما به استقمت. (أدبني ربي فأحسن تأديبي)[٥]. وإن الأقوم مما أنا عليه مستقيم إنما هو بعثي بينكم بمقام بعد مقام أرجوه ــ وقد وعدنيه ــ. فالأقرب مني ليس سواي. والأكبر مني ليس غير معناي. وما كان آدم في جديده الموعود إلا مظهري وقيامي بالحق المشهود أنا له إنسانه. وأنا من قديمه مسيح عيانه، وأنا رجل جنانه كما أنا عبد سلطانه.
فما الجنة والنار، ومأموري وأمري، ومعناي وحقيقتي، من دنياي وخليقتي، إلا أوصافكم وحقائقكم، ومعانيكم ومبانيكم.
اعبدوا الله على ما أراد الله… اعبدوا الله على ما أراد أن يعبد معي لتكونوا في الله عيني، وحتى لا يفرق الله في يوم بينكم وبيني…
أمد لكم موائد الحق تطعمون، وأنصب لكم أحواض الحق تستقون. وبمعناي في عين معانيكم تنشدون هكذا تفعلون. فموائد الحق في موائدكم تمدون، وأحواض الحق في أحواضكم تفيضون ــ ما كنتم مني فكنت منكم ــ عبادا لله يشهدون الله ورسوله، ويحبون الله ورسوله، ويقومون في الناس بالله ورسوله. أمة وسطا الرسول عليهم شهيد، وهم على الناس شهود، لا عن سعي في الله قعود، ولا في نكوص عن الطريق وعن العمل وعن الكسب جحود. ليس بهم رجوع بقديم، أو تواكل عن قويم، وتراخ عن مستديم.
أمة وسطا يرون العمل حقا، وأنه بهم يليق على ما هو عليهم مفروض. لا ينتظرون للعمل جزاء لأنهم رأوه حقا. فإذا دخلوا حياة الجزاء، لا يقعدهم الجزاء عن العمل، بل يواصلون الحياة العاملة بحياة الجزاء فعلا للحق وقياما به مستديم. يُبعثون من قبورهم في قبور معانيهم من ذواتهم ليبعَثوا الناس من مقابرهم من قبر قلوبهم. (عذاب أمتي في قبورها)[٦] . يُبعث المرء على ما مات عليه، {كما بدأنا أول خلق نعيده}[٧] ــ {إن كنتم في ريب من البعث}[٨] ــ {إنه على رجعه لقادر}[٩] عذاب أمته ما عرفوا الانتساب إليه. إنما يبعثون في حياة قبورهم من مظاهرهم من الأجداث يعني رسول الله أنهم يبعثون في حياتهم من وراء المنظور من عالم الأرض، تنشق عنهم الأرض في هذه الحياة مرة وأخرى معه، وأنهم في هذه الحياة من حياة الجزاء والنعمة لا يجزعون مما فيها من ضر ولا يركنون إلى ما فيها من نعمة، ولكنهم يجتمعون عليه… عليه الصلوات - وهو الذي به تكون الصلات وله المكث- فيدركون ما فاتهم في سابق ويطلبونه ويعملون له في الحاضر فيكون لهم في لاحق ــ في مصاحبة ــ. فيأتي بهم حياة الكسب والجزاء في الدارين… يأتي بهم حياة العمل… يأتي بهم في ظلل من الغمام… يأتي بهم في حقائق من القيام… يأتي بهم في أجهزة من النيام… يأتي بهم في ركب من النور، هو فيه رب النور. وهو فيه الحق الجهر المستور. يأتي بهم متخلقا بأخلاق الله على ما عرف منه. {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}[١٠]. يأتي بهم في ركب يجدد به رسالته، ويقيم الله به في الناس عنايته بشرا رفع ذكره، بشرا جعل له الخلد. يأتي بهم إلى الناس بما أنكر الناس عليه وعلى قومه، وعلى أحبابه، وعلى وجوهه، وعلى وجه الحق فيه. يأتي إليهم بالحق الذي جحدوه، وبالقيام الذي أنكروه، وبالوجود الذي إن شاءوا كسبوه وإن شاءوا فقدوه. يأتي بهم أرواحا ويأتي بهم أشباحا {وقل الحق من ربكم}[١١].
إن رسالة الإسلام… إن رسالة محمد جديدا لكل قديم من رسل الله باعثا في بيئته وفي أمته قديم المرسلين… قديم الحكماء والمحكمين… قديم الأمر من الآمرين والمأمورين… حجر زاوية للبشرية لا بداية لها ولا انتهاء لها، في ربوبيته لا أول لها ولا آخر لها، من ألوهيته لا غيب لها ولا إحاطة بها {دينا قيما}[١٢] طلب إلى الناس أن يلجوه في رفق، وأن لا يدخلوا عليه في عتو من أنفسهم بوعي من وعي، أو زعم من عقل. طلب إليهم أن يبدأوا الوعي من أنفسهم، وأن يفيدوا مما أفاد رسول الله بتجربته في نفسه، وأن يتابعوه على ما فعل من مولده حتى تجدد بشبحه، وقامت عليهم روحه.
ولكن الناس يريدون أن يتذاكروا واهمين أنفسهم محيطة بالمعرفة برسول الله قبل أن تبدأ قلوبهم الحياة. لا بل يتجاوزون رسول الله إلى ربه ويريدون أن يتحدثوا في ربه متجاهلين أو متجاوزين أو مستكبرين على الحديث في رسوله - وهم في حديثهم عن الرسول أعجز- وكذلك في حديثهم عن ربه أعجز وأبعد. ولو أنهم جعلوا وقصروا حديثهم على التحدث عن أنفسهم وعن معانيهم وعما يصح أن يكون لهم من الله وعن مراقي الحياة يرقونها طبقا بعد طبق إلى المثل الأعلى منهم يرفعون وينشدون، وأنهم المثل الأعلى في الله فيهم لهم دون من فوقه عن إدراك فيه ليعجزون، وإن رأوه ينكرون ويخاصمون ويمزقون وعنه يصدون…
ألا ينظرون في أنفسهم ليشهدوا آلاء الله تترى فيما أوجد فيهم وفيما أبدع لهم! من طرق الحياة استجابت له الحياة، ومن وهم الحياة امتد في وهم الحياة. وإن أحواض الحياة في الناس من بينهم حفظها الله ووعدها تتجدد في تجددهم، وتبقى في بقائهم، وأنه كلما أظلمت عليهم الدنيا بما ينفثون من ظلام أنفسهم أشعل الله جذوة في قلب رجل منهم، أحياه ربه فأحياهم -وما يشعرون-.
(المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل)[١٣]. (المؤمن مرآة المؤمن)[١٤] فلينظر أيكم إيمانه في وجه من يحب. وليعلم أن الله لا يقطع عن الأرض عباده، أو كلماته، أو روح قدسه، أو ذوات مباركة منه بامتداد نوره معانة بقدرته، ميسرة بأمره لخدمة الناس من المؤمنين به والطالبين له.
كل هذا وأكثر منه جدده في الناس للناس من قديم للناس محمد الناس. فمن من الناس سلك الحياة على ما أرادها له محمد؟ عبد الله وعنوان رضائه لمعاني العبودية له. يقوم فيها الناس ويعملون لكسبها بمنة الله واصطفائه.
إن محمدا علَّم الناس أن يعملوا لأن العمل هو ما يليق بهم، وعلى ما فرض الله، وأن العمل من جانبهم لا يقتضي من الله مقابلا لأنه ما تم إلا بتيسيره، وما تم إلا بإرادته، وما وجد إلا بتوفيقه وهديه فهو منه مِنَّة. وإن الله على ما يليق به إنما يمُن على العباد بما يَمُن به مَنَّا غير معلول من عمل… مَنَّا غير مقدور بمقابل… مَنَّا من الله المانّ عطاء غير مجذوذ، والله في مِنَّته لا يمُن على عباده وله المِنَّة فهو من كمال فضله يمُن في ثوب الكسب. ويتفضل في وصف الجزاء. كما لا مِنَّة لنفسه. وقياما له بوحدانية عينه.
كل هذا جاء به محمد عبده ورسوله، في تَعبيد الناس أنفسهم لربه متابعين له على مثال من فعله وقوله، وعلى ما أبرز نفسه معبَّدة له بعثا وكسبا، حتى يعرف الناس به معنى البعث ومعنى الكسب، وحتى يعرف الناس به معنى الساعة ومعنى القيامة.
لو لم تذكر الأديان من قبله لفظ الساعة ما ذكرها رسول الله.
لو لم تذكر الأديان من قبله لفظ القيامة ما ذكرها رسول الله.
ولكن الناس التووا عن أنفسهم كما التووا عن الله وعن رسوله وعن كتابه وعن قوله وفعله فحرفوا الكلم عن مواضعه، وألفوا وأخرجوا ورسموا للناس ساعة من وضعهم ما وضعها الله، وقيامة من خلقهم وقيامهم ما خلقها أو بلغها الله، وجنة ونارا من وصفهم وتدبيرهم ما هدى بها الله.
لا تلمس قلوبهم نور كتابه، ولا تمتد أنفسهم من روح قدسه، ويقيمون أنفسهم على الناس آلهة ورسلا ودعاة وخزنة لجنان ولدور لنار.
يقول أحدهم جالسا مجلس الله (قويكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق منه وضعيفكم عندي القوي حتى آخذ الحق له)[١٥]… فيصفقون ويسجدون ويباهون به ويعظمون.
سبحانك! سبحانك! ما أجل شأنك! أبهذا هدى رسول الله؟
(ربما كان أحدكم ألسن بحجته فأقضي له فليتق الله)[١٦]. أم بهذا أمر رسول الله؟ أخلافة عن عبد تابعتموه؟ أم خلافة عن رب وصلتموه؟ إنها النفوس تزعم العلم والقدرة، وتزاحم أهل الحق على مجلسهم من خدمة الناس فتصد عن السبيل.
سبحان الله! سبحان الله! أإله غير الله من أنفسكم تقيمون! وخلقا لا عبدا له تسجدون! وعبد القبلة وسيد القبلة تقلون! ووجوهه من بيته تظاهرون! ووجه المادة والشيء يجري في دمائكم تستقبلون! سبحان الله ورسوله عما تصفون! {يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون}[١٧] إني على بينة من ربي فلن أعبد ما تعبدون. وإني على بينة من أمركم فلن تعبدوا ما أعبد. {كل حزب بما لديهم فرحون}[١٨].
إني لأشهد ما لا تشهدون، وإني لأشهدكم وما تعبدون. أإذا فارقتكم وما تؤلهون فعليَّ وزري ولكم إيمانكم على ما تعتقدون!
سبحان الله! لا قوة إلا بالله! أحكم أمره ودبره، ويسر طريقه وقدره. فريق للجنة من جنان وجهه الكريم مع عباد الرحمن، وفريق للسعير من منهاج وجه عدله المستقيم مع وجوه النصب والسعي والشقاء
من عباد الدنيا والشيطان.
{ولكل وجهة هو موليها}[١٩] فنسأل الله أن يجعلنا من أهل الطريق المستقيم إلى الرحمن، بالرحمن، مع الرحمن وعباده نستقيم.
لا نرى لوجه الله فينا قدما فيؤسف. ولا نرى له جديدا فينتظر. ولا نرى له غيبة فيجحد. ولا نرى فيه نقصا فيختبر. لا إله إلا هو. هو الحي القيوم نحمده ونستعينه ونشكره ونستزيده. لا إله لنا غيره ولا موجود بحق إلا هو. سبحانه وتعالى عن الوصف وسبحانه وتعالى عن الغيب وسبحانه وتعالى عن الشهود.
اللهم يا موجود في وجودنا… يا من هو أقرب إلينا منا… ويا من هو أدرك بنا عنا… اللهم فارحمنا وخلصنا من شرور أنفسنا ومن شرور الأشرار من خلقك.
اللهم قوم فيك سبيلنا، وقوم بأمرك أمرنا، وارحمنا برحمتك المرسلة بنا ولنا، لا مؤاخِذةً بظلمنا، غافرة لتقصيرنا، مقاربة مدانية لعجزنا.
اللهم إنا نشهد بك لنا فعلها. اللهم صلها في مزيد. اللهم جددها في قديم جديد. اللهم ارحمنا بها وارحم بها عبادك، وأجزل بها عطاءك، وعمم بها أمرك، ويسر وأعلِ بها في الناس حكمتك. اللهم ولِ بها أمورنا خيارنا ولا تولِ بعدلك بها أمورنا شرارنا.
اللهم عاملنا بعفوك ولا تعاملنا بعدلك.
لا إله إلا أنت رسولك قبلتنا ولكلماتك فينا محبتنا. اللهم بنا منك فارحمنا وبهم فينا فأشهدنا. لا إله إلا أنت إنا كنا من الظالمين.
وفي الصلاة الأزلية القائمة لك أقم صلاتنا وصلاتنا.
أضواء على الطريق
-
من هدي السيد الروح المرشد سلفربرش:(يجب أن لا تُقسموا عالمكم إلى أقطار أو شعوب. يجب أن تسعوا لتتعلموا أن الجميع وجوه للروح الأعظم، وأن الجميع أطفاله مهما فصلت بينهم البحار والجبال والمسافات).
-
(إني أُصر أنه يوجد في دخيلتكم المعرفة المعصومة عن الخطأ والصواب في أي موقف تجابهونه مهما كان معقدا في أي دور من حياتكم الأرضية).(الصواب بالنسبة لبعضكم قد يكون خطأ بالنسبة لبعض آخر لأنهم ليسوا في نفس المستوى من التقدم الروحي). (إن الشخص المدني المسالم قد يكون في دور من التقدم أعلى أو أسفل من الرجل العسكري المحارب. ولكن كلاهما قد يكون على صواب وإن كانا يمثلان فلسفتين على طرفي نقيض).(دع الفرد يقر وينفذ ما يمليه عليه دافعه. دعه وحيدا مع نفسه وقد تخلص من كل نوازعه، من كل فكرة خوف أو جبن. اتركه ينصت لصوت ضميره الذي حددته حالته من التطور الروحي، إنه لن يخطئ أبدا ولن يتردد أبدا).
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الفرقان -٤١ ↩︎
سورة الإسراء -٨١ ↩︎
حديث شريف: “واللَّهِ ما أدرِي - وأَنا رسول اللَّه - ما يفعل بي ولا بكم.” صحيح البخاري. ↩︎
استلهاما من الحديث الشريف عن حادثة تلقيح النخل: “إنما هو ظنٌّ ظننتُه إنْ كان يُغني شيئًا فاصنعوا فإنما أنا بشرٌ مثلُكم والظنُّ يُخطئُ ويُصيبُ ولكنْ ما قلتُ لكم قال اللهُ عز وجل فلنْ أكذبَ على اللهِ.” أخرجه أحمد في مسنده. ↩︎
حديث شريف. جاء في الموسوعة الحديثية لابن حجر، والعسكري في كتابه “الأمثال”، والسَّرَقُسْطِيُّ في كتابه” الدلائل “، والسيوطي في كتابه” الجامع الصغير“، وابن السمعاني في” أدب الإملاء “، وأبو نُعَيم الأصفهاني في تاريخ أصبهان. ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: " إنَّ هذِهِ الأمَّةَ ستُبتَلَى في قبورِها فلَولا أن لا تَدافَنوا لدعَوتُ اللَّهَ أن يُسْمِعَكم عذابَ القَبرِ، ثمَّ أقبلَ علَينا بوجهِهِ فقالَ: تعَوَّذوا مِن عذابِ النَّارِ تعوَّذوا مِن عذابِ القبرِ." أخرجه مسلم ↩︎
سورة الأنبياء - ١٠٤ ↩︎
سورة الحج - ٥ ↩︎
سورة الطارق - ٨ ↩︎
سورة الرعد -٤١ ↩︎
سورة الكهف- ٢٩ ↩︎
سورة الأنعام - ١٦١ ↩︎
حديث شريف: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎
حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎
من حديث الخليفة أبو بكر الصديق حين بويع بالخلافة. ↩︎
من الحديث الشريف: " إنَّما أنا بَشَرٌ وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكونَ ألْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فأقْضِي علَى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فمَن قَضَيْتُ له مِن حَقِّ أخِيهِ شيئًا، فلا يَأْخُذْهُ فإنَّما أقْطَعُ له قِطْعَةً مِنَ النَّارِ. " أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
سورة الكافرون -٢:١ ↩︎
سورة المؤمنون -٥٣, سورة الروم -٣٢ ↩︎
سورة البقرة - ١٤٨ ↩︎