(١٩)

دورة الأمور
بين السماوات والقبور

حديث الجمعة

٣ ربيع الأول ١٣٧٦ هـ - ٢٧ سبتمبر ١٩٥٧ م

تصحيح التاريخ الهجري: ٣ ربيع الأول ١٣٧٧ هـ

الحمد لله الهادي لما هدى.

الحمد لله المنعم بما أنعم.

الحمد لله القادر على ما أبدع.

أشهد أن لا إله إلا الله، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.

إخواني:

نستقبل في هذه الأيام شهرا من شهور الله، ونستودع ونودع شهرا من شهور الله. إذا كانت دورة الأرض حول الشمس تحدد شهور السنة الشمسية، والفصول الأربعة السنوية، وبهذه الشهور، وبهذه الفصول، تتحدد قابليات الأرض في مشارقها ومغاربها لما تنبت وتعنون من مواسم حصاد وزرع، وتكشف عن نعم الله وما ذرأ في الأرض مختلفا ألوانه، وما أودع في طبيعة الجو متباينة أوطانه، وما يحيط بالأرض مشكل عنوانه، فإن دورة القمر حول الأرض بدورها تحدد السنة القمرية، والشهور القمرية، في دورة منتظمة، تتسمى هذه الشهور عندنا بأسمائها حاملة لمعانيها مشيرة إلى ما تخرج الأرض من البشرية، كزرع لعالم الروح، الذي ينتظر مواسم الزرع والحصاد، من مزرعته من الأرض، من هذه البشريةـ

وإن شهر ربيع الأول شُرف بمولد الرسول ليعنون مولدا لطفولة إنسانية يودعها الله من معناه ما تفرد به من سره، يظهره بمعناها بما فيها ومنها عنها، ويحررها بسلطانه من سلطان الطبيعة العاتية الفانية فيه من نبات الأرض والسماء، إلى النشأة الأخرى في حياة ثابتة في معراج من حيوات متلاحقة، هي له أبقى وأصلح، وهو أجدى فيها على معاني الشخصية في الإنسان. وجعل منه كتابا ينشر ويقرأ ويحتذى.

وقد ضرب الله لنا في ذلك مثلا، نذكره كلما مر بنا ربيع الأول، بمحمد عبده الوليد وعبده الأول لعباد، الذي جعل منه رسولا وعنوانا على رسله، من صفة الرسالة فيه، قديمة بقدمه، باقية ببقائه، متجددة بتجدد خلقه.

عرا محمد (ع ربه) من جديده بالمحرم والصفر من قديمه… دورة من دورات ظهوره، كدورة شهر مولده، وعام ميلاده. هي دورة آدم إنسان صورته.

فإذا ذكرنا شهر ربيع واستقبلناه مستبشرين فرحين، فإنما نستقبله ونستبشر به، لأننا به نتذكر ونستقبل قانونا من قوانين الله، الذي بدأ الخلق ثم أعاده، والذي هو فاعل لذلك، في صفة دائمة من بدء الخلق، وإعادة البدء، ثم من بدء اصطفائه الخلق لبدء تحقيق الخلق بالحق.

فهو الخالق للخلق، وهو الهادي لهم، وهو المسبغ عليهم من نوره، ومن فيوضات عطائه، ورحمته، وأسمائه وصفاته، ما يخرجهم به من صفتهم الخلقية، إلى مأمولهم منه، ومرجوهم فيه، وموعودهم من رحمته على ما وعدهم، ومن حكمته التي بها أنشأهم، ونواتها استودعهم ــ من أن يخرجهم من معناهم الخلقي إلى معناهم الحقي، ومن وصفهم الخلقي إلى وصفهم الحقي.

وإن أول مخرج يخرج به الناس من معناهم الخلقي المؤقت إلى معناهم الحقي الأبدي الثابت - في معراج الترقي في الله - هو أن يتابعوا في عالمهم، ومنهم، وعلى مثالهم، وفي صورتهم، موجودا حقيا، ألبس ثوب الخلقية بينهم، حتى يكون الحق به قريبا منهم في ظهوره، وصفه رسولا له من أنفسهم بعثا بمعناه من حكمة الله تعالى من الحق، ووصف قيامه بمعاني الرسول من عالم الحق ليكون للمرسل إليهم فيه أسوة حسنة، كمثل أعلى لهم، مبعثهم إلى تحقيق مراده وهو مرادهم، بمجيئه مبعوثا بالحق مولودا بالفطرة، فهو جيئة الحق.

فإذا كان محمد عليه السلام قد بعث بالحق في الخلق بيننا، فهو إنما جدّد بيننا قديما من صفات الحق وفعله، وأسفر بحق لم يجعل محظورا على إناء خلقه، أو صورة خلقه من الناس، ولكن جُعل بشرى للناس، بتجمعهم عليه، وبتجمعهم على متابعيه بالحق ــ على بصيرة ــ على ما تحقق وتحققوا، حتى يكون للناس دائما كافة وعامة أسوة مرجوة، وبشرى لهم يخرجهم بها مما هم فيه من قطيعة في قيامهم على أنفسهم بأنفسهم، مقطوعين عن صلاتهم من الحق الواصل إليهم بقدرته، الموصول بهم برحمته، القائم عليهم بحكمته، الموجه لهم بصفاته، والمنعم عليهم بمدده، والمرشد لهم بحكمته، والعامل بينهم بعباده، مبعوثين في الأمم على دوام من أنفسهم.

إن محمدا عليه الصلاة والسلام لم يتميز عمن سبقه من النبيين في معنى ذاته، ولكنه تميز عن سائر الأنبياء بما جاء به إلى الناس من رحمته، ومن بشراه، ومن وعده أنهم متخلقين في الله، ومتحققين بالله، على مثال من تخلقه وتحققه، وأن هذه الميزة، وهذه المزية التي انفرد بها محمد عن سابقيه من النبيين إلى آدم النبي الحق ــ قد ميزته ــ فاتحا للناس أبواب رحمة الله، وفاتحا للعقول مغاليق الإدراك، وفاتحا للنفوس أبواب الرجاء، وفاتحا للذوات طريق الحياة، وفاتحا للأرواح أبواب الانطلاق، وفاتحا للتقيد أبواب الإطلاق. إن هذه الميزة هي التي انفرد بها رسول الله، وكان بها جماع رسل الله من رحمة الله والتي هي كل رسول الله، والتي هي كل رسالة رسول الله، والتي هي ما جانبناه باسم تقوى الله، وهي ما باعدناه بفهم التقرب إليه عازلين رسول الله عن ربه وعن أنفسنا، وعازلين وعد الله مع رسول الله عن رجائنا، وعازلين معاني رسول الله عن معاني إنسانيتنا تتطهر، وعازلين ومباعدين بيننا بعزلتنا عن رسوله وبين الله، منكرين على أن يكون لنا منه ما كان لرسوله منه أسوة لنا، وبذلك قطعنا السبيل على أنفسنا، وباعدنا بين أنفسنا وبين الحق ــ إلا من رحم ــ ووضعنا القلة منا ممن سلك مسالك الإسلام، وسميناهم بالقوم بعيدا عنا، وعزلناهم عن بيئتنا، وأسبغنا عليهم أسماء مميزة، وأسأنا إلى أنفسنا، تارة بمخاصمتهم وتارة بالثناء عليهم قاطعين بيننا وبينهم على أنهم خواص الله، وخواص من الناس … وما هم إلا المسلمون حقا، وهم فعلا خواص الله، وخواص من الناس، ولكنهم مصابيح الله، وعترة رسوله، وتجدد أواني أهل البيت، وآل رسول الله، ورسول الله، وسائر الأنبياء يتجددون بذواتهم من أقدامهم على الأرض كما وعد الله.

إن الذي ينفع الناس في الأرض ماكث، وإن الذي لا ينفع الناس إنما هو زبد زائل… كلمات طيبات أصلها ثابت وفرعها في السماء.

وإذا كان رسول الله هو رحمة الله مرسلة إلى الناس في العوالم، وإذا كان رسل الله هم موائد الله، وهم مصابيح الله، وهم مسالك الحق في ظلمات الخلق في عوالم الله، وإلى عوالم الحق من الله… إذا كانوا كذلك فهم من ينفع الناس، وهم معنى ما ينفع الناس، وإنهم بهذا الوصف لا بد أن يكونوا ماكثين في الأرض، نافعين للناس، متجددين في أوانيهم حتى يتكاثروا في الناس بمعانيهم المرجوة من الناس، المقبولة من الحق من ربهم.

ورسول الله حمل إلينا هذه المشكاة في ذاته، وفي بيته، وفي صحبة من صحبه، مجددا بيننا معالمها بوعد الله، واعدا بحفظ دينه، واعدا بحفظ ذكره ــ في هذه الأمة من البشرية ــ واعدا بحفظ مصابيحه لمن تابع هذا الرسول من بين أهل هذه الأمة من كافة الناس، حتى تصلح أمته لأن تكون حقيقة أسوة للأمم وللناس كافة أمة وسطا، أمة مرتضاة، أمة خيرة، أمة ميسرة، أمة قوية على الباطل والمبطلين، أمة لينة، أمة حبيبة فيما بين أفرادها ومجتمعها، أمة ذليلة كسيرة فيما بينها وبين ربها، حتى تمثل كمال الرسالات في حلقاتها، وكمال الآداب في صورها، وكمال الوصلة في حقيقتها، وصلة الحق بالفرد، ووصلة الحق بالجمع، وظهور الحق في الخلق، على أدب من تشريع ثابت، وهدي سامٍ، ومنهاج مستقيم، وأمر فاعل قوي.

هذا هو الإسلام في كتابه وسنته، وهذا هو الدين.

فإذا كنا نستقبل اليوم شهر ربيع، وهو شهر مولد الرسول، فإنما نستقبله ونتذكر به، ونتذكر فيه هذه الحقائق، إذ يجب أن تكون هذه الذكرى قرينة تأملنا في قوانين الله الذي بدأ الخلق، والذي هو على مثال من بدئه بادئه، والذي ختم الخلق، والذي هو على ما ختمه خاتمه، والذي هو أعاد الخلق، وهو على ما أعاده معيده.

فإذا كان شهر ربيع مشيرا إلى هذه الحقائق بين حقائق الله في الناس، فهو عيد وموسم لإنبات البشرية للحياة نباتا لا ينظر إلى غثائه، ولكن ينظر إلى ما احتوى مظهر الفناء من معاني الحقائق، ومعاني الحياة مرجوة مستساغة مرتضاة.

وإنا جميعا لا نجحد، وليس علينا بخفي أننا من نبات هذه الأرض، ولا نجهل ولا نتشكك في أن هذا الفناء من جسدنا من نبات الأرض إنما هو إلى الأرض ينتسب، وإن طبيعة الحياة هي ما يتحرك في هذا النبات من النفس، فتتحرك الحياة في هذا التراب من أرض الذات المتطورة إلى ذات تحوي أنهارا من دم، وتقوم بجبال من عظم، يكسوها زرع من لحم، تتحرك وتتجدد فيها الحياة على دوام مع أنفاسها قياما لحضرة عاقلة، مدبرة، ظاهرة بظهور هذا العالم المتحرك الصغير من الذات البشرية…

ولكن هذا كله منها ولها بظاهره موقوت وإلى فناء، ولكن هذه الذات بها من معاني الحياة، ومن حقيقة الحياة ما يجب أن نؤمن أنه لا يفنى أبدا، فلنلتصق بمعانينا إلى معاني الحياة فينا، ولنتحرر بهذه المعاني لنا من معاني الجسد، أو الجهاز الجسدي المسخر لنا تسخيرا مؤقتا على هذه الأرض…

ولنعلم أننا على الصورة التي أنبتت بها أجسادنا من تراب الأرض، فاكتسبنا بها هذا الجسد لباسا لمعانينا من معاني الروح، إنما نتهيأ بأعمالنا، وبتقوانا، وبذكرنا لله، وبإيثارنا على أنفسنا مَرضاة له، وبتحابنا بعضنا إلى بعض، وبتعاوننا بعضنا مع البعض، وبالإنكار على مفرداتنا، لصالح جماعتنا وحدة… أننا بهذه الأفعال نزرع وننبت نباتا آخر لجسد ينتظرنا بما نرسل من طاقة فاعلة، ننتقل إليه بمعانينا ملتصقة إليه في عالم من عوالم الروح نباتا في عالم نجهل الآن أرضه، كما نجهل قانون تواجد الأشياء فيه…

ولكنا نؤمن بذلك بما حمل إلينا البلاغ، أو هدانا إليه العقل، أو قادتنا إليه التجربة، ويمكننا أن نتحقق بذلك إذا ما تهيأت لنا أسباب السلوك إليه، إن كنا من أهل الطلب لهذا المعنى، لا شاكين ولكن مطمئنين لله، راجعين إليه منه…

وأن هذه الذات التي هي في طريقها إلى التواجد لتكون جلبابا لمعانينا في حياة قابلة، إنما هي من صنع أيدينا، ومن صنع خواطرنا، ومن صنع مسعانا في هذه الحياة، ومن صنع قلوبنا، بها نعرف كيف كنا، وكيف صنعنا، ومن صانعنا، وماذا نصنع.

لا أريد أن أقدم من عبارات التبليغ ما يؤيد هذا المعني -وهي كثيرة- لأني أريد أن تفهموا أن هذه الحقائق لا تأتي عن طريق النحت في صخور الحروف، وفي بيداء صفحات الكتب، ولكن هذه الحقائق تدرك للإنسان في نفسه بنفسه على فطرته، ما استقامت فطرته على محبة الله، وما استقامت نيته على تقواه، وما انعقدت عزيمته على الإيمان به، وحسن الأمر معه، وذلك في الإيمان به قريبا منه، محيطا به في كل ما يحيط به من خلق معلوم أو مجهول.

إن أمر الله سهل ميسر، وإن وحدانية الله ليست أمرا في حاجة إلى دليل، أو في حاجة إلى إقناع، أو كتاب أو رسول أو تعليل. فإن الإنسان بغريزته وبطبيعة فطرته يتوصل إلى ذلك من تلقاء نفسه في يسر ودون مشقة، كما أن حياة الإنسان وارتباطها بالوجود، وارتباطها بالله أمر لا يحتاج إلى دليل أو تعليم، فهو أمر قائم في الغريزة مهما اختلفت الأسماء، أو صور التعبير عن المشاعر. سمه الله أو سمه ما شئت، فالعبرة بما تعني من التسمية.

ولكن الإنسان يحتاج فعلا إلى دليل وإلى مرشد، وإلى من يأخذ بيده في الله إذا ما أراد أن يتجاوز هذا التكوين، وأن يتجاوز هذه الطبيعة التي يقوم فيها والطبيعة التي يعرفها، إلى تكوين آخر أرقى منه، وهذا أمر ميسر لمن تابع رسولا على إيمان به حقا من المعروف. {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}[١].

فإذا طلب الإنسان هذا التغيير وجب عليه أن يأخذ في هذه الطريق دليلا له حتى لا يتعرض لتيه هذه الصحراء، وحتى لا يضل الطريق في هذا المحيط الخضم الذي ليس له به سابقة عهد، أو سابقة إدراك.

ولهذا أرسلت الحقيقة رسلها بعثا بالحق، فإذا كان الناس يفهمون رسل الله، جاءوا للناس بعثا بينهم حتى يردد الناس لفظ الله على ألسنتهم أو أي لفظ بوهم متابعتهم لهؤلاء الرسل بهذا الترديد، فهذا خطأ جسيم. فإن البشرية على اختلاف مشاربها، وإن الكائنات جميعا، وإن المملكة الحيوانية والنباتية من عوالم البر والبحر يعلم عن الله أو عن الحقيقة، ويقوم في الله أو في الحقيقة، ويقوم بالله وبالحقيقة بغرائزه، وإن لهم لمناهج، وإن لهم لشرائع، وإن لهم لمناسك، نجهلها لأننا لسنا من أهل هذه العوالم، وقد نعلمها بدراسة هذه العوالم. وإن عالمنا البشري الحالي بفطرته له هذه المعارف، وهذه المناهج، وهذه المسالك، مهما اختلفت الأسماء والرسائل. ومن هذا العلم، ومن هذا اليقين يقول رسول الله ــ الإسلام دين الفطرة ــ ردد الإنسان أسماء الله أو لم يردد… قام في مأموره أو لم يقم.

فالإسلام ليس دين أمم الأنبياء، ولا أمم الرسل، ولكن الإسلام هو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها. وكل مولود يولد على الفطرة، فكل وليد مسلم بمولده، وهو مدرك لمناسكه ولمعارفه، ولوحدانية الله بفطرة وجوده مولودا على هذه الأرض المباركة، ميسرا لما خلق له، وإن لم يولد ليكون نبيا أو رسولا.

أما الأنبياء والرسل فقد ولدوا في الفطرة مولد الناس، وتهيئوا بما علمهم الله، وبما هداهم الله إليه من الحق في أنفسهم تطورا وبعثا، لأن يكونوا للناس هداة يسلكون بهم المسالك إلى المجهول المعروف، على ما سلكت بهم الروح المسالك إلى المجهول المعلوم، فعرفوا المجهول من أنفسهم، كما قاموا في المعلوم منها، فحملوا نبأ المجهول من أهليهم عن أنفسهم إلى معلومهم منهم، فسموا بذلك أنبياء لحملهم النبأ، أو لإنبائهم عن غير المنظور من عوالم النفوس إلى المنظور لهم من عوالم أنفسهم من الناس.

وإذا كانت هذه الرسالة النبوية تعنون بالنبيين كذوات من الجنس مؤسسين لها، ختمها خاتم النبيين وخاتم المكلفين، وأول العابدين، وسيد المرسلين، وطابع المصطفين، ومثال المتخلقين محمد عليه الصلاة والسلام، وبه عنون الصلاة والسلام، فقد ختم برسالته معاني حمل النبأ من الغيب إلى المشهود المعلوم من عالم الخلق، تكليفا من عالم قيامه، متجددا قائما على دوام ــ للناس كافة ــ أن يكونوا على مثال من هذا المعنى، مطورا به النبوة والإنباء عن الغيب إلى حركة كسبية المظهر، إرادية الجوهر، دائمة القيام، بعد أن كانت حركة تكليفية اصطفائية جنبية من جانب الغيب.

وقد بشر أمته بما جاءها به من إرادة سامية إلهية بأن علماء هذه الأمة كأنبياء أمة سلفت، لها من الله ما كسبت، من قوم إسرائيل وهم من عرفوا وخبروا، جاعلا العلم والاتصال بعالم الغيب أمرا ميسرا للكافة، حاملا للناس بشرى مقاربة الحق من ربه لهم. {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}[٢].

إن هذا الذي فتحت أبوابه الحقيقة المحمدية، وعنونته وتعنونه الذات المحمدية، وتجديده الرسالة المحمدية بهذا الرسول رسولا بلا اسم، وعبدا بلا رسم، وذاتا بلا ذات، وحقيقة مجردة في الله على مثال من حقائق الله في الحق المطلق، فتحا لأبواب رحمته، وتدانيا لفيوضات علمه وحكمته… إن هذا ما جافاه الناس لأنفسهم من محمد ــ إلا من رحم ــ وما أقلهم ممن لا يقول أنا وأنت، ولكن قال لطالب الحق: (ها أنت وربك)[٣]، وعنون وأفاض (الاستقامة خير من ألف كرامة)[٤]

إن الرسالة المحمدية أسقطت قيم الظواهر القابلة للعدم والفناء - بفناء الذوات- إلى معاني الحقيقة وقيام الحقائق القابلة للدوام والترقي عطاء من الله غير مجذوذ.

إن محمدا في الله هو تمام كلمة، وهو روح للقدس جامع لكلمات الله من أهل حضرته، وهو المستوى النهائي لعالم التقيد الذي يصح أن يصل إليه الكائن البشري المقيد، ترقيا في الله المطلق، وهو عنوان البشرية والمثل الأعلى للكافة ليكونوا منه على مثال، وأن يكونوا فيه على حال، وأن يكونوا به على استقامة في الحق متابعين، وأن يكون هو قريبا منهم بروحه ومعناه، إذا قاربوه هم بصفاتهم ومجاهداتهم على ما عرفوا من صفاته ومجاهداته. إنه المثل الأعلى المرسل المعروف على مثال من فعل الأزلي سبحانه.

إن مثالية رسول الله حية قائمة، وإن حاضر رسول الله جد جديد متكاثر، وإن في خفاء ذوات معناه لرحمة من الله حتى تتسع دائرة الرجاء فيه، وحتى تتسع دائرة التكاثر به في بقاع الأرض، وفي جماعات الناس، وفي مفردات أهل الهمة، وأهل العمل والعزيمة من أهل الرجاء، لأن سفور المعنى في فرد مقتض استجابة الصادقين لهذا الفرد، دون مشاركته في المعنى عليه السلام، ما دام صاحبه في القيام، ولكن خفاء هذا المعنى في ذاته يجعل باب الرجاء مفتوحا للكافة ليحصلوا على هذا المعنى، متابعين لمن توسموا أنه حقا وأهلا لهذا المعنى، مما يجعل فرصة العمل متاحة لجميع مجالاته على اختلاف مستوياته وتعدد صفاته…

وإن هذا الذي وافانا به رسول الله في ذاته، وفي بيته، وفي أصحابه، وفي تعاليمه، وفي سنته من رحمة الله للعالمين، لم يشأ رسول الله ولم تشأ عناية الله أن تحرمنا دوام رفده رغم جحودنا، فها نحن اليوم تعنون الرسالة الإسلامية بيننا روح من الله مدان، حتى يطمع الناس جميعا في أن يكون لهم مع هذه الروح نصيبا، يتجدد به رجاؤهم في الله على متابعة من عمل ومجاهدة، مهيئين لأنفسهم مع هذه الروح العظيمة فرصة اصطفائهم، فتجدد نفسها فيهم برغبتها في أن تداني الناس، وأن تنتشر فيهم بمعناها حتى تُيسر لهم تحقيق أملهم ورجائهم في الله وفي معرفته. وإذا قلنا الروح فليس الروح ذاتا، ولا تحمل معنى الذات، ولا صفة الذات في طبيعتها أو أمرها. ولكن الروح إذا جاز لنا أن نقرر ما معناها، وما يعنونها، فإننا يمكننا أن ندرك جانبا من عظمة الروح إذا قلنا إن سكان هذه المعمورة، أي سكان هذه الأرض جميعهم بأممهم، وبدولهم، وبأجناسهم، وما يخالطهم من أحياء، وما يحيط بهم، إنما هم أعضاء في ذات واحد، لها روح واحد، أو أنهم ذات واحدة لروح واحد.

فالروح الواحد أرحب وأوسع بمعناه، وبإنائه، وبقدرته، وبما أودع الله فيه من نوره ومن سلطانه… أرحب من هذه الأرض وسماواتها. أما الأرواح المدانية في ركب الروح حاملة أسماء قديم أجهزتها فهذه ما زالت نفوس متطورة في معين روح احتوائها من الأرواح المرشدة.

ألا نقر… ألا ندرك ما حمل لنا رسول الله في حديثه عن الله في التعبير القدسي (لم تسـعني أرضي ولا سـمائي، ووسـعني قلب عبدي المؤمن)[٥]؟

فإذا كان هذا هو حديث الله على لسان رسوله، وهو أمر قد لا نستطيع تحقيقه في أوانينا على هذه الأرض بذاتها، على صورة يمكن تدريكها للغير، وربما استطاع المجاهد منا أن يصل في إدراكه لهذه الحقيقة في صورة خاصة، وعلى علم خاص به، ولكن لا يستطيع أن يعلم الناس تحقيقا دون سلوكهم، أو أن يعرف عنه تعريفا يخضع لقوانين الإدراك الحسي، ويخضع لقوانين التجربة، ولكن هذا هو على الأقل ما يمكن أو ما يجب أن يتصف به روح مدان، له معاني العبودية للروح الأعظم، يقوم فيما وصفت العبودية من الله.

وليس كل روح مدان له معاني العبودية للروح الأعظم، ولكني أعني روحا مرشدة، وحقيقة مجردة من عالم الحقيقة والتجريد، ومن حضرة الحقائق تداني الأرض لتأخذ بيد أهلها إلى عالم الحق لها، باستقبالهم فيوضات الحقائق، تفاض على قلوب الصالحين من عباده بين خلقه، ليكونوا لهم حقائقه وطرائقه.

فهذه الروح يجب أن يكون اعتناؤنا فيها، واعتقادنا نحوها، ووصفنا لها على ما أشارت إليه، أنها روح جامع محيط، وأن أهل الأرض جميعا، قد تكون الروح الجامعة لهم مجالا من مفردات هذه الروح، التي تتصف بمعاني العبودية للحق المجرد، والتي تدانينا من وراء حجاب الوساطة، والتي تحدثنا بمجال من مجالاتها مدان، حتى يستطيع إناء من بيننا أن يتقبل - بدخوله في حلقة من حلقاتها في معراج إليها ــ شيئا من فيوضات امتداد هذه الروح، فهذا أمر جد خطير، وأمر عظيم، وأمر جلل، لأنه بذلك نخرج من دائرة نسبة الرسالة من الرسول إلى الإناء المقيد، بنسبتها إلى الحقيقة المطلقة له.

وإن تهيأنا لذلك، وإن صلحنا له، وإن أدركنا فيه، تهيأنا لاستبانة ما جاء به التبليغ في كتاب الله من القرآن، ومن الإنجيل، ومن التوراة، ومن سائر الكتب المقدسة عند أمم الأرض. وإن موافاة عالم الروح، وأخذه بأيدي الناس، أو بأيدي البشرية، وإن استجابة عالم البشرية بعد لأي أمر خطير في تاريخ الأديان، بشرت به الأديان، وأعلنت عنه ووعدت به، ولكنا قد اخترنا لأنفسنا فهوما بعيدة عن الواقع من وضع أنفسنا، متشبثين بمعاني وضعناها للمجهول، قياسا على أفعال الفرد منا، ومحرفين لألفاظ التبليغ إلى مدرك نفوسنا.

فإن ابنا للإنسان بباطنه ظاهرا للناس، لم يطأ الأرض بعد. وإن عبدا لله بباطنه عاملا أمام الناس لم يظهر على الأرض بوصفه بعد، إذا أحسنا الفهم في الله، وقدرنا الله حق قدره، وما أدركنا أننا في عجز عن تقدير الله حق قدره، حتى يمكننا أن نتدارك ما فاتنا، وأن نصلح من ماضينا، وأن نحتفظ بحاضرنا بعيدا عن شوائب الماضي، وأن نرسم لمستقبلنا طريقا ينجينا معاني الزلل، ينجينا مما زلت فيه أقدام آباء لنا وسوالف الناس. وما تقديرنا لله حق قدره إلا في تقديرنا لعباده، واحترامنا لأنفسنا فيهم، وحرصنا على الحياة منهم.

ها هو الحق يكشف من أسرار الوجود، في كل يوم وفي كل عام، وفي كل بيئة، ما ينبهنا به إلى حقائق الوجود، وما ينبهنا به إلى قدسية هذا الكون، وما يوقظنا به من سباتنا العميق بقوارع هذه الآيات… فهلا استيقظنا… فهلا غيرنا ما بأنفسنا حتى يغير الله ما بنا، وحتى يهيئ لنا أسباب المعرفة، وأسباب الحق، وأسباب الإيمان، وأسباب اليقين.

إن ألسنتنا تتحدث عن عبد مقيد ننتظره يغير الله به، أسميناه المسيح أو المهدي أو آدم، على ما نسميه وندعيه ولا نتوكل على الله، ولا نؤمن به وهو القائم على كل نفس بما كسبت، وهو المغير سواء أوجد هذا العبد أم لم يوجده، فإن الكون مشغول به، وبنوره، وبمحبته، وبالامتثال لمراده.

حياة الكون قائمة به، وهو عليه قائم بقدرته، وبه ظاهر بعظمته، وفيه فاعل بحكمته، مدرك للناس ما طلب الناس رحمته، وما نسبوا إليه الفعل بعزته، ولكن الناس يريدون أن تنشق السماء فتسقط عليهم، أو تسقط، أو تسقط عليهم كائنا بشريا أو روحيا كائنا ما كان، في وهم وخيال وظن ورجم بالغيب، وإسراف في الوهم والزعم.

إنهم يقولون إن محمدا رسول الله أرسله الله من حضرته، فكيف جاء محمد؟ هل جاء على ملكين يحملانه من السماء؟ أم أنه نبت نباتا من الأرض؟ أم أنه نشأ نشأة كل وليد؟ إن عيسى الرسول أيضا، وهو ما نسميه بالمسيح، أو ما تسمى منا عندنا المسيح، وقد شذ في مولده كما نقول، وهو لم يشذ في مولده، ولكن غاير نظامنا في حمل أمه به، أو في لقاح أمه به، عن مألوف مداركنا من عالم شهادتنا من البشرية الآن في ظل قانون لصلات العوالم، فإنه وإن كان الحق قد أرسل روحا لبشر من عالم أعلى، تمثل بشرا سويا أمام بشرية مريم، من قديم وضعه، جعل الله في مكنته، وفي طبيعته، أن يصل إلى معنى اللقاح، بما جعل له من قدرة على مثال مما يقع بيننا من حيث الجوهر، ولكن بعيدا عن المثال مما يقع بيننا من حيث المظهر، فإن مولد عيسى بيننا ما خالف مولد أي طفل، ومع ذلك قلنا إنه جاء من السماء، وما كان مجيئه إلا بمولد من أم على نظام هذه الأرض، فإن كل ما سوف يأتي من السماء لن يأتي إلا على مثال مما سبق أن أتى من السماء، مما سبق أن أدركنا في رسل الله، أو اعتقدنا ذلك لهم.

وإن ما يأتي من السماء على غير مثال مما أدركنا عن رسل من عالم البشرية اتصفوا بيننا برسل الله، ممن لم ينقطع أثرهم أو مثلهم، إنما هو سفور روح الله، أو ملاك الله، أو الربوبية تقوم سافرة من روح الله… إن هذا المعنى ليس غريبا على البشرية، ولكنه لم يسبق قيامه فيها إلا مع الأنبياء، وبعض أصحابهم، لتأسيس بيوت لله بأهلها قبلة لدين، خص به الأنبياء قبل محمد، لم يقتصر عليهم من بعده.

أما ما نراه اليوم في الصلة الروحية، فهو خروج هذه الحقيقة عن دائرة الكتمان، بعد أن خرجت عن دائرة الخصوصية، ولو أدركنا هذا المعنى وفهمناه لفهمنا أن هذا يتم تحقيقا لما بشر به عيسى من أنه سوف يدعو الناس بإخوته يوم يقوم الحق من الإنسان… فماذا ينتظر الناس لصورة قيام الحق من الإنسان؟ وهو ما قال به محمد من أنه سوف (لا تقوم الساعة قبل أن يظهر على الأرض آدم)[٦]… فماذا ينتظر الناس من صورة لقيام آدم؟ وهو بعينه ما أشار إليه كونفوشيوس من القول بعودته، فماذا ينتظر الناس من صورة لعودة كونفوشيوس؟ وهو ما أشار إليه بوذا من دوام قيام قديمه على جديده…

وهو ما يشير إليه أهل الحقائق دائما من عودة، أو بعث، أو خير أكثر من الله، في ظل قانون يحيى عليه السلام ــ إن الذي هو بعدي رأيته أمامي - فرؤية الحق في القديم، أو رؤية الحق في القيام، أو رؤية الحق في المستقبل، هي مناط هدي الأديان، ومعارف أهل الطلب للحق أنفسهم، وفيما حولهم، وفي قديمهم، وفي مرجوهم.

وقد مثل كل نبي برسالته وهديه وجهة للحق تطلب معه، وجاء محمد فوجه الناس إلى أنفسهم، كل وما أعد له، معلما أكبر، وهاديا أحكم، ومبشرًا رحيمًا، ومنذرا أعلم، {قد علم كل أناس مشربهم}[٧]، وتقاعس ظالموا أنفسهم عن تعاليمه، وعن حقيقة تعاليم من زعموا متابعتهم من الحكماء، والأنبياء والرسل، والأئمة من الدعاة والهداة، كما ظلموا أنفسهم في وهم وزعم متابعة مثلهم.

إن ظهور الذات المحمدية عنوانا على حقيقتها من الحق، كان فيه بدء ظهور وقيام الحق في الخلق، وإلا ففي ماذا ندرك مثالية ــ (خلفت الله عليكم)[٨]-؟ وكيف يخلفه الله على الناس وهو معهم، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، إذا لم يكن هذا البعث بداية لظهور كلمات الله من أبناء إنسان الأزل، مبعوثين بمعانيهم من أسماء الله كلها، وهو عالم تهيئ البشرية حتى الآن مجتمعها للعمل على كشفه، متصارعة على مادة الحاجة دون مادة الحياة؟

ها هي السماء وأهلها يتصلون بالأرض وأهلها مرة أخرى ليهيئوا جو الأرض ومجتمع البشرية لحال من السلام، ووضع من الاستقرار، تمهيدا لظهور كلمات الله تترى بين البشرية يوما، لعله قريب.

لقد انتهت رسالة الكلمات بظلالها، وجمعت صورها في ملكوتها، ولم يبقَ إلا أن تحقق صورها بمعناها منها في صور محدثها في رسالة روحية، يتجدد بها في الأرض ذكراها، ويكمل بها لها في السماء معناها، ويتخلق بها لها في وجود الله المطلق، عالم مبناها، اتساعا في الملك والملكوت، وملء لفراغ الوجود، وتعليمات بسعة الكريم الموجود.

بإدراك ذلك وتمامه تنتقل الأرض وأهلها نقلة في الله، تبدأ بها حياة جديدة، وتفتح لنفسها في كتاب الله صفحات سعيدة، وتمسك بأقلام سديدة، يتبدل حال أهلها من سافلين إلى عالين، ومن دنيا مادة وفناء إلى دنيا حياة ودين.

هذه هي بداية الآخرة من الأولى للأرض وأهلها، يبدلها غير الأرض، ويبدل السماوات معها غير السماوات، ويبدل الأمثال للناس، ويداول الأيام بين الناس، ويجعل من الأحياء أمواتا، ومن الأموات أحياء، وقد شاءت قدرته فجمع دواب السماوات والأرض في صعيد، وهيأهم للاجتماع على جديد، ورحمهم وشرفهم فمنحهم كمالا وتماما في أمر وليد، وأشرق على قلوبهم بوجه قديم جديد.

قل هذه هي النهاية، أو قل هذه هي البداية، إن لله في كل زمان آية، وليس لله في الناس بداية ولا نهاية.

اللهم حققنا بك فيك برحمتك.

اللهم حمدنا بك لك بمحمدك.

اللهم أحينا بك لك بكلمتك.

اللهم احشرنا بك لك في عبادك.

اللهم ارزقنا منك إليك الرشاد، ولا تمنعنا منك إليك القياد.

لا إله إلا أنت، ولا موجود بحق إلا أنت، ولا وجود إلا منك، ولا مآل إلا إليك ولا بقاء إلا بك، عليك نتوكل وإليك ننيب.

أضواء على الطريق

هو

الأول والآخر

والظاهر والباطن

وهو

بكل شيء عليم

(قرآن)[٩]

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الرعد -١١ ↩︎

  2. سورة البقرة -١٨٦ ↩︎

  3. من مقولة لابن عطاء الله السكندري: “شيخك هو الذي ما زال يجلو مرآة قلبك، حتى تَجَلَّتْ فيها أنوار ربك، أنهضك إلى الله فنهضت إليه، وسار بك حتى وصلت إليه، وما زال محاذياً لك حتى ألقاك بين يديه، فزجَّ بك في نور الحضرة وقال: ها أنت وربك.” ↩︎

  4. “من كرامات الشيخ أحمد ضياء الدين أن أحد مريديه حدثته نفسه أن يسأل حضرة الشيخ ظهور كرامة فكاشفه الشيخ في الحال بما في نفسه وقال له: الاستقامة خير من ألف كرامة”. الأنوار القدسية. ↩︎

  5. إشارة إلى الحديث القدسي: “لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن.” ذكره الغزالي في “إحياء علوم الدين”، وفي أدبيات المتصوفة. ↩︎

  6. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  7. سورة البقرة - ٦٠ ↩︎

  8. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  9. سورة الحديد -٣ ↩︎