(١٥)

إلى عرفات القلوب

١٠ ذو الحجة ١٣٧٩ هـ - ٤ يونيو ١٩٦٠ م

الله أكبر… الله أكبر… الله أكبر…

لا إله إلا الله… ولا نعبد إلا إياه… مخلصين له الدين.

الله أكبر… نصر عبده، أعز جنده، هزم الأحزاب وحده.

سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله!

اللهم صلِّ على سيدنا محمد، اللهم صلِّ على آل سيدنا محمد، اللهم صلِّ على أصحاب سيدنا محمد. اللهم صلِّ على أنصار سيدنا محمد. اللهم صلِّ على أزواج سيدنا محمد. اللهم صلِّ على ذرية سيدنا محمد. اللهم صلِّ على سيدنا محمد، وعلى كل من انتسب لسيدنا محمد. اللهم صلِّ عليهم، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، بأمرك وبرحمتك وبهدايتك وبعونك وبقدرتك.

لا إله إلا الله. نصر عبده.

الله أكبر ولله الحمد.

بهذا نزعت قلوب المسلمين إلى الله ألفا من السنين ونيفا وأربعمائة منها، تكرره وتردده في مثل هذا اليوم من كل عام، وتعيده كلما حل شهر الأمة، فصامت وأفطرت مرتين في كل عام.

وفي هذه الألفاظ وفي هذه العبارات وفي هذا النزع إلى الله يقوم الإسلام، وتقوم رسالة الإسلام، وتقوم أمة الإسلام من أمة محمد.

قامت أمة محمد بمحمد وآله وصحبه وأنصاره وأزواجه وذريته، وتتجدد أمة محمد كلما تجدد في أمته محمد بآله وصحبه وأنصاره وأزواجه وذريته… {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين}[١] {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم}[٢] {يوم ندعو كل أناس بإمامهم}[٣]. فمن كانوا على دين صالح منهم أمَّهم إلى الجنة والنعيم. ومن كان اجتماعهم على فاسق منهم قادهم فأوردهم النار وبئس الورد المورود. الناس على دين ملوكهم أعلنها رسول الله، أي حكامهم وأئمتهم حنيفية راوية، وكشفها نقية صافية ارتواها من روي، وحرم منها من شقي. {فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا}[٤] {قالوا إنا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات}[٥].

إن مملكة القلوب غير مملكة الذوات. إن مملكة النعمة… إن مملكة الرحمة… إن مملكة الهدى… إن مملكة النور… إن مملكة الحياة… إن مملكة القلوب… غير مملكة الذوات ومملكة الشفاه.

لقد رفع الله الناس بعضهم فوق بعض درجات في تقواهم في الله، وفي معرفتهم بالله، وفي صلتهم بالله، وفي علمهم عن الله على مثال مما أبرزهم به في دنياهم… في علاقاتهم بأموالهم وجاهها وسلطانها وهيلها وهيلمانها. ولمملكة القلوب أكبر درجات.

إن الفرق في مملكة القلوب بين كائن وكائن هو الفرق بين السماوات والأرض. هو الفرق بين الربوبية والعبودية في الله. فتنزه الله عن أن يكون شقا من الحياة فيكون ربا، وتنزه أن يكون شقا منها فيكون عبدا. إن الله أقرب للعبد من حبل الوريد، وأقرب للرب ربا من حبل الوريد. وإن الله هو القاهر فوق عباده من ورائهم محيط. وإن الله هو المقهور في عباده لنفسه في عباده من ورائهم محيط.

رفع الناس في عوالم النور وعوالم اللطافة طبقات، كما جمعهم أجنة في البشرية لبنات رفع بعضها على بعض درجات، فكانت البشرية بطبقاتها عنوان السماء في طبقاتها.

إن الناس في الله… إن الناس في البشرية… إن الناس في الوجود… سواسية كأسنان المشط كلما تجمعوا في طبقتهم على نظام الله، ولكن بعضهم فوق بعض درجات، والله رافع هذه الطبقات بخلق جديد من الطبقات. وإن الطبقات إذا ما انتظمت في نظامها الطبقي كراسي حكم، وعروش رحمة، ووجوها منه، فسلام في أنفسهم في طبقتهم، وسلام لكل طبقة في مكانها، وفي مقامها، وفي طبقتها، وفي عنوانها، وفي مكانتها… فلا تأخر ولا تزاحم ولا خصام.

وهي إنما ترتقي بقدرة الله في جديد مما يخلق، وفي أكوان مما يفتق بأيدي الله، بعضد الله، من عباد الله، من عروش الله، من كراسي الله، من وجوه الله، من أهل تقواه، ومن أهل طاعته، ومن أهل معرفته، ومن أهل حضرته.

يوسع بهم في خلقه يملأ بهم الفضاء بالحياة. يفتق بهم السدم، يجمع بهم حبات الرمال من الخلق، يكور بهم أديما جديدا وآدما وليدا. يرفع بهم سماوات ويفتق بهم أراضين، على ما أشهد العارفين بالطبيعة من الجاحدين بآياته وهو يريهم آياته في السماوات والأرض، ويشهدهم كيف فتق السماوات عن الأرض، وفتق الأراضين عن السماوات، يوم يعلمهم ويعلمهم أن السماوات والأرض تستجيب لأمره، وتعي لخطابه في لطيف حياتها، وأنها لا تخرج عن ناموس قدرته، كما أنها لم تخرج عن قبضته في كثيف قيامها.

الأرض جميعا قبضته يوم يعلم الناس، ويوم يكشف عن قيامه في الناس للناس يوم يأتي الأرض ينقصها من أطرافها… يوم يأتيهم رسولا لا عوج له… يوم يأتيهم رسولا ينادي أن هلموا إلى اسم الله… أن هلموا إلى الذكر المحدث من الله… أن هلموا إلى وجه الله… أن هلموا إلى قبلة الله… أن هلموا إلى بيت النجاة… أن هلموا إلى الله.

يجيبونه خاشعين مهطعين يخرجون إليه بقلوبهم خالعين من أجداث ذواتهم ملبين حاجين، فيصلوا إلى قلوبهم مكرمين على ما وعد رب العالمين.

إن الرسول هو العبد الرب. إن الله هو العابد والمعبود. إن الله هو الموجد والوجود. إن الله هو الموجود والمفقود.

هل قدر الناس الله؟ ما قدروا الله حق قدره، وهو الذي أخذ من ظهورهم ذريتهم فأشهدهم على أنفسهم عبدا يشهد ربا في أبيه، وربا يرعى عبدا في بنيه. إنها ربوبية نوعهم، وإنها عبودية نوعهم. وهذا شرف جنسهم. (ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان)[٦] لأن الإنسان عنون الله ترجمانا، وعنون الله شيئا وشيطانا، وعنون الله مكونا وكونا، وعنون الله غيبا وكائنا، وعنون الله خبيرا لطيفا وذاتا كثيفا، وعنون الله في أفعاله موقوتة، وعنون الله في دوامه بلا زمن، وعنون الله في أزليته، وعنون الله في أبديته، وعنون الله فاعلا في تجلياته وسائر صفاته.

إن الإنسان في هذا شرُف أن يذكر الله، وأن يتأمل في الله، وأن يتقي الله، وأن يعصي الله، وأن يؤمن بالله، وأن يكفر بالله، وأن يجهل الله، وأن يعرف الله، وأن ينير ويشرق من نور الله، وأن يعتم ويظلم بحجب الله من الظلام، تتكشف من ظلام الإنسان، ومنها تتخلق الأكوان، ومن نور الإنسان تتخلق كذلك ملائكة الرحمن، ومن جهل الإنسان تتخلق عوالم الإنس والجان، ومن علم الإنسان يوضع ميزان السماوات، وبحكمته تقوم نواميس الأرض، ومن عدم الإنسان ولا عدم في الله يعرف قضاء الله، ويقام عدله، ويستقيم أمره. ومن بقاء الإنسان تعلم رحمة الله، ويشهد جود الله، وكرم الله، وإبداع الله، وقدرة الله.

أقلق الجهلاء التعريف بأن الإنسان هو الله ومن الله، وأقض مضاجعهم وأثار غفلتهم أن الله هو الإنسان ورب الإنسان. إن الإنسان ما عرف من الله إلا الإنسان رفيقا أعلى يطلبه وينشده، وما ظهر الله للإنسانية إلا بالإنسان يدنو من عليائه إلى سافله راحما مقاربا. عرفه العارفون يأتي الأرض ينقصها من أطرافها في جنسهم، وعرفه الأولون يأتي الأرض يقدر فيها أقواتها بفعلهم لأبنائهم، وعرفه المرتقون يأتي السماوات منها يحكم الأراضين بحكمته، وعرفه العالمون أنه مع الإنسان حيثما كان الإنسان… تحت الثرى كان الإنسان أو فوق الثرى سرى الإنسان… وأن الإنسان هو الساري فوق السماوات، وهو الساري تحت الثرى… والإنسان هو يد الله المحيطة لأرضه، وهو يد الله الممسكة بسمواته، هو يد الله تظل، وتقل، وتفعل، وترب.

من عرف الله فعشقه وطلبه فوجده، أحبه فأحب الناس، وآمن بالله فآمن بالناس، فقد آمن بالحياة إيمانا بالله.

إن العيد لمن لبس الجديد من حيواته ومن حياته متصلة ما قبل هذه الحياة، مواصلة ما بعد هذه الحياة… من لبس جديد الحياة فذهب بعيد الحياة إلى عوالم الروح، وجاء يعيد الحياة إلى عوالم الذات عيد إلى عوالم الروح روحا، وعيد إلى عوالم الذات ذاتا… اتقى الله فعرف النجاة… وآمن بالله فعرف سفن النجاة ومرفأ النجاة فلجأ إلى سفن النجاة صلاة وسطى يرضاها وترضاه… فيها يتعارف إلى معناها في معناه، وبها يشرق بمسراها في مسراه، وبها يعرف حقيقته في حقه، وحقه في حقيقته… يعرف قلبه بيتا لربه وذاته كرسيا وعرشا لمولاه… ومعناه علما على معناه وما علاه… ومعناه هو عين معناه ومرتضاه في وجوده من وجود الله… موحدا بالله شاهدا أنه لا إله إلا الله… مكبرا لله شاهدا أن الله أكبر، وأن الله أكبر، وأن الله أكبر… أن الله أكبر إلى ما شاء الله موصولا ببيت الأزل… متشرفا بالنبوة لأبيه… مقدرا لمعاني وشرف الإنسانية فيه… عازفا عما يليق بالكبير أن يعزف عنه… مقبلا على ما يليق بالكبير أن يقبل عليه كريمةً عليه نفسه… مرهفا فيه حسه… ينطق بلا إله إلا الله بكله لا بلسانه، وينطق بالله أكبر بكله وبجنانه لا بوهمه وبهتانه.

لقد أصبح الدين قوامه، والدين معناه، والدين هواه، والدين حياته، والدين دنياه وأخراه، والدين ربه ومعناه. لا فرق بين ظاهر الحياة وباطن الحياة. ولا فرق بين الدين والديان في معناه. يحاسب نفسه قبل أن يحاسب الناس أنفسهم، ويعرف ربه قبل أن يعرف الناس أربابهم من صنع أيديهم يرونهم العذاب ويسقونهم القطيعة.

هذا هو الدين يا سادة. وهذه هي الطريق سعيد من طرقها، وسعيد من أقام الصلة فأقام الدين. فنسأل الله أن يجعلنا من السعداء ممن يقيمون الدين، وممن يقيمون الصلاة جنودا لكلمة الله، إسلاما للحق في الله، وانتظاما في عباد الله، وفي إنسانية الله، وفي بشرية الله… هدانا الله وإياكم سواء السبيل. ونسأل الله أن يعيد هذا اليوم علينا في سلام وفي طمأنينة وفي خير وفي صلاح. والسلام عليكم وكل عام وأنتم بخير.

أضواء على الطريق

من أحاديث السيد الروح المرشد (برش)

(إن العالم النجمي جزء من عالم الروح. ما هي إلا حياة واحدة في درجات كبيرة التفاوت تصل بين الأطوار العلوية والسفلية، إنها ليست حجرات محكمة القفل.

إنكم لا تصعدون من طبقة إلى أخرى، أنتم تنمون وتتطورون. الأسفل يفسح للأعلى. تموتون وتولدون مرة ومرات. إنكم لا تفقدون الجسم النجمي كما تفقدون الجسم المادي تماما، وإنما هو يصير أكثر شفافية وتطهيرا عندما يسقط عنه الجانب المنحط.

هذا هو الموت… لأن معنى الموت في الحقيقة هو التحول والبعث، وخروج الأعلى من الأسفل. إنا نجد صعوبة دائما كلما أردنا تفسير عالمنا الروحي الذي تحرر من قيود عالمكم المادي بحدوده المكانية والزمانية. إن السفلي لا يمكنه أن يدرك العلوي، والمحدود لا يمكن أن يحوي غير المحدود، والأقل لا يمكنه أن يقبض على الأكبر. وإنما بالمجاهدة فقط يمكنكم أن تزيدوا من سعتكم للفهم).

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الأنبياء -١٠٤ ↩︎

  2. سورة يس -٧٩ ↩︎

  3. سورة الإسراء -٧١ ↩︎

  4. سورة طه -٧٢ ↩︎

  5. سورة طه -٧٢ ↩︎

  6. مقولة صوفية. ↩︎