(١٤)

الإنسان والأكوان

حديث الجمعة

١٣ شوال ١٣٧٩ هـ - ٨ أبريل ١٩٦٠ م

باسم الله وباسم رسول الله…

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله.

عباد الله… اذكروا الله واسترحموا الله، واعلموا وتعلموا أنكم من الله وإلى الله. جاءكم رسولكم من أنفسكم بدين الفطرة على سنن من سبقه، وعلى موعود من لحاقه. كان الغيب في ملته أصلا للأشياء منه خرجت، وبإرادته ظهرت. فكان الغيب والشهادة أصلين في الوجود وأمرين قائمين في كل موجود، وكنتم بشيئيتكم وبغيب شيئيتكم من قديم ولاحق، عنوانا للوجود وأصلا فيه لمعانيكم، وكانت الأحياء صفوة الأشياء كما كانت الأشياء صفوة الغيوب.

تجلت الغيوب بالظهور في الأشياء فكانت الغيوب أصلها وكانت الأشياء ظهورها، واهتزت الأشياء بإرادة الغيوب فوجدت الأحياء، فكانت الأحياء صفوة الأشياء ترنمت واهتزت، وطربت وأطربت بشيئيتها لشيئيتها.

وكانت البشرية صفوة الأحياء، بدايتها من الأرض والسماء ونهايتها الأرض والسماء… فكانت الأرض شجرتها تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها من مظاهر الغيوب… وكانت الآدمية صفوة البشرية، فكانت البشرية طينة الآدمية وصلصال الذاتية، تجمعت ذات آدم منها ومن لبناتها، ومن خلاياها بيوتا لله ترفع ويذكر فيها اسمه.

وكانت العيسوية صفوة الآدمية يرجى بها الخلاص ويؤمن بها الهلاك مثالا لمفردات الأشياء من لبنات البناء.

وكانت المحمدية صفوة العيسوية تحمد من الآباء وترتضى من الأبناء في المؤاخاة والإخاء.

وكانت الإنسانية صفوة المحمدية، منها يتواجد الإنسان فيكون للغيب عنوانا، فما ظهر الرحمن في شيء مثل ظهوره في الإنسان، علمه البيان، وعلمه الحساب والحسبان… فتعارف فعرف الرحمن. به عُرف وعنه عَرف… فظهر به الحق للعيان… وتواجد الموجد للموجود في الوجود والوجدان.

وبذلك كان الإنسان ما وراء الأشياء في الوجود والوجدان، وما بعد الأشياء في الوجود والوجدان. وكان الإنسان عنوانا على الرحمن وعبدا للديان.

بهذا جاء محمد، وجاء به القرآن… رسولا للفطرة، ومعلما بالفطرة، وعليما عن الفطرة. بدأ في بدئنا ضالا فهُدي. وبدأ في بدئنا يتيما فأُوِي. وكان لنا أسوة في أن نعمل وأن نتعرض لنهتدي ممن هداه، ولنؤوى ممن آواه. وكان فقيرا فغني وكلنا فقير يرجو غناه، ويرجو الغنى به والاستغناء عما سواه.

بذلك كان رسول الله بمعاني بدايته معنى لكل مبتدئ. وكان رسول الله بمعاني نهايته رجاء وأمل كل طالب وكل سار إلى الله.

كان رسول الله وعبد الله بدءا لقومه وبداية لأمته. كشف عن قوانين الفطرة، وعن قوانين الغيب، وعن قوانين الوجود، وعن قوانين الظاهر من الأشياء، وعن قوانين الباطن، وعن قوانين الحياة والتواجد، وعن قوانين الفناء والعدم، وكان مما كشف من قوانين الأشياء أنها مَن أوجد الأشياء. (إن الله يبعث في هذه الأمة - في أمته - على رأس كل قرن من يجدد لها أمور دينها)[١].

وقد فعل الله وصدق رسول الله. وتجددت مجالاته على رأس كل قرن بدءا من كل عام، ومن كل يوم، ومن كل ساعة في عباد لله لا يعلمهم إلا الله…

كما أنه كشف أن الرسالة وهي تتجدد على رأس كل قرن مع من يجدد لهذه الأمة أمور دينها، فإن ذاته الشريفة، وإن ذاته المباركة، وإن ذاته في الفطرة تتجدد أيضا في دورة على رأس كل ألف عام، بقوله (إن صلحت أمتي فلها يوم وإن لم تصلح فلها نصف يوم)[٢]، واليوم هو رسالته حية، وهو كما عَرّف عنه كتاب الله {وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون}[٣]، وهكذا كان يوم آدم ونوح… فإن رسالة آدم استغرقت يوما فعاشت في الناس ألف عام… وكذلك رسالة نوح وإن نقصت قليلا، فكانت رسالته في الناس ألف عام إلا نصف قرن… بذلك تناقصت دورة آدم، وسارت في التناقص حتى جاء إبراهيم فتواصلت في تتابع قرني، لا يخلو عصر من دورة لآدم… وبذلك كان شعب إسرائيل، أو شعب يعقوب، أو أولاد يعقوب من إسحاق من إبراهيم، تتتابع فيهم كلمات الله، واسم الله، بنزول البسملة على كل نبي حتى عيسى عليه السلام، فكان عيسى كلمة خاتمة من يعقوب وإسحاق… فكان خاتم النبيين، ومثالهم المرتضى، ومثلهم الأعلى من رسالة إسحاق من إبراهيم على تتابع متصل. ولو صلحت رسالة عيسى الكلمة الآدم عليه السلام، واستقامت في أمته، واستقام عليها الناس لتخلف ظهور محمد ٥٠٠ عام من عام الفيل ولكنها لم تصلح، وخلطت بين معنى العبد وربه، وقصرت ظهور الغيب في الأشياء على شيء منها ضرب مثالا لها، فاقتضى ذلك أن لا تبقى رسالته أكثر من نصف يوم فرفع وما فيه من الحق، بذلك بعث محمد عليه السلام بعد خمسمائة وسبعين عام من مولد عيسى، أو ما يقرب من ذلك.

ولو أن رسالة أمة محمد فشلت في التعريف عن محمد ورب محمد ولم تثمر في الأرض لها ثمار لبعث رسولا بعد نصف يوم من انتقال محمد، وشهدنا رسالة من الله بعد خمسمائة من الهجرة أشار إليها رسول الله، وعرف عنها، وبشر بها في أحاديثه كما فعل عيسى عنه من قبل…

ولكن وقد امتد بنا الزمان الى ١٣٧٩ من الهجرة ولم يظهر لله رسول على الأرض، فبذلك نطمئن إلى أن محمدا وأمة محمد قد نجحت في رسالتها من حيث إخراج وتكوين العباد والأفراد، وإن فشلت من حيث الانتشار بأنوار الرسالة في البشرية.

وليس معنى هذا أن ما يتواجد عليه الناس ممن ينتسبون إلى هذا الرسول وإلى كتابه ودينه أنهم جميعا على استقامة، ولكن معناه أن هذه الأمة حققت لقانون الحياة ما يريد من إيجاد عباد يعرفون الله ويعرفهم الله، فيكونون في البشرية سفن نجاة، وكلمة خلاص للناس… وهذا ما كان.

والرسول إذ يقول (خلفت الله عليكم)[٤]، والقرآن إذ يقول {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي، لعلهم يرشدون}[٥] يختم عهد الآباء، ويفتح باب اللقاء.

الرسول إذ يؤمر {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به}[٦] كما يؤذن له ليقول {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[٧] وإذ يقول الله للناس بكتابه {ورضيت لكم الإسلام دينا}[٨] وإذ يعدهم أنه مظهره على الدين كله، وأنه سيُري البشرية في الآفاق وفي أنفسهم أنه الحق… يفتح باب المعرفة للكافة.

فإن السماء إذ تدانينا، وتقاربنا، وتصلنا بصلاتها في هذا الزمان، وبهذه الصلة من السماء تسقط الحواجز والحجب بين البشرية من الأشياء والبشرية من الأحياء، فيتحدث عالم الأشياء إلى عالم الأحياء، ويجتمع العالمان في توافق وفي امتزاج وفي اتصال على صورة عامة لم يشهدها تاريخ الجنس البشري من قبل.

وهذا فعل السماء وأثر اتصالها، وفعل الأرض وأثر انفعالها. وما السماء إلا حقائق الإنسان من أوادمه من نشأة هذه الأرض التي لا نعرف لبدء عمارها بجنس الإنسان بداية تدرك للتاريخ المعلوم عن الأشياء…

فإنسانية السماء من نبات الأرض ونبات الأشياء، وقد خرجت من عالم الأشياء إلى عالم الغيب، وعادت من عالم الغيب إلى عالم الأشياء، المرة بعد المرة، والكرة بعد الكرة حتى استوفت صفة الإنسان. هذه الإنسانية هي التي تتصل بالبشرية اليوم، وهي إذ تتصل من ملئها الأعلى تجمع في طريقها إلى هذه الأرض عوالم الروح، وتفتح لها طريق الاتصال بأبنائها في عالم الأشياء لتساهم في الخدمة.

وهذا على ما وعد الله في كتابه {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم}[٩]، فهو كشف للناس في أنفسهم عن قديم أنفسهم، وعن حاضر أنفسهم، وعن مستقبل أنفسهم حتى يروا ويعدوا بعضا من رحمة الله وآلائه ونعمته عليهم، وحتى يؤمنوا أنه حقيقة هو القائم على كل نفس، وأنه قائم عليها بما كسبت، وأنه حقيقة أعطى كل شيء خلقه، وأن كل شيء بما قدره قادر على خلقه نفسه وتكوين نفسه: (نفس عصام سودت عصاما وعلمته الكر والإقداما)[١٠] الإنسان، وأنه هو ما يعمل من مثقال ذرة من خير ومن مثقال ذرة من شر، إن عمله عليه شهيد، وإنه على عمله شهيد، وإن عمله إذا قدر عليه وضعف إحساسه بغيبه كان ربه، ورأى فيما عمله وهو غيبه إساءة فعله جزاء مقابلا لفعله هو مع خالقه وصانعه، إذ خرج عن نطاق حدوده في الإيمان به، والقيام بطاعته، والانتفاع برفده ورحمته وهو غيبه…

إذا أنكرت على الله أنه صنعك في أحسن تقويم، وأنه أعطاك قدرة بها تعمل وتتطور وتنشئ نفسك مرة بعد مرة، والله صانعك وما تعمل. ألم يلفت الله النظر في هديه وتوجيهه {فلينظر الإنسان مم خلق. خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب وإنه على رجعه [على صورة ما بدأه] لقادر}[١١]؟

خلقه من نطفة فقدره إذ جعله كائنًا قادرًا، وسواه مع قاذف هذه الخلقة أو المتخلق فيه، وقدره بدوره على قذف نطفة وبدء خليقة.

إن الإنسان لربه وهو غيبه - لكنود. وغيب البشر إنما هو بشرية، وغيب العبد إنما هو عبودية، وغيب الربوبية إنما هو ربوبية، وغيب الإله إنما هو ألوهية، وغيب الأشياء إنما هو شيئية، وغيب الغيب إنما هو غيبية.

فالإنسان في الشيئية أو البشرية على ما يعلم، إنما هو سلسلة من تناسل من بشر إلى الآدمية وفيها الرحمة والشيطانية، وأنه على ما يعلم مما سيترك من أثر على هذه الأرض إنما هو متسلسل في أبناء على مثاله تاركهم على الأرض وخارج بآنيته عن الشيئية إلى الروحية.

فالروحية وهي غيب الشيئية من قيامه إنما هي الغيب المباشر له، وهي بوصفها ــ غيب ــ غيبها غيب. وهو في شهادته وقيامه إنما هو عنوان غيبه من أبيه، وقد كان في الشيئية. فهو يعلم غيب نفسه أنه أباه الذي عرف أو عنه سمع، وأبوه غيب جده… وهكذا إلى مفروضه من الآدمية.

وهو إذ يفعل ما فعل أبوه وجده سيكون يوما في نظر أبنائه في معنى الآدمية لأنه في معنى الأبوة لولده، وفي معنى الجد لولد ولده، وأنه يوما وحتما سيكون في معنى الآدم لما تناسل منه.

وهذا ما جاء به محمد إذ يعرف الناس في كتابه على لسان ربه {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم}[١٢]، أو شهدوا أنفسهم شاهد ومشهود… أصل وفرع… موجد وعين موجود. وبذلك تعارف بهم إليهم وهو من ورائهم محيط. إنه من وراء الأبناء في معاني المحيط، فشهد آدم في محمد آدميته، وشهد محمد في آدم محمديته. فكان محمد في معنى آدم لنوعه ولقومه ولأمته. {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين}[١٣]، إنما أنا عبد لربي… إنما أنا عبد على ما علمني ربي إذ قال لي اعبد الله ربي وربك، واعلم أنه غيب لا ينال ولا يدرك، وأنني إذ أكون بدايتك فأنت نهايتي، إني أشهد فيك غيبي كما تشهد فيّ غيبك. إن غيبك في الله لا نهاية له وإن نهايتي في الله لا نهاية لها.

ومن ذلك يقول رسول الله - ما ينكر فقهاء أمته من التعساء والأغبياء عليه - قال لي ربي (لا فرق بيني وبينك)[١٤]، (آدم أبو روحانيتي وابن جسمانيتي)[١٥] إنه رآني في مستقبله، ورأيته في مستقبلي…

وإن الله إذ يقول له {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}[١٦] أو {ولسوف يعطيك ربك فترضى}[١٧] إنما يشير إلى أن الله باعثه يوما بمقام آدم وهو المقام المحمود. وإنه إذ يقول آدم أبو روحانيتي وابن جسمانيتي إنما يشير إلى هذا المعنى، وإنه عليه الصلوات ما كان في وجوده المرسل إلا آدما لآدم. ولكنه وقد أدبه ربه فأحسن تأديبه، وعلمه فأوسع في علمه، ومكنه فأوسع في تمكينه، وخلفه فأوسع في رحمته، جعل من أمته {خير أمة أخرجت للناس}[١٨] ليكونوا شهداء على الناس، وهي أمته منه، وإنها من الناس قوم أناجيلهم صدورهم. مفرداتها من الناس إنما هم كلمات طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. مفرداتها من الناس كلم طيب يصعد إلى السماء، يصعد إلى المعرفة والحق، يصعد إلى منشوده {والعمل الصالح يرفعه}[١٩]. إنها أمة روح القدس… إنها أمة العبد الروح… إنها أمة العبد الآدم… إنها أمة العبد الإنسان… إنها أمة العبد الكتاب… إنها أمة الإمام المبين… إنها أمة من زويت له الأرض… إنها أمة من تزوى الأرض لمن يتابعه… إنها أمة العبد الدائم الترقي… إنها أمة العبد الدائم التداني… إنها أمة العبد الذي عرف الله في كل شيء… إنها أمة الإنسان الذي عرف الله في الناس، كما عرفه في نفسه…

أمة وسط بين قديم الناس ومحدثهم. لقد خلت من قبلها أمم مما سوى الله فأمسكتها يد الله، وخلت منها الأرض، أمة لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت… أمة تُكَون نفسها بنفسها… أمة تكون معرفتها بكدها وبعملها… أمة وسط منها يخرج الشهداء على الناس، والرسول على هؤلاء الشهداء شهيد أنهم أمته… {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا}[٢٠].

إن الله يستخلص من كل أمة على نفسها شهيدا من بينها في زمانها، ويجعل الرسول على هؤلاء شهيدا لأن الرسول هو العبد الذي عرف ربه أنه لا بداية له. هو العبد الذي عرف ربه أنه لا نهاية له، والعبد الذي عرف ربه في نفسه، كما عرفه في أبيه وولده، كما عرفه في خلقه.

رأى ربه في آدم نشأته، ورأى ربه في آدم صفوته، ورأى ربه في آدم ذاته، فقال (من رآني فقد رآني حقا)[٢١].

إن الله قد رضي هذا الرسول عنوانا عليه وعلى الحق منه، وعنوانا على العبودية له وعلى الرضا منه، وعلى الصفوة من خلقه وعلى الاصطفاء منه. وبذلك رفع ذكره في الملأ الأعلى من الإنسان في حضرة حقائقه من غيبه، ورفع ذكره كلما تجدد الناس، وجدد ذكره كلما خُلق الناس لأنه جعل منه الأسوة الثابتة الدائمة المرتضاة.

إن محمدا ما عرفناه. وإن مراده لنا ما حققناه. وإن كتابه مبلغا ما سمعناه. وإن طريقه مستقيما ما سلكناه. وإن حديثه صدقا ما صدقناه. وإن فعله أسوة وقدوة ما تابعناه ــ إلا من رحم.

وانقضى عصر من الرسول، وهو الذي اكتفى فيه بأن يهدي الله به رجلا واحدا، حمل فيه إلى الناس البلاغ، فلنتأمله وهو يقول (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول)[٢٢] فإذا بدأت بنفسك فهداك فلعله يهدي بك رجلا واحدا، ولو أنه فعل وهدى بك رجلا واحدا لكان ذلك خيرا من الدنيا وما فيها.

وما قال ذلك إلا إدراكا ووعيا منه لما وعى وقد اصطبغ بما أنزل عليه من كلمات الله قصصا حيا في رسله، عرفه في مؤاخاة حقيقة واحدة تعلوه، كما عرفه قصصه دائما حيا لا ينقضي ولا ينقطع في حقيقة واحدة يعلوها. {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}[٢٣].

فالرسول آخى من نفسه وممن تابعه رجلا واحدا عرفه قديما، جعله حجابا له وما زال يعمل به في حياته وعمل به بعد مماته، وما زال يعمل به حتى اليوم. وآخى في أمته رجلا واحدا عمل له ولا زال يعمل له، وغفر له ولا زال يغفر له. أشار إليه مأمورا… أشار لمن آخى من نفسه آمرا وترك الأمر لهما، وفوض الأمر في نفسه وفي أمره وفي قومه إلى الله، فقلى الناس أمره، ومن أشار إليه نفسه، ونسي أديمه منه ما أمر به وعُهد إليه.

ولذلك كان محمد في قانون الله قد وفى على ما وفى أبوه إبراهيم، {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما}[٢٤] ، وابتلى الله محمدا بكلمات أتمها فجعله الله للناس إماما، وقامت الكلمات التي ابتلى بها في الناس ولم يعمل الناس بعمل من عهد إليه، فلم يستقبل الناس بيتهم في صلاة، ولم يطف الناس حول من أشير إليه، وأعجم الأمر على الناس إلا من استهدى الله فهداه، واسترحم الله فرحمه مدركا ضلالة نفسه، وضيق أفقه، وعجز حسه، قطع نفسه عبدا لدنيا، وقطع نفسه عن الآخرة موعودة مشتهاة، على مثال من دنيا من أهلها مستحسنة مرتضاة. وقال يا ربي عرفت الدنيا حلوة في فم أهلها مُرة في فمي. يا ربي لا أريد آخرة أضل بها في محبتك وفي طلبك، أأكون فيها على مثال ممن حَلت الدنيا في أفواههم فتخلق فيهم حسد إخوانهم من أهلها على ما هم فيه؟ يا ربي إذا غبطت أرباب القصور وأصحاب الدور فطلبت ذلك لآخرة لي حسرت على ما فاتني من دنياي فيك فإنني الجاهل، إنني المسيء فلا تجعلني ذلك ولا تفتنني برحمتك. يا ربي إنك تجتذب الناس إلى رحمتك وإلى طاعتك وإلى معرفتك بكل أسلوب رحمة منك، وإن لك لطرائق بعدد أنفاس الخلائق.

اللهم لا تجعل طريقي إليك شهوة ممنوعة عليّ في دنياي تغرني بها في أخراي، مداعبا بوعدك إياي. إني لأعلم أن بهاء وجهك وجمال طلعتك فيه من السعادة ما يسعد به السعداء، يمجون به الحور العين والقصور والولدان. إنك تعطيها في الدنيا لكافر بك، وتمنعها عن سعيد بك، وقد تعطيها عارفا بك مرضيا منك تجريها في يده ولا تسودها على قلبه.

يا ربي قد عرفت: أن عبدا يتوجه إلى الله مدركا مراد الله في قوله {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}[٢٥] فيطلب أن يكون من الله عبدا ولا يطلب أن يكون على الناس سيدا ولهم ربا، لا يطلب علوا في الأرض وقد اقترن العلو في الأرض بالفساد فيها، وبوصف عباده بأنهم لا يبغون علوا في الأرض ولا فسادا، يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، إنهم من الدنيا ومن الآخرة يتامى. إنهم يطلبون أن يكونوا ذوي مقربة من الله فيأويهم الله في رحمته فيكون لهم الأب والأم، ويعزهم الله في ضعتهم إليه وضعفهم أمام الناس، يخفضون جناح الذل من الرحمة لا من الضعف والضعة، يقولون سلاما بما رحبت به نفوسهم، واتسع له علمهم، وقامت به عقولهم، واستقامت به في الناس قلوبهم فظفرت بنور الله وكانت قلوبا وحضرة لله ساحة تتسع لأهل الأرض جميعا. (زويت لي الأرض وتبلغ أُمتي ما زوي لي منها)[٢٦].

الأرض جميعا قبضته. الأرض جميعا مطوية في عبد له. طواها عبده. طوتها يده في ظهر عبد. طواها عضده. {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم}[٢٧]… يد الله هي أنت فوق أيديهم تطوي الأرض.

سبحان الله: هل عرفنا عبد الله الذي شرف العبودية لله وشرفته والذي قدر الله حق قدره، فقدره على ما علمه وعلى ما قومه وأقامه، وعلى ما دركه، وعلى ما خلقه فخلقه، وعلى ما رضيه فحققه، فكان قانون الحياة في ظاهر الحياة، وكان شرف الحياة في غيب الحياة؟

به دخلت البشرية في وصف البشرية قديما، وبه تعددت فيها الآدمية اصطفاء من الله، اصطفاء من الله فيمن يصطفي ممن هم فيه من أبناء آدم الأزلي، وبه عرفت البشرية فكانتها من معاني الإنسانية، وأدركت قديمها في أحسن تقويم وقائمها في أسفل سافلين، ومخلصها ومرجوها إلى الله السرمدي الأزلي، الجديد قبل القديم يشهد أن لا إله إلا الله في قيامها، ويشهد أن لا إله إلا الله في علمها ليشهدوا أن الله أكبر في سبيلها، وفي استقامتها تدرك.

على هذا ارتضى الله محمدا رسول دوام، ورسول قيام، ورسول سلام، وعلما على المعروف من الله، العليم العلام عبدا له.

ما أجمل هذه العبودية وما أعظم هذه الربوبية!

ها هو الدين الذي جاءنا به محمد، والذي جاءنا به كتابه، فهل أدركنا شرف طلبه فطلبناه أو طريقه وجوده فسلكناه؟ لقد ضللنا الطريق وسمعنا للبهتان كثيرا وكثيرا.

اللهم إنا إليك نلجأ وبك نستعين أن تخرجنا من ضلالنا في قديمنا وحاضرنا، ولتكن اللهم هادينا وناصرنا ببركة عبدك وابن عبدك ورسولك.

اللهم أنزل السلم والسلام على قلوبنا، وعلى أرضنا وقيامنا، وعاملنا برحمتك ولا تعاملنا بعدلك وبما كسبنا، وأبعد شرور أنفسنا عنا، وشرور الأشرار من خلقك، بجاه عبدك ورسولك محمد عبد حضرتك، ورسول رحمتك، وحوض ساحتك، وصفاء رضائك.

أضواء على الطريق

عن رسالة التوحيد والتعديد عن الإطلاق والتقييد:

الروح المرشد والإمام الرائد، برازخ حياة، وقبلة صلاة، وبيوت طواف، وسفن نجاة.

إن الاتصال بين الروح المرشد والذات الرائد يجعل من الأرض سماء لأفلاك وعوالم، كما يجعل من أفلاك وعوالم سماوات لها، ويكشف عن أن من مستويات الوعي والاستجابة في مفردات المجتمع البشري وحقيقة وحدتهم، كون يتخلق بأراضيه وسمواته وشموسه في طريقه للتواجد والظهور في ظل قانون دائب.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. إشارة إلى الحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داود والحاكم. ↩︎

  2. حديث شريف ذكره محيي الدين ابن عربي في الفتوحات المكية. وقد يكون مستلهما من الحديث الشريف: "إنِّي لأرجو ألَّا تعجزَ أمَّتي عند ربِّها أن يُؤخِّرَهم نصفَ يومٍ. قيل لسعدٍ: وكم نصفُ ذلك اليومِ؟ قال: خمسُمائةِ سنةٍ. صحيح أبي داود. ↩︎

  3. سورة الحج -٤٧ ↩︎

  4. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  5. سورة البقرة -١٨٦ ↩︎

  6. سورة الأنعام -١٥٣ ↩︎

  7. سورة يوسف -١٠٨ ↩︎

  8. سورة المائدة -٣ ↩︎

  9. سورة فصلت -٥٣ ↩︎

  10. من معلقة للذبياني ↩︎

  11. سورة الطارق -٥، ٨ ↩︎

  12. سورة الأعراف -١٧٢ ↩︎

  13. سورة الزخرف -٨١ ↩︎

  14. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها من السياق. ↩︎

  15. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  16. سورة الإسراء - ٧٩ ↩︎

  17. سورة الضحى -٥ ↩︎

  18. آل عمران – ١١٠ ↩︎

  19. سورة فاطر -١٠ ↩︎

  20. سورة النساء -٤١ ↩︎

  21. حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎

  22. حديث شريف ذات صلة: “خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى. وابدأ بمن تعول.” صحيح البخاري وصحيح النسائي. أيضا من الحديث الشريف: “ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها فإن فضلَ شيءٌ فلأهلكَ، فإن فضل من أهلك شيءٌ، فلذي قرابتِك فإن فضَل من ذي قرابتك شيءٌ فهكذا وهكذا، وهكذا.” أخرجه مسلم والنسائي. ↩︎

  23. سورة سبأ- ٤٦ ↩︎

  24. سورة البقرة -١٢٤ ↩︎

  25. سورة الذاريات -٥٦ ↩︎

  26. من الحديث الشريف: إنَّ اللهَ زوَى لي الأرضَ فرأَيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها فإنَّ أُمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زوَى لي منها وأُعطِيتُ الكَنزَيْنِ: الأحمرَ والأبيضَ… أخرجه مسلم في صحيحه. ↩︎

  27. سورة الفتح -١٠ ↩︎