(١٣)

الحج عرفة
فهل وقف الناس ببابه وعلى عرفاته؟

حديث الجمعة

٩ ذو الحجة ١٣٧٩ هـ - ٣ يونيو ١٩٦٠ م

لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك

لبيك لك الملك. ولبيك لك الحمد. ولبيك على كل شيء شهيد.

لبيك لا إله غيرك ولا معبود سواك. لبيك هاديا غير مشارك

لبيك واحدا أحدا غير متحد فلا مولود ولا والد… بل فيك ومنك المولود وما ولد والمشهود وما شهد… وما قبل المولود والوالد… وما بعد المشهود والشاهد.

سبحانك… عززت عن البعد عزتك عن القرب… وعززت على الشهود عزتك على الجحود… فأنت المعروف في قربك، وأنت المعروف في بعدك، وأنت المجهول على قربك، وأنت المعلوم على بعدك، وأنت الموصوف في بعدك، وأنت العزيز على الوصف في قربك.

سبحانك… سبحانك غنيا عن العالمين… غنيا عن العابدين… غنيا عن الرسل والمرسلين. هل جهلك الناس؟ هل عرف الناس أنهم في جهلهم لا يجحدونك، وأنهم في علمهم لا يعرفونك؟!

جاء الأنبياء وجاء المرسلون… كل بما جاء. هل بقي المرسلون؟ هل بقي ما جاء به المرسلون؟ هل بقي من جاءهم المرسلون؟ الكل إلى غياب، والكل إلى زوال، ولكن هل غاب الكون؟ هل غاب الوجود؟، هل غابت البشرية؟ هل غاب الجهل؟ هل غاب العلم؟ هل غاب الشك؟ هل غاب اليقين؟

إن ما غاب ما هو إلا غير الله. وان ما بقي ليس غير الله. يغيب الناس، وتغيب الأجناس، وتغيب التقوى وأهلها، ويغيب الجحود وأهله، ولكن الله لا يغيب.

إن الله باق ما بقي الحديث عنه والطلب له. وإن الإنسان وهو الكائن المتحد المتحدث عن الله الطالب له لا يغيب ولا ينقطع، ما تحدث عن الله وطلب الله.

في مثل هذا اليوم من كل عام يذهب الناس إلى هضبة من الأرض، وربوة منبسطة عليها يتلاقون، وعليها يجتمعون ملبّين لمنسك من مناسك الدين. وهم على هذا عشرات السنين ومئاتها، وإن شئت فآلافها، فهل رجع الناس من حجهم لربهم، أو لبيت ربهم، أو للقائهم لربهم واصفين؟ هل عادوا من منسك الري راوين؟ هل عادوا من منسك الصفاء صافين؟ هل عادوا من منسك الطواف طائفين؟ هل عادوا من الوقوف عند جبل الرحمة راحمين؟ هل عادوا من الوقوف على جبل المعرفة عارفين؟ هل عادوا من منسك التلبية ملبين مجيبين لنداء رب العالمين؟ هل عادوا من الحج حاجين؟

إنكم لهم تدرون، وهم لأنفسهم أدرى إن كانوا صادقين. إن منسك الحج لا يتجاوز ركعتين في الصلاة أو من الصلاة عند المصلين. لم يقل رسول الله وقرة عيني في الحج، ولكن قال (وقرة عيني في الصلاة)[١]. قال رسول الله (الحج عرفة)[٢]، يشير إلى أن الحج معرفة، فمن طلب الله وصدق في طلبه وجده. ومن وجده أحبه وعشقه وأدركه وعرفه… أقرب إليه من حبل الوريد… قائما على كل نفس… آخذا بنواصي كل نفس، وكل ذات… مدركا لها الرشاد والمعرفة، والحكمة والوعي ما استنصحته في سؤال الضمير… في استفتاء القلب… في النجوى مع العقل والوعي.

فبمَ آمن أدعياء الإيمان من أهل الكتاب؟ هل آمنوا بالله وهو الظاهر والباطن؟ هل آمنوا بالله ظاهرا فأدركوه بهم وبكل شيء ظاهرا؟ أم هل آمنوا بالله باطنا فأدركوه بهم، وبكل شيء باطنا؟ هل آمنوا بالله ظاهرا فشهدوه، وأينما ولّوا فوجهته يشهدوه؟ هل آمنوا بالله غائبا فعرفوا ظهور الغائب في عبودية الظاهر، فعرفوا الوجود عبدا له، وعرفوا أنفسهم أبناء للوجود وعبيدا للموجد، فأدركوا أن باطنهم هم هو، وأن ظاهره هو هم فقالوا باسمك اللهم؟

كيف آمنوا بالرسول؟ هل آمنوا بالرسول روحا من روح الله؟ أم هل آمنوا بالرسول ذاتا من ذات الله؟ إن آمنوا به ذاتا وعرفوا أن الذات تغيب وأن الذات تبعث لعرفوا بعث ذاته في قيام ذواتهم بغيبته، ولو عرفوه روحا وآمنوا به روحا لعرفوه روحا حلت في ذواتهم، وأبعدت عنها نفوسهم بغيبته مبعوثا فيهم، قائمين به، ظاهرا بهم.

هل آمنوا به شيئاً من ذلك؟ هل عرفوه شيئاً من ذلك؟ هل آمنوا بربه شيئاً من ذلك، أو أمرا من ذلك فعرفوا علاقته بربه، وعرفوا علاقتهم به ربا لهم مربوبا عندهم؟ هل قرأوا كتاب أنفسهم كتابا منشورا؟ هل عرفوا كتبهم وأنفسهم ألواحا في كتابه وخلائق في حجابه؟

إذا قلت لهم ارجعوا إلى الله في الرجوع إلى أنفسكم، قالوا إنهم يعرفون الله وإنهم يتقونه وإنهم يعبدونه، ألا يقولون إنه موجود! ألا يقولون إنه مشهود! إنهم به سعداء، وإنهم به وجود!

يا أيها الوجود من الله… تواجد وتواجد وتواجد بالله… تطور وتطور وتطور بمن آمنت به… إن أدركت شيئا من ذلك فالجنة قطوفها دانية، وأنت في جنة عالية أو جنة مدانية أو هي جنة من جنان. إن عرفت ذلك فأنت في قيامة عاتية برزت فيها الجحيم للغاوين، وأزلفت فيها الجنة للمتقين. لا تنتظر يوما للدين فأنت في يوم الدين. إن عرفت ذلك أو شيئا من ذلك فإنك في ساعتك ولمحتك من الحياة الأبدية الأزلية في حياتك بهذه الحياة الأرضية.

وفي شقاء القطيعة، وفي بلاء الوجيعة، وفي محنة التكليف، وفي بعدك عن تحقيق أمانة التشريف، أنت في أسفل سافلين في عالم الخلق… أنت في بوتقة الخلق… أنت في ابتلاء الخالق… أنت في حياة الخلق بوصف الحقائق. إن شئت فإلى أعلى عليين وإلى أحسن تقويم من صنعك بيدك بنفسك لا بصنع غيرك.

إنك العمل الصالح، كما أنك العمل الطالح. فإن كنت قد اخترت لنفسك عملا غير صالح فقد سلكت الطريق في الهالكين… إلى عالم لا موت فيه ولا حياة… إلى عالم صمداني على حالة أهله، فيه لا يعرفون الموت ولا يموتون، ولا يعرفون الحياة ولا يحيون، ولكنهم في الله على ما هم عليه وهو الصمداني في حاله وفعاله. وإن كنت عملا صالحا فأنت في الطريق، في عالم أهل العمل الصالح. أنت في الطريق إلى أهل الملأ الأعلى. أنت في الطريق إلى أهل النجوى. أنت في الطريق إلى أهل الجزاء والسلوى. أنت في الطريق إلى أهل الإخلاص والخلاص من البلوى.

إن الله يخلق الخلق من عالم الخلق بما يخلق الخلق أنفسهم عليه. الله خلقكم وما تعملون… إنكم عمل صالح من عمل أنفسكم مثقال ذرة من خير تكونون، وترون فتكونون الأمر الصالح، وتشهدون في أنفسكم العمل الصالح. وليس العمل الصالح إلا أنفسكم تشهدونها وتحيطون بها… علما من المعلم… علمكم كيف بأنفسكم وبعملكم تحيطون بمعناكم منه، وأنكم بما تعلمون عن أنفسكم إنما تعلمون عنه، وتعلمون أنكم لن تعلموا عنه إلا في علمكم عن أنفسكم صورا لوجوه له، وأسماء منه، أو وجوها في حقيقته.

هل آمن الناس بالرسول ذاتا فصلحت بذاته ذواتهم؟ هل آمنوا بالرسول روحا فشرفت بروحه نفوسهم؟ هل آمنوا بالرسول معنى فكرمت بمبناه منهم معانيهم منه؟ هل آمنوا بالرسول لربه عبدا فشرفوا بالرسول له ولربه عبادا؟

إن الناس وان حجوا فما لبّوا. وإن الناس وإن صلوا فما اتصلوا. وإن الناس وإن ذكروا فما ذُكِّروا. إن الناس يقومون في دين من الألفاظ، ويقومون في مناسك من الحركات، ويقومون في معرفة من الخيال والوهم إلا من رحم.

والناس اليوم وفي هذا الزمان، هم الناس يوم ظهر فيهم رسول رب الناس ملك الناس إله الناس، ويوم ظهرت فيهم كلمة الحق من ربهم، وكما ظهر فيهم من ابتلي بالكلمات ووفى فدرك بالصفات، وجعلت في بيته النبوة والآيات، وجعلت منه الكلمات والحقائق والرسالات.

الناس هم الناس على ما عرفهم الناس في هذا العصر، وفي كل عصر، وسيبقى الناس الناس.

إن الناس على ما هم عليه حقيقة كبرى من حقائق الوجود. وإن الناس على ما يصيرون اليه أمر أزلي من أمر الله، سواء ساروا إلى أعلى عليين وأحسن تقويم أو ساروا إلى أسفل سافلين لا يموتون ولا يحيون.

إن حقائق الوجود هي حقائق الله. وإن حقائق الله لا تتغير ولا تتبدل، فالسعيد من أسعده الله في نفسه، بلقاء ربه، والشقي من أشقاه الله فغفل ضميره ولم يحيا قلبه، فأظلمت نفسه وتشتت إلى عدم ذاته. من صلح في اجتماعه وهو مجتمع في ذاته الجامعة صلح في شتاته. ومن تجمع فجمع في جمع فقد عرف طريقه في الحياة، وكان في تجمع الجمع وتجمع القلوب بناء بيت الله، من لبنات القلوب من لبنات الذوات… من لبنات الرؤوس… من لبنات الأعضاء… من لبنات البشر… من لبنات هذه الأدحية أو البويضات حتى يتجمع ويتكون ويتخلق آدم في بيت مرفوع على هضبة عالية من عرفات جبلا، لرحمة الله يُرحم به الطائفون والعاكفون والركع الساجدون، ويتعلم به السائحون الطالبون، شاهد ومشهود.

هذا هو منسك الحج في ازدلاف وارتجاف في سعي واتصاف، بين صفاء وارتواء، في تواصي بالصبر وتواصي بالحق… في أرض منى والأماني… في أرض الإنسان والمعاني، في ذات محمد لا خارجا عن ذاته… أقدامه سماوات الطالبين، والسبح فيه تجوال في جنة المتقين. إنه إنسان الوجود، ووجه المعبود، والحق من الغيب، والمحرر في الناس من القيد، به يتحررون وبه ينطلقون. هو بحر الأبحر لسفن النجاة. هو أنقى المياه من ماء الحياة. هو أصفى المشارب. هو أعلى المقارب. هو أشرق الشموس. هو أصفى البدور. هو أخضر الأراضين. هو الصفاء للموصوفين بالصفاء. وهو الارتواء للموصوفين بالري والارتواء. هو النعمة والجزاء لمن عرفوا الرباط والدار. هو الله وعبد الله. هو الله ورسول الله. هو الله وكون الله. هو غيب الله وشهادة الله. هو الإنسان ظهر فيه الرحمن، وظهر به الرحمن، ورحم به الرحمن.

إن المعرفة فيه هي الدين. إن العلم به هو اليقين. إن الارتباط به هو الخلاص من السماوات والأراضين.

بماذا يتحدث الناس عن الله وعن رسول الله وكيف يتحدثون؟

إنه كلما جاءهم رسول من أنفسهم، كلما جاءهم في ذكر محدث من أنفسهم كانوا به يكذبون، وله يقاومون، وعنه يصدون، ففريقا يتهمون، وفريقا يقتلون، وفريقا يرجمون ويكذبون. هؤلاء هم الناس… فأي منقلب ينقلبون؟ أإلى ربهم ينقلبون فيشهدون؟ أم إلى ظلمات أنفسهم وثقل ذواتهم يرجعون فيعمهون؟ وهو فيهم أقرب إليهم من حبل الوريد، وهو فيهم قابع، وهم فيه قابعون. سيذهب الناس، وبماذا ذهبوا يعودون، فلا عظة منها يتعظون، ولا آية من آيات الله يشهدون إلا من رحم.

فلا تأسفوا على أنفسكم أنكم لستم بين الحاجين، وإن أدركتم في أنفسكم أنكم من المستيقظين، فإن لمحة من اليقظة خير من أداء منسك ومناسك… ففجر الإشراق على قلوبكم هو المطلوب، وهو الموعود، وهو المنتظر… فعرضوا قلوبكم لإشراق شمس حقيقتكم. هدانا وهداكم الله إلى أحسن سبيل وأقوم طريق فهو بذلك حقيق وبه خليق. نسأله الهداية والتوبة والرحمة والمغفرة والسلم والسلام لأرضنا، وأن يدفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما هو به أعلم.

اللهم ألف بين قلوبنا، اللهم ألف بين عقولنا، اللهم ألف بين نفوسنا، اللهم ألف بين ذواتنا، اللهم ألف بين معانينا، اللهم لا تتركنا لأنفسنا ولا لغيرك طرفة عين ولا أدنى من ذلك يا رب العالمين. اللهم ولِّ أمورنا خيارنا ولا تولِّ أمورنا شرارنا، وارض اللهم عنا، وكن لنا في الكبير والصغير من شأننا، واختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين، واجعلنا فيمن تحب وترضى، ولا تجعلنا فيمن لا تحب ولا ترضى يا أرحم الراحمين ارحمنا.

أضواء على الطريق

  • {وأذن في الناس بالحج يأتوك …}[٣]

  • {يا أيتها النفس المطمئنة ادخلي في عبادي …}[٤]

  • {وَأْمُرْ أهلك بالصلاة واصطبر عليها…} [٥] ــ {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}[٦]

  • {فصلِ لربك وانحر…}[٧] {… يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[٨]

  • {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم. وأزواجه أمهاتهم}[٩].

  • {…. آمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته} [١٠]

  • {فولِ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره}[١١].

  • (القلب بيت الرب)[١٢]

  • (لم تسـعني أرضي ولا سـمائي، ووسـعني قلب عبدي المؤمن)[١٣]

  • {وهو معكم أين ما كنتم}[١٤] – {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}[١٥]

  • الحج عرفة[١٦] … الحج معرفة … الحج لمن عرفه.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. عن علي ابن أبي طالب _ رضي الله عنه ـ قال: سألت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن سنته فقال: المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة. ا المحدث: العراقي. وذكره الغزالي في الإحياء، والقاضي عياض في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ومعظم المتصوفة. ↩︎

  2. حديث شريف: “الحجُّ يومُ عرفَةَ”. أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  3. سورة الحج - ٢٧ ↩︎

  4. سورة الفجر -٢٧، ٢٩ ↩︎

  5. سورة طه -١٣٢ ↩︎

  6. سورة الأنعام -٥سورة الكهف - ٢٨ ↩︎

  7. سورة الكوثر - ٢ ↩︎

  8. سورة الشعراء -٢١٨، ٢١٩ ↩︎

  9. سورة الأحزاب -٦ ↩︎

  10. سورة الحديد -٢٨ ↩︎

  11. سورة البقرة -١٤٤ ↩︎

  12. عبارة دارجة عند المتصوفة يذكرونها كحديث قدسي يتناغم مع الحديث القدسي (لم تسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن) الذي أخرجه أحمد بن حنبل في الزهد. ↩︎

  13. حديث قدسي: “لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن.” ذكره الغزالي في “إحياء علوم الدين”، وفي أدبيات المتصوفة. ↩︎

  14. سورة الحديد - ٤ ↩︎

  15. سورة ق - ١٦ ↩︎

  16. استلهاما من الحديث الشريف: “الحجُّ يومُ عرفَةَ”. أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎