(١٢)
عبد الله القائم. وذكر الله الدائم. فهل طلب الناس منه السلام وله الإسلام؟
حديث الجمعة
٢٨ محرم ١٣٨٠ هـ - ٢٢ أغسطس ١٩٦٠ م
تصحيح التاريخ الهجري: ٢٩ صفر ١٣٨٠ هـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أول العابدين، وخاتم النبيين، وإمام المرسلين، وقدوة العارفين، وحوض المتعطشين، ومعراج الراقين، وطريق السالكين، ووجه العاشقين، ويد المستنجدين، وبحر الحياة للطالبين المستحبين.
أستغفره وأتوب إليه، أستغفره من وجودي، وأتوب إليه من عملي وجحودي، وأسأله أن تمتد يده فتأخذ بناصيتي ولا تتركني لنفسي.
عباد الله…
حاولوا أن تؤمنوا بالله وحاولوا أن تكفروا بأنفسكم على ما هي عليه مغلقة دونه، مجانبة طريقه، بعيدة عن أحواض رحمته.
عباد الله…
إنكم إذ تأتون إلى هذا المكان وفي هذا الزمان، إنما تتهيأ لكم فرصة الحياة، وفرصة النجاة، وفرصة الموالاة. إنكم هنا لا تسمعون لغوا ولا كذابًا ولكنكم تستمعون حقا وصوابا …
فإن فتحتم صدوركم وقلوبكم، وهيأتم نفوسكم وعقولكم، وأخضعتم نفوسكم ونزواتكم، تدفقت عليكم مياه الحياة من ميازيب الحياة من رحمة الله، من حق الله، من روح الله مسفرة لكم.
إن النبي وهو خاتم النبيين ما كان شرفه في نبوة، ولا شرفه في ختام… ولكن كان شرفه في بدء… كان شرفه في عبد… أول العابدين أول لعباد لله، أول عبد لله، أول لظلال من عبودية الله، أول لظلال من الله، أول لوجه لله، أول لوجوه لله.
لقد أصبحت النبوة بعبوديته كسب الناس من أمته متابعين… كسب الظلال لطلعته ساجدين… كسب الصور لعبوديته… كسب الامتداد والحقيقة من حضرته.
لقد أصبح العلم عن الله به ملكا للناس، موائد مقدمة من رب الناس. لقد أصبح السلطان والعزة والسيادة أمرا ميسرا ممن كانت له العزة جميعا جعلها للمؤمنين، جعلها لرسوله، جعلها لعباده، جعلها لوجوه طلعته، جعلها لأيادي منته، جعلها لحقائق صمدانيته، جعلها للإنسان وصفا للرحمن، ومظهرا للإحسان، وتدانيا من الديان…
مالك يوم الدين: وما مالك يوم الدين إلا الإنسان، يوم يأذن له الرحمن الذي ما تواجد إلا على صورته، والذي ما ظهر إلا بجمال طلعته رسولا منه لا عوج له تخشع له الأصوات، وتهمس بالإشارة إلى جمال طلعته وشمول وجوده ومرضي عزته النفوس.
يجابه القلوب فلا تستعصي العقول ولا تتمرد النفوس.
إنه الإنسان… إنه مالك يوم الدين… إنه الإنسان ملك الناس… إنه الإنسان الذي اختفى أمره على الناس وهو منهم، وهو إياهم، وهم إياه، وهو أبوهم وهم أبناؤه، وهو ابنهم وهم آباؤه. ربُ الناس تولى الناس، عطف على الناس، تواجد منه الناس، تخلق منه الناس، تخلقوا في ظهره، أشهدوه والدا وربا، أشهدوه معلما ورسولا، أشهدوه رحمة دانية وعناية محيطة مدانية، عرفوه حكيما لا يعزب عن علمه شيء، ولا يخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى.
إنه أصل الحياة… إنه الحياة… إنه الحي… إنه الحي القيوم… إنه القيوم المجهول… إنه المعروف في وجود الناس، بوجود الناس… إنه القريب إليهم من حبل الوريد… إنه معهم أينما كانوا… إنه عليهم حفيظ… إنه لهم جماع… إنهم سره… إنهم جهره… إن عرفوا سرهم فقد عرفوه، وإن مثلوا سره بجهرهم فقد وجدوه، إن استقام جهرهم فقد ظهر سرهم، وإن ظهر سرهم فقد ظهر معناه، واستوى على عرشه مبناه، لقد وجد كرسيًا لأمره استوى عليه واستقر بعدله في وسعه.
لقد وسع كرسيه للسموات والأرض… يزيد في الخلق ما يشاء، يملأ الفضاء بالحياة، يملأ ساحة العدم بالوجود، يُظهر الحياة إذا وجدت، ينشر الحياة إذا عرفت، يتسع بالوجود إذا أوجد.
هو رب العالمين. يبدأ عالما مع كل معلوم مما خلق، ويبدأ حياة وحقًا مع كل عالم ما تكاثر وما تناثر، وما اجتمع، وما افترق.
إنه سر كل شيء… إنه إنسان الله… إنه عبد الله… إنه آدم الله… إنه أولية الله… إنه الحق إذا ظهر… إنه الصبح إذا تنفس… ولم يخرج منه الليل إذا عسعس… إن الظلام هو غيبه عن الإدراك، وإن النور هو قربه للإدراك… هو قيامه في الوعي… إنه الإنسان… إنه عين الرحمن بوحدانيته… إنه ظاهر الرحمن في صمدانيته… إنه وجه الحق بعينه في طلعته… إنه المدثر… إنه المنذر… إنه الفارغ الناصب… إنه المطلوب والطالب…
جاء الحق وزهق الباطل. إن طبيعة الباطل أن يزهق، وإن طبيعة الحق -إن كان للحق طبيعة- أن يثبت. إن طبيعة الحق أن يتواجد. إن طبيعة الحق أن يدفع الباطل فيصيره حقا. إن طبيعة الحق أن يتواجد في تواجد الخلق.
إذا كان محمد خاتم النبيين وأول العابدين فقد ظهر الحق من رب العالمين. لقد انتهى الإنباء عن المجهول، وقد ظهر العَالم بالمعلوم، وقد ظهر العبد… ظهر أول العابدين. تواجد أول العابدين. جدد نفسه بيننا أول العابدين. أوجد نفسه مرة أخرى أول العابدين. بعث أول العابدين. ظهر العبد رب العالمين، وُجد العبد الذي عرف الرب فعُرف الرب بالعبد. إن العبد في الرب وجود. وإن الرب للعبد جود. إن الرب في العبد حق، وإن الرب على العبد ظهور للرب. إن العبد وجه الرب. إن العبد يد الرب. إن العبد طلعة الرب. إن العبد وجود الرب، عبد عَرف ربه.
إن محمدا عليه السلام والصلوات عَرف عن نفسه عبدا لربه، ثم رأى فيما عَرف - وهو المتواضع وهو الذي لا ينشد سيادة على الناس، ولا ربوبية على الأجناس، ولا متعة بكون، ولا سلطانا على أكوان - رأى أن اللسان به قد زل إذ وصف نفسه عبد الله… وهو العبد لربه فقط… إنما هو العبد لربه الذي رباه… الذي تولاه ورعاه… الذي أحاط به فحماه… الذي عناه فأعلاه.
لقد رأى في ربه عبدا لله، ورأى في وصفه لنفسه بالعبودية لله إنما تجاوز قدره، وغالى في معناه فقال: بل الرفيق الأعلى… بل الرفيق الأعلى… فما أنا إلا عبد لرفيق أعلى، فما أنا عبد إلا لراع أعلى، فما أنا عبد إلا لعبد أعلى.
سبحان الله… وتعالى الله… إن الله ما فوقي، وإن الله ما فوق ربي، وإن الله ما دوني، وإن الله ما دون ما هو دوني… تعالى الله عن الوصف… تعالى الله عن الإحاطة… ولكن قرة عيني في الصلاة، برؤية من تولاني ورعاني، ورأيت فيه من رعاني ورعاه، وتولاني وتولاه، وداناني وداناه.
إن منشودي من عظمة الغيب اللانهائي محققة برؤية عبد عرف عبدا فيه، وهذا هو سر العناية والرعاية لمن يرعاه ويعنيه فيجتبيه.
يا أيها الناس إني أُعلِّمكم عن الله، لتعلموا عني عن الله، واحملوا عني عن الله، وانقلوا عني عن الله… تجاهلوني إذا ذكرتم الله، لا تذكروني واذكروا الله. ولكنكم إن هجرتموني فما عرفتم الله، وما ذكرتم الله، وما سلكتم السبيل إلى الله. إنه صراطي وإنه لمستقيم، وإن غيره لا يستقيم فالتزموه مستقيما وتعلموه مقيما. عنكم لا يغيب. لا يخدعكم. لا ريب فيه. لا يقطعكم فالذكر فيه. لا يمنعكم فهو باب الله لعانيه.
إنها سبيلي… ها أنا أدعو إلى الله على بصيرة، عبدا لله يدعو إلى ربه، ويُعّرف عن الله فيما يشهد، وفيما يغيب عليه. يُعرّف عن الله في ربه، ويعرف عن الله في نفسه، ويعرف عن الله في نفوس الناس، يدعو إلى الله على بصيرة. أعطاه ربه القدرة على التكاثر والقدرة على الانتشار. أعطاه ربه نورا يمشي به في الناس فيحييهم، وإلى نفسه يضيفهم فيبقيهم… يدعو إلى الله على بصيرة كما يدعو من امتد فيهم نوره ــ من حيا بهم بفنائهم فبقوا، وانتشروا بنورهم من نوره يمشون به في الناس فيحيونهم، وبمعاني البقاء فيهم يبقونهم فيبقون هم… وهكذا يتكاثر ويتكاثر، انتشر وينتشر، امتد ويمتد، فقام ويقوم في الناس، مشهودا فيمن قام فيهم قيامه من رب الناس ملك الناس إله الناس. هو الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين.
لا ينطفئ له نور وإن كره الكافرون، وإن عبث القائلون. إنهم إنما يريدون أن يطفئوا نور الله فيهم، وأنت نوره لهم، أنت نور السماوات والأرض من نوره. أنت قبضة نوره في السماوات والأرض بها تحيط. وما خرج من أفواههم إلا ظلام. وكيف يستطيع الظلام أن يطفئ النور، والله متم نوره… مهما نفث هؤلاء من سحب الظلام؟
أنت الحق من الله وإن جحدوا… أنت الوجه الباقي لله وإن كفروا… أنت الحوض الدائم الماء والحياة وإن لم يردوا… أنت مظهر الرحمن وإن صدوا… أنت عين الإنسان وإن عبثوا… أنت الناس… أنت كل الناس… أنت الناس في السماوات… أنت الناس فوق الأرض… أنت الناس تحت الثرى، واروك جلبابا في التراب، لا يؤمنون لك بحياة وقد قلت لهم (أنا حي في قبري)[١] فما صدقوك… وأنت الصادق فما عرفوك… ما عن هوى نطقت في طفولتك، فكيف عن الهوى تنطق في نبوتك!!
إن محمدا عَرّف عن الله… وها هو برسالة الروح يُعَرّف الله بدوره عن محمد. ليست رسالتنا اليوم وفي هذا المكان، وفي هذا الزمان للتعريف عن الله، فقد انتهي التعريف عن الله بانتهاء الإنباء عنه، والإعلام عن علمية القيام به في أول العابدين وبخاتم النبيين وبحجر الزاوية بين المعلوم والمجهول من الحق… بين الغيب والشهادة من الحق… بين الظاهر والباطن من الحق. إنه العَلم على الأقدس من الحقيقة. فهو اسم الأقدس من الحق. إنه اسم الله الأعظم. إنه اسم الله للإنسان. إنه اسم الله في الإنسان. إنه اسم الله يظهر بالإنسان. إنه كلمة الله الجامعة. إنه روح القدس الجامع لكلماته. إنه آية الآيات من آياته. إنه الكتاب. إنه أم الكتاب. إنه الكتاب المبين. إنه أم الكتاب من رب العالمين. إنه ديوان الوجود. إنه طريق الشهود.
الله من ورائه محيط وهو على كل الشهداء شهيد. هو من الإنسان القديم الجديد. به يبعث الآباء في الأبناء. إنه بحر الحياة الزاخرة. إنه بحر الحياة الجامع بين قديم الإنسان، ومحدث الإنسان في القيام. رفع ذكره في العالمين، رفعه رب العالمين. إذا ذكر فقد ذكر الله. إذا ذكر من امتد فيهم فقد ذكر، وما ذكر إلا ذكر الله. إنه ومن معه ذكر الله. إنه وأمته رحمة الله. إنه وأمته جماع من الله، جماع لاسم الله. جماع لحضرة من حضرات الله. إنه صمدانية الله الذي لا ينقطع عمله، ولا ينقطع جواره، ولا ينقطع فعله، ولا ينقطع خلقه، ولا ينقطع وجوده، ولا ينقطع جوده.
إن رسالتنا في التعريف عن عبد الله ورسوله أول العابدين. ليست لنا رسالة إلا ما أرسل هو به، وليست لنا معرفة إلا ما عرف هو عنه، وليس لنا وجود إلا ما تواجد هو به في الناس عبدا لله، خلقا من خلق الله، آدما من أوادم الله.
ها نحن بدورنا وقد عرفنا عن الله فعرفناه وبالله عرفناه… ها نحن نرد له الجميل فنعرف عنه. ولسنا من أصحاب فضل في التعريف عنه، فالفضل منه وإليه، والتعريف عنه به. لا نملك أن نسلك غير ما سلكنا في التعريف عنه، فهو المالك بزمامنا بمحبتنا له آخذ بنواصينا برحمته بنا. هو الحق لنا من الحق. هو الرسول لنا من المرسل. هو العبد لنا من المعبود. هو الحق لنا من المعروف. به نستنير، وبه نستضيء، وبه نعرف، وبه نتجه، وبه نتحقق.
إن هذا هو معنى الشهادة له بأنه رسول، وإلا إن لم يكن ذلك منه لنا وهذا منا له فما شهدناه رسولا لله، وما آمنا به رسولا لله، وما عرفناه رسولا لله، وما لبينا نداءه صوتا داويا لله.
هذا هو الحق. نسأل الله به أن يهدينا، ونسأل الله به أن يأخذ بنواصينا إلى الخير، ونسأل الله به أن يقينا شرور أنفسنا وشرور الأشرار من خلقه، ونسأل الله به أن يولي أمورنا خيارنا، ولا يولي أمورنا شرارنا بما كسبنا، ونسأل الله به أن يعفو عنا، وأن يغفر لنا، وأن يتوب علينا، وأن يتولانا في الكبير والصغير من شأننا، وأن لا يدعنا إلى أنفسنا ولا إلى غيره طرفة عين، ولا أدنى من ذلك. لا إله غيره ولا معبود سواه.
أضواء على الطريق
-
(فاطمة ابنتي روحي، من أغضبها أغضبني، ومن أغضبني أغضب الله)[٢] (عن الرسول)
-
{والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نُزّل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم.} [٣](عن الله)
-
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته.}[٤]
-
الروح الأعظم عندنا هو رسول الله وهو لنا معنى الله واسم الله وكلمة الله ــ الروح المرشد (برش)
مصادر التوثيق والتحقيق
حديث شريف يتردد في أدبيات التصوف، يتوافق مع الحديث الشريف: “الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ”. أخرجه أبو يعلي والبزار. ↩︎
إشارة للحديث الشريف: " فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فمَن أغْضَبَها أغْضَبَنِي." أخرجه البخاري ومسلم، والحديث الشريف: “فاطمة بضعة مني وأنا منها، فمن آذاها فقد آذاني، من آذاني فقد آذى الله.” المكتبة الشيعية. بحار الأنوار. ↩︎
سورة محمد -٢ ↩︎
سورة الحديد -٢٨ ↩︎