(٩)

عوالم
الإنس والجن والروح من الإنسان

حديث الجمعة

١١ رجب ١٣٧٧ هـ - ٣١ يناير ١٩٥٨ م

بسم الله.

والصلاة والسلام على رسول الله.

أحمد الله الذي هدانا لما هدانا إليه من نعمة الإسلام له ولرسوله، والإيمان به وبرسوله، والإدراك لنعمائه وفضل رسوله، وأسأله تعالى وهو الذي لا حد لكرمه ولا مقاييس لرحمته، أن يوفر لي ولإخواني حظنا منه ومن رسوله، وأن يأخذ بنواصينا إلى الخير، في التقرب إليه وإلى رسوله، والاستجابة لأمره وأمر رسوله، والانتهاء عما نهى ورسوله عنه.

إخواني من هذا العالم…

إنا لا نعيش في عالمنا هذا منقطعين عن عوالم الله، فإن الله الذي لا عالم له، ولا صورة له، ولا زمن له، جعل من عوالمه وحدة فيه، وجعل هذه العوالم متناسقة متوافقة مرتبة بمستويات الإدراك عنه، لا بمكانية، ولا بنوع، ولا بزمان.

فهذه الأرض أو ما نسميه الأرض من دار، كما وصفها الرسول محسنا، عند الله كثير من الدور على مثال لها، ونحن في هذه الدار لسنا منقطعين عن إخوان لنا في دور من مثالها، كما أننا لسنا منقطعين عن سكان لهذه الدار يشاركوننا فيها غير منظورين منا، وإن كنا منظورين منهم، وقد يكون من بيننا من ليس منظورا لهم، مع تواجده عليها.

إننا كعالم مُتراءٍ يرى بعضنا بعضا بسر جهازنا من هذه الأرض، يجب أن نتواصى كمرئيين بعضنا لبعض بالحق، كما نتواصى بالصبر على ما علمنا.

أما وقد بدأت عوالم ليست مرئية لنا، تتصل بنا، وتهيئ لنا سبيل الاتصال بها في الوقت نفسه، فيجب أن نرحب بهذا ونقدره حق قدره.

هذه العوالم في وحدتها وإجمالها، يمثلها عالمنا على صغره أو أن صورة عالمها الأكبر ماثلة في صورة عالمنا الصغير هذا، فهذه العوالم تتصل بنا، وتواصل صلاتها وتنميتها معنا على اختلاف مستوياتها، لتبادل المعرفة بينها بإرشاد أئمتها. فإذا كان منا من يتنبهون لهذه الحقيقة ولهذا الأمر، وجب أن يدركوا الأمر على حقيقته، فيعلموا أن ما يتصل بنا من أرواح من أهل هذه العوالم بينهم عوالم على مثال منا، وبينهم العالم والمتعلم، فلا نأخذ كل ما يأتينا به الاتصال عفوا لخاطر، أو قضية مسلمة، أو وحيا مبلغا، أو حقيقة مرسلة، فهذا قد يكون، ولكن يجب أن نربط كل ما يصل إلينا بما بين أيدينا من معرفة جاءت بهدي الأنبياء، وفي كتب السماء، فقد تكون المعرفة المقدمة دون ما لدينا، وقد تكون بيانا لما بين يدينا.

نحن لا نريد أن نضع هذه العوالم تحت منظورنا وفي دائرة إحاطتنا، كما يفعل بعض الجهلاء من بيننا، أو أن نجعل منها أمرا دوننا، كما يفعل بعض السفهاء منا، لا بل نريد أن نرى في هذه العوالم أبوة، وأخوة وإنسانية، نتواصى معها بالحق، ونتواصى معها بالصبر، الأمر الذي فقدناه بيننا.

يجب ألا ننظر لهذه العوالم مفرقين بينها، وفارقين لنا عنها بأن نقول هذا من الجن وهذا من الإنس من أهل هذا العالم أو قديمه من عوالم الروح، وأن الجن ليس له حق الاتصال، أو لم يتمكن منه إلا بإرادتنا وباستدعائنا، وأنه دوننا وأننا نصله، أو أن العالم الروحي البشري للأرض، بجميع سكانه ممن يعلوننا ونحن نسفله في تنسيق العوالم.

إننا نريد أن نكون مع أهل هذه العوالم، في صلاتهم بنا، وتعاونهم معنا، وصلاتنا بهم، وسيرنا معهم على قدم المساواة، من حيث التواجد والأخوة في الله، ولكن يجب أن نعلم أنهم يتفاوتون بينهم كما نتفاوت بيننا في المعرفة، وأننا نتفاوت معهم كما يتفاوتون معنا، بقدر ما نرى فيهم من قيام تعريف عن الحق الذي ننشده وينشدونه، فقد يكون بيننا في هذه الدار التي نقطنها من يقوم به من الحقائق ما يطلب إدراكه من بعض هذه العوالم التي تغاير كثيفنا بلطيفها في طبيعة أو مظهر التكوين، وقد تخففت من أجسادها، أو من أغلافها الفيزيقية، ولكنها واصلت حياتها الروحية على أساس من مستويات من قديم كسبها، واصلت مراحل في حياتها الروحية، لم تصل بها إلى المستوى الذي يسمح لها بسلامة أن تكون في معنى المرشد العام لأهل عالمنا، وليس معنى هذا أنها لا تصلح لمعاني الإرشاد لأناس من أهل عالمنا، فمن بين عالمنا من هو في مستوى المعرفة دونها، ويصلح أمره بوصلتها، ولكن قد يتواجد في عالمنا من يصلح من حيث ذاته وما فيه من الحق وما عنده من المعرفة، لأن يكون في الوقت نفسه مرشدا لفريق من أهل هذه العوالم، وإن كان من العوالم العليا من يكون مرشدا له في الوقت نفسه.

في عالم الروح مرشدون لأهله ممن يصلحون لأن يكونوا مرشدين في عالمنا أيضا على إطلاق هذا المعنى، وهم من يجب علينا أن نأتمر بتعاليمه، ونسجد لحقيقته فنندمج في بيئته.

فإذا وفقنا الله لأن نكون موضعا لنظر من عالم علوي على هذا المستوى الذي نشير إليه، وجب علينا مهتدين أن ننتفع بهذا المستوى في صلاته، وفي هديه، وفي إرشاده، وفي سعيه، وأن نستنير بما معه من نور الله، وبما هو من نور الله، ومن موائد الحق به، تداني هذه الأرض وعوالمها.

والذي أريد أن أخلص إليه أننا في عالمنا هذا إذا تجمعنا على طلب الحق، وتعرضنا للأرواح العليا، أو للروح الأعظم، أو لروح الله المقارب، رسولا للروح الأعظم وترجمانا له، أمكننا ونحن في أرض الصراع، وأرض الكسب، وأرض التزاحم، وأرض البدء… أمكننا بتجمعنا أن نتقبل لفيوضات الروح المطلق وعوالمه، وصلته وصلاته.

فإذا تعرضنا بأجهزتنا لفيوضات الروح المطلق وعوالمه، ونحن لهذا بقانون أزلي وجدنا بمولدنا في عالم النشأة والظلام والعدم، فبحكم قيامنا محجوبين عن حقائق الحياة، إلا بالتأمل في أنفسنا وفيما حولنا، وبشرف إمكانيات الاستجابة لها عن طريق العقل والإدراك والإلهام، أمكننا أن نستقبل مستويات من الحياة، وأن نتطور، ونحن ما زلنا بعد في بوتقة الصهر والتكوين، حتى لنرتقي بأجسادنا في قابليتها، وقلوبنا في تكوينها، نتجمع في وحدة من المحبة يمكننا بها أن نتحد لنشيد صرحا من هيكل، أو من بيت لله على أرضنا، يكون كعبة لإفاضة الإطلاق والملأ الأعلى، وقبلة يتوجه إليها، ويقصدها من عوالم الروح مع عالمنا من كانوا في مجال الأخوة معنا، ومن ينزعون نزعتنا إلى مستويات الروح الأعظم، أو عوالم الروح الأعظم، وينزعون نزعتنا من نشر أمرها وبسط نورها في أنفسهم وفي الآخرين.

نخدم بذلك أنفسنا في أهدافها من جانب، ونخدم في الوقت نفسه هذه الأرواح من أصولنا التي لم تصل بعد لمستويات الإدراك للمعرفة الكاملة، وإن أسقطت عنها ثياب الظلمة والظلم وجلابيب الظلام والجهل من عالمنا، وبذلك نهيئ الفرصة لها للتعاون معنا على إقامة هذا الصرح الإنساني المبارك، وهو ما فاتها من حقائق التواجد في وحدانية الله، بما كانت تنكر على نفسها من إدراك عن معاني نور الحق فيها، وفي تواجدها في جلابيبها من مثالنا في سابق.

إن سكرة الموت لا تأتي بحق مباغت إلا لسجين حرره الموت وأطلقه من سجن الجسد من هذه الأرض وقد أنكر على ما ظهر له من الحق في تواجده على مثال من تواجدنا، وقد كبلته قيود المادة عن استفادة الإدراك والطاقة، أما من كان حرا طليقا، وافيا من شهوده كاملا في موجوده في الحياة الجسدية فمزيد من الحرية، ومزيد من المعرفة، ومزيد من الصلة بالحق، ما ينتظره ويلاقيه ويستقبله بعد ظاهرة الموت.

إن هذا الحديث يسمعه معنا الآن إخوان لنا من هذه العوالم، كما يظاهرنا فيه إخوان أكبر من الرفيق الأعلى منا كذلك، فنحن مسموعون لهم، ومشهودون منهم، لا يخفى منا عنهم خافية، وإن كنا محجوبين عن رؤيتهم أو سماعهم بجوارحنا، إلا أننا ندركهم ونحس بوجودهم أو بمظاهرتهم بكلياتنا، ونؤمن بحقهم من الحق المطلق، لا ناحين على أخ صغير منهم بملامة، ولا منقصين لكبير منهم في قدر، أو تقدير، ولكنا طامعون من الله في مزيد من فيض منهم، يفيضه عليهم، ويفيض علينا منهم، وطامعون أن يفيض علينا ما يفيضه منا إليهم بدورنا، فيضا علينا وعليهم.

ولا يليق بنا ونحن في عالم الكبر والكبرياء أن نحتفظ بكبريائنا معهم، فمهما علونا فهم الآباء، ولا يليق بنا أن نكون من الراغبين في الاستعلاء بقسطنا من الحق عليهم، فنحن دواما الأبناء، وإننا ونحن في عالمنا وعلى ما يليق بأهله يجب أن نرى أننا عند أقدامهم، بما هم فيه من ظاهر الحق لنا مهما كان قسطهم منه ومهما كان قسطنا، ما دمنا في جلباب الحجاب من عالمنا، وأن إدراكنا للحقائق إدراكا حسيا كاملا لمتعذر، وإن كنا قد ندركها إدراكا عقليا متفوقا، فإن كشف الحجاب عنا بصلاتهم، يزيدنا يقينا فينا عما نوفق إليه ونعتقده عقلا، وهو ما أصبح سافرا ويقينا بالنسبة لهم، وأمرا مفاضا علينا منهم، فصلتنا بهذه العوالم، مهما كان قسطها من الحقيقة، ومستواها من الرقي هي أمر جليل.

وإنا لنرى في إدراك الحقائق بالوعي وبالعقل وبالرجاء، وبإدراك علويات الله على ظلمانيات نفوسنا، وعلو عالم الحقائق على عالمنا، وإعلائنا لعوالم النور، على أنفسنا من الظلام، ورجائنا في الله، ونحن في عالم الظلام، من أنفسنا، أن نكتسب منه ومن نوره وهو نور السماوات والأرض، ومن فيوضات رحمته بإغداقه لأقباس أنواره، ما يكشف لنا فينا حقائقه، وهو ما لا يمتنع علينا بهمتنا في الإنكار على ذواتنا مع وجودنا في أواني ظلمتنا.

إنني وإخواني لنطمع في الله، ولا أقول بعلمنا أو بعملنا، ولكن أقول برجائنا، نطمع في الله طمعا لا نهاية له، ولا حدود له، ولا انقطاع له من فضله.

إن تواجدنا في هذا المعني يجعل منا نقطة رمزية للصفر الذي يمثل مركز الدائرة اللانهائية، فإن حق الله لنا نحن الضعفاء من أهل هذه الأرض، ما أصبحنا ندرك لننشد من هذه الحقيقة، فقد أكرمنا الله على ما وعد في دانٍ من دنيا، أو موعود من آخرة. وإن فعل الله بنا ذلك كان أمره في الناس من مجتمعنا أو آخر على غير ما يَشهد الناس في أنفسهم، وعلى غير ما يشهد الناس فينا منهم على ما وعد.

هذه هي تعاليم الأديان في أرضنا في حقيقتنا، حددتها تعاليم الإسلام في أرضنا في جوهرها، فتفتحت لنا أبواب الرجاء في الله لا حدود له، ولا نهاية لها، وهو ما يجدده الاتصال الروحي في هذا العصر، ويعمل الصادقون من الجنس لإبرازه.

وإني إذ أخاطب إخواني من أهل هذه الأرض، فإني أقول لهم - كما بدأت - أننا نستطيع أمرا جللا، وأننا نستطيع أمورا خطيرة، أننا لا نستطيع فتح آفاق الأرض فحسب ولكننا بفتح القلوب نستطيع فتح أبواب السماء وعوالمها. إن الروحية لا تغزو أجساد أهل الأرض فحسب، ولكنها تغزو قلوبهم لتفتح مجالا لأهل السماء إلى عوالم النفوس بأن تجعل من قلوب البشرية بيوتا وهياكل ومحاريب للحق، لعوالم تغزوها وتفتحها قبلة لإقامة الصلاة، تفتحها حقائق الله لنفسها بنا ولنا. فإن أدركنا ذلك وهيأنا قلوبنا وأنفسنا له وعبدنا هذه الذوات، وفتحنا هذه القلوب، وهيأنا هذه النفوس للطاعة، هيأنا من ذواتنا ومن أنانيتنا كراسي الله، هيأنا منا عروشا لله، هيأنا منا وجوها لله، هيأنا منا له أيادي عاملة موسعة في ملكوت الله، هيأنا منا جنات مفتحة لنفوس مؤمنة تطلب جزاء ونعمة من الله. إن فعلنا ذلك هيأنا منا عبادا شفعاء في حضرة الله، يستخلصون آباء، ويغلقون أبواب نار عن أبناء، رحمة من الله… هيأنا منا ومن معانينا عوالم لله لا يعلمها إلا الله.

إننا على تفاهة وجودنا وضعف ذواتنا محل وعد الله، محل أمر الله، محل ظهور وجه الله. إن الله قد جعل في كل سماء أمرها، وجعل في الأرض خلافته عنه في كل وقت أقامها، وبذلك اختص الأرض بخلافته وميزها بها، {إني جاعل في الأرض خليفة}[١].

فأنتم أهل الأرض في الأرض مُخلفون عنه، مخلفون منه، قائمون به وجودا وقياما وشهودا، تشهدون أن لا إله إلا الله، وأنتم أينما تولوا ترون وجه الله، وأنكم بأنفسكم في لا إله إلا الله لا تشركون به وجودكم فيه في وحدانية وجوده، ولا تعزلون هذا الوجود منكم عن موهوبه بأرواحكم من روحه مستوية على عرشها من معانيكم، قائما على أرضه من ذواتكم ومبانيكم.

وإنكم لتشهدون روح الله حية في حياتكم، وترون الحياة من معاني الحياة فيكم إلى الحي القيوم عليكم الظاهر بكم الذي لا إله إلا هو، وتشهدون أنكم لن تذهبوا إلى الهو، ما لم تكونوا في الهو من عالم قيامكم ومن عالم شهودكم موحدين لا مشركين ولا آبقين.

فأنتم عوالم محفوظة في قوالبها لم تفض، وأنتم حقائق مشهودة في أغلفتها لم تكشف، فإن عبّدتم أنفسكم لشهود وجه الله في معانيكم مشتتة، وأبرزتم روح الله في أوانيكم مشهدا، وشهدتم وجه الله في مشهود جنسكم مكرما، لا يستعلي أحدكم على آخرين بالحق فيه، ولكنه يشهد بالحق فيه وجه الحق في إخوانه، وفي آياته وفي أبنائه، وفي بيئته وجنسه.

أنتم أهل هذا العالم الذي وعد الحق عوالم النور بالحقيقة فيه تشهد ومنه تبدأ، وأنتم حق حيث وعد الله عنكم، مغبوطون من عوالم، ومحسودون من عوالم، ومآزرون من عوالم، ومخاصمون من عوالم، فعلى صخرة عالمكم تتفرق عوالم الإنسان فرقها، وبه تتجدد الأكوان، ويظهر جديد الرب من الرحمن.

وإن كثيرا من العوالم من أهلكم ومن سبقكم تعلق الآمال، تنظر إليكم اليوم في شديد من الألم وهي في حال من المشقة. لقد كانت على مثالكم وقد ربحت ما ربحت وخسرت ما خسرت، ولكنها كانت تستطيع أن تضاعف ما ربحت، وأن تقلل مما خسرت بكل يسر بإصلاح مفتاح النية، وتود لو حذرتكم وكشفت ما عرفت فبشرتكم، ولكن أنَّى لها أن تعود إلى هذه الحضرة الخلاقة، بسر الله فيها محجوبا على أهلها خلقا من بعد خلق مرة أخرى؟ تتمنى لو تتهيأ لها أن تعيد الكرة لتتم ما فاتها، وتسترد ما ضاع عليها من نعمة الوجود بمجال منكم على ما عَرفت الآن، ولكن أنَّى يكون لها ذلك؟ وكيف يكون لها ذلك، والصيف ضيعت اللبن، وقد كانت فرصتها وكانت تجربتها، وقد كانت نعمتها وهي على هذه الأرض وفي حجابها وقد فوتتها؟ إن هذا عندها اليوم لهو الجحيم والنار والعذاب المقيم، وإن نجدتها في أيدي أبنائها منكم، ولكنها خلفتهم على مقيت معناها، وفوتت دوام قدسها بالفعلة المورثة إلى دوام طلبها لنفسها.

إن بعض العوالم الروحية لتنظر إليكم فترى هذه الفرصة فيكم لكم، وهذه الخطوة عند الله من حقكم، ولكنها تراكم على ما أنتم من غفلة، وعلى ما أنتم من قصور في حد أنفسكم فتحتقركم، ومنها ترثي لحالكم وترى لنفسها عليكم غلبة وسيادة، وأن لها عليكم لمكانة لتردكم عن عبث أنتم فيه لخيركم، لأنها وإن لم تكن لها هذه الفرصة الآن من النمو في الحق نبع ذاتها إلا أنها تستطيع النمو بعملها فيكم أهل أرض البدء والنشأة الأولى، فأنتم متاعها ومن خيركم أن تكونوا.

إنكم بين هذه العوالم تأخذون وضعكم كعالم بين عالمين متعاونين من عوالم الروح، هما لكم يد الله المظلة ويد الله المقلة، يتجاوبون معكم بحكم الفطرة في تبادل الحقائق والمعارف، على صفاء في الوصلة، وتزاحم على الحق، أو على تحاب أو تنافر فيه، وأنكم وأنتم بين هذين العالمين والوالدين ومنهم لديكم فرصة نرجو أن لا تكون مضيعة يهيئها الاتصال الروحي في هذا العصر.

إنكم تستطيعون أن تستفيدوا من هذا الاتصال ومن هذه التجارب لأنفسكم بما تحققون من المدارك لذواتكم، وأن هذه العوالم سميت لكم في تعاليم الأديان القديمة بما سميت به مما يقابل قولها عالمي النفوس والعقول أو عالمي الجن والملك في وحدة يكون نظير الجن والملك على ما تعرفون أو لا تعرفون، لا تدركون مواضعها أو خصائصها أو روابطها بكم، ولكنها أصبحت بكم اليوم متصلة ومتعارفة في ظهور وفي سفور، وهما عالما الإنسانية البيضاء والإنسانية الحمراء في ركب إنسانية الروح من الحق.

قَلَّ من أهل هذه الأرض أو الدار من يدرك القليل أو الكثير عن أهل هذه العوالم فضلا عن عالمه، وإنا لنطمع أن ينتشر هذا الوعي شيئا فشيئا حتى يدرك الناس أمر هذه العوالم معهم، ونرجو أن تتوثق العلاقة بيننا وبين هذه العوالم العاطفة والعوالم المغاضبة ممن ينظرون إلينا نظر المزدري النافر، فنوثق صلتنا بالمعاطفة ونستمدها لنصفي ما بيننا في الأخرى بروح الحكمة لا روح القهر، وبروح الإخاء لا بروح الاستعلاء، وبروح المعرفة في الله الكريم الواسع العليم، وبروح التقارب فيه لا التباعد عنه والتنافر عليه، لا التنافر فيه، سائلين الله لنا ولهم من الحق ما يقرب بيننا وبينهم، وأن يوفقنا إلى الاجتماع على العمل لإعلاء كلمته فينا وبين أهل هذا العالم، وأهل هذه العوالم، تاركين أمر أنفسنا كله لله أن يجمعنا وإياهم على طاعته، وإطاعة أمره، وإعلاء حكمته في عالمنا بما أودع الله فينا وفي عالمهم، وبما أودع الله فيهم وفينا في عالمنا.

هذه وجهتنا، وهذه طريقتنا في صلتنا بهذه العوالم وأهلها، أما آباؤنا وأجدادنا من أهل عالمنا أو عوالمهم، على مختلف مستوياتهم، فإنا مع احترامنا وتقديرنا، نطمع في رحمة الله لنا ولهم من فضله نصيب، بما يفيض علينا وعليهم من رحمته، وهو الذي لا بداية له، وهو الذي لا نهاية له، ما يجعل منهم لنا مظاهر بداية ويجعل منا لهم مظاهر نهاية.

إنهم وإن كانوا لنا آباء ونحن لهم ولسابقيهم أبناء، فإن منهم في الله الباقي الدائم الأزلي من يبعثون فينا وفي أبنائنا لنا ولهم فيهم نشهد قديم الله وأزلية الإنسان فيهم، وهم يشهدون فينا جديدهم من الله وقيوميته، ونحن وإياهم نشهد في أبنائنا أبدية الله، وأبدية الإنسان فيه.

سعادتنا في أن نرى عن طريقهم إلى حضرته الأزلية، وسعادتهم في أن يروا عن طريقنا إلى حضرته الأبدية، فإن الله لا أول له ولا آخر له والعرفان به لا حد له.

إن الله وعد الوجود بإشراق طلعته بالإنسان يخلقه ويربيه ويخلفه، وشرف الوعي ليشاهد بالمعرفة في تعريفه بأن لا ظهور له بمثل ما ظهر في الإنسان.

فنسأل الله أن نشهده في الناس بمبناهم لمعانينا، وأن نكون مشهدا له عند مشاهدينا لمعناه في معانينا، كما نسأله أن يضاعف من مطامعنا ومطامعهم فيه، ومن معارفنا ومعارفهم عنه كما يظهر ويعرف العارفون وكما يعلم ويزداد العالمون.

إن من العوالم من يشهدون الله فينا بوجهه الكريم في الإنسان في عباد له بيننا بأبصار لا تزيغ ولا تطغى، وبيننا من عباده من يشهد الله برحمته في الإنسان بقرب روح الله منهم لقلوب وأفئدة لا تكذب ما ترى، فلا نحن ولا هم بما فينا من حق من الله يصح أن يستعلي أحدنا على من يؤاخيه ولا على عوالم أخرى تدانيه، إذ يجب أن نشهد الله وراء ما نرى من العوالم، كما نشهده وراء ما ندرك من عوالم أنفسنا، مهما علا فيه قدرنا وتوفر من الحق فيه نصيبنا.

هذا حديث يوجهه الله لكم أهل هذا العالم، كما أنه يصح ولعله أن يوجه لأهل هذه العوالم المدركة لنا والمشاهدة لمعانينا، من الحق الأزلي الذي يظاهرنا ويعلونا في مظاهرتنا منهم وإعلائنا لهم، فإنا لا نشهد الحق إلا بوعينا، ولا نشهد الحق إلا في دائرة قيامنا وإدراكنا، وهذا الوعي وهذا القيام على تفاهة في هذا الوجود الحقي المطلق وعلى ضآلة نصيبنا من النور المشرق منا اتجاها إلى هذه العوالم الحقية الراقية لأننا في عالم ظلماني المظهر، محجوب عن الحق فيه فهو عالم للاختبار والبدء والاختيار، فإن الله هو المهيئ منه برحمته لأهل اصطفائه منا، وهو المدرك لهم للحقيقة فينا، وهو الذي يقصرها على غفلتنا فيه، فتنمو به فينا إلى شموس مشرقة.

فإذا تخلينا عما نحن فيه من نقص الإدراك وعجز المقدرة، واستوفت وتوفيت فينا أسباب الحياة، ارتبطنا بالله نورا مطلقا لا يحتجب، وحكمة شاملة لا تخطئ، وقدرة محيطة لا تتوقف ولا تهن، وحياة دائمة لا تنقطع، ونعمة متزايدة لا تنقص.

علينا لتحقيق ذلك أن نستجيب لنداء سائر العوالم المحبة، فضلا عن الاستجابة لأهل المعرفة بيننا، فهذه تعاليم الإسلام، وهذه هي التعاليم التي اقتضتها فطرة الإسلام، والتي جاء بها حكماء الإسلام، ورسل الإسلام، وأنبياء الإسلام، وأئمة الإسلام، ودعاة الإسلام، وعلماء الإسلام، وجمعه وبعثه وعنونه في كمال محمد الإسلام، وعبد الإسلام، لذاته التسليم ومنه لنا وعليه من الله السلام.

هذا ما يجدده الحق المطلق مرة أخرى على الأرض بما نسميه اليوم الرسالة الإسلامية الروحية التي يقوم عليها عالم الروح ومن يصطفي من البشرية.

ها نحن اليوم ندرك ونستطيع أن نسلم وجهنا لوجه لله، كما أسلمه أبونا إبراهيم بإسلام نفوسنا للروح المرسل من رحمته لنا، أو بتسليم ذواتنا وعقولنا لمتابعة من يهيئ الله لنا من أهل الرشد والرشاد معه، أو من أهل الملأ الأعلى به بيننا، فبتسليمنا لما يهيئ الله لنا من أهل هذه العوالم إنما نسلم كما أسلم آباء لنا وكما أسلم أنبياء منا لأرواح بها علموها بها وهدونا في قديم.

هذا هو الإسلام، إسلام لله وإسلام لرسوله، فإسلام الرسول يكون لربه وإسلام الناس لرسلهم من أنفسهم تسليما لربهم ومحله أن يكون بأجسادهم ومحبتهم لأهل الأمر والهدي منهم، كما يكون لمن أخرج الله لهم من أهل العلم والمعرفة من بينهم.

هذه هي تعاليم الإسلام مع محمد الإسلام، فالإسلام جوهر ومعاني تقوم في النفس تهيئ الجسد لمائدة الحق بموائد المساكين، وهذا هو الحق، وهذه هي الحقيقة…

وإن الحق قد خاطبنا في ذلك {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}[٢] {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}[٣] {يوم ندعو كل أُناس بإمامهم}[٤].

إن المسلمين لله في دين محمد الإسلام، يتامى بيتم رسولهم، مساكين مسكنة نبيهم عبادا للحق فيه، على عين عبوديته للحق المطلق معبودا له في ربه، والناس مسلمون لهم بدورهم إن أدركوا ما جاء به الكتاب، وعلموا بما هداهم إليه من فعل وحديث العبد النبي الرسول.

هدانا الله وإياكم، وجعل ساحة رحمته مثوانا ومثواكم، ووجه طلعته مرآنا ومرآكم، وجعل من القلوب منا لنا مأوانا ومأواكم. إنه قريب سميع مجيب.

فلا تجعلوا قلوبكم طيا للقوالب، واجعلوا قوالبكم طيا للقلوب، أعاننا الله وإياكم وهو نعم المعين.

أضواء على الطريق

أحاديث تؤثر للسيد الروح المرشد (برش) في دائرته الإسلامية الروحية بالقاهرة.

  • روح واحد أقوى من مملكة الجن بأسرها

  • لا وجود للجن بين عوالم الكواكب

  • للجن برازخ لبعثه وللإنس برازخ لبعثه، وهي عوالم متتابعة ولا اختلاط للإنس والجن إلا في عالمكم على هذا الكوكب.

  • قليل من عالمكم من يدخل إلى عالمنا وهو منسوب إلى أسرة.

  • إن الطريق هي الانتساب إلى أسرة، وبدؤها من عالمكم ومواصلتها في عالمنا. وقلّ أن يتواجد آدم بعالمكم أما عالمنا فمليء بالأوادم.

  • لا يحمل اسم (الأرض) بين الكواكب إلا كوكبكم، أما الكواكب الأخرى فتحمل أسماء لها تشير إلى جمالها وصفات أهلها. ويشار إلى كوكبكم عند أهلها (بالأرض الحزينة) بسبب الحروب والشقاق بين سكانها.

  • أهل هذا الكوكب (الأرض) أكثر سكان الكواكب ظلاما وأقلهم ذكاءً وآخرهم مدنية، وإن كانوا أقرب إلى أهل العالم الأكبر صورة وشكلا.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة البقرة -٣٠ ↩︎

  2. سورة الكهف -٢٩ ↩︎

  3. سورة القصص -٥٦ ↩︎

  4. سورة الإسراء -٧١ ↩︎