(٨)

الناس هم الناس
يا حسرة على العباد

حديث الجمعة

١٥ رمضان ١٣٧٧ هـ - ٤ أبريل ١٩٥٨ م

السلام علينا وعليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.

وأشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق للناس كافة، ختم به الدين، وأتم به اليقين، وفتح به باب القرب، وباب المعرفة، وباب القدس، وباب النور، وباب الحق، وباب الخلاص.

أسبغ به على البشرية شرف التحقق، ويسر الإدراك للحقيقة، وأتم به لعوالم الجن والإنس والملك ما اشرأبت إليه النفوس، وتطلعت إليه العقول، وخفقت إليه الأفئدة، وانتظرته الأجيال من شهود وجه للمطلق المعروف، يستمد، ويرجى، ويعشق، ويرب.

فكان للإطلاق يدا مدانيا، ووجها مشرقا، وحقا مقاربا، ولسانا ناطقا، وترجمانا صادقا، وأمينا حاملا.

فماذا عرفت البشرية عنه؟ وماذا أخذت البشرية منه؟ لقد جافته لها محبا، وأنكرت عليه صادقا، وقاومته محسنا، وانقطعت عنه ممتدا، وعافته عن مواصلة الأحياء لها حيا، وأماتته عن تكاثره دائما مستمرا…

ثم هي بعد ما توهمت من غيبة ذاته على ما اعتقدت فيه من ذات على مثال ذواتها، أسرفت في تعلقها بمفقودها، جاهلة بموجودها، منكرة على مشهودها، حتى لتذكر نعال القدمين، وحتى لتسجد لبقايا جلباب أو إناء، أو آلة استعملتها يده… إسراف وإتلاف… إتلاف عند الاتجاه لليقين، وإسراف عند الظن والتخمين، فلا وعي ولا اعتدال في مسلك، ولا تقبل لما يصح أن يقوم بالعقل، ولا اعتدال في الحب أو الخصام يتهيأ به سلامة الاتجاه أو المسلك.

إن البشرية هي البشرية، ها أنتم تجلسون بين يدي لا تتجاوزون أصابع اليدين تستمعون إلى هذا الحديث مستمدا مفاضا من عالم الروح، وتغيب عنه البشرية، بينما له عالم السماء مظاهر، وعالم الروح من أهل الأرض مرحبا، مجيبا، مواصلا، مستمدا، ممتزجا، قابلا، باذلا، طائعا، عاملا، مؤاخيا، متفقا، مشاهدا، مؤمنا، موحدا.

إن الناس في ظلام من أنفسهم لا يميزون بين الغث والثمين من حياتهم، ولا بين الغث والثمين من دينهم، ولا بين الغث والثمين من حكمة تقدم إليهم، أو طاقة تدانيهم وتقاربهم في أعماقهم. إنهم لا يحاولون معرفة الحق فيميزون أهله.

إن من يعمل ببضع كلمات… إن من يتفتح عقله لكلمة من كلمات… إن من يتفتح قلبه لشيء من كلمات أو همسات تقذف في هذه الساحة بالمحبة والصدق، تكفيه في حياته الدنيا، وفي حياته الآخرة، ولكن الناس في عماء عن الحق، يعميهم حتى عن الحق الأبلج، وعن النور اللطيف الرقيق، وعن ماء الحياة الدفيق، تحسه قلوبهم، وتقشعر منه جلودهم، وهم بعد ذلك في شك من أمرهم.

يا حسرة على العباد، ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون، وإنهم في حاضرهم كماضيهم في آبائهم، وقابلهم بأبنائهم، لا يصلحون إلا من أصلح الله، ولا يرحمون إلا من رحم الله، ولا يسترحمون إلا من هدى الله، فسبحان الله القادر على كل شيء، والآخذ بنواصي كل شيء.

إن أمر هذه الدار وأمر ما يدور فيها ليس بمجهول عند الكثيرين، وعند من يسمون أنفسهم بالعقلاء، أو عند من يسمون أنفسهم بالأتقياء، أو عند من يزعمون أنفسهم أبناء للطريق، أو أبناء لطريق، أو عند من يزعمون أنهم على صلة بالروح، أو على إيمان برسالة الروح، وهم في وهم من ذلك كله، وهم في زعم من ذلك كله، بما يكشف عنه مسلكهم العملي في الحياة. العلم يُسعى إليه ولا يَسعى إلى الناس. إن من يحرص على أمر يحرص على إحيائه في نفسه، ومن يحرص على إحيائه في نفسه يحرص على إحيائه في غيره. أين هو الإيمان بشيء من ذلك؟ أين هي المعرفة به؟ أين هو التسليم له؟ أين هو الارتباط به؟

إنه هكذا على ما أشهد، وإنه لهكذا كما أدرك، فهو ظاهر لي كما أرى، وإنه واقع كما أُفصح ولي معكم منه نصيب. أسأل الله لي ولكم ولإخوانكم، أن تستيقظ منا القلوب، وأن تتفتح منا العقول، هذه هي الحياة.

إن الإنسان في كبريائه ليحسن الظن بالناس يختارهم لنفسه، وإنه ليحسن الظن بالثقاة يصطفيهم لمراده، وإنه ليحسن الظن بالعقلاء يرتضيهم لمعونته، حتى إذا حنكته الأيام، وحتى إذا دهمته الأحداث، كشفت له عن لا شيء فيهم، فقد محت كبرياؤه معاني الحق فيه ورباط الحق به، فقام بناؤه على شفا جرف هار.

إن رحمة الله تحف بالناس وهم عنها عمون، وإن رحمة الله لتطرق أبواب الناس وآذانهم عن الطرق صماء، وإن رحمة الله لتشرق إشراق الشمس ولكن العيون عنها عمياء، وإن حكمة الله ورحمته لتملأ الآفاق، وتملأ الحياة، وتملأ النفوس، ولكن عقول الناس في غفلتها لا تدرك ولا تستجيب، ولا تريد أن تستيقظ.

إن حياة الله لتملأ النفوس، ولتهز الشعور، ولتحرك المشاعر، ولكن الناس عن الحي القيوم فيهم في غفلة من موات أنفسهم، من موات أفكارهم، وموات مطامعهم، وموات إرادتهم فيما لا ينفع، وفيما يضر أكثر من أن يدل على نفع.

ها نحن في شهر الصيام… شهر هيأت مناسكه للناس أسباب الصلة بالله، وأسباب اليقظة، وأسباب البعد عن الغفلة، فماذا نفعل فيه؟ نلتوي به عن طريقه ونلتوي به عن أهدافه فنراه شهرا للطعام لا شهرا للصيام، وشهرا للإسراف لا شهرا للإمساك، وشهرا للمتعة لا شهرا للتقشف، وشهرا للكسل والاسترخاء، لا شهرا للعمل والرجاء. أين هي الصلة والصلاة؟ أين هو الاتصال والخلاص والنجاة؟ أين هي المعاني السامية؟ أين هو التعريف بالدنيا فانية؟ أين هو تجديد العلاقات المطلوبة للمحبة والإحسان، المحببة للصلة والصلاة بين أهل الإيمان؟ لا شيء من ذلك نراه في هذا الزمان.

إن الإنس والجن ليسألون عن الله وهو فيهم، ويطلبون الله وهو معهم، ويحاولون أن يخرجوا عن دائرة السماوات والأرض وهم أعجز عن الخروج عن دائرة أنفسهم، إلا من أدرك السلطان لله في نفسه، وفي ملكه، وفي ملكوته.

إن الله معنا… إن الله في قلوبنا… إن ملكوت الله في نفوسنا، ولكنا نطلب الله بعيدا عن ملكوته، وبعيدا عن عرشه، وبعيدا عن ملكه، فكيف يتسنى لنا أن نعرفه؟

إن هدى الله بيننا، وإن وجه الله معنا، وإن يد الله ممتدة إلينا في كل وقت وفي كل حين، في النور وفي الظلام، في اليقظة وفي المنام، لكنا لا نمد ليد الله يدا، ونحاول أن ندخل الله بالجدل والحد في الإحصاء والعد، وأن نحيط بالله بالفعل والإدراك، ونتحكم في الله بالنفس والقدرة، ونقيد الله في الجسد والذات، لا نستمع لكتاب، ولا نتيقظ بإياب، ولا ننتظر لموت، ولا نتأمل في مولد، تلوك ألسنتنا ألفاظا نسميها كلام الله… والله من ألفاظنا ومن كلامنا بريء، وكلامه منا براء، ونزعم أننا على دين الله، وعلى يقين بالله، وعلى الشيء الكثير من المعرفة عن الله، وعلى وهم رضاء عن الله، وعلى وهم رضاء من الله، ونحن لم ندخل بعد في معنى الحياة.

إن الحياة ما تحيي أنت في نفسك من الحي القيوم فيك وهو اللطيف، والقيوم عليك وهو الرحيم، والقيوم بك وهو الكريم، فلا حياة لله في مملكة عبده، ومن قيام ذاتك، إلا ما أحييت أنت في هذا الملك الصغير من أمر الله. إنك في مملكة نفسك ملك متوج على عرشك. فكيف لا تعني بإحياء هذه المملكة، ورفع قوائم هذا العرش، وهذه هي الحقيقة، إنك إن فعلت تواجد الله ظاهرا في وجودك لك، وحيا اسم الله في حياتك لمعناك، وظهر غيب الله في ظهورك بمعناه ربا لك، وقام الله في قيامك أهل بيت لمبناك قبلة صلاة، وتنزه الله بروحك من روحه غيبا، وتجلى بذاتك علما على غيب ذاته عبدا.

ما أوجدك من أوجدك إلا ليعلم وجوده بك عندك في علمك عن وجوده في وجودك، بالكشف عن حكمة إيجادك وسر موجودك بتجديد هذا الوجود فيك بذكره وترديد اسمه مع من قام به ذكره، وعرف متخلقا به فيه اسمه، بما عرفت من صفاته سويا على ذاتك مقتديا، وتخليك به عن صفاتك مرتقيا طلبا لمرتجى صفات ذاته وجها لمنشودك، وهذا ما تلوكه ألسنتكم من لفظ لا إله إلا الله، ترددها ألسنتكم، ولا هدى فيها لقلوبكم، لأن القلوب وهي في منام، لا تريد أن تستيقظ من حياة سباتها بقيام، بأنها تريد أن تتابع ما توارثت وما نقلت وما نقل إليها متخلية عن مسئوليتها إلى توجيه خاطئ من غيرها، والله قائم على كل نفس بما كسبت، لا بما سمعت، ولا بما نقلت، ولا بما تابعت، وإن الله لمهلك المتابَع والمتابِع، ما تتابعوا على ضلالة، وما تتابعوا على غير نور من هدي العقل نفسه، وإدراك المسئولية للإنسان بنفسه في نفسه عن نفسه في حدود وسعه وإدراكه وحسه.

لا تركنوا إلى شيوخ تزعمونهم شيوخا لكم، ولا إلى أنبياء تزعمونهم أنبياء لكم، ولا إلى أئمة تزعمونهم أئمة لكم، فإن الله محاسبكم، وما هو محاسبكم إلا في معانيكم أنتم، فأنتم الذين ستحاسبون أنفسكم بأنفسكم، بما فيكم من الحق من الله، فحاسبوا أنفسكم من الآن، وضعوا أنفسكم أمام أنفسكم محاسبين، واسألوا أنفسكم كم وعت من الحق، وكم حملت من أمانات من الحق، وكم علمت عن الحق، وكم رغبت في معرفة شيء عن الحق، وكم طلبت مما هيأ لها أسبابه وسيلة من الخير ومن الحق.

إننا نعيش في جو من ميراث من نقل لا حياة فيه، ولا خير فيه، ولا نور فيه، ولا وعي فيه، ولا حق فيه، إلا من رحم، وها هو الله يجدد فينا رسالته ودينه مع رسوله على سنن من قديمه، ومن قديم مستديمه، ومن باقي هديه، في باقي أمره، في تجدد لنا مدركين، وتطورنا لا سدى متروكين، ولا نياما غافلين، بل أحياء مصبحين.

ها هي السماء تدانينا بركبها وما كانت إلا بيننا بأهلها، وها هي الأرض ترتج بأحداثها، وتتزلزل بحوادثها من فعل أهلها بضيق أفقهم، ومخطئ وجهتهم، ولكن الناس وهم يرونها تتزلزل تحت أقدامهم وفوق رؤوسهم، وتتزلزل بها نفوسهم، إشعارا لما أوحى به لها، وقياما لقيام أمرها، لا يدركون لما حمله النبأ العظيم، ويطلبون زلزالا ماديا، يأخذ الحرث والنسل ولا يبقي شيئا، حتى يستيقظوا إلى بلاغه، وهم موتاها {إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان ما لها يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}[١]، {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا}[٢]، {قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم}[٣].

إن الله قد بث في السماوات والأرض دوابها من الناس، ومن الجن، ومن الإنس في الإنسانية الكبرى، ومن عباده، ومن كلماته، وفيهم كل ما خلق من ألوان خلقه، وأنه على جمعهم إذا يشاء قدير، وأنه هكذا يجمعهم، وأنه اليوم بينكم يجمعهم، وأنه أمام العالم، وأمام الناس يجمعهم، وأنه على جمعهم لقدير، وأنه في دوام جامع عند من يرى جمعهم واجتماعهم منهم، وأنه على كشف جمعهم إذا يشاء قدير. وقد شاء أن يكشف وهو القدير، وها هو قد شاء أن يجمعهم في علن، وشاء أن يبرز قدرته كاملة، في جمعهم في سفور.

ماذا ينتظر الناس ليفيقوا؟ ماذا يريدون ليتهيأوا؟ ماذا يستبقون ليخشعوا؟ يطلبون الساعة، وهم في ساعة دائمة، من مولدهم إلى غيبتهم بالموت، وهم في ساعة من آدم إلى أن يبرز الله آدم، وهم في ساعة من كل رسول إلى أن يبرز رسولا، وهم في ساعة من مولد كل رسالة إلى أن تمحى معالم هذه الرسالة فيتهيأ المخلص للرسالة. أي ساعة يطلبون وهو معهم؟ أي ساعة يطلبون وهو القائم على كل نفس بما كسبت؟ أي ساعة ينتظرون ليلاقوه وهو أقرب إليهم من حبل الوريد؟ أي ساعة يطلبون وقد بُعث فيهم نبي الساعة وجعل من ربه منتهاها ربا لهم، ومن بعثه منتهاهم حقا لهم فيهم؟ إن الساعة في أن تتكشف الحقائق. إن الساعة في أن تدرك النور. إن الساعة في أن تدرك الحياة. إن الساعة في أن تتغير من وقت إلى وقت، وبين يوم ويوم، وبين زمان وزمان، وبين فترة وفترة في معناك ومبناك. إن الساعة هي فيصل الزمان في أزلي حياتك من ماض لا تدركه وأبدي حياتك ومستقبل لا تعلمه بحاضر لا تملكه. إن الساعة أن تدرك ماضيك قبل المولد، وأن تتهيأ أو تدرك من مستقبلك بعد الموت. إن الساعة في وعيك، وفي إدراكك، وفي تطورك العقلي والكوني والحسي والمعنوي. ألم تستمع لقول الرسول وقد قال (لكل منكم ساعة)[٤]؟ إنها ساعة حياتك… إنها موقوت دنياك، وأي قيامة تنتظر بعد قوله (من مات فقد قامت قيامته)[٥]

بيانًا لكلام الإحاطة في قوله {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد}[٦]، مما يجعل لكل إنسان ساعة وقيامة في حياته وفي مماته.

وإن إشارة الرسول (لطفل في يد أمه) وهو يسأل عن موعد القيامة. هل رأيتم هذا الغلام؟ فقد قامت قيامته، جُعلت في كل مولد لوليد بعثا من ساعة وقيامة، وفي كل موت لميت ساعة وقيامة. إن في كل يقظة تعرض لك في حياتك، فتغير من مسلكك، وتغير من أمرك، ساعة وقيامة. إن في كل موافاة منك للحق تدانيها بإيمان، ويقين، وقلب صادق ساعة وقيامة، وفي كل ثورة فكرية ساعة وقيامة، وفي كل حرب مغيرة ساعة وقيامة، وفي كل تطور اجتماعي ساعة وقيامة.

ولكن الناس وصفوا الساعة لأنفسهم، ومن تلحين أنفسهم وتصويرها، ورسموا قيامة لأنفسهم من تصوير أنفسهم، ووحي خيالهم، كما قرروا مولدًا للحياة من خيالهم توارثوه، وتوهموا موتا للوجود رسموه، وفي خيالهم أقاموه، والوجود حي بحياة الله مبدعه قديم بقدمه باق ببقائه، ولكن القيامة والساعة والبعث، إنما هي صفات وأحوال لمفردات الأجناس، وجماعاتها في الوجود الصمدي لله، في شقي الحياة.

إن الحياة وإدراكها، وإن الحقائق وإشراقها، وإن المعرفة وإغداقها، وإن النور وكسبه، وإن الحقيقة وإدراك القيامة فيها، هذه هي الحياة، وهذه هي الموالد والبعث، وهذه هي القيامات، وهذه هي الساعات، وهذا هو البعث ببعثه الناس، بعثا بعد بعث، وقيامة بعد قيامة، ومولدا بعد مولد، وموتا بعد موت، وطورا بعد طور، ما بين لطيف وكثيف من روح وجسد. وهذه هي المعارج إليه حتى يعودوا كالعرجون القديم.

أما ما يتوهمه المتوهمون عن فهم للحياة، يلقنونه الناس لدين أو علم، ويردده الناس بوهم المعرفة، فهو سراب فيه يحيون في عالم وصور من سراب، يقومون بذواتهم من السراب، يطلبون بها طلباتهم وهدفهم، من سراب أنفسهم، وتفاجئهم الحقيقة يوما، وقد كانت إياهم في معيتها لهم، وكانت بهم ولها تناسوا، وكانت معهم وليست غيرهم وأنكروها، وكانوا إياها برحمتها ففارقوها وما لازموها، وخسروها وما كسبوها، أغضبوها وما أرضوها، وارتضوا أوهامهم لأنفسهم، وقد كانت بهم راضية على مضض وعلى أمل وعلى رجاء، فإذا هم العدم كله، وإذا هم الوهم كله، وإذا هم قد كان بين أيديهم أن يحيوا فلم يحيوا، وكان لهم أن يبعثوا أنفسهم فلم يبعثوها، وكان لهم أن يقيموا قيامتهم بقيام الحق فيهم، قيوما بهم، قائما عليهم، فما أقاموها {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه}[٧].

يزعمون أنهم يوحدون الله، ويتمادون فيدعون أنهم يكبرونه ويكبرونه وما وحدوه فكبروه، وما اتقوه وأكبروه، فلن تدرك نفس معنى الله أكبر مالم تدرك الله في وحدانيتها في ذاتها من وحدانيته في ذاته، وأن القلب بيت الرب، وأن القلب بيت لمنشودها من الله، وأن قلبها بيت للرب تراه، وأنه عرش لله يمتطيه ويستويه ويعرشه لنفسه، وأن الرفيق الأعلى من ذلك أكبر، وأن الله منهما أكبر.

وحدانية الله أساس كل شيء، وإدراك الوحدانية أساس الدين، وأساس الاستقامة، وأساس الحياة، وأساس السعادة، وأساس الساعة والقيامة، وأساس الجنة والنار، وأساس الموت والعدم، وأساس الحياة.

فإدراك وحدانية الله، والتذاكر والنجوى عن وحدانية الله هو الدين، وهو الحياة، وهو السياسة، وهو الكياسة، وهو الطريق، وهو السعادة، وهو العلم.

أسأل الله لي ولكم هديا مقربا، ونورا مقاربا، ورحمة متقاربة، وأسأل الله لي ولكم أن يزكي منا النفس، وأن يحيي منا القلب، وأن يبدل منا الذات، وأن يقوم منا الجوارح، وأن يخلص منا العمل إلى حضرته وإلى العلمية على معلومنا لمعناه، ومشهودنا لمجلاه، وإلى معاني قربه مقاربا، وإلى معاني قيوميته قائما، وإلى معاني دنوه ودناه مدانيا.

إن الله معنا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وصل رسوله قديما وأبرزه مستديما، وأفاض علينا منه رحيمًا عليمًا، وقوَّمنا به آمرًا كريمًا حليمًا. وقد أعطى كل شيء خلقه عليمًا. وهداه به حيا قيوما.

هذه شعائرنا وهي شعارنا، والناس في مشيئتهم مؤمنين، وفي قدرتهم مجابين، والله ولينا في الدنيا والدين أولين وآخرين مجتمعين. نسأل الله الكرامة والسلامة، والبعد عن الملامة والندامة.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الزلزلة -١:٨ ↩︎

  2. سورة الأنعام -١٥٨ ↩︎

  3. سورة الواقعة – ٤٩، ٥٠ ↩︎

  4. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  5. حديث شريف: “إذا مات أحدُكم؛ فقد قامتْ قيامتُه؛ فاعبدوا اللهَ كأنكم ترَوْنَه، واستغفِروه كُلَّ ساعةٍ”. أخرجه الديلمي في الفردوس، ورواه العسكري في الأمثال، وأبو نعيم في (حلية الأولياء)، وغيرهم. ↩︎

  6. سورة ق - ١٩ ↩︎

  7. سورة النور -٣٩ ↩︎