(٧)
سفور الروح
لبيك في كل مكان وفي كل زمان وفي كل إنسان
حديث الجمعة
١٠ ذو الحجة ١٣٧٧ هـ - ٢٧ يونيو ١٩٥٨ م
لبيك. لبيك. لبيك.
لبيك اللهم لبيك في كل مكان
لبيك اللهم لبيك في كل زمان
لبيك اللهم لبيك في كل إنسان
لبيك قريبا في نفوسنا
لبيك قائما في قيامنا
لبيك حكيما في تدبير أمورنا
لبيك قائما على كل شيء
لبيك ظاهرا في كل شيء
لبيك قريبا في كل شيء
لبيك كبيرا متعاليا وراء الأشياء
لبيك كبيرا متعاليا فوق الأكوان
لبيك منزها عن الزمان
لبيك منزها عن المكان
لا إله إلا أنت، ولا وجود بحق إلا لك.
في مثل هذا الوقت من كل عام، تتجه الأنظار إلى بؤرة من مكان في الأرض، وتتجه الرحال إلى موقف في هذه البقعة، ملبين داعي الله في منسك للناس ومنهم، كتب عليهم. فهل اتجهت الأنظار به إلى قبلة المعنى من بؤرة الإنسان؟ أم تتجه به الأنظار إلى ذات المكان، وذات الأشياء، وذات البنيان، القرن بعد القرن، والزمان بعد الزمان؟
لقد جعل هذا المنسك، وهذا المنهج، عنوانا على معنى في الإنسان، في عالمه الصغير من ذاته، وفي عالمه الكبير من جنسه… ولكن هل انتفع الناس بما شرع لهم؟ وهل استفاد الناس في عوالم قيامهم، بما شرع لهم من عالم وجودهم؟
إن القلب من الإنسان هو كعبة هذا البنيان. وإن الذات من الإنسان هي كعبة النفس في القيام. وإن النفس في القيام هي كعبة الروح من حياة الوجدان. إن الإنسان في معاني تطوره، من بؤرة قلبه، وبؤرة ذاته، وبؤرة نفسه، في دائرة روحه، طليقا في الأكوان، علما على كونه من الرحمن، ووجها لمعنى مطلقه، من سجن أناه إلى رحب معناه، هو تجلي الغيب للشهادة به، بعد تجليه له فيه.
إن الله الذي هو قريب من هذا الإنسان… أقرب إليه من حبل الوريد، ومنه قاب قوسين أو أدنى، جعل منه كلمة له، وجعل منه بدء حقيقة فيه، وجعل منه قلم قدرة له في كونه، وجعل له أمره في يده، إذ أعطى كل شيء خلقه، وهو سر الأشياء، فقد جعل منه وفيه ومعه الشيء والمشيئة، وتفضل فكان له هاديا، وبناصيته آخذا بمجال الحق فيه.
فماذا فعل الإنسان بذاته؟ وماذا فعل الإنسان بقلبه؟ وماذا فعل الإنسان بنفسه؟ وماذا هيأ الإنسان لروحه؟ هل استقبل في الله قبلة هو موليها؟ وهو له مرتضيها؟ لو عرفها لارتضاها ونفسه إليها ولاها، ولرضي عن الله في نفسه له معناها.
إن كل إنسان في نفسه عالم بذاته، ووحدة للكون قائمة في كونه في بداية له لا نهاية لها. فإذا صحت منه له البداية والعناية سلمت له إليه الغاية والنهاية، واستقامت عنده بذلك الوجهة إلى ما لانهاية.
فنحن في عالمنا هذا بدايات للانهايات، ولكنها بدايات تتكرر من سبق البداية فتعطى الفرصة بعد الفرصة، وتقام علينا الحجة بعد الحجة، وتتهيأ لنا أسباب الحياة وفرصها المرة بعد المرة.
فهل نحن لفرص الحياة مغتنمون؟ وهل نحن على حوض الحياة متسابقون؟ وهل نحن إلى تطوير نفوسنا متجهون؟ وهل نحن لتحقيق غاية أرواحنا محققون؟ هل نحن لنداء العقل مجيبون؟
إن لله في أيام دهرنا لنفحات، وإن رحمة الله المطلقة لها في إيجادنا غاية وغايات، وهي أحرص علينا منا، وهي أولى بنا فينا من قيامنا وتدبيرنا…
وإن رسالة الله لفي أنفسنا، وإن رسالة الله لقائمة في وعينا، وإن رسالة الله لقائمة فيمن هدانا، وفي اهتدائنا، وفي محكم تدبيرنا إن أحكمنا، وفي صادق فعلنا إن صدقنا، وفي مستقيم قولنا إن استقمنا.
إن رسالة الله فينا، وإن رسول الله فينا، وإن رسول الله معنا، وإن رسول الله لإيانا، وإن رسول الله لمعنانا، وإن رسول الله فينا لأولى بنا منا، فهو معنا بأزواجه من معانيه من نفسه متكاثرة، وامتداده وتجدده، وتقاربه، ودوامه، من شمول رحمة الله معه، لأمهات نفوس لنفوسنا، وأمهات ذوات لذواتنا، وأمهات قيام لقيامنا، وإن رسول الله لأمة، وإن من كان منه لأمة.
وإن رسول الله لأمة، وإن الأمة لجماع لا تخلو منهم الأزمان، كما لا تخلو منهم البقاع. نزل الله الذكر في رجال وإنه له لحافظ في متذكر منهم مدى القرون والأجيال. نزل القول في كتاب من إنسان وإنه له لحافظ في متعقل من عنوان. نزل الكلمة بعثا لوجهه في خلقه وإنه لها لحافظ في دوام فعله، ودوام خلقه، ودوام رحمته.
وجاءنا بروحه في رجال، نحن فيهم له روح، ونحن فيهم له هياكل وظلال، والناس في قيوميته بهم عاملين، ولمثاليتهم راجين، وإن روح الله فينا لسارية، وإنها بنا لقائمة، ونحن بها أحياء، وبغيرها أشياء. فهل نحن إلى شيئيتنا من الأشياء؟ أم نحن إلى روحانيتنا من الروح؟ نحن روحان، ونحن شيئان، روح لقيام وروح لمآل، وشيء لحياة وشيء لزوال. فإن حرصنا على شيئيتنا حية بقيوميتنا من الله لمرادها بالغة، ولعلاقتها بالشيئية مهيئة، وعنها قاطعة.
أما إذا تركنا معنانا لشيئيتنا فنحن العدم، بينما إذا تركناها لقيوميتنا فنحن الحياة والأبد والأزل. إنّ تواجدنا في هذه الحياة الشيئية موقوت بحياتنا الشيئية. إن حياتنا الشيئية لساعة في حياتنا الأزلية.
فنحن في ساعة من قيامنا الأزلي. إن شئنا أمضيناها في طلبه بطلب الحياة في حياتنا، وإن شئنا أمضيناها مضيعة في الغفلة عن معاني الحق في أنفسنا. أما روح القيام فتطلب حياة القيام متثاقلة إلى الأرض في حالها ومآلها، بينما تطلب روح المآل الحرية والانطلاق من سجن الأرض والسماوات إلى الملكوت المطلق لله. إنا نلبي نداء التشريع للعظة والاعتبار في اجتماع الذوات والأفكار بمنسك في أن نذهب إلى مكان، والله لا مكان له. وإنا نلبي نداء التشريع بأن نذهب إلى هذا المكان في زمان، والله لا زمان له، إنما هو في مكانه منا وفي زمانه من حياتنا. هذه هي الحقيقة التي نغفل عنها، فلنستيقظ لها لأن الله معنا على دوام، ولنتنبه إلى أن الله معنا في قيام، وما شرع المنسك إلا لتنبيهنا لذلك.
إن لمحة تستيقظ فيها النفس من غفلتها، وتقوم فيها النفس من كبوتها، لهي دهور تبدأ بها يومها الأزلي، ويقظتها الأبدية لهي حج صحيح إلى الله، وتلبية صادقة لنداء الله. إن لله في أيام دهركم لنفحات فتعرضوا لها، وإن لله بينكم لآيات فتنبهوا لها. إن لله في معارج حيواتكم، ومسالك وجهتكم، ومناسك قيامكم، وتطور ذاتكم، وتغير أحوالكم، واختلاف معانيكم، لآيات لا تنقطع في الأرض أو في السماء فتأملوها. تأملوا آيات الله في قيامكم وأرضكم لتبعثوا متأملين في آيات الله في حياة لكم من بعد ذلك، في السماوات طبقا بعد طبق، ومعراجا بعد معراج، وحياة بعد حياة، وبدايات بعد بدايات بلا نهاية أو نهايات. إن الحياة مليئة بملء مراده لكمال، وإن حياتكم في الله لمديدة بمراد المآل. فالحياة في الله قديمة جديدة، قديمها جديد في الأقدم، وبجديدها قديم في الأحدث، ولكن حياتكم في الأشياء موقوتة محدودة، وإن أقداركم في الأشياء مقدورة معدودة. فإن نظرتم للشيئية فحياتكم تافهة فانية، وإن نظرتم للروحية فحياتكم خطيرة باقية. إن حياتكم الحقيقية في عالم الأرواح، فإن نظرتم إلى أرواحكم باقية، جليلة عظيمة بمتابعتها لرسوله الحي الباقي كان فضل الله على عبده منكم عظيما، وفضله عليكم عميما في إبقائه لكم في ساحة رحمته متابعين لفرده في أنفسكم متجددا، وبينكم متعددا، في معراج لا ينتهي…
فاذكروا عظمة الله تواتيكم، ورحمة الله تدانيكم، واعلموا أنكم تجددون وتبعثون، خير أمة أخرجت للناس، تنهون عن المنكر، وتأمرون بالمعروف، وتشهدون وجه الله…
تؤمنون به وتتواضعون فيه، وتعرفون عنه، وتعرفون به، مؤمنون بالله تعرفون الله بوحدانيته، وبفنائكم عنكم هو أنتم ولكم الآباء، وبقيومه واصطفائه منه هو أنتم ومعكم الأبناء… أيها الأمة الوسط تعرفونه قديما بلا بداية، وتعرفونه باقيا بلا نهاية. أنتم أيتها الأمة الوسط ناشئة الليل، أنتم مجال الحق الأقدم في المثال، ومجال الحق الأشد في الوطأة، والحال، الذي أدرك في الله قسطا أوفر ما يدرك، وأقوم ما يقال، فأنتم بدء لما يعرف، وأنتم خليقة لما قبل خليقة، وأنتم حقيقة لما بعد حقيقة. إن الله فاعل بهذه الأمة ما لم يفعله بغيرها ممن سبق، بها يقيم علاقة للصلة مع قديم الجنس محققا، ومع تقادمه مرسلا، ومع جديد الجنس مباركا، وجديده ميسرا. إنها الأمة الوسط. إنها أمة الصلاة الوسطى لا انفصام لها. إنها أمة الرسالة والرسول. إنها أمة البدء والبعث والأزل. إنها أمة القيامة والحشر والمثول.
إن الله جاعل بهذه الأمة بؤرة اتصال، وزاوية وصال، فيها يتلاقى القديم مبعوثا في ثوب الجديد، ويتلاقى القائم مع القيوم في الوليد، تعرف الموجود وتميز المفقود، يحقق فيها قديم الجنس لنفسه ما يرجوه بجديد، ويتواجد فيها قابل الجنس منه في شهيد. أنتم أمة العباد، أنتم أمة الرشاد، أنتم أمة الرضوان والوداد، أنتم أمة العمل والتوكل، أنتم أمة المجاهدة والبعد عن التواكل، ما أرسل لكم رسول من الحق فيكم إلا قام بقيامكم بعثا للحق فيكم، ووجها للحق مشرقا بنوره بينكم، وبعثا في القلوب، طلب إليكم بلطيفه منه على لسان كثيفه منكم أن تشهدوا وجه الحق الظاهر لكم بوجه الحق القائم بكم بالمودة له، والصلة به، والتسليم له، ومحاولة الصلاة عليه، والصلاة به، والصلاة فيه…
وأمره بالصلاة عليكم، وعرفكم أنه بقدمه من لطيفه عليه وصل، وعرفكم أنه بلطيفه عليكم يصلي ما لبيتم النداء، وحققتم لموجودكم الرجاء، وحسن الجزاء، وحرصتم على نعمة الله به فيكم، وفضله به عليكم، وطلب إليكم بحقه من كثيفه بكم أن تسلموا لكثيفه بينكم تسليما، ولو فعلتم لكنتم حقائق شاكرة، من الحق مشكورة، وكلمات له ذاكرة، ومنه مذكورة، فقامت الدنيا تحت أقدامكم دنيا بعد دنيا، وقيامة بعد قيامة. ولو أتتكم الآخرة فكنتم به حقائق الدنيا والآخرة، وفي تجدد الدنيا هي لكم خلقة الزمان، ففيكم خلقة الذات والمكان، وبكم تتوالى القرون جيلا بعد جيل، ورعيلا بعد رعيل، ومنكم تتوالى الأمم طبقة بعد طبقة، سبقتكم في الله أمة، ربح منهم من ربح وخسر منهم من خسر، فارقوا الأرض أرواحا، واختلفوا عنها أشباحا، واستقبلتهم السماء بما عملوا، وردتهم على توالي وتعاقب في حقب من الزمان متلاحقة، على ستر من أمر الله، حتى استكملت الحلقات ودارت دورتها فيها الآيات، إلى حضرة إنسانية متوفاة، للأزلي وجهه ومعناه.
وها نحن في هذا الزمان نستقبل منها أرواحا مرشدة، وجميعها من أصول هذه البشرية ترجعهم إلينا السماء على تباعد في أسبق من الأزمان، وعلى تباعد من المدنيات في القيام، بينهم من لا نعلم من أمم خلت لها ما كسبت، وبينهم أمة من أمم قديم رسول الله، الأمة المبشرة في كلمة الله المذكرة أمة المثال لأمم رسول الله المعبرة، هي أمة السيد البريء، علم الرجاء وحسن الجزاء عيسى بن مريم، وأمة من قديم رسول الله في ثوب جديده، أمة في كلمة من حقه وروحه، ذكرت وعبرت في الإمام عليّ ومتابعيه، ومن بعث فيهم وفيه، تقوم لنا بهما صلة، ولنا فيهما وبهما رجاء، تصحبهم أمم من الأرواح، لهم إلى الأرض رغبة في مرجع، يرون فيه تلبية لنداء الأبناء، ويظاهرون به دعوة رسول الله للقاء، لنعلم من أمر الدين ما جهلنا، ونعلم من أمر رسول الله ما خفى علينا، وليعلموا معنا في دناهم ما يزدادون به في الله وعيا، ونزداد معهم منهم به إدراكا وسعيا، ونعرف منهم بهم ما يعرفون، ونشرف بهم فيما به يشرفون، ولكتب الله فينا فناء فيهم يقرأون.
إن رسول الله ما قصر وما ونى. فما أخفى شيئا بمجال من مجالاته، ولا في رسالة من رسالاته. قال للناس في رسالاته وفي بعثه في الرسالة الأخلاقية للعبودية في ذاته ومجالاته: أنتم إلى مغادرة لهذه الأرض على يقين، وأنتم إلى فناء في جلباب الأشياء كما تعلمون، فأنتم إلى عالم الروح منتهون، وليست الأشياء كما تنظرون، فأنتم إلى عالم الروح تنسبون، منه جئتم واليه تعودون، وإني وقد خلفت الله عليكم في أرضكم رسولا منه في قديم، والله هو السميع الباقي، والسيد العليم يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويحقق رجاء الراجي إذا ارتجاه، فهو لا مكان له، وهو من كل شيء قريب، وعلى كل شيء حفيظ.
فاليوم أفارقكم من دنيا أنا بها غريب، وقد خلفت الله عليكم وهو بيتي وعترتي، عليكم القائم القريب. وإذا كنت قد خلفت الله عليكم، وهو خالفي ومخلفي عليكم، فقد أصبح العلم عنه، والمعرفة به، والوجهة إليه، والقيام في صلته أمرا للكافة، إن شاءوا اختاروه، وإن شاءوا كفروه، فإن حقق لهم فيه ما شاءوا من رجاء عرَّفهم بما عرفوا، وهكذا كان الأنبياء، فلا نبوة من بعدي على مثال من قديم، وخير منها ما سيوافيكم به الله، بما يبرز بينكم من قائم رحيم، وعارف عليم، وإنه عليه لقادر كريم.
إن الله وقد هيأ للناس سبيل الصلة به بعد الرسول، استنفذت رسالات العبادات والتكاليف أغراضها بعد الذي جاء به النبيون، وتوجه ما جاء به محمد بصلاته وسلامه من منهج ومناسك، وقد جعل الله لكل أمة منسكا ومنهاجا، جمعها وأقرها وأحكمها وبينها فيما جاءت به الرسالة الجامعة، كتابا، وإقرارا، ورخصة، وحكمة، وسنة. وها هي الرسالة الإسلامية الروحية تكشف لكم عن الصلة بالله مرة أخرى… تكشف عن قيام الحق في وجودكم مرة أخرى تجديدا لدينه وتعاليمه عليه السلام، فإذا كان الأمر كذلك فقد صدق الرسول وأصبحت النبوة في غير حاجة إلى التواجد، وأصبح ظاهرا أن علماء أمته كأنبياء بني إسرائيل حقًا لأنهم يتذاكرون في لا إله إلا الله، وهي أفضل ما جاء به النبيون من قبله، وقد أصبح علماء أمته يقومون في معنى لا إله إلا الله، يدعون إليه ويعرفون به على بصيرة، فهم والأنبياء سواء، وقد تفتحت به عليه الصلوات للناس رحمة الله في سائر العوالم، وصدق إذ قال بكثيفه على لسان لطيفه إنه رحمة الله المهداة، وإنه حوض الحياة الموعود، ومدينة العرفان والنجاة المنشود.
فيه تفتحت للأرض كمالات معاني المعرفة بامتدادات قيامه شجرة للحياة طيبة، وقد تكفل الله أن يكون بين الناس الصادق الأمين، ووعد أنه مصطفيه منهم وباعثه فيهم من الصادقين، متقلبا في الساجدين القانتين، فيهم يخرج للناس وللكافة، وإن ذلك شرف مباح للناس أجمعين، إن شاءوا طلبوه وعملوا له، وإن اجتمعوا على طلبه عرفوه، فإن الله متعهده ما تعهدوه، وما استقاموا على مناسكهم فاتقوه، وما أدركوا معاني هذه المناسك على وجه سليم وطريق مستقيم فقصدوه.
هذا ما جاء به رسول الله وقبلة الصلوات والصلاة بما فرض من صلوات بالله لله، تلك أمة قد خلت لها ما كسبت، ولكم ما كسبتم. هذا قانون دورة الرسالة والرسول. وها قد انفضت سوق بل أسواق، وانقضت دنيا بأهلها، بل دنا لختام من ظلام وبدء من قيام. ها نحن في هذا العصر نستقبل جديدًا في الاتصال، ونستقبل جديدًا قديمًا في الوصال يتجدد به، ويظهر علينا فيه المتكاثر جديدًا من مثال وآل في صحاب وأمة وصال على ما وعد الله في كتاب إحاطته، وعلى ما بشر الرسول في سنته، وعلى ما قام الله في قديمه عن شرعته. فهل نحن على مثال من آباء استيقظوا فلبوا النداء؟ أم على مثال من آباء من مخالف من سلف أصموا الآذان، وتعثروا في أنفسهم مصرين على ما وجدوا عليه من قبلهم؟ … جحدوا وبقوا فيما كانوا عليه جمودا بلا روية وبلا إعمال للفكر أو احترام للنفس. هل تسلكون طريقكم للرحمة المدانية، والحقيقة المقاربة المواتية، والأنوار المشرقة، والحقائق المتواجدة، والمعاني المتدانية المتقاربة، والسماء المنشقة، والأرض الممتدة، فتستجيبون لنداء الله؟ أم ترون آباءكم على أمة وعلى آثارهم تقتفون؟
إنا هنا نلبي النداء من يوم الجمعة مكبرين مهللين، نرف مع الروح حيث رفت، ونعف عما عنه عفت.
لبيك اللهم لبيك. الله أكبر. الله أكبر.
إلا تنصروه فالله ناصره وجبريل وميكال والملائكة وصالح المؤمنين والله من بعد ذلك ظهيرا…
فإن الله بكل كلمة ظاهر ولها ظهير، وبها فاعل ولها معين، وإن الله في كل حق هو المنادي، وإن الحق في الناس منه فيهم هو الملبي، فما عرف الله إلا الله.
فاللهم اجعلنا بمحمد وآله من أهل التلبية، وأهل الاستقامة، ولا تجعلنا من أهل المعاندة وأهل الندامة، وباعد اللهم بيننا وبين اللوم والملامة، وارزقنا فيك الرحمة والسلامة، ويسر اللهم أمرنا، وقم منعما في قيامنا، وقوم بك جوارحنا، وأصلح بك أعمالنا.
اللهم به وبآله… أعلِ فينا وبنا ذكرك… وانشر فينا ومنا أمرك… واجعل اللهم منا لك عبادا ترضاهم، واجعل اللهم به وبآله لك بنا في الناس يدا ترعاهم، واجعل اللهم منا لك في الناس أحواضًا منك تورد، ووجوها لك بالحق تشهد، واهدنا اللهم واهدِ بنا، وأرشدنا اللهم وأرشد بنا، ووفقنا اللهم ووفق بنا، واغفر اللهم لنا واغفر بنا، واشفع اللهم لنا واشفع بنا. إنك سميع قريب مجيب للدعاء.
وأنزل بفضلك سكينتك على قلوبنا، وأمنك وسلامك على نفوسنا، ونورك ورحمتك على قلوبنا وعقولنا، وأحطنا اللهم بعنايتك، وتخللنا برحمتك حكامًا ومحكومين، أئمة ومأمومين، أربابا ومربوبين، دعاة ومدعوين، روادا ومرودين، آباء وبنين، ملبين وغافلين، طائعين وعاصين.
أضواء على الطريق
من هدي الكتاب:
-
{قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها. فولِ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره}[١]
-
{وفي أنفسكم أفلا تبصرون}[٢]
من هدي الرسول:
-
(القلب بيت الرب)[٣]
-
(انعكس بصري في بصيرتي فرأيت من ليس كمثله شيء)[٤]
-
(لم تسـعني أرضي ولا سـمائي، ووسـعني قلب عبدي المؤمن)[٥]. (حديث قدسي)
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة البقرة -١٤٤ ↩︎
سورة الذاريات -٢١ ↩︎
عبارة دارجة عند المتصوفة يذكرونها كحديث قدسي يتناغم مع الحديث القدسي (لم تسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن) الذي أخرجه أحمد بن حنبل في الزهد. ↩︎
حديث شريف يذكره الصوفية وبعض العلماء: لَيْلَةَ عُرِجَ بِي اِنْتَسَخَ بَصَرِي فِي بَصِيرَتِي، فَرَأَيْتُ اللهَ! رَأَيْتُهُ فِي صُورَةِ شَابٍّ أَمْرَدَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كَتِفِي، فَشَعُرْتُ بِبُرُودَتِهَا عَلَى ثَدْيِي، فَقَالَ: " يَا مُحَمَّدُ: أَلاَ تَرَى فِيمَا يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَى؟ " قُلْتُ: " أَنْتَ رَبِّي أَعْلَمُ، فَعَلَّمَنِي عِلْمَ الأَوَائِلِ وَالأَوَاخِرِ وَأُوتِيتُ ثَلاَثَ عُلُومٍ: عِلْمًا أُمِرْتُ بِتَبْلِيغِهِ، وَعِلْمًا خُيِّرْتُ فِي تَبْلِيغِهِ، وَعِلْمًا نُهِيتُ عَنْ تَبْلِيغِهِ، لأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُطِيقُهُ أَحَدٌ غَيْرِي". وهو حديث يوصف من جانب علماء الحديث بأنه موضوع. ↩︎
إشارة إلى الحديث القدسي: “لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن.” ذكره الغزالي في “إحياء علوم الدين”، وفي أدبيات المتصوفة. ↩︎