(٥)

أدب الطلب لله
دائم مع كل نفس في الحياة
وراء عبده ومصطفاه

حديث الجمعة

٢٣ ذو الحجة ١٣٧٩ هـ - ١٧ يونيو ١٩٦٠ م

اللهم إنا إليك نجأر، وبك نستعين. اللهم إنك أنت أنت كما أنت لا شيء معك، ولا وجود لسواك، اللهم فاهدنا فيمن هديت، وارحمنا فيمن رحمت، واكشف عنا الغطاء حتى نراك ونرى معنانا قائما في معناك. لا إله غيرك ولا عبد ولا معبود سواك. اللهم خلص قلوبنا إليك، وأصلح قوالبنا لعبوديتك، واجعل جنتنا في معرفتك ونارنا في الغفلة عنك. اللهم إنه لا مهتدي إلا من هديت، ولا مقصى إلا من أقصيت، ولا قريب إلا من قربت، ولا عارف إلا من عرفت، ولا عالم إلا من علمت، ولا حي إلا من أبقيت، ولا كريم إلا من إلى نفسك أضفت.

عباد الله… أواني الله… عوالم الله… خلائق الله… كراسي الله… عروش الله… وجوه الله… أشياء الله… أرجعوا إلى الله ما جاء من الله في معانيكم، وأرجعوا إلى الأرض ما جاء من الأرض من مبانيكم، وأرجعوا إلى النور ما جاء من النور من معارفكم وعقولكم، وأرجعوا إلى النار ما جاء من النار من نفوسكم ونزواتكم. أرجعوا إلى الحق ما جاء من الحق في حقائقكم. لا تنسبوا أنفسكم إلى ما نسبتكم إليه الآباء والأمهات على معارف الآباء والأمهات، إلا من رحم بفرض الرحمة. ولا تقفوا مع مبعوث قديمكم في قيامكم من تواجدكم دون تطويره إلى ما هو أسمى من ماضيكم وحاضركم. من فاته معنى الحق في قديمه فلم يكن بقديمه في الحاضر مرسلا كلمة الله ونورا منه، فليطمع في أن يكون في قابله مجددا متعاليا مرتقيا خالعا لثياب قدمه، وثياب حدوثه، وثياب جدته، حتى يصبغه الله بصبغته، ويطبعه بطابعه كلمة له في قابله.

اعتقدوا أن الله فعل ذلك في قديمه، وأن الله فاعله في قيوميته، وأن الله فاعله في بقائه وديموميته، وأن من تحقق له ذلك في القديم فهو المنادى المخاطب بالأب والآباء والآب. ومن تحقق له ذلك في قيومية الله فهو البيت المدانى الموضوع، وهو بيت الطواف والذكر المرفوع، وأن من آمن بذلك في قديم الإنسان، وبحث عنه في حاضر الإنسان، عليه أن لا ييأس منه في قابل الإنسان. فإن آدم من آدم نشأ، وآدم من آدم ينشأ، وأن كلمة الله التي ما كان قبلها وجود هي كلمة الله في حاضر الله، وهي كلمة الله في قابل الله.

إن تعدد الأكوان تعدد لكلمات الله، وإن كلمات الله في روح جامعة لكلمات الله، وإن روح الله الجامعة لكلمات الله ما هي إلا روح من أرواح من روح الله.

إن الله لا يدرك له بدء، وإن الله لا يوصف بانتهاء، وإن الله لا يتسمى بالأسماء، ولا يتقيد في الأشياء، ولا تخرج الأشياء منه، ولا تنفصل عنه، ولا تقوم بغيره.

كونوا في الله شيئاً تكونوا في الله حياة، وتكونوا في الله روحا، وتكونوا في الله كلمات، وتكونوا في الله أرواحا جامعة لكلمات الله، وتكونوا في الله إرادة من الله.

إن قلم الله الكاتب، وإن لوح الله المكتوب، وإن يد الله الممسكة بقلم كتابه، ليس شيئاً غيركم، وليس معنى غير معانيكم، وإنكم إذا ما رجعتم إلى الحق على ما يليق أن يوصف الحق، كنتم للحق حقائق، وكنتم في الخلق خلائق.

هذا ما جاءت به أديان السماء كما جاء به دين الفطرة، ودين الجزاء، ودين العطاء. إن الفطرة دين الأديان. وإن السماء والأرض في فاطر السماوات والأرض ثمرة من ثمرات الفطرة. وقانون الفطرة من هذا الفاطر اللانهائي في وجوده مفروض على الوعي معروف للحس.

إن الله معروف لكم بمعرفتكم لأنفسكم، مجهول عليكم بجهل أنفسكم عليكم، لا تجهلوا أنفسكم من الله، ولا تجاهلوا ذواتكم من الوجود من وجوده، ولا أرواحكم من الأرواح من روحه، ولا عقولكم من الأنوار من نوره، ولا سركم من الأسرار من سره، ولا ظهوركم من الظهور في الأشياء من ظهوره، ولا خفاءكم عنكم من الخفاء في عظمة غيبه.

إن الله هو الله على ما هو الله، وإن الوجود هو الوجود على ما هو الوجود، وإن الأشياء هي الأشياء على ما هي الأشياء في صمدانية لا بداية لها، وقيومية لا إدراك لها، وبقاء لا انتهاء له.

هذا هو الدين، وهذه هي العقيدة، على ما تقتضيه الفطرة لمن يفنى في فطرته من أحسن تقويم، ولم يدخل إلى زلته إلى أسفل سافلين.

إن الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً، وإنكم على عدم علمكم الشيء، قد سخر لكم الأشياء، وسخر لكم الآباء والأمهات، وسخر لكم النظم والمجتمعات، وسخر لكم الشعوب والحكومات، أطفالا لا تملكون شيئاً، وقد ملككم كل شيء، إذ لا تملكون شيئاً، وهذا لكم أحسن تقويم، فإن بقيتم في هذا إلى الله راكنين، ولله طالبين، وبالله موصولين، والله بكم قائم، ولكم عامل، ولأمركم مدبر، فما انزلقت بكم القدم، وما هديتم وبالبلاء وبالاختبار، وبالطريق استثنيتم، وجزيتم وخلصتم فأفلحتم ونجحتم… إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

لا تبحثوا عن الحقيقة في مجهول، ولا تقيدوها في معلوم، وابحثوا بمعلومكم في مجهولكم، وابحثوا بمعروفكم عن منزهكم، وابحثوا عن الحقيقة في أنفسكم {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}[١].

فإذا اتجهتم في أنفسكم صادقين وللحق في أنفسكم طالبين، تساقطت عن شجرة ذواتكم أوراق الخريف، ونبتت أوراق الربيع، فكنتم شجرة الله المورقة المتجددة المثمرة، المنتجة، المتصاعدة في السماء، المتواضعة في بطون الأرض، كلمة طيبة لله في الناس، أصلها من الناس، ومردها إلى الناس، ووجودها في الناس… كلمة لله تتصاعد غصونها في السماء فتشهد ما في السماء فاطر السماء، وتغوص جذورها في الأرض فتشهد ما في بطون الأرض، وما أودع فاطر الأرض، وفاطر السماء.

لا تجاهلوا المعروف فيكم. وأيضا لا تقيدوه في ظاهر ذواتكم ومبانيكم، فمعناكم من معناه نبت، ولمعناه تواجد، وفي معناه ينمو، وعن معناه يُعبِّر، وبمبناه يسعد، ولمعناه يفقد فيعرف الشقاء، وبمعناه يدرك فيدرك الرجاء والنعماء.

عباد الله… هل أنتم لغيره عبيد؟ إن كنتم لأنفسكم عبيدا فما أنتم له بعباد، وإن كنتم لبعضكم عبيدا فما أنتم له بعباد. إن عبوديتكم له هدف وغاية فلا تتخيلوها قائمة فتفقدوها موجودة. إن العبودية أمر خطير وخير وفير. لا ينتهي في الله خطرها، ولا يحصر في الله وفير نعمائها. إن نعمة الله على عباده لا تتوقف ولا تحد، وإن العبودية عند من أنعم عليهم الله لا ينتهي لها تحقيق في معراج فتتوقف عند مستوى من مستويات الإدراك.

إن عيسى عليه السلام عرف الربوبية في دائرة العبودية.

وإن محمدا عليه السلام عرف العبودية في دائرة الربوبية.

وإن الفطرة لترى العبودية والربوبية في دائرة الحقيقة اللانهائية.

ما كان العبد في عبوديته لربه إلا عبدا لرفيق أعلى في ربه.

ما كان العبد في دائرة العبودية لربه إلا عبدا لعبد من حقيقة ربه.

وما كان الرب ربا أعلى من رب من خلقه إلا هو مربوب من ربوبية أرقى من ربوبيته.

فمن عرف نفسه بالربوبية عرف نفسه مربوبا من الأعلى من الربوبية. فما رأى عيسى وهو في معاني الكلمة والرب نفسه ربا إلا ملحوقا مربوبا من ربه علاما للغيوب.

وما عرف محمد نفسه عبدا إلا ملحوقا برفيق أعلى من عبودية لربه.

فالعبد مسبوق بعبودية، والرب مسبوق بربوبية، والعبد ملحوق بعبودية، والرب ملحوق بربوبية، وما الرب إلا العبد في الحقيقة الكلية.

دين الفطرة:

هل عرف الناس خطر كلمة رسول الله (إن الإسلام دين الفطرة)[٢]؟

إن الإسلام دين الفطرة في قيامه إذا قام، ودين الفطرة في قديمه إذا بعث، ودين الفطرة في مستقبله إذا كمل، (دين الفطرة)… كلمة جامعة، وحقيقة دامغة، وقضية بالغة، وأمر نافذ، وحق ظاهر، وتنزيه متكبر.

إن الفطرة لا زمان لها، إن الفطرة لا مكان لها، إن الفطرة لا قوم لها، إن الفطرة لا جنسية لها، الفطرة دين الملائكة، الفطرة دين حقائق الله، الفطرة دين أوادم الله، الفطرة دين كلمات الله، الفطرة دين الروح من روح الله، الفطرة دين البشرية من خلق الله، الفطرة دين الإنسانية في إنسانية الله من إنسانية الله، الفطرة دين ما خلق الله، الفطرة دين الحيوان، الفطرة دين الجماد، الفطرة دين العقول، الفطرة دين النفوس، الفطرة دين الأرواح، الفطرة دين الذوات، الفطرة دين القدم، الفطرة دين البقاء والعدم، الفطرة دين الناس والبهم، الفطرة دين الطير والغنم، الفطرة هي فطرة كل شيء، الفطرة هي كتاب الله، الفطرة هي صبغة الله، الفطرة هي رحمة الله، الفطرة هي أمر الله، هي قانون الله، الفطرة هي كتاب الله.

هل عرف الناس الفطرة؟ هل عرف الناس دين الفطرة؟ هل عرف الناس كلمات الفطرة؟ هل عرف الناس سماء الفطرة؟ هل عرف الناس أشياء الفطرة؟ هل عرف الناس أوادم الفطرة؟ هل عرف الناس إنسانية الفطرة؟

الفطرة تشرق مع الشروق، الفطرة تغرب مع الغروب، الفطرة تبلغ مع الظهور، الفطرة تغيب مع الضمور، الفطرة هي أنتم، الفطرة هي القديم الذي خلقكم وأنشأكم، الفطرة هي آمالكم، الفطرة هي مستقبلكم، الفطرة هي جنتكم، الفطرة هي ناركم، الفطرة هي حسابكم، الفطرة هي جزاؤكم، الفطرة هي بلاؤكم.

هل عرف الناس ماذا عنى أنبياء بني إسرائيل، وماذا عنى الأثر من محمد، يوم قيل لهم إن آدم جاء من الهند؟ هل هناك ذات جاءت من الهند لرجل جاء من الهند؟ إن الأثر ما عنى بذلك، وإن أنبياء بني إسرائيل ما عنوا بذلك إلا أن دين الفطرة جاءهم مع شروق الشمس من الشرق، وما كانوا يعرفون إلا أن الهند هي أقصى الشرق، فإنهم يعنون تعاليم الفطرة… تعاليم آدم… تعاليم البشرية… تعاليم آباء الجنس من طبقات الجنس من قديم الجنس، تناقلت وتوارثت وتواصلت فوصلت إلى أواسط الأرض من منطقة الوحي، وجاءت عن طريق الوحي من الأرض كرجع ماء المطر من الأرض نزولا من السماء… ساقته الريح إلى بلد طيب.

إن رسالات السماء ما هي إلا ارتداد غمام الأرض، وقد تصاعد وجد في طلب الصعود مجافيا ما كان فيه من كثافة الوجود، فارتد إلى الأرض رذاذا من ماء تخلص من ملحه، ومن قبحه، ومن وطنه، في جديد من موطن.

إن الماء إذا اختلط به الملح واختلطت به قاذورات الأرض تطهر بالغليان، وصعد إلى بخار متكاثفا نقيا طاهرا مستساغا. وإن أهل الأرض في قديم لا تعرف بدايته، وإن كنا نعرف أن كل كثيف مبدؤه لطيف، تواجدت الأرض وأهلها، تواجدت الأرض وما عليها، وطورت الأرض وما عليها فصعدت بنقيها، واحتفظت بخبيثها، فتصاعدت أرواح الأنبياء في سماوات الأرض، طبقة بعد طبقة، وسماوات بعد سماوات، ومرتقى بعد مرتقى، حتى تواجد فيها غريزة الحنين إلى الأبناء، وغريزة الرحمة والدعاء، وغريزة العودة والرجاء، فبدأت رسالات السماء. وما رسل السماء إلا من نبات الأرض في قديم تواجدهم… ذهبوا إلى عليين، فلم تطب لهم عليون أرضا فيها بالله في أنفسهم يسعدون، عندما أفاقوا فتذكروا أنهم تركوا على الأرض أبناء من الغافلين، وما تركوا لهم إلا كل غث، وأخذوا معهم كل ثمين، فرأوا جزاء عليهم وعدلا من الله يقوم بهم أن يعودوا إلى المتخلفين، وليسوا إلا إياهم، وليسوا إلا معناهم، وليسوا إلا أبناءهم، وبذلك تواجدت رسالة السماء بعودة الآباء إلى الأبناء إلى هذه الأرض التي كانت أرضهم، والتي كانت يوما كرسيهم وعرشهم، والتي كانت وجودهم وبناءهم، والتي كانت هواهم وفؤادهم، فتخلصوا منها وهم بعد التخلص يعودون إليها في صور من صور أهلها من أبنائها، وهذا معنى (كلمة الله وروح منه)[٣].

إن سليمان كان كلمة الله، وإن داود كان كلمة الله، وإن موسى وهارون كانا كلمات لله، وإن محمدا ما كان إلا كلمة الله، وإن عليا ما كان إلا كلمة الله، وإن كل إمام ما صدق مع الله ما كان إلا كلمة لله، وإن راما شراكا ما كان إلا كلمة الله، وإن غاندي ما كان إلا كلمة الله، وإن بوذا ما كان إلا كلمة الله، وإن كونفوشيوس ما كان إلا كلمة لله، وإن نوحا ما كان إلا كلمة الله، وإن آدم ما كان إلا كلمة لله، وإن كل إنسان يصدق مع الله لا يكون إلا كلمة لله، وإن كل إنسان في وجوده في الله ما هو إلا نواة صالحة لأن تكون كلمة الله. من صلح فإنما يصلح لنفسه، ومن يخبث فما يخبث إلا بامتطائها إلى خبث الخبيث، وما علا إلا بامتطائها إلى العلو والرقي مدانيا الحق في مداناته لمعنى الحق في نفسه.

إن الإنسان الواقف من وقف مع قديم مهما صلح، ومن وقف مع حاضر مهما استقام. إن الله اللانهائي لا يقبل الوقوف ويرى في الوقوف الموت، وفي الحركة الحياة.

إن الذي يهتز ويترنم في الله، يهتز ويترنم في الله على دوام في الله. من أنهى الصلاة عنده فقد توقف، ومن توقف فقد مات، ومن مات فقد عدم، ومن عدم فقد هلك، ومن هلك فلا وجود له.

أما من ترنم بالله وفي الله فاهتز طربا في الله، وتواجدا في الله، وحبا وعشقا في الله، وقياما وعملا في الله، ومن اهتز وطرب في الله، فقد حيا، وقد تحرك، ومن تحرك فقد حيا، ومن حيا فقد سار، ومن سار فقد وصل، ومن وصل فقد بقي وتقدس وجوده، ومن تقدس وجوده وتبارك وجوده فقد تأبدت ذاته، ومن تأبدت ذاته فقد تأزلت صفاته، ومن تأزلت صفاته فقد وجد، ومن وجد لا يموت، ومن لا يموت لا يعدم، ومن لا يعدم لا يهلك، ومن لا يهلك لا يفنى.

عباد الله… اذكروا الله في أنفسكم. إن القلب لينبض، وإن العقل ليشرق، وإن النفس لتحس، وإن الحياة فيكم فلا تفقدوها. وإنكم إن لم تجددوها فقد أوقفتموها، وإنكم إن أوقفتموها فقد جمدتموها، وما ذاتكم جددتموها، فقد أعدمتموها، وإن أعدمتموها فقد هلكتم. لا بد أن ينتهي يومكم إلى جديد في مسائكم، ولا بد أن ينتهي ليلكم إلى جديد في نهاركم. من لم يجدد في ليله فما سكن، وما انتفع في سكون الله. ومن لم يجدد ليله في نهاره ما حيا، وما انتفع بنشور النهار وشروق فجر الله، وحرارة شمس الله.

لا بد أن يتزايد الإنسان في يومه وفي ليله سكونا مع الله، وعملا باسم الله، وانتشارا بأمر الله، وترنما بحقيقة الحياة، والإنسان إلى الحياة أو إلى العدم. إن هذا النوع من القيام الذي تقومونه على تفاهته وشدة تفاهته بين عوالم الوجود في وجود الله، إلا أنه أخطر قيام خلقه الله لأنه أسفل قيام أوجده الله، ولأنه أظلم قيام خلقه الله، ولكن فيه سر بدء الأنانية بالحياة.

الإنسان كتلة من التحجب عن الله، في هذا القيام ظلام دامس متكاثف ليس فيه إلا نار، إلا بصيص، إلا رذاذ، إلا تافه، إلا خامد من نار في رماد. فإن أنتم نفضتم هذا الرماد عن هذه الجذوة المكبوتة المردومة في رماد وتراب هذا التواجد، فكشفتم عنها الغطاء، وفتحتم لها باب النمو، وفتحتم لها باب الحياة، فتحتم لها باب التنفس، فتحتم لها باب الشهيق والزفير، باب التجمع والانفراد، باب الفرد والنفير، باب التوقف والمسير. إن فعلتم ذلك فقد أحييتم أنفسكم بما أوجد الله فيكم من أسرار الحياة، وفارقتم الخمول والعدم بما غلفكم به الله من أسرار العدم وأسرار الظلام.

هذه هي أمانة الله تحملونها، فهلا رجعتم إلى الله؟

هلا تهيأتم لطلب الله؟هلا تهيأتم للتفكير في الله؟

هلا تهيأتم للذكر في الله؟هلا تهيأتم للتأمل في الله؟

هلا تهيأتم للبحث عن الله؟

إنكم تتهيأون للبحث عن المال، عن الذهب، عن السلطان، عن الجاه، ولا تتهيأون للبحث عن الحقيقة. إن البحث عن الحقيقة لا يكون إلا في أعماقكم. إن الحياة لا تكون إلا نبعا من قلوبكم. إن الله لا يتواجد إلا بدءا من تواجده في تواجدكم لأنفسكم. إن الله لا بداية له إلا ما بدأتم، وإن الله لا نهاية له إلا ما إليه أنتم انتهيتم، إن انتهيتم إليه طلبا فقد بدأ، وإن أنهيتم نفوسكم مستقلة عنه فقد انتهى الشيطان وقد انتهى الظلام.

هذا هو الدين على ما يجب أن يعرف الدين، وهذا هو الحق على ما يليق أن يعرف به الحق، فهل استقام الناس؟ هل عرف الناس أنبياءهم؟ هل عرف الناس حقائقهم؟ هل عرف الناس أوادمهم؟ هل عرف الناس ملائكيتهم؟ هل عرف الناس إبليسيتهم؟ هل عرف الناس شيطانيتهم؟ هل عرف الناس رحمانيتهم؟ هل عرف الناس كتاب الله في كتابهم يقرأونه؟ هل قرأوا أنفسهم؟ هل قرأوا أناجيل صدورهم؟ هل قرأوا كتب إيمانهم؟ هل قرأوا كتب صدورهم؟

إن الناس يحرفون كلام الله عن مواضعه، ويحرفون الفطرة عن مواضعها، ويحرفون أنفسهم إلى غير ما خلقها الله له، وينحرفون بطريقهم إلى غير ما أبدعهم الله إليه، حتى إذا ما جاء حق من الحق على لسان من بينهم، وأنه الحق مثل ما أنهم ينطقون، جافوا الحق الذي يشهدون، وجافوا الحق الذي يذكرهم بالحق في أنفسهم وما يدركون، يطيب لهم الحق على ما يصفون، ويعرفونه على ما يتصفون، ولا يقبلونه على ما يبلغون، وعلى ما يدركون، وعلى ما يكشفون، فسبحان الله وتعالى عما يصفون… له الأمر، وله الخلق، وله التدبير فيما يدبرون، وله الأمر كله فيما يأتمرون، وله المكر الخير فيما يمكرون، والمكر جميعا له، وهو خير الماكرين، فما مكر الله بهم إلا لخيرهم، وما مكروا بالله إلا لضرهم… فسبحان الله، تبارك الله، عز وجل الله، ما أكرمه، ما أحلمه، ما أقربه، ما أعرفه، ما أبلجه، ما أعلاه، ما أعذبه.

عباد الله… اذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون، واسألوا تجابوا، واطرقوا بابه يفتح لكم وتفتحون، واسلكوا طريقه مستقيما فستهتدون، وله الأمر كله ما تشاؤون وما لا تشاؤون.

اللهم ولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا، وعافنا من إقامة عدلك فينا، وعاملنا بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم عاملنا بما أنت له أهل، ولا تعاملنا بما نحن له أهل، اللهم احفظنا فيما تحب وترضى، ويسر لنا ما تحب وترضى ممن أحببت ورضيت، اللهم عافنا واعف عنا، واغفر لنا وارحمنا، وخذ بيدنا واهدنا حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، هداة ومهتدين، أئمة وسالكين ومقتدين، مسلمين وغافلين.

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

قال ابن عربي:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي… إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

وقد صار قلبي قابلا كل صورة… فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف… وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت… ركائبه فالحب ديني وإيماني

وقال قائل:

بيني وبينك إني تنازعني فارفع بفضلك إني من البين[٤].

وقال تعالى:

{أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت}[٥]

{ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}[٦]

{وهو معكم أين ما كنتم}[٧]

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الذاريات -٢١ ↩︎

  2. إشارة إلى الآية الكريمة {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} والحديث الشريف: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ. صحيح ابن حبان. كما أخرجه البخاري ومسلم مطولا. ↩︎

  3. استلهاما من {إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} سورة النساء - ١٧١ ↩︎

  4. من أبيات شعر للحلاج ↩︎

  5. سورة الرعد -٣٣ ↩︎

  6. سورة ق - ١٦ ↩︎

  7. سورة الحديد - ٤ ↩︎