(٤)

مقدمة
عن الإسلام والمسلمين

إذا ذكر لفظ الإسلام ذَكر الناس رسالة التبليغ والهدى التي صدرت عن الهيكل الرسولي المصطلح على عنونته بمحمد - معه السلام وبه الصلوات. والحقيقة أن محمدا قد جدد تعاليم الإسلام وهديه ولم يكن رسول نشأته، وإن كان بجديد ذاته بعث رسول نشأته في الهيكل الرسولي لآدم بدئه.

إن كل رسالة هي وعي مؤسسها واستقامته، ودرجة تطوره في سبيل الترقي الذاتي والعروج اللانهائي ممثلا فيما صدر عنه من قول، وروي عنه من فعل، وترك عنه من أثر.

ودوام الرسالة في دوام رسولها متكاثرا، وسلامتها في سلامة بيئتها في الوعي لما هديت إليه ومثالية المعنى لذلك، ونقيضه آخر ما قام في بيئة الشعب المختار من سلالة آدم، وممن حمل مع نوح، ومن ذرية إبراهيم. ختمها الكلمة في هيكله الرسولي عيسى بن مريم على مثال من سبقه. باصطفاء لآدم وبنيه لم يذكر التبليغ هذا الآدم وملاحقيه من كلماته ولا مواطنهم إلا بالإشارة.

جاء رسول الفطرة وبعثها آدم عباد، ومصطفى غيب، وروح قدس، ومثالية للناس كافة، ليكونوا شعوبا تختار، وإنسانية تتحقق مع كلمات منه تتتابع، به يجتمع الجنس على حقيقة، وفيه يتفرق على مراتب…

ولكن بيئة محمد اختلفت على الإيمان بتكاثره بينهم وامتداده فيهم من صدر الرسالة، ففقدوا بذلك دوامها حية عاملة سليمة، وأعمتهم الدنيا بإقبالها عليهم عن الآخرة بإدبارها عنهم، في أعقاب احتجاب الهيكل الأول للرسول عن نواظرهم مواصلا ظهوره في أهل بصائرهم… ففقدوا بذلك سلامة البيئة المصلحة، وارتدوا إلى بيئة جاهليتهم وإن زعموا بقاءهم على جدتهم حتى اختفت معالم الدين الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، باختفاء رب البيت عن النظر والخاطر، بغيبة الرسول وآله عن مجتمعهم. وبقيت جدران البيت -علما على ربه وآله- أثرا بعد عين يدور حوله الناس لا بعتيق مطوفين، ويتواجد به الناس لا إليه حاجين ولا به معتمرين، على مثال من آباء في الغابرين فعلوا فعلهم، ورأوا رأيهم قبل أن يأتي ربه، وأن يطوف به عبده… فلا السفينة يركبون، ولا المدينة يدخلون.

إن الإسلام المجدد لدين الفطرة الأزلي متجدد مع تجديد الخالق لخلقه… يفسد بفسادهم، ويصلح بصلاحهم. العقل أصله، واليسر منهجه، والتطور سبيله، والحب سياجه، والعمل الصالح موائده، والإيثار مغنمه، والأثرة مغرمه. فرده جمعه، وجمعه فرده. جماعته غير مضيعة بظالم، وحاكمه في أمن من عدله بأمته. شعائره السلام، ومناسكه الوئام، وصلاته الالتئام، ومعصيته الفرقة والاختصام. جنته في وحدته، وناره في فرقته، ساعته في الاجتماع على علمه، وقيامته في الكشف عن معلومه، وبعثه بكشف الغطاء عن ملكوت معناه لعين مبناه.

لقد غاب الإسلام دين الرسالة والكتاب بغيبة القائمين به، المقيمين له من صدر الرسالة والبلاغ - إلا من رحم- وبقي الإسلام دين الفطرة مع بقاء العقل ودوام الفضل بأزلي الأصل.

يتعثر الكثيرون من الإخوان في فهم ما نقدم لهم من معرفة، كما يتعذر عليهم تتبع ألفاظ الأداء، ولهم عذرهم، إذ أصبح الإسلام غريبا على أفهامهم بما تناقلوا وتوارثوا من عقائد، وما تلقوا من معارف بعيدة كل البعد عنه. وأصبحت الألفاظ المؤدية غريبة على أسماعهم بما حرفوا عن مواضعه من كلام الله ورسوله في متابعة المحرفين في ثياب الأئمة المجتهدين، ووهم وزعم المريدين الطارقين المجاهدين لأنفسهم من المؤمنين.

إذا كانت المعرفة التي يقدمها المعلم هي ما يعرف المتعلم، فأين هو التعليم؟ وإذا لم تكن المعرفة عن المعلم على نقيض من أوهام المتعلم فأين الإيمان؟ وإذا كان ما يقدمه المعلم داخل في طاقة المتعلم فأين الاقتداء؟ وأين التميز والتفاضل والتتابع؟ وكيف يقوم المجتهد ويتعين المتابع؟

إن قيادة المعلم لمجتمعه تقتضيه السير فيما يعمل به على خطو الصغير والضعيف فيه، ولكن ليس ما يعمل به هو التعريف عما يعرف عنه… فإن إفاضته بعلمه ورحمته تقتضيه البذل والتعريف على طاقة أرفع مستويات مجتمعه ليزرع فيه، ويظهر منه تكاثره، ويكشف لمفردات المجتمع عن عمد بنائه. وإذا كان هذا أدب المعلم فأدب المتعلم ألا يطلب أن يكون السير في حدود خطوه، والمعرفة في حدود علمه، والعلم في حدود عقله، فليس هو عنوان للجماعة أو المثل الأعلى لها، وليس هو قدوتها، وليس هو أملها. كما أنه ليس له أن يطلب قصر المعلم عليه بمطالبته أن يكون في سيره وتعريفه في حدود ما يطيق، وما يتقبل له وعيه… فليس المعلم في حضرة المتعلم في أحاديثه العامة والخاصة، ولكن المتعلم سعيد أو شقي بمجلسه في حضرة المعلم. ومن أدب المتعلم أن لا يرهق نفسه بما لا تطيق في خطوه وسيره، وينتظر الجماعة فيعرف زملاءه من مستواه، فمعهم يتناجى ويتناصح بالحق، وليعرف المتقدمين عليه فعنهم ينتصح ولهم لا ينصح. وليتأمل الملتصقين بالمعلم ليرى ويطالع مظاهر قضايا الحق في الخلق. وليس من أدب المتعلم أن يضع المعلم في دائرة وعيه، أو دائرة تمكينه، أو دائرة اختباره له، بل عليه أن يتخذه من الجماعة مجال تأمله يراها له ربا ومعلما في وحدتها ماثلة في معلمه، وليس لفرد منها أن يكون معلما مع المعلم مهما سما وعيه، وبدت كرامته. فالمعلم في جماعته لا يتعدد بوصفه وإن تعدد بوجوده في عددها وامتدادها ومددها. وليقف جاهدا عند طاقته غابطا دائبا لا قانطا ولا حاسدا، ومقرا عاملا لا متكبرا أو منكرا… سائلا الله الطاقة لما رأى لا مغاضبا فيما قضى… ملتئما مع الجمع لا مفترقا ولا فارقا مفرقا.

وليس معلما من أراد بتعليمه مرادا من دنيا، أو مقابلا من ثناء، أو مرضيا من ولاء، أو مقبولا من جزاء. وليس معلما من قام علمه على التعريف عن نفسه فاضلا لا يفضل، سابقا لا يسبق، أو دار علمه على العلمية على الحقيقة في اسمه ورسمه دون من يدعوهم إليها، ودون باطنه وباطنهم بها قائم، أو قام فعله ومسلكه كاشفا عن احتجابها عنه في الناس، وفيمن يدعو من الناس، أو قامت دعوته إلى الحقيقة بعيدة عن دعوتهم إليها في أنفسهم.

فالمأجورون للدين ليسوا بمعلمين، ولكنهم إن فقهوا للفقه مدرسين وإن صدقوا رواة ناقلين، لا يكون لهم بقولهم شرف القدوة للمقتدين، ولا يكون لهم بوصف احترافهم شرف المرآة للمؤمنين، وإن جاز أن يكون لبعضهم بعملهم ذلك إن كان أهلا ومحلا له بمجاهدته وتقواه فردا من جماعة المسلمين.

وكذلك المستغلون لاسم الطريق، أو النفعيون الملتصقون لوضعها بزعمهم، ليسوا بمعلمين ولا عمالا لأرواح معلمين، فليسوا محلا للمثل الأعلى لله، وليسوا مرآة للمؤاخاة تجتلي.

إنما المعلم من علمه الله في مدرسة تقواه… وأخرجه للناس حبيبا إلى الناس بمحبة الله للناس ظاهر رحمة منه، وظاهر كتاب له، وظاهر علم به… باطنه قدرة الله بادية للقلوب، ماحية للذنوب، مفرجة للكروب، هاتكة للسر المحجوب عن القوالب في كنوز القلوب، تنكره القوالب وتعرفه القلوب.

فالإسلام الكتابي تعريف بالرسول معلما، وعن ربه متعلما، وبالحق قائما علما على مطلقه من الوجود، ومعلما وعلما عما وراء الشهود علما متكاثرا، ومعلوما عالما. والمسلمون من لبوا النداء متابعين -وقليل ما هم- أو سمعوا عنه مجاهدين وقليلا ما تراهم.

أما الإسلام بعثا للفطرة فهو تعريف بقدسية الوجود، علما على الأقدس من وجود موجد لا يتناهى تجليه بالجديد، ولا يدرك في قديمه بتعديد… قريب من الموجودات قربا لا يتناهى حتى تطور في تطور الكائنات، وارتقى في رقي الموجودات، واحتجب بجديد الوجود عن قديمه.

من هذا النظر وعن هذا الفيض تصدر هذه الأحاديث التي يتجدد بها الدين تجديدا، ويظهر به جمال العقائد، وتستقيم به معالم الطريق للطارق، وتفتح به الأبواب لصاحب عقيدة أو طالبها.

إن الله ورسوله دواما معنا، وإن كلمته لمعنانا فيهما. إن الله ورسوله وعبده علمٌ وعالِم ومَعلوم لا وجود لهم في خيال عن رواية لراوٍ لما يروي عنه.

إن الله ورسوله وجود وحقيقة محلها المؤمن والكافر والعاصي والطائع. إن الله ورسوله سر الحياة وشرفها وظاهر الإنسان وحقيقته. إن الله ورسوله في كل دين، وفي كل عقيدة، وفي كل علم، وعند كل أمة، وفي كل زمان، وفي كل مكان، لا يستقل الإنسان بوجوده عن وجودهما، ولا يستقيم له أمر بعيدا عن أمرهما، علم أو لم يعلم، استقام بأمره لأمرهما أم لم يستقم. إنه منهما وإليهما ولهما. فإن أدرك ذلك فجنته، وإن جهله فمحنته، وإن قاومه فهلكته، وإن صالحه فعزته، وإن أحبه فحقيقته، وإن وحده فكلمته.

وها هو عالم الروح يقوم بيننا بما تجاهلناه من أمرنا، ويجدد لنا ما جفوناه من هدي رسوله في عديد صوره إلينا، لتستقيم إلى الحق وجهتنا، وتتجدد فينا إليه غايتنا، نفاذا لما جاء في كل بلاغ، ومصداقا لما بشر به كل هدي، وبيانا لما صدر به كل تكليف، وكشفا لما صدر عنه كل علم. وهو بالغ مراده من أمره في يسر. القدرة يده، والحكمة طريقه، والحلم جلبابه، والوجود ركابه، والأناة سنته، والرحمة شرعته.