(٣)
قامت الصلاة
أزلية دائمة
وسطى عارمة
إليك رسول الله روحا وذاتا ومعنى
إليك سيدي وجهتنا
وإليك سيدي ضراعتنا
لقد علمتنا ـ سيدي ـ دَوام حق الله متكلما وفاعلًا… مقيمًا وراحلًا… متكلمًا دواماً بعلم… وفاعلًا دواماً بحِلم…
علمتنا بنفسك تتكاثر منها أفضت الحكمة تحمل ثمار التجربة لك وفيما تشهد، وعنك وعما تعلم بجديد عن قديم لا يدرك عدده ولا ينتهي مظهره في حياة لا تتعطل، وتجربة لا تنقضي، واستزادة معرفة لا تتوقف. وبين فطرة به تقوم، وله تقيم… معلمك في العلماء، وهديك في الأتقياء، وسفورك في الأولياء.
علمتنا بهيكل بلاغك وبكل هيكل. علمتنا بطفولتك، وعلمتنا بفتوتك، وعلمتنا برجولتك، وعلمتنا بكهولتك، حيوات تجمعت في ذات لك، وتفرقت في تكاثر منك. علمتنا بحياتك كما علمتنا أضعافا باحتجابك، وضاعفت معارفنا من حجابك متعددا بما أقمت من جلبابك متجددا.
علمتنا رخاء الحياة كما نراها معك، وعلمتنا في بؤس الحياة كما نشهدها عنك. علمتنا وأنت تحت الناس وسلطانهم كما نزعم، وعلمتنا وأنت فوق الناس تحت سلطانك كلما ترحم.
علمتنا كيف تتصرف مكلفا، وكيف تتصرف مختارا، وكيف تتجه عالما بمسالك الطريق، وكيف تتجه متحسسا في حجابك عن الطريق… وأنت نعم الطارق وأقوم الطريق… وأنت الحاجب والمحجوب.
علمتنا كيف نفرق بين الوعي والغريزة مميزين، وكيف نؤلف بينهما ناصحين مجاهدين، وكيف نراهما فيهما موحدين، وكيف نقومهما سالكين، وكيف نجيبهما متصلين، وكيف نعبدهما موصولين. علمتنا متعلما لنكون دواما متعلمين. وعلمتنا معلما لنكون بك معلمين. وقبلت منا متعلما ليبقي منا متعلمين. وترفعت علينا معلما لنحيا بك بالعلم مترفعين. انعزلت عنا بعظمتك لتبرز لنا نعمة الله. واندمجت بنا بخليقتك لتبشر لنا مِنَّة الله. عبَّدت نفسك لربك معك لنتابعك إليه معنا معبدين. وكشفت الحق منه بك لنا موحدا لنكون معكما موحدين، ولكما عاشقين. وعرفت الله غاية تطلب هي من ورائكما غيبا محيطا لنكون له بكما طالبين. عرفت ربك القديم قبل الأزل، وأنت من أزل له الجديد بلا بدء، فأنتما لنا السبق بلا بداية، ونحن لكما اللحاق بلا نهاية، والله من ورائكما ومن ورائنا منكما الغيب المحيط. بكما غيبا لنا نؤمن به لكما نؤمن بكما، وبه غيبا ومشاهدين وبأحدكما نراكما بنا، وخلوا منكما نرى الفناء، وندخل في الفانين. وبوهب معنانا وتسخير مبنانا نرى البقاء وندخل في الباقين، مشهود لنا ربنا وهادينا، غيب منزه موجود إلهنا وبانينا. أنتما معنا الأب والأم ما بكم حيينا، ونحن لكما الأبناء والعين ما إليكم أووينا.
سيدي رسول الله وعلم الحق منه وعلم الحق فينا…
لقد حمَّلت قولك وفعلك وخبرك للحكماء وللهادين، كما حمَّلته قبلا نبيا للنبيين، ثم جددت بين الناس وجهك وأثرك في العالمين، وعلمت من تعلم عنك مقتفيا، كما أسفرت لمن طلبك دنفا، ولم يصدف عن حقك من حقك دلفا. فأفاد الناس منك سيدي رحمة الله للعالمين، وأفادوا بك كل طالب لرحمته، وأفاضوا منك سلاما لكل مسلم من نعمته، وواصلت الحياة ركبها من حضرة للخلق إلى حضرة للحق، قليل الشكور، والكل بك في الغفور.
وها نحن اليوم نفتقد الشكور، ونرتجي الغفور، ونحن أحوج ما نكون لشفاعة الشاكرين، وصحبة المستغفرين. لقد تطلعت نفوسنا إلى قوائم عرش ربك نرتقيه، واستعلى سلطانها على ضعفه بوهم سلطانه على الكون نمليه.
وأنت رحمة الله للعالمين، حَتّام تبقي في قيود رحمتك من الحكمة الشاملة والرحمة الأزلية الكاملة، مكتفيا بسبحك الطويل في نهار وجودك، كاشحا الوجه عن نافلة موجودك وبعث محمودك؟
ألم تخاطبه يا سيدي بيننا يوما: إن تهلك هذه العصبة اليوم، لا تعبد في الأرض[١]، فأجاب لك السؤل وحقق لقومك النصر؟ جادل سيدي عنا فقد فتح علينا ما منه حذرنا، وبه أوعدنا فتح أبواب كل شيء، وما خرج الشيء عن سلطانه، وما خرج فتح أبواب كل شيء عن إحسانه، فليكن هذا لنا لا علينا بغلبة رحمته بها لنا وعد، وليرد عنا غضبته بشفاعتكم وأنتم رحمته، بكم لها بيننا أوجد… وما كان ليعذبنا وأنت فينا، وما كان ليعذبنا وأنت تستغفر لنا مستغفرين.
سيدي إلامَ يجلس هؤلاء الحمقى في مشارق الأرض ومغاربها على الكراسي باسم الإرادة؟ وإلامَ تبقى العصى في أيديهم وهم الصبية باسم القيادة؟ وحَتّامَ يقرأ الناس أهواءهم باسم التنزيل؟ ويضطرب جمعهم باسم الترتيل؟ ويفقدون الحياة باسم الحي القيوم؟ ويزرعون الفتك والخصام باسم المحبة والسلام؟
سيدي دوام حق الله ورسوله
إن الناس ينتظرون سماع صوتك بينهم.
(ها أنذا رسول الله بينكم)، وإن لم يكن بعيدا عن حبيب، ولكن مضطربا مبلبلا ينتظره وهم كثير، وحائرا ضالا يفتقره، وهم أكثر.
طأها سيدي كما رخص لك لتبقى عليها للحياة. لا تذرهم طغاة مهلكين لقلوبهم والبيوت، وأنت المشرع {ولكم في القصاص حياة}[٢]. ناصر عباد الحق منك وأنت جماعهم، على عباد الشيطان منا وأنت انقطاعهم.
سيدي جماع الكلمات وروح الآيات… جدد في الناس صيحتك، وارفع الستر السوداء عن قبلتك، وأعلِ كلمة الله منك، انشر بها في الناس روح أمره بينهم، وأشرق بها بحقك، واجعل من يوم للناس يومك بعثت، وساعتهم لربك منتهاها، فما عرفوك وما طلبوه، وما تابعوك وما اتقوه إلا من رحمتم، وعن ظلام النفوس حجبتم، ومن ظلمها استخلصتم، على نصيب بقضاء من غفلة، وموهوب من يقظة. وقليل الشكور والناس بك في الغفور.
سيدي روح قدس الله… اغفر جرأتنا، وتجاوز عن زلتنا، فقد دفعنا للجرأة دالة، فما قلنا إلا ما نعلم أنك تحب وتعلم، بل نراك له أحب وبه أعلم، وأمرك فيه أقوم وأحكم. ولكن لعلَ مستمعا للحديث يستيقظ، أو منتفعا به يوقظ. أما زلتنا فإنا نأتيها مستشفعين بما يحتويها، من رجاء ارتفع بك فينا إلى موجود برحب جودك من جوده بأنا منك وإليك، وأنك منا وإلينا بوحدانية موجودك من موجوده، قولا وفعلا وكينونة واسما ورسما، لعل طالبا مجتهدا لك يتابع، أو بصيرا مرتفعا بك يطالع.
إليك منا من الله الصلاة، وإلينا منك من الله الصلاة صلاة لله… وصلاة من الله ما كان الله، وما كانت منه وإليه صلة وصلاة، وما كشف بفضله في الوجود للجود عن معناه.