(١)
لا إله إلا الله
تُبعث برمضان أُمتها لشهر دورتها
براشد إنسانيتها لرسول الدهر بروح العصر
حديث الجمعة
١٤ رمضان ١٣٨٧ هـ - ١٥ ديسمبر ١٩٦٧ م
الحمد لله… حمدًا يبديه منا قائما بلا انتهاء، ويبدأه بنا موصولا بلا ابتداء.
حمدا منه يصدر عنه ويعود إليه…
محمودا حامدا، وأحمدا محمدا… موجودا متواجدا، ووجودا موجِدا… جماع الخالق والمخلوق، والموجِد والموجود.
يُوجِد بتجليه، ويحقق بوحدانيته… لا يُعرَف حقه لعارِفه، إلا إذا صار معروفه عين عارفه، وعارفه عين معروفه، في قائم وحدانيته لا شريك له.
العِلم والمعرفة والدين في توحيده، يوم تتوحد القلوب على ذكره، وتتوحد النفوس على أمره، وتتوحد العقول على حكمته، وتتوحد الأرواح في مطلق قيامه.
يتقيد لموصوف خلقه، ويتحرر لموصوف حقه، ويتنزه لموصوف إطلاقه، ويظهر لمطلق وجوده. يقومه قائمه لموصوف عبده، ويذكره أعلاه ورفيقا لقيامه لموصوف ربه، ويُكبره عن نفسه وعن الأعلى لموصوف غيبه لمعنى إلهه.
هو الوجود الذي يُعبَد ولا يُعبَد، ويَعبد ولا يَعبد، يُعرَف ولا يُعرف، ويَعْرِف ولا يَعْرِف، يوصل ولا يوصل، ويتصل ولا يتصل، يقوم ولا يقوم، ويظهر ولا يظهر، يُحَب ولا يحب، ويحِب ولا يحِب، ويتعارف ولا يتعارف.
هذه هي لا إله إلا الله يوم تشهدونها… وأنتم ترددونها بلا شهود، وتنطقونها بلا وجود، ويوم تتواجدونها حقا تشهدونها، ويوم تتواجدونها وتقومونها لا تنطقونها، فأنتم بقائمكم نطقها وقيامها وحقها وأمتها، وأعلامها، وعِلمها، وعلامَها، فهل أنتم بها كذلك؟
ها أنتم أمة لا إله إلا الله برسولها في شهركم شهرا لها.
يعرف رسول الله شهر الصيام بأنه شهر الأمة، فهل هذا شهركم حقيقة؟ هل صمتم عن غير الله ورسوله؟ هل أفطرتم في وجودكـم لوجوده؟ هل تبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من نفوسكم، من فجر عقولكم؟ هل حرمتم على أنفسكم ذكر غيره… حُب غيره… استمداد غيره… اللجوء لغيره؟ هل صمتم عن خدعة النفس بين جوانحكم - أعدى أعدائكم - فتواددتم بينكم وجوه الله، وتحاببتم إليكم أعلام الله، وتواصت قلوبكم حبه ووده بيوت الله؟ هل نارت عقولكم بحكمته فكان حديثها حديث الله، ووعيها وما تذكر كتاب الله، وقيامها وما تقوم وجود الله، واجب الوجود لوجودها بتوحيده، عَلم وجوده، في واسعه لمطلقه بتنزيهه بموجودها لأعلامه بعباده في مقيدها حروف كتابه، وكتاب المطلق لعقولها، عقولا متحررة، متفكرة، متذكرة، متواصية منها فيها لعليها؟ هل عرفتم بينكم من بُعث بذلك فاقتديتموه متابعين لتكونوا كذلك؟
هل مُد منكم أيديكم؟ هل سَعت إليكم أرجلكم فيكم؟ هل انعكست إليكم أبصاركم؟ هل استمعت آذانكم لوجيب قلوبكم؟ هل تجمعت للصلاة خلاياكم وقد عرفت قبلتها في وجودها لموجودها بمعناها فيكم، فاتجهت إلى قلبها اتجاها إلى قلوبكم، قياما للناس لقائم الله، لا إله ولا ناس، لا ناس ولا إله، إن الناس هم الله، وإن الله هو الناس، فذكرتم اسمه لكم (اللهم)؟ هل عرفتم أن (اللهم) إنما هو اسمكم، وحقكم ووجودكم؟ إن هذا كان للصالحين منكم، فهل للصلاح والصالحين طلبتم، وبهم عبادا للرحمن آمنتم؟ ومثاليتهم لاقتدائكم قبلتم؟ أم أنكم حول الطغاة تحلقتم؟ وبالطغيان أعجبتم وخنعتم؟ هل صرتم بما هديتم، وإليه وجهتم أمة… أمة خير… أمته الخير… أمـة تدعو إلى الخير وتقوم الخير والله هو الخير؟ ينبع الخير من أهل الخير، فهل نبع الخير منكم؟ هل فاض الخير عنكم؟ هل تجمعتم على الخير؟
محمد رسول الله والذين معه… محمد رسول الله دائما، والذين معه في دوام… هو بذاته لا تبتر قياما للكوثر وامتدادا بحق لجوهر، في أمة جمع يعرف ويذكر، تتجدد ليتسع وينشر… محمد رسول الله قائما، وحوله الناس في سلام دائما… محمد رسول الله حقا، والناس به في حقيقته… محمد رسول الله، في معارجه، هو حق الله في مراقيه، وقائم الله في معانيه، عرفناه داعي الله واسم ذاته، يدعو أسماء صفاته… عَلم الله وملائكته… عَلم إنسان الله وحقائقه… عَلم المؤمن وظلاله… عَلم الحي وامتداد حاله… علم الوجود، وكل ما فيه به تواجد… حِلٌ بالبلد، قائم بوالد وما ولد، أحد في آحاد… عَلَم الأحد، قائم الأعلى لم يلد ولم يولد، إلى اللامعلوم، قائم الوجود إلى اللاموجود غيره، هو لنفسه بنفسه في نفسه وجوده وشهوده لا شريك له فيه، ولا شريك به لعاليه.
هل أفنيتم أنفسكم عنكم، إلى قلوبكم فيكم لمعية الحياة لكم، إلى قائم الحياة بكم، في قيوم الرفيق الأعلى لكم، أقرب إليكم من حبل الوريد، ومعكم أينما كنتم، ولم تشهدوه في مراياه بموجودكم لموجدكم في موجود الله لكم وبكم وللأعلى والأعلى لعاليكم في مراقيكم؟
هل ذكرتم ربكم في أنفسكم؟! هل ذكرتم الله رفيقكم والأعلى؟ هل ذكرتم الله معيتكم والأدنى؟ هل وحدتم بين المرسِل والرسول، فلم تفرقوا بين الله ورسوله، حتى لا تفرقوا بين الله وبينكم، يوم أنتم لا تفترقون لقائم الله لكم عن رسوله لبعثكم بقدوتكم؟
النبي أولى بكم منكم… النبي لكم من الأعلى عليكم… عين الأعلى وخله… عين الأعلى ورفيقه… عين الأعلى وصديقه… عين الأعلى استشهد عشقا له فيه… فمات شهيدا فحيا فبعث فشَهد، فبشهادته في مشاهده تكاثر، ففي ملاقيه وعارف به بعث فأشهد، فقام معلما لطالب علم فشُهد بمن شَهِد، عَلم وعَلِم… كُلم وكَلم… سَلِم فسَالم، وسَلم.
إن الرسول هو قائم الحق لكم، وهو بعينه قائم الحق فيكم، وما كان غيره، قائم الحق عليكم. شهدتموه وما شهدتموه، وذكرتموه وما ذكرتموه- إلا من رحم- ولو علمتم أنكم ما ذكرتموه لكان هذا ذكرا له منكم. ولو قدرتم أنكم ما علمتموه لكان هذا عِلما قام بكم، لو حصلتم لمعرفتكم أنكم ما أكبرتموه لكان هذا عظمة لكم… إنه هدية الله إليكم، ورحمته بكم، يوم تأخذون الهدية، وترتضون الرحمة عطية فتدفع عنكم، عقولا مشرقة، نفوسكم مظلمة قائم محنة وبلية، وتستبدلون بها نفوسا مشعلة راضية مرضية، نعمة وهدية.
ولتكن منكم أُمة، تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهي عن المنكر. ولتكن منكم أمة، تملك زمام رمضان، فتملك زمام الإحسان، فتحسن على ما أحسن إليها… ولتكن منكم أمة قيمة على الناس بقيام الملأ الأعلى عليها، لقائم روح الله محيطا شاملا لا أعلى ولا أدنى فيـه، ولا اتجاه إليه بمكان أو بزمان، ولا شريك له من طبيعة أو حيوان من إنسان، اللهم إلا الاتجاه إلى قبلته لبيته في قلوبكم لقوالبكم لقائم وقيوم الروح.
أمة تؤمن بالله، تعرفه فيها، وتعرفها له، وتعرفه فوقها… وتعرفه قبلها… وتعرفه بعدها… وتعرفها أسماءه… وتعرفها جماع أسمائه، في مسماها، بعَلَم الحق لكوثر وجهه إنسانا بينها، ورسولا من أنفسها، قائم الحق بها، وهي قائم وجماع الحق عنده. هي له وهو لها والله لهما وبإحاطته من ورائهما، لا يتخذ بعضها بعضا أربابا من دونه، وبه لها ولأئمتها تقوم فيه وجوها لوجوه بالله في الله لله.
هل ذكرتم أنفسكم بالحق وأنتم تذكرون رسولا من أنفسكم، وماذا تعنُون بأنفسكم، وماذا تعنون الرسول حقا لكم، وماذا يعنى القائم على كل نفس بذكره لأنفسكم، قائم نفسه لقيوم أنفسكم؟ إن الله لا نفس لـه، إلا أنفسكم في جماعها لمستواكم لقائمه وبجميع مستوياتكم لقيومه لا ينفصل قائمه بكم عن قيومه عليكم، ولا يفتر قيومه عن رعاية قائمه… إن الله لا تدبير له إلا ما يقيم بكم وفيكم وعليكم من حكمته بفعله بكم لكم… إن الله لا إرادة له إلا قائم إرادتكم به لقائم إرادته بكم… إن الله لا وجود له عند موجوده ومعروفه عندكم إلا ما تواجدتم فيه تواجدا به.
كيف يكون هناك له موجود فيه، وهو لا شريك له، لموصوف الموجود بوصف غيره؟ كيف تكون هناك إرادة مستقلة عن إرادته، والحاكمية في السماوات والأرض له ولرسوله والمؤمنين، بلا فرق أو تفريق بينهم؟ والحاكمية في أعماق أنفسكم له، نبضات قلوبكم بالحياة له تعبر عن وصفه بالحياة بكم لموصوفه بالإنسان لكم… ضربات قلوبكم به تنطق بوجوده لموجوده بكم ومعروفه عندكم… وجيب قلوبكم بترديد ذكره يثير شجون وعواطف الشوق في العبد لكم لمعاني الحياة فيكم لمعنى الرب لقيومها عليكم… تتجاوبون باسم العبد والـرب، في خلجات نفوسكم، في لمحات الاتصال بين قلوبكم وعقولكم، بومضات أنواركم صادرة عنكم، في سكتة وحركة مشاعركم.
الجهل والعلم لمؤمنكم في معنى ليلكم ونهاركم، والوصول والقطيعة في معنى يقظة عقولكم وقلوبكم، وغفلتها عنكم عقولكم تؤمن بخدعة النفس عن المعلوم بموهوم، يذكر بلفظ هو عند ذاكره أمر مجهول القيوم والمعنى!!
إن الناس يتساءلون، عندما يستيقظون من سكرة الموت.
من هو الله؟ من رسول الله؟ من يكون الأنا؟ من يكون الأنت؟ من يكون الهو؟ ما يكون الكون والوجود؟
إن الله وما يلحق به في حال الناس على ما هم بأبدانهم دون أرواحهم عند أنفسهم، إنما هو مجرد ألفاظ، لا شيئية لها، ولا واقعية لها، ولا واقع لها عندهم حسا أو عقلا. فلا موجود لها بهم، إنما هي لموجود بعيد عنهم.
إنها ألفاظ يعبر بها الإنسان، لنفسه، عن نفسه، عن خيالاته ليستريح من حيرته، يوم هو يتفكر قليلا في نفسه، ويحار في أمره، في طريقه إلى حقيقته.
هؤلاء هم المؤمنون! إنهم من لا يحارون! لقد انتهى عندهم كل شيء!! إنه لا إله إلا الله! أعلم أنه لا إله إلا الله! إنهم لا يحارون حيرة الرسول وجميع الرسل. لقد انتهت الحيرة، وجاءت الرسل بما قضى عليها… ما هي لا إله إلا الله؟ من هو الله؟ من هو القائل لا إله إلا الله؟ لمن يقول لا إله إلا الله؟ وبأي حق أو بأي وعي يقول لا إله إلا الله؟ لماذا حار آدم ولم يحر نوح من بعده؟ وكيف حار، ولماذا حار ولده محمد! هم طبعا فوق هذه المستويات! هـل عَلِم من يقول أعلم أنه لا إله إلا الله؟ هل علم هو أنه هو لا إله إلا الله؟ هل شهد أنه هو لا إله إلا الله يوم يعرف نفسه؟ هل قام لا إله إلا الله؟ هل للا إله إلا الله عنده بها واقع على أي مستوى من الإدراك؟ هل علم في نفسه عِلما من الله القائم على كل نفس، أن الله بعيد عن نفسه وعن نفوسِ خَلقه؟
نحن نعلم أن إنسانا منا علم أنه لا إله إلا الله دعا للدخول فيها ملجأ وحصنا للنجاة والخلاص، وهو الذي أشهرها وعَلمها، وهو الذي أقامها، ولمن طلبها هداها ووهبها، وبه رحمها، وبها رحمته، وقد قام بها ودخلها وأقام بها وأدخل فيها على ما فعل الرسل من قبله ومن بعـده، إن لا إله إلا الله مظلومة… إن لا إله إلا الله موءودة… إن لا إله إلا الله مفقودة… أين هي بربكم إن كان لكم ربا لاقيتموه في أنفسكم؟ أين هي لا إله إلا الله عند قائل بها، أو عند عالم عنها، أو عند حكيم يهديها، أو عند مدبر لأمر فيها، أو عند متعامل بأجر لدنياها، أو عند متاجر لنفع بأخراها، أو عند حاكم بعدل لمعناها، أو عند محكوم بإنصاف في بلاها، أو عند مستنجد بها من إجحاف بعد أن قـد قلاها، أو عند رافع بها لسوء وقد رضاها، أو عند مخاصم لأمر موبوء وقد والاها، أو عند متقٍ بها لخطر وقد رجاها، أو عند مستقص لخبر وقد ارتواها، أو عند مقتف لأثر وقد اهتداها؟
أين هي لا إله إلا الله، لأمة لا إله إلا الله، لأهل لا إله إلا الله؟ ولتكن منكم أمة، للا إله إلا الله، تدعو إلى الخير، وهو لا إله إلا الله، وتأمـر بالمعروف، وهو لا إله إلا الله، وتنهي عن المنكر من جحود لا إله إلا الله، يا أمة لا إله إلا الله، وسبة لا إله إلا الله!!!
هل ذكرتم أن أعدى عدوكم هو ما بين جنوبكم!! هل قدرتم أن الحياة بمظاهرها، في يد لا إله إلا الله، لذاكرها؟ وأنكم بلا إله إلا الله، عند من تسمونهم خصومكم، تساقون إلى لا إله إلا الله، لمن لا تعرفونه وجودكم!!
لو شاء ربك ما فعلوه… لو شاء ربك لأعطى كل نفس هداها… لو شاء ربك لهدى الناس جميعا، وإنه لهاديهم. هل تظن أنه لم يهدهم؟ {لا نسألك رزقا}[١] من عباد لنا {نحن نرزقك}[٢] ظلالا لك {والعاقبة للتقوى}[٣]. إن الله ألهم كل نفس هداها، وجعله في فجورها وتقواها.
كل نفس على صمد الوجود، لعين وجودها في قديم موجود لها، سواها، وبها من صنعها هي به صانعة نفسها، على صورة من قديمها تجلى القديم بالجديد له بها، خلقها وبه، لها، سواها فاجرة وذاكرة بحكمته لإرادته. {فألهمها فجورها وتقواها}[٤]… (اعملوا كل ميسر لما خلق له)[٥]، فكانت الحياة بقائمها لجماعها بوحدتها في معناها، قائم الحي القيوم لا شريك له لمجلاها.
إن السماوات وأرضها، وإن الأراضين وسماءها إنما هما وجودان في موجود واحد، للعلمية على وجود الموجِد لهما بقائمه بالظاهر والباطن له بهما في معراج لا يتناهى لقائم ومعنى الله للوجود المطلق اللانهائي ذاتا وروحا كثيفا ولطيفا.
إن الذي تزوج العديد من النساء، كان رجل الأرض بمعناه، وكانت زوجاته له لمعنى السماوات في معناه لمعناه (أمهات المؤمنين) ماما جي لبابا جي في فلسفة الهند، فهو رجل السماوات ومسيح الوجـود، وجماع أوادم الخلق لكوثره بذاته ومعناه عبدا وإنسانا ورجلا وأمة لله، فكيف لا يكون له زوجات للتعبير بما هو قائم عما فات، وعما هو قادم؟ إنه عبر عن موجود إنسان الحق بقائم إنسان الخلق لقائم عبده، عَلمَا على الأعلى لمعلوم ربه.
لكم يعلم، عند علمكم به بعلمكم عنكم، معلوم عينه لكم، يوم تصدقون الإدراك لأنفسكم، بأن الله لكم لا شريك له منكم يوم يقوم فيكم بنوره ساريا في المؤمنين بالله ورسوله، روح قدسه، فيسجد بكم لربه فيكم، لا فرق بينكم وبينه. (يحل روح القدس بكم فتأتون أفعالي)[٦]، فكيف يكون الحال لمحمد في تقديركم حتى تزعموه في مغايرة مع ربه شركا به؟ وهو مبعوث الحق إليكم بعد موت الخلق فيه لموت الخلق فيكم اقتداء به لتبعثوا به عين بعثه، بحقه لحقكم يوم تموتون باختياركم لربكم قبل أن تموتوا من كونكم، فهو الطريق المستقيم إلى الحـق لكم {ورجلا سَلما لرجل}[٧]… (ازرع كلمة الله في أرض ناسوتك)[٨]… (لا دينونة الآن على من دخل في قلب يسوع)[٩]… {ولمـا ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون}[١٠]، واختاروا حكامهم آلهة لهم.
فهل ذكرتموه لكم دائما، بكم قائما، وبسابق قيوما، وبلاحق قادما؟ هل ذكرتموه لكم أبوتكم تكبرونها، وبنوتكم تعشقونها، وأنانيتكم ترعونها، وأخوتكم تحبونها وتحرصون عليها، بقائم العبد له والوجه منه لكم، فتعشقون الله، وتحبون الله ما عشقتم الحياة؟ هو أقرب إليكم من حبل الوريد بالحياة لكم، وكلما عرفتم أنانيتكم في معارجها بأطوارها لألوانها، وأنها ليست إلا جلباب الحياة، وأن الحياة ليست اللباس والقمص ولكنها الحقائق، وما في اللباس يتقمص، إنها اللباب والقلوب، وما فيها يتواجد، تظهرها النفوس لمعاني الخلق، وتبعث بها القلوب لمعاني حقية العبد لقائم الرب.
إن الذي اسمه الله إنما هو أنتم، أما الله الذي ذكرتم يوم عنيتم الحق والحقيقة فلا اسم له… إنه واجب الوجود، لوجودكم المسمى بالله، وبالله أكبر عبدا لله، فأنتم وجوه واجب الوجود لكم بأسمائه الحسنى، يوم تقومون بالإحسان، فتحسنون إلى أنفسكم، كما أحسن الحق إليكم، فتحسنون إلى الناس، ليكونوا بكم منكم، ولتكونوا بهم فيهم، فتعلمون المعاني، لله، قائمة، مقامة في قائمكم وما تقيمون لمعانيكم، تعرفون كيف أنكم، خالق وما خلق، وصانع وما صنع، في رفيق أعلى لكم صنع، وبكم تجلى فتواجد فصنع من أعلى له، وهو الأعلى لكم، {خلق فسوى}[١١]، {وقدر فهدى}[١٢].
إنكم تنطقون ألفاظ التبليغ كما ينطقها الحاكي، أو كما يرددها المسجل تماما، أو كما ينقلها الراديو أو التلفزيون. سبح، اسم ربك الذي خلق… هل تأملت أن الذي خلق يطلب منك أن تكبره، وأن تذكره، وفي نفسك لا تقبره، فعليك في نفسك أن تذكره ففيها تنشره، إنه أنت يا إنسان، لربوبيتك لإنسان، مَثَّله لك عندك أبوك، فكنت بمعرفتك العنـوان معروفك بأبيك، طلبا له وقياما به، ابن الإنسان وقد أتيت له وآب لك؟ (من جاءني مشيا جئته هرولة)[١٣]… (أنا في الآب والآب فيَّ)[١٤].
سبح اسم ربك الذي خلق، فما خلقك إلا لنفسه، {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}[١٥]… إلا ليعبدوا ويهيئوا أنفسهم لنفسي فأظهر بهم وجوها لي… خلقتك لنفسي، ولتصنع على عيني… من الذي تحدث إلى موسـى؟ إنه ربه الذي خلق… إنه أبوته من الروح لقيوم الحياة على قائمها به، هو الذي خلق ولنفسه ولقيام ذاته وعينه من جبال ومادة الأرض حية به خلقه.
وما كان موسى إلا أنت، وما كنت في حقيقة محمد حقا لله إلا خالقك يوم تخلق نفسك بنفسك، فتعرف نفسك بنفسك يوم تعرفك للأعلى عبـدا، أعلمك به محمد، وعلمك عنه محمد، ووصلك به محمد، فكنت مع الذي خلق فسوى، فكنت مع الذي خلق خالقك الذي خلقك لنفسه، وولدا وصلك، وأبا ناديته فحضنك.
يوم تذكر اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى، سوى ما خلقك عليه خالقك بخالقك، سوى بينك وبينه، يوم تذكر أيها المخلوق الخالق، الخالق الأعلى، وتعرفه بوصفه الذي خلق فسوى، فسوى بينك وبين خالقك مخلوقا مثلك، فقال معلمك وقدوتك إلى الحقيقة لنفسك أنا حبيب الرحمن، أنا خليل الرحمن، أنا مؤمن بمن هو وأنا لمن خلقنا وقد جدد خلقنا أخوان، أنا ومن خلقني إنسانان، وأنا ومن هو من خلقي لله وجهان، في أعلى من إنسان، وأعلى من عنوان، {إن ربي على صراط مستقيم}[١٦]، كنت وخالقي عند جديدي به له العنوان، وكنا فيه للأعلى الوجهان، وجه مظاهري، ووجه يظهر بظاهري، ويطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى الذات. {هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[١٧].
سبحان الله، إن الله لا يعرف من لا يعرفه، وإن الله لا يشرف بلقاء من لا يشرفه بقيام… إن الله لا يعرف من عدده… إن الله لا يتعارف لمن يسجد له… إن الله لا يعرف من يسجد له… إن الله ليس فيه ساجد وليس فيه مسجود له… إن الله هو الله، على ما هو الله، فكيف تشتتونه، وتقطعونه أوصالا، وتزعمونه بأحدكم لكم مثالا؟
إن المثال بأحدكم إنما هو لرسول الله قدوة لاقتدائكم في متابعته، فأنتم حتى على رسول الله في دوام تجابهون وتستكبرون، وبه تكفرون، وعطية من الله إليكم لا تقبلون، وفي دوام عليه تنكرون، وتزعمون أنكم المؤمنون المفردون. إنكم يوم تعرفون أنكم ما آمنتم، فإنكم باب الإيمان تطرقون، وإلى قيام حقي بالله ورسوله لأنفسكم تحققون، كلمات تامة متوفاة إلى الله ترفعون وإلى حضرته تضافون.
لا تحزنوا على فقدانكم له فيكم وبينكم، فإنكم في يومكم إن تذكرتم أنكم فاقدوه، فإنكم بتذكركم يوما ملاقوه ومحصلوه. لا تتابعوا من يلهون به، ومن يعبثون باسمه، ومن يخدعون الناس بذكره، حتى يطربوهم بحديثه ويلهوهم عن التواصي بالحق عنه فيهم وبينهم استغناءً عنـه. إن الذي يسعدكم به إنما هو الذي يحزنكم عنكم فيفتح لكم باب الكسب له، فهو الحق لكم من الله.
أمة مذنبة ورب غفور… (بئس العشـيرة أنتم لعشيركم)[١٨]… صدق رسول الله، بئس العشيرة في كل زمان… بئس العشيرة في كل مكان. كلما ظهر لهم بينهم إنسان، أو ابن الإنسان، أنكروه وجحدوه وعلى أنفسهم منعوه، وعند أنفسهم بفعلهم حرموه، ما قاموه، بل أنكروه، بل خالفوه ما أطاعوه، وظاهروه وبأقفيتهم جابهوه ما تابعوه. وباسم الإيمان كفروه، وما زالوا يكفروه، يوم يكفرون الله في أنفسهم، فيسجدون الله لعبده من طغاتهم، ولا يدركون أنهم بفعلهم المارقون، وأنهم بمسلكهم الفاسقون، وليسوا الطائعين، وليسوا المكرمين… كيف تكون مكرما ولا تكرم في قلبك رب العالمين؟ كيف تسجده لوثن من طين؟ وكيف تذكره وهو الباقي في جلابيب الهالكين؟ كيف تعبّد نفسك للفانين، وفي قلبك الباقي في كل وقت وحين؟ في قلبك الله فكيف تسجد به لغيره؟
إن الله لا يعرف لك إلا فيك، وكذلك في السماء لأهلها، وكذلك في الأدنى، في إيمانهم به في الأعلى… إن الله لا يعرف للجان إلا في نفسه يوم يؤمن مع كلمات الله من الإنسان، ولا يعرف للإنسان إلا في نفسه يوم يؤمن الإنسان بالإنسان… ولا يعرف للملك إلا في نفسه يوم يستجيب لداعي الرحمن بالإنسان… إن الله لا يعرف لعالم النور إلا في نفسه، يوم يحتضن نشأة الظلام لقائم الإنسان للرحمن في قلبه.
إن الله لا يعرف للإنسان من البشر إلا في نفسه يوم يشرق نور الله في مشكاة صدره، فيشعل سراج قلبه، فتشرق شمس وجوده على قائمها في أرض قلبه… الشمس عليه دليل عند نفسه من نفسه يوم يقرأ كتاب الله من حوله بآياته، مرآة المؤمن عند مبناه لقائم معناه، فيعرفه بالله في الله، ليس له في وجوده لموجوده مثيل، في فردوس نفسه لنفسه.
إن الذي انعكس بصره في بصيرته فرأى من لا شيء مثله، ما رأى، إلا أنه في موجوده بوجوده، لنفسه، لمشاهدته، ليس هناك شيء مثله، فقال ما عرفني غير ربى، وكيف أعرف لغير ربى؟ ويوم تعرفون ربى، كما عرفت، تحيطون بأنفسكم، على ما أحطت، فتجدوني في أنفسكم عين شرفكم فتعرفوني، وعن أنفسكم لا تفرقوني، ونفسي عنكم لا تفرقوني، فإن الله لكم بي على ما لي به من الأعلى.
أنا والأعلى وإياكم أحد واحد، وأقنوم لأقانيم في قيام واحد… توحيد من تعديد، وتعديد من توحيد… فأنا وإياكم لا فرق بين معناي ومعناكـم، لا لموصوف العبد ولا لموصوف الرب، يوم تكونون أربابا تعرفوني ربا، ويوم تكونون عبادا تعرفوني عبدا، ويوم تكونون آلهة تعرفوني إلها، ويوم تكونون حقائق تعرفوني حقا، لا فرق بيني وبينكم في مطلق الوجود لمعنى اللـــــــــــــــــــــــــه.
إن مذكور الله كما هو لي وهو لكم، وإن معلوم الله لعلمي، إنما هو علمه ينتظركم، فاتبعوني يحببكم وأنا أولى بكم منكم.
لا تقولوا إنا نقول إن محمدا هو إلهنا… هو ربنا… لا… ما قال هو ذلك، ولكن محمدا قال لنا، عنا، أنتم عباد، يوم تريدون أن تكونوا عبادا، وأنتم أرباب يوم تريدون أنتم أن تكونوا أربابا… وأنتم آلهة يوم تريدون أن تكونوا آلهة، عندما تعرفون ناموس الحياة، وناموس الوجود، فتنزهون الله وتكبرونه، وتقربون الله وتقدرونه، وتقومون بالله وتوحدونه، وتعددون أسماء ووجوه الله وتكثرونه، فتتجلون الله وتتواجدونه (كن كيف شئت فإني كيفما تكون أكون)[١٩]… {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله}[٢٠].
هذه هي فلسفة القرآن، وهذه هي فلسفة الإسلام، وهذه هي رسالة محمد… الناس في فلسفته سواسية كأسنان المشط في تمام ظاهرهم لتمام باطنهم لهم في وحدتهم، الناس خلقة الرحمن يوم يتوفاهم لمراد الله بهم لنفسه، وهل في خلق الرحمن من تفاوت؟
الناس في سموهم وتساميهم وجوه الرحمن، وهل بين وجوه الرحمن تنافر، أم بين وجوه الرحمن تآلف وتحالف، وتعارف، وتواد، وتواجد، وإشراق، وتجلي، وعمل، ومنح، وإمساك؟ {في مقعد صدق عند مليك مقتدر}[٢١]، لا في مقاعد البهتان عند ملوك لا يملكون لأنفسهم أمرا.
إن الرحمن، هو جماع وجوه الله، وما كان الرحمن إلا الأعلى لمحمد، كان به وجه الرحمن بينكم… وما كان الرحيم إلا الأعلى لمحمد… كان به وجه الرحيم بينكم… وما كان اسم الله لمحمد، إلا الأعلى كان به اسم الله إليكم وبينكم… وما كان الأعلى لمحمد، إلا يد الله، كانها إليكم فكان يد الله عندكم. {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم}[٢٢].
فهل امتدت أيمانكم ليده عندكم؟ كلتا يديه يمين، ولكنكم مددتم شمائلكم وأمسكتم أيمانكم، وأنتم أهل الأيمان والشمائل… أنتم فيكم يجتمع الشمال واليمين… أنتم فيكم يجتمع الإيمان والكفر… أنتم فيكم يجتمع الظلام والنور… أنتم فيكم يجتمع العدم والحياة… أنتم فيكم يجتمع الشكر والندم.
فهل أيمانكم مددتم؟ أم أنكم بشمائلكم أقدمتم، فأمسكتم بالدنيا وعليها بالنواجز عضضتم، والآخرة ملك أيمانكم تركتم؟ لو أنكم بأيديكم، إلى يده مددتم فتلاقيتم وتعارفتم، وتصافحتم، فصفح الأعلى عنكم، بمن جعله سفينة الخلاص لكم، وبمن جعله طريق الإخلاص بينكم، وبمن جعله رحمة للجنة والناس عندكم، وبمن جعله معرفة للملائكة والجان بقائم الحق بالإنسان، لحقائق الإنسان بالرحمن، لحقائق الديان… لحقائق الرحمن، لكانت الدنيا والآخرة لكم بقائم الله لقيامكم.
هل قدرتم رسول الله حق قدره ولم يرتفع بكم إلى مراد الله لكم، خلقكم لنفسه ولتصنعوا على عينه؟ {وما خلقت الجن والإنس، إلا ليعبدون}[٢٣]، فهل هيأتم مفاهيمكم، وحضرتم قلوبكم، وحررتم عقولكم، حتى تحققوا لأنفسكم ما أراد خالقكم بكم والأعلى… ما أراد المطلق لكم، قدّر فهدى، ولم يؤتكم الرسول كفلين من رحمته!
إنكم لا تهتدون إلى الحق ما لم ينبع الهدى منكم إليكم… إنكم لا تعرفون الله، إلا يوم تعرفون أنكم به قيام، فتخلقون أنفسكم، وهو الخالق لنفسه بكم يوم تذكرونه، فيتواجد ذكره في قلوبكم. (ازرع كلمة الله في أرض ناسوتك)[٢٤]… (إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد، وإن جلاؤها لذكر الله)[٢٥].
لستم في حاجة إلى كثير مما بين أيديكم من كتاب الله، ومن أحاديث رسول الله، ولو أنكم اكتفيتم بشهادة لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وعنها فرعتم معرفتكم، واقتفيتم آثار الفكر ينطلق منكم، لارتد بصركم إليكم، فرأيتموكم قائم لا إله إلا الله، وقائم محمد رسول الله.
هذا هو دينكم، تسمعونه في شهركم، وترددونه في شهوركم، وتتجددونه في أيامكم، فتعرفون الله يوم تعرفوكم، وتقدرون الله يوم تقدروكم، فلا تهلكوا أنفسكم بالغفلة عنه في الغفلة عنكم، وانتفعوا بشهركم هذا، صياما عما دونه.
اذكروه في آناء الليل، وأطراف النهار، لمعاني أحوالكم فيه، وصلته بكم، ولا تغفلوا عنه في كل وقت وحين في الغفلة عن جوانيكم ببرانيكم، في قائم أمركم به له لمعناكم عند مبناكم، حتى تجلى قلوبكم، وحتى تزرعوا كلمة الله يوم تعرفونها لأئمتكم، وتشهدونها وجه الله لحضرتكم، وتؤمنون بها لحي قبلتكم، فتبعثون بها قائم الحق لقيومه في أرض نفوسكم، في جديد وحي أرضكم بقلوبكم، فتتكون منكم أمة بحقائقها تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهي عن المنكر، وتؤمن بالله قائم قيامها.
أمة محمد يقوم بعثا بالحق فيها جديده الدائم بحقه القائم بالداعي إلى الله منها لنفسها، قبلة جمعها، والجمع قبلته، قياما للناس بقائم الكعبة البيت الحرام والشهر الحرام، الأمر الموجود بها لحسها، في موجودها به قائم الحق لها ونصب القبلة عندها، أمة وسطا وخير الأمم، لأمر وسط وخير الأمور، لأمر قائميها، بقائمها فيها في نور الحياة لها.
أمة تشهد أنه لا إله إلا الله، الحي القيوم… تدعو إليه، وترحم به، وتدفع عداوة النفس وأشرار الخلق بقدرته، بما أودع فيها من عزته… لا عزة السيف والمدفع، ولكن عزة القلب وقدرته على أن يدفع، عزة القضاء والقدر… عزة العلم والخبر.
تأملوا في أحداث الحياة حولكم ومعكم، لقد كانت بريطانيا العظمى وفرنسا الكبرى مع إسرائيل في سنة ١٩٥٦، وها هما في ١٩٦٧… سبحان المغير… إن الذي غير إنجلترا، والذي غير فرنسا، يستطيع أن يغيـر أمريكا، ويستطيع أيضا أن يغير إسرائيل، ويستطيع أن يحل الوئام محل الخصام… وأن يمحو آية الحرب ويعلي آية السلام.
هل رفعتم علم الحب، ولم يعمل الحب قدرته ويظهر خطورته؟ إن سيف الحب أمضى من سيف البغض. {ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة، كأنه ولي حميم}[٢٦]… هل أصلحتم أنفسكم لله، يا أمة الله؟ وهل أصلحتم نفوسكم بمفرداتكم لله، يا عباد الله، ولم يصلح الله لكم دنياكم؟ ما وعدكم الله بأخراكم، دون دنياكم… جعل دنياكم مزرعة لآخرتكم، فإن أصلحتم أمركم في قائمكم، ما عرفتم لوجودكم إلا جنتان، وما عرفتم لحقكم إلا أخرييان، وما قمتم بخلقكم إلا دنييان، دنيا سعادة وخير، إلى دنيا سعادة وخير… وأخرى في قائمكم لقبل وبعد، كانت لقديم لكم، هي له الأخرى، وهي القادم بإياب هي له الأخرى، في قائمه لمعنى دنياه، فما كانت الدنيا والأخرى عند الأمة الوسط، إلا في موجودها بها لهما، دنيا وأخرى، بقائم بين قديم وقادم. {علمت نفس ما قدمت وأخرت}[٢٧].
إن القائم على كل نفس بما كسبت، السعادة في قيامه على النفس بكسبها له وفقدانها لها، والشقاوة في فقدان النفس، لقائمها بها لقيامها له.
وما عذابي سوى حجابي.:. وما نعيمي سوى وصالي
الكل عندي جنـة خلـد.:.ما دمت في حضرة الرجال[٢٨]
سواك رجلا… جعلك رجلا رشيدا… أليس فيكم من رجل رشيد؟ لو اجتمع جنكم وإنسكم على الرجل الرشيد، وأعطى كلا منكم مسألته، ما نقص من ملكه شيء، وما زاد في ملكه شيء… إنه هكذا يريد، وإنه هكذا يفعل، وإنه في دوام فاعل.
هل بحثتم بينكم عن الرجل الرشيد، ذي الرأي السديد؟ لا… إنكم دائما تتجمعون على هبل… على المهابيل… على من هبلتهم الدنيا بأرغفتها، وبسياراتها، وبطياراتها، وما للدنيا خلق الله المؤمنين… وما للدنيا خلق الرحمن العباد… وما للدنيا تواجد بالله الأمر الوسط، والأمة الوسط.
ولكنه للأمر الوسط، وللأمة الوسط، وللعباد للرحمن، خلق الله السماوات والأرض، وخلق الأمر الوسط والأمة الوسط، لنفسه، تعرفه، في أمم خلت وله كسبت، وأمم تأتى، هي عليها بما خلت وله كسبت على ما عرفت، لتكون على مثالها يوم تخلو من حالها، وتكسب كسبها، أمة تؤمن بالله حقا، وتعرفه صدقا، ولا تجادل فيه إلا بالتي هي أحسن، من الأمر الحسن بقائم الأمر الوسط، كتاب العلم والمعرفة… والخلق الحسن في القيام والمعاملة.
الله، عندها لها، في لا إله إلا الله، والله أكبر… الله، هديته إليها، بحقه منه، لحقيقتها به، في مشاهدتها لشهادتها، قائم محمد رسول اللـه، في رسالة لا تحتجب أبدا، ولا تغيب أبدا، ولا تجحد أبدا، على ما كانت قديما وأزلا، وعلى ما تتجدد في قائمه سرمدا.
رسالته يكسب خيرها ويجني ثمرتها، الرجل السعيد مع الرجل الرشيد فلنفسه يقاوم، ويهذب، ويغير ويجاهد، وبالباطل فيها عليها ينكر لمعنى قائمه، ولها يجحد لمعنى مسالمه لدائمه، فيبعث بالله وجها له وقياما لرسوله لاسم حقه، وقائم جوده، وجها لربه… في مرآة شهوده لرسول الله بحقه في قلبه، وفي قائم قالبه، لقائم خلقه ومعنى حقه.
إن الذي يقول إنه نفذ إلى قلوب العباد فرأى الحق فيها كذب، فما إلى قلوبهم نفذ، حتى تسجد لهذه الهياكل من التراب، إن الذي ينفذ إلى قلوب العباد، إنما هو من يجد هذه القلوب في قلبه، فيعليها لربه… يوم يعلم أنه ليس معه في حال من مغايرة، وأنه له، وليس غيره ولا لغيره. هذا ما جاء به دين الإسلام، وهذا هو ما أريد بأمره وهديه، {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن}[٢٩]، من قائم الحق بجمعكم جماع معارجكم في قائم أمركم أمة وسطا قائم القديم والقادم لمعارج الإنسان إلى منشوده من السمو بالحق في نفسه لقائمه.
لا تقولوا يا يسوع يا رب، ولا تقولوا يا محمد يا رب، ولكن قل يا يسوع يا أنا… يا محمد يا أنا… يا الله يا أنا… يا من لا أنت فيك، ولا هو، يا من كلنا أناك، وكلنا قيام بمعناك… لا إله إلا أنت، لا شريك لك، هذه هي شهادة لا إله إلا الله، وشهادة محمد رسول الله، وهو لأهل الكتاب يوم يتخذون أحبارهم ورهبانهم أربابا بالله والمسيح عيسى بن مريم لا من دون الله ورسوله.
ها أنتم في هذه الجماعة، وفي هذه القبلة، وفي هذه الدار، وفي هذه القيامـة، وفي هذه السلامة، وفي هذا الخلاص من اللوم والندامة، تتواصون بالحق، وتتواصون بالصبر، فهلا صدقتم مع أنفسكم؟
أنا لا أطلب إليكم أن تصدقوا معي، لا ولا أن تصدقوا مع الله، ليس هذا في طاقتكم، وليس هذا ما تحمّلون بدينكم، ولكني أطلب إليكم راجيا وبإلحاح أن تصدقوا مع أنفسكم، بينكم وبين أنفسكم… (استفت قلبك وإن أفتوك وإن أفتوك)[٣٠]، أطلب إليكم أن تتشككوا في أنفسكم… أطلب إليكم أن لا تأمنوا إلى أنفسكم… أطلب إليكم أن لا تزعموا الغناء بأنفسكم، ولكن اعلموا الفقر لأنفسكم إلى من خلقكم لأول معارجكم في هـذه الكرة لسلالة أطواركم من الطين لتمام بشريتكم، لأول مراقيكم في معراج الروح إلى بعثكم بحقائقكم في سلالة من ماء مهين.
سبحوا اسم الله، قائم رسول الله، لقائمكم… باب الأعلى وطريق اللانهائي لسعادتكم، لا يغيب بينكم، وفي غد يتواجد عندكم، فلا تقصروه على أحدكم، ولكن إن علمتموه بيقين أحدكم، فاستمسكوا بمن عرفتم، واستمروا في متابعته لتطوركم، وليس معنى هذا أنكم لا تستمعون لصوت الله، من مصادره هو لعلمكم من وراء كل نفس بإحاطته، فاستمعوا له كلما ذكر الله من أي ذاكر له.
استمعوا بقلوبكم، لا تستمعوا بآذانكم… وانظروا إلى الناس ببصائركم، ولا تنظروا بعقولكم، إن نظرتكم بعيونكم فالناس جميعا هم الشيطان، وإن نظرتم بقلوبكم ميزتم بين الشيطان والرحمن في مجتمعكم، ولا تنظروا نظرة البلهاء، يوم ترون أنفسكم في مراياها بالناس، آية لكم، ليقظة النفس بالحق فيكم، لمهدها بكم، فترون في الناس حالكم لموقوتكم بانفعالاتكم بفعلكم في مجاهداتكم، فتذل قدمكم في أوحال التوحيد عن صحبة مرشدكم.
ليس من الفلاحة والنصاحة أن تسجد لكل إنسان، فإنك حيوان مع حيوان، وجماد مع جماد، وليس هكذا يكون السجود… السجود يوم يكون لك حياة ووجود… يوم تحيا بمن عرفت، تشهده في قلبك، وتحفظه في سرك، ولا تفضحه في جهرك، حتى لنفسك.
إن الله لا يحب السفاهة ولا المهاترة ولا الابتزال، لا تكذبوا على أنفسكم بينكم وبين أنفسكم، يصدقكم الله وعده، ويكشف لكم علمه ورشده، ويقوّم فيكم الطريق، ويعرفكم من يكون الحبيب ومن يكون الصديق.
الكل هبل، فإن كنت من عباده، فإنك لا تميز بين رفيق ورفيق، من منهم العدو ومن منهم الصديق؟ إن الناس يتجمعون على الحق، يوم يعرفون لهم نواة للحق، لا يتجاوزونها، يعرفونها في قلوبهم وفي أنفسهم.
يقولون إنهم في كل الناس يشهدونها، هذا سخف، وهذا كذب، وهذا جهل من خدعة النفس، إن قائم الحق لا يتواجد إلا في قلوب صادقة، قامت وبعثت بالحق.
إن الله… هو الحياة وهو في كل الناس وفي كل الكائنات، حركة الحياة بأمانتها لهم… إنه في الشيطان كما هو في الرحمن على حد سواء، ولكن الله لم يطلبني لله، لأكونه أو ليكونني، ولكن طلبني للحياة معارة منه لتكون لي، يوم أتخلى عني بعدمي، فكيف أكون أنا الله، في جماع الناس مرآة لي، فأشهده فيهم علي حد سواء؟ هذا لي يوم أكـون عين معناه بمعناي في قائم عملي والناس جميعا، بظالمهم، وعالمهم هم أبنائي أنا، ونفسي أنا، (لحمتي مني وإن نتنت والعرق مني وإن مال)[٣١]، فكيف استكبر على الله، وأقول إني عرفته في الناس… بظاهر الناس؟ هذا سخف وهذا كذب. {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا}[٣٢].
متى كان لك الله؟ متى عرفت الله؟ أنت لم تعرف بعد رسول الله! أنت لم تعرف بعد صحابيا لرسول الله! أنت لم تعرف بعد مؤمنا لتكون أنت مؤمنا ومرآة لمؤمن! فالعارف هو عين من عرف. هب أنك أنا… هل أنا أسجد لعموم الناس؟ أمامك أنا أتأدب بـأدب الرسول مع الناس، حديثا وفعلا. فكيف تسجدني للناس باسمي ورسمي لك، وتزعمني برسمي وباسمي عند النعال، وأنا فوق الرؤوس، وتمثل طريقي، وتكون صديقي!
أنا لا أعرفك، ورسول الله لا يعرفك، والله لا يعرفك… إنك مع نفسك… إنك مع شيطانك… ما هكذا يكون السجود لله… إن السجود لله إنما هو في عدم الاعتراض على حكمته… عدم الاعتراض على قدرته… عدم المصارعة مع قدرته… مع التأمل في قائمه بحكمته.
ليس سجودا أن تسجد للغفير، كما تسجد للأمير، هناك فرق بينهما! إن تحية الغفير أن تمنحه من رفدك، وتحية الأمير أن لا ترفض ما يمنحك من رفده… إنك بعملك تكون في معية قبلتك ومن أهل من تسجد له. إن سجدت للأمير فأنت من أهله، وإن أنت سجدت للغفير فأنت من دركه.
إن الله ما طلب منك، وما أمرك أن تسجد للأمير أو الغفير، أو أن تسجد لغنى أو لفقير، إنما الله أمرك بالسجود له، لا شريك له، لا من غني، ولا من فقير، ولا من أمير أو غفير، فلا شريك له حتى من نفسك، يوم تعرفه، يوم بأنواره يشرفك فتشرفه، فتكون إنسانا له وعبدا له.
إن العبد لله… هو جماع أسماء الله وصفات الله، فليس الشأن أن تعرف الاسم الأعظم لفظا أو إنسانا تلقاه، ولكن الشأن أن تكون أنت الاسم الأعظم بمعناه، يوم تعرفه لرسول الله، وتقومه به يوم تلقاه. {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان}[٣٣]… ونعم الاسم (المؤمن مرآة المؤمن)[٣٤].
ها أنتم في أيامكم هذه يثقل عليكم الله بوطأة يده، ليذكركم بدينه حتى تفارقوا دينكم، وتغيروا ما بأنفسكم، إلى قيام بأمره لكم، ولن يكشـف الغمة عن الأرض ولا عن بلدكم إلا ما غيرتم ما بكم، حتى ولا عن الأمة التي نسبت نفسها إلى رسول الله، جهلا وادعاء، وبلاهة، وإن قبلها رسول الله، على حالها، سيدا وربا غفورا، وإلها قادرا عظيما، سماحة ورحمة.
إن الله من رحمته بها يشتد بوطأته عليها، حتى تفيق، حتى تستيقظ، حتى تحقق الناموس، ويتواجد في البشرية، أمة تدعو إلى الخيـر. وها أنتم تسمعون الدعوة إلى الخير من السماء والأرض، من الروح والذات، من العبد والرب، من الشهادة والغيب، تدعوكم الحقيقة في هذا العصر، في هذا المصر وفي كل مصر، من وراء حجاب الوسطاء، ووحيا تدعوكم إلى السلام، وتدعوكم إلى السلم، وتدعوكم إلى الأمان، وتدعوكم إلى الأمن، وتدعوكم إلى الكرامة والعزة، لا في الخنجر والحسام، ولا في المدفع والخصام، ولكن بالقلوب تحيا، وبعمل القلوب يدفع الله عن الذين آمنوا، وبتسخير النفوس بتوجيهه يدافع الله عن الذين آمنوا.
دعوا القوم بجمعهم في شأنهم وأمرهم مسخرين، واحرصوا عليكم في قلوبكم بالله فرحين. فنحن لا نطلب هنا لجمعنا عددا أكثر من عددكم، هذا يكفي للبنات بيت لله، فلا نريد المزيد من اللبنات، ولكن نريد في هذا الجمع الذي لا يعنينا المزيد عليه، أن يتطور جمعنا في نفسـه، وأن تتجمع القلوب لا القوالب التي نريد أن تتلاشى في التطور إلى كائن أكبر فأكبر، بأن تتآلف هذه النفوس، يوم أن تتلاقى هذه العقول على أمر موحد إلى غاية واحدة، بأن تتواجد بحق هذه الذوات، وأن تتغير بحق هذه القلوب، بأن تنبعث بما لها من حقائق، وأن تنفعل بما فيها من قدرة، فيصبح فيكم فرض كفاية لرحمة البشرية جميعا، مزوية لكم الأرض بينكم كلكم ظلاله.
لو أنكم بهذا فعلتم وبه قمتم، لكشف الله الغمة عن الأرض جميعا، ولنشر السلام على أرضكم، ولسلمكم بقدرته من أعدائكم، ولغير النفوس من حولكم على ما شهدتم، من تغيير النفوس ممن كانوا في محالفة عدوكم، وعلى ما غير من أجهزة الوعي في بلدكم إلى القول بقولكم.
فهلا إلى الله رجعتم؟ وكلمته في أرض ناسوتكم زرعتم؟ وقلوبكم بذكر الله جلوتم؟ فتواءمتم وتعارفتم وتحاببتم واتحدتم؟ هذا هو مراد الله برسالته بكم، تنتصرون له فيكم، ففي الناس ينشركم وفي الأرض يثبت أقدامكم على ما منه وعدتم وبآبائكم أخلفتم.
إن عليكم مسئولية كبرى أمام الله وأمام الناس، فإن حديثا تسمعونه هنا لا يسمع في مكان آخر، وإن صوتا يرفع هنا لا يرفع في بيت آخر، وإن علما وعلما يقوم هنا لا يعلم ولا يلاقى في مجال آخر.
أنتم بؤرة الحياة للأرض الآن لعصركم… إنكم مركز الحياة للأرض الآن من إحاطتها بوصلة عوالم الروح من حولها وفيها… إن السماوات لا تنظر في نظرها إلى أهل الأرض إلا إليكم ومن يلوذ بكم، ولا تتواجد في القلوب إلا عندكم ومن تمتدون فيه بنوركم، ولا تسفر عنها إلا منكم ومن قمتم فيه بروحكم، فارجعوا إلى الله بكلكم على ما هديتم سموا بمراقيكم وعروجا بمعانيكم، إلى اللانهائي برسول الله بالروح والذات يواليكم ويدانيكم، حتى يمكنكم أن تكونوا أمة خير تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتؤمن بالله.
اسألوا الله معكم أن يتم لكم بنوره أنواركم، وأن يحقق لكم فيكم معانيكم لمعناه بكم لتحقيق آمالكم فيكم… واسألوا رسول الله أن يفنيكم عنكم إليه لتفنوا فيمن فنى هو فيه ولتبقوا بمن بقي به، لا تفرقون بين الله ورسوله، ولا بينكم وبين رسول الله إليكم بذاته وظلاله، لروحه ومعانيه، في قائم كوثره بكم لقائم مبانيه ومجاليه، إيمانا وحبا… لا تزعمونكم مفنوه إلى قيامكم، ولكنكم تعتقدونه فانين عنكم إلى قيامه، على ما فنى هو إلى قيام ربه الفاني في الأعلى والأعلى إلى اللانهائي لا شريك له.
فما أفنى الرسول ربه إلى قيامه، ولكن أفنى قائمه بنفسه إلى قائمه بربه قائم وقيوم أمره. فقام بيننا حقا لا يفنى ولا يغيب ولا يظهـر ولا يحتجب، وقال لنا (من رآني فقد رآني حقا، فإن الشـيطان لا يتمثل بي)[٣٥]… (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[٣٦]، إن الشيطان لا يرتضيني لنفسه، إنـه يعتز بنفسه… إن الشيطان لا يريد أن يلغي أناه مع أناي، ولا أن يتواجد لمعناه بمعناي على ما فعلت مع معلمي وربي قائما لقدوتي على صراط مستقيم.
إن الشيطان لا يتمثل بي، والناس بماديهم كلهم هذا الشيطان، (كلكم لآدم وآدم من تراب)[٣٧]، ويزعمون لأنفسهم غيب الرحمن وهم ما آمنوا بروح الأرواح، أو تجردوا من قائم الأشباح، فلا تكونوا من عامة الناس، وانطووا على أنفسكم، واكتموا أمركم حتى تنضج قوالبكم وتبعث بالحق قلوبكم.
فلا تتحدثوا بما لم تعرفوا، ولا تهرفوا بعلم عن طريق نقل، أو عن طريق وهم، حتى ما أقول لكم لا ترددوا عني، ولكن تحدثوا منكم، بما يقوم فيكم، وهذا الذي تسمعون مني هو لكم، ولو صدقتم معي، لظهر منكم، نبعا من قلوبكم، وفيضا من عقولكم.
صدقوني، يصدقكم الله وعده إليكم، ويصدقكم الرسول قيامه بكم، فلست بينكم إلا مسلما من مسلمين وعبدا من عابدين، الرسول لهم جماع هم به في ربه على اجتماع في مطلق الوجود لله في دائمه باتساع. لا تكبروني عنكم ولكن اعلموني منكم يوم أنتم لله معي، وتواضعوا لله فاعلموكم مني، تواضعا لله تحية منكم ردا لتحيتي لكم، يوم تصدقوني معي فتروني لكم معكم بمن هو معي من الروح لشهودكم في قائم وجودي ووجودكم.
لن يكون ربي لكم إلا إذا صدقتم أنتم مع أنفسكم، بينكم وبين أنفسكم، إن الله لا ينظر إلى أقوالكم، وصوركم، ولكن الله ينظر إلى قلوبكـم وأعمالكم… إن الله لا ينظر إلى الساجدين للسيارات، والعابثين في الطرقات، إنها قلوب غافلة، لم تصبح حتى لرسول الله من بعـد ناقلة، إنها مع نفسها، إنها مع كبريائها… إنها مع دينها الذي تريد أن تفرضه، وما دينا لله عرفته، على نفسها بالحق فرضته، وبالصدق قامته، وبالاستقامة مارسته.
ارجعوا إلى الله في أنفسكم، واستمعوا لما تسمعون مني واستقبلوه، بآذان واعية، وبنفوس راجفة، وبعقول متحررة، وبقلوب لربها فاقرة، لرحمته مفتقرة… لا تزعموكم علمتم مهما وهمتم من علم.
تعلمون وتعلمون عندما تأتي سكرة الموت بالحق الذي عنه على تفاوت تحيدون، وفي معراج به ترتقون، أما الآن فلا، الآن مطلوب منكم أن تموتوا قبل أن تموتوا، الموتة الأولى، وأنتم ترفضون… الآن مطلوب منكم أن لا تتمسكوا بأناكم وأنتم بأناكم تتمسكون… الآن مطلوب منكم أن تفتقروا إلى الهو، وأنتم عنه تستغنون، إن فعلتم، فإنكم إلى معارج الموت تتعشقون، والموتة بعد الموتة تطلبون.
استمعوا لهذا الكلام، وادخلوا معي في هذا السلام، تعرفون الله لكم، هل فعلتم ولم تعرفوا؟ هل تابعتم ولم تشهدوا؟ إنكم على الله تستكبرن، وبه معيتكم تهزأون، وبنفوسكم لنفسه تستهزئون.
إذا ظهرت لأحدكم آية لا تتفق مع ما يعقل، يقول إني أريد أن أحافظ على عقلي… أنا لا أريد أن أخبل… لا أريد أن أكون مجنونا… لا يريـد أن يكون عند الناس كرسول الله عندهم، قالوا مجنون وازدجر… يخشى أن يوصف من الجاهلين مجنونا، وعلى أبواب الجنون في الله سجد العقل.
كيف تعرفون الله قبل أن تشهدوه؟ إنه مشهود ولكنكم لا تعرفونه، فإذا كشف عنكم أغطيتكم لتعلموه، استكبرتم وبجهلكم أنكرتموه، أفكلما جاءكم رسول من أنفسكم بما لا تهوى نفوسكم، استكبرتم، ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون… وقلما برسول للحق تؤمنون!
ها أنا أعاني معكم وأعاني منكم… منذ أيام كشفت الطريق معانيها لغلام من بينكم، فرأى ما تعلمنا نحن منه، فقلت له أملِ ما رأيـت لأخيك مصطفي الوزان، فأملاه، فكان إنجيلا بمعناه، فإذا هو بعد أسابيع، جاء إلى مصطفي وأخذ منه ما أملاه ومزقه، وقال أريد أن أحتفظ بعقلي، هذه أمور لا تعقل، لا شأن لي بكم. ومتي كان الإيمان خاضعـا لسلطان النفس بعيدة عن العقل الرباني! {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان}[٣٨].
فلا إن أظهرت الطريق آمن الناس؟ وإن كتمت الطريق استعجل الناس؟ وإن أبرزت الطريق مرق الناس؟ وإن علمت الطريق حرّف الناس؟ هكذا كان الناس مع رسول الله… وهكذا هم معه ما زالوا على ما كانوا.
{يا حسرة على العباد، ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون}[٣٩]، {فاصفح الصفح الجميل}[٤٠]… {فذكر إن نفعت الذكرى، سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى}[٤١]، إنه الناموس، إن يوم الفصل منفصل عن يوم التبليغ {إن يوم الفصل كان ميقاتا[٤٢]… للطاغين مآبا لابثين فيه أحقابا[٤٣]}، إنه يوم برسالة.
نسأل الله لنا ولكم السلامة في الصغير والكبير من شأننا، ونسأل الله أن يكشف الغمة عن أنفسنا، وأن يكشف الغمة عن بلدنا، وأن يكشف الغمة عن أمتنا، وأن يكشف الغمة عن الأرض جميعا، وأن يكشف الغمة عن الناس، وأن يرزقنا السلامة، وأن يرزقنا المحبة والوئام، وأن يجنبنا المخاصمة والخصومة والخصام، والحرب والنـزاع، والتناحر والاندفاع، بحسن معرفته وسكينة رحمته، وإشـراق أنواره في مشكاة صدورنا، وفيض روحه على عقولنا، حتى ندرك فيه أمرنا، وحتى نعيش في جنة أنفسنا، جنة من جنانه، وحتى نتخلص من النار مبرزة لقاليه ولمعانيه ولمخاصميه بدارها على ما نحن فيه، في قائم وجودنا، ومحنة جهلنا، وكنود وعنت تجاهلنا.
نسأل الله ذلك لنا حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، معلمين ومتعلمين، مجاهدين ومتابعين، عاملين وقاعدين برحمته مع رسول الله للعالمين، قائما وقيامة إلى يوم الدين، لا إله إلا الله ولا معبود سواه قائم الحياة والصـــــــــــــــــــــــلاة.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة طه - ١٣٢ ↩︎
سورة طه - ١٣٢ ↩︎
سورة طه - ١٣٢ ↩︎
سورة الشمس-٨ ↩︎
حديث شريف: "ما مِنكُم مِن نَفْسٍ إلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، فَلِمَ نَعْمَلُ؟ أَفلا نَتَّكِلُ؟ قالَ: لَا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بالحُسْنَى}، إلى قَوْلِهِ {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} {الليل: ٥ – ١٠}. الراوي: الإمام علي بن أبي طالب. صحيح مسلم ↩︎
استلهاما من: " وَأَمَّا ٱلْمُعَزِّي، ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ، ٱلَّذِي سَيُرْسِلُهُ ٱلْآبُ بِٱسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ." يُوحَنَّا ١٤:٢٦ ↩︎
سورة الزمر - ٢٩ ↩︎
استلهاما من تعاليم السيد المسيح وهو يدعو حوارييه أن يزرعوا “الكلمة” أي كلمة الله، أي المسيح في أرض ذواتهم. ↩︎
“إِذًا لَا شَيْءَ مِنَ ٱلدَّيْنُونَةِ ٱلْآنَ عَلَى ٱلَّذِينَ هُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، ٱلسَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ ٱلرُّوحِ. لِأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ ٱلْحَيَاةِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ ٱلْخَطِيَّةِ وَٱلْمَوْتِ”. رُومِيَةَ ٨:١-٢ ↩︎
سورة الزخرف - ٥٧ ↩︎
سورة الأعلى - ٢ ↩︎
سورة الأعلى ٣ ↩︎
من حديث قدسي أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة: “أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة”. ↩︎
من إنجيل يوحنا: “أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟ الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ.” (يو ١٤: ١٠). ↩︎
سورة الذاريات - ٥٦ ↩︎
سورة هود - ٥٦ ↩︎
سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎
حديث شريف: “بئس عشيرةُ النَّبيِّ كنتم لنبيِّكم، كذَّبتموني وصدَّقني النَّاسُ، وأخرجتموني وآواني النَّاسُ، وقاتلتموني ونصرني النَّاسُ، فبئس عشيرةُ النَّبيِّ كنتم لنبيِّكم”. ورد في تفسير ابن كثير، للآية ٧٩ من سورة الأعراف، {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِين}، إشارة لقوم النبي صالح عليه السلام، ثم ذكر هذا الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم. كذلك جاء في السيرة النبوية لابن هشام، نقلا عن ابن اسحق، في حديث سيدنا محمد لأهل القليب. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الانسان -٣٠ ↩︎
سورة القمر - ٥٥ ↩︎
سورة الفتح - ١٠ ↩︎
سورة الذاريات- ٥٦ ↩︎
استلهاما من تعاليم السيد المسيح وهو يدعو حوارييه أن يزرعوا “الكلمة” أي كلمة الله، أي المسيح في أرض ذواتهم. ↩︎
معنى هذا الحديث الشريف جاء بأكثر من صيغة: " إنَّ هذه القلوبَ تصدأُ كما يصدأُ الحديدُ، قيل: يا رسولَ اللهِ فما جلاؤُها؟ قال: قراءةُ القرآنِ." أخرجه ابن عدي في ((الكامل في الضعفاء))، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء))، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) باختلاف يسير. و "إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد إذا أصابه الماء، قيل: يا رسول الله وما جلاؤها؟ قال: كثرة ذكر الموت، وتلاوة القرآن. أخرجه الخرائطي في ((اعتلال القلوب))، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)). كما أخرجه البيهقي، والطبراني، والديلمي، بلفظ: “إن للقلوب صدأ كصدأ النحاس وجلاؤها الاستغفار.”. ↩︎
سورة فصلت - ٣٤ ↩︎
سورة الانفطار - ٥ ↩︎
من الأناشيد الصوفية المأثورة. ↩︎
سورة العنكبوت - ٤٦ ↩︎
من الحديث الشريف “استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك.” أخرجه أحمد بن حنبل والدارمي. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن فهم معناها ومغزاها من السياق. ↩︎
سورة الكهف - ٢٨ ↩︎
سورة الحجرات -١١ ↩︎
حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف، ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎
حديث شريف: “كلكم بنو آدم وآدم خُلق من تراب.” أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد ↩︎
سورة الحجرات -١١ ↩︎
سورة يس - ٣٠ ↩︎
سورة الحجر - ٨٥ ↩︎
سورة الأعلى - ٩:١١ ↩︎
سورة النبأ - ١٧ ↩︎
سورة النبأ - ٢٢ و ٢٣ ↩︎